islamaumaroc

العلاقة بين المغرب والسودان على عهد المرينيين.

  ماجدة كريمي

العدد 269 ماي-أبريل 1988

كان الموضوع الذي اخترته مجالا لبحث أطروحتي يخض المبادلات التجارية بين المغرب والسودان الغربي على عهد المرينيين وذلك في الفترة الممتدة منم سنة 668 هـ إلى حدود سنة 759 هـ الموافق ل 1269م و 1358م.
وقد وددت بالبحث في هذا الموضوع ملء ركن من ملف العلاقات بين المغرب والسودان الغربي، هذا الملف الذي لا يزال في حاجة كبيرة لمن يملأ أركانا أخرى منه.
فعلا، لم يبرز اهتمام بالقارة السمراء: تاريخها، حضارتها، اقتصادها إلا في الآونة الأخيرة، وقد برز خاصة بين صفوف الباحثين الإنجليز والألمان والفرنسيين وذلك لما أتاحت لهم فرصة استعمار مختلف أجزاء الجنوب الإفريقي من الاطلاع عن كثب على تلك المجتمعات بما تحمله بين كياتها من تاريخ عريق وحضارة قديمة.
وإذا كان الأوروبيون قد سبقونا في كشف الستار عن تاريخ جنوب فارتنا فه مهدوا لنا الطريق للبحث في العلاقات بين شرقي إفريقيا نظرا لما قدموه من دراسات متعددة، فبقي لنا أن نتابع الطريق وتعمل على توضيح ما غمض من علاقاتنا بإفريقيا جنوب الصحراء: اتنيا، دبلوماسيا، حضاريا، واقتصاديا.
فمن هذه الزاوية انصب اهتمامي على المبادلات التجارية التي ربطت المغرب بالسودان الغربي حيث شكلت التجارة الوسيلة الرئيسية التي شملت الطرفين في إطار علاقات موطدة بينما جاءت التأثيرات الحضارية والثقافية مسايرة لذلك النشاط التجاري.
وقد خصصت مجال بحثي أكثر، حينما اقتصرت على عهد المرينيين وبالضبط فترة الاستقرار السياسية والتي تحددت حسب المؤرخين من سنة 668 هـ إلى حدود سنة 759 هـ. فهي من جهة تمثل عهد عودة التجارة الصحراوية إلى سابق نشاطها وحيويتها بعد أن كانت قد عرفت ركودا ملحوظا اثر انهيار الإمبراطورية الموحدية، ومن جهة أخرى تمثل هذه الفترة نهاية الوساطة المغربية بين جنوب إفريقيا وجنوب أوروبا ذلك أنه في نهاية القرن 14 م سوف تتخطى ممالك أوروبا الجنوبية بلاد المغرب لتصل مباشرة إلى أهم مراكز التجارية بالسودان الغربي.
ولعل ما قدمته لنا مختلف المصادر وخاصة منها كتب الرحلة والجغرافيين التي تعد ركيزة لكل باحث في حقل الإفريقيات مثل: البكري – الإدريسي – أبو حامد الغرناطي – أبو الفداء – ابن بطوطة – الحميري – الحسن الوزان..وغيرهم، وكذا الدراسات القيمة لكل من "بادل دافيدسون وديلافوس، وبونين وماماي ريمون وميمي جاك وجام دوفيس" وغيرهم.
لعل كل ما قدمته لنا هذه الكتابات كان خير مساعد لي على الإحاطة بجوانب الموضوع، هذا الموضوع الذي جعلني أخوض غمار البحث في علاقات تجارية ربطت ثلاث كتل جيوسياسية متباينة جغرافيا واقتصاديا واجتماعيا وحضاريا وأعني بها إفريقيا الشمالية – إفريقيا الجنوبية ثم أوروبا الجنوبية هذا دون إغفال النطاق الصحراوي الذي شكل المعبر الأساسي الذي نهجه تجار إفريقيا الشمالية لبلوغ بلد الذهب.
ومن هنا كان علي البحث في المقومات الاقتصادية لكل نطاق على حدة حتى أتمكن من رصد الخيوط الرفيعة التي ربطت تلك الكتل الجيوسياسة في إطار تجارة موحدة.
-يما يخض الصحراء، وقد يبدو لأول وهلة أنها تشكل إقليم فصل وليس إقليم وصل، شكلت على العكس الخط الواصل بين الأقطار المتاخمة لها شمالا وجنوبا. فهي وإن كانت تتميز بارتفاع حرارتها وعواصفها الرملية وقلة أبارها وحيوانتها المفترسة وكذا انتشار الأمراض المميتة بها فلم تكن أبدا عائقا يحول دون رحيل التجار المغاربة.
فاعتبارها المعبر الوحيد لبلوغ بلاد السودان – ذلك أنه لم يقع الاتصال لها عبر المحيط الأطلسي إلا بعد أن تم كشف رأس بوجدور من طرف البرتغاليين سنة 1434م، - عمل الرحالة على التكيف مع ظروفها الطبيعية.
- فحددوا فترة بداية السفر في فصل الخريف ويليه فصل الشتاء الذي يقضونه ببلاد السودان على أن تكون العودة إلى المغرب في أواخر هذا الفصل إذ بذل يصادفون المراعي والماء المتوفر في طريقهم مما يخفف من وطأة الرحلة. وعلى هذا فهم يصلون المغرب قبل انتهاء فصل الربيع.
- وإلى جانب هذا انتقوا من الحيوانات تلك التي تتحمل قساوة الظروف الطبيعية وهو الجمل ليكون الوسيلة الأساسية للتنقل عبر الصحراء بل ويكون حيلة يستدركون بها بعض الوقت ذلك أنه لما لا يعثر الرحالة على آبار يضطرون لنحر جمالهم وشرب الماء الموجود في بطونها مما يسمح لهم بالسير بعض الوقت إلى أن يصلوا إلى الأماكن التي توفر على الماء.
- هذا ونظموا الوظائف داخل القافلة الراحلة فكانت وظيفة "الدليل" أو "المرشد" أو "الخبير" عمادها نظرا للمهام الصعبة التي أنيطت به. فقد كان عليه قيادة القافلة إلى أن تبلغ أو مدينة سودانية ثم معالجة المرضى من المسافرين والفصل بين المتخاصمين منهم، والأهم من هذا القيام بالمفاوضات اللازمة مع القبائل العربية المتواجدة بالتخوم الصحراوية.
- وإلى جانب هذا عمل الرحالة على التكيف مع الظروف البشرية المتواجدة بالنطاق الصحراوي مقر تواجد الطوارق والقبائل المعقلية. فيحكم معرفتهم بالموارد الطبيعية هناك كالآبار والمراعي ومعرفتهم بالمسالك المؤدية إلى بلاد السودان فرضوا الإتاوة على التجار الذين يجتازون تلك الأراضي مقابل ما يقدمونه لهم من مساعدة وحماية – ومن هناك حرص التجار على مصادقتهم بما يقدمونه لهم من مواد غذائية ومال.
خلاصة القول إنه إذا تحمل التجار المغاربة صعوبة الظروف الطبيعية والبشرية بالصحراء نظرا لكونها تشكل المعبر الوحيد لبلوغ بلاد السودان، فإن الإنتاج الصحراوي ليشكل السبب الثاني لتحمل التجار المغاربة أهوال السفر عبر تلك الفيافي.
فعلا فالصحراء بلاد التمور والحناء وتاسرغينت والملح.. وهذا جانب لا يمكن إغفاله، فبدونه يكون أثر الصحراء محدودا في تنشيط حركة التبادل. ولعل أهمية الصحراء تتمثل خاصة فيما تحتوي عليه ممن مناجم الملح إذا بها ممالح أوليل – تغازا ادجيل، ونحن نعلم م لهذه البضاعة من أهمية كبرى ببلاد السودان. فقد اعتبر الملح "سلعة عملة" يعطى مقابلها التبر وزنابوزن بل أن ملوك السودان كانوا يمنحون مقابل الملح أكير مما يمنحونه لأي سلعة أخرى مهما كانت قيمتها.
هذا ولا ننسى بعض المواد العطرية، التي تعد إنتاجا صحراويا مطلوبا لدى السودانيين كالفرقة وتاسرغينت فقد ورد عنه ابن بطوطة لم يكن المسافر إلى بلاد السودان يحتاج أخذ دنانير أو دارهم معه فكل ما يلزمه هو حمل قطع صغيرة من الملح وبعض النظم والتوابل كالقرفة وتاسرغينت.
والآن لننتقل إلى النطاق الثاني وأعني به إفريقيا الشمالية وبالأخص المغرب الأقصى حيث كان أكثر دول الشمال الإفريقي ارتباطا بالسودان الغربي.
وقبل تعداد معالم المقومات الاقتصادية لهذا النطاق أشير أنه لا يجب اعتبار المغرب بدلا اكتفى بدور الوساطة في نقل البضائع بين كل من السودان الغربي والمشرق وأوروبا بل إنه هو الآخر ساهم في حركة هذا النشاط التجاري ببضائعه ومنتجاته المحلية.
فقد كان خبر مزود لبلاد السودان ببعض المواد الغذائية التي تتحمل صعوبة الظروف الطبيعية مثل الحبوب التي اعتبرت أهم بضاعة يجني منها المغاربة أرباحا طائلة نظرا لغلائها المفرط, ولعل القيام بمسح جغرافي لمختلف المناطق الفلاحية بالمغرب ليقدم لنا دليلا قاطعا عما يزخر به هذا البلد من مواد وثروة حيوانية جد مطلوبة ببلاد السودان.
وأشير هنا أن المواد الفلاحية لم تكن البضاعة الوحيدة التي غزت بلاد السودان بل هناك المواد المصنعة كذلك وأهمها النسيج. فبعد أن انتشر الإسلام هناك بشكل واسع منذ ق 5 هـ/ق 11م وجد المغرب بالسودان الغربي سوقا رائجة لمنتوجاته. وقد كان لتوفره على المواد الخام اللازمة لهذه الصناعة من صوف وقطن وكتان وكذا الصباغات المستعملة في هذا الإطار من حناء وتكاوت وصمغ وقرمزية وزعفران وشب لتثبيت تلك الأصبغة بالمنسوجات، كان لكل هذا دور أساسي في أن يكون المغرب الممون الأول لبلاد السودان بالمنتوجات.
وحتى بعد أن بدت بوادر صناعة النسيج بالسودان العربي وذلك في القرن 8 هـ/ق 14 م كان المغرب يصدر إليه المواد الخام اللازمة لذلك من صوف وقطن.
وأخيرا شكلت المعادن رصيدا هاما من صادرات المغرب إلى بلاد السودان وأهمها النحاس وقد كان صمنه باهظا نظرا لقلته أولا وقبل كل شيء وثانيا لأنه كان يستعمل كعملة للتبادل التجاري داخل السودان الغربي، هذا وكان يستعمل لصناعة الحلي وصناعة تماثيل صغيرة لعبادتها.
أما الفضة وهي أفل أهمية من النحاس فإنها لم تكن تستخدم إلا لصناعة الحلين وأخيرا الحديد ثم المرجان الذي تنتجه مدينة سبتة وهو يصد إما كمادة خام أو مصنعة.
- أما فيما يخص النطاق الثالث وهو السودان الغربي، فإذا كانت الجلود اللمطية وجلود ماعز غدامس والعاج والصمغ تشكل قسطا لا بأس به من صادرات بلاد السودان نحو الشمال فإن مادة الذهب وتجارة الرقيق تبقى أهمها.
- فقد ظل السودان الغربي ما بين القرن 2 هـ و 9 هـ/وق 15 م الممون الرئيسي للمغرب فيما يخص مادة الذهب. فقد كان يزوده بكميات هائلة من هذا المعدن فلعب هذا الأخير دور الوسيط في نقله إلى أوروبا الجنوبية: وأشير هنا إلى أن هذه الوساطة لم تتأكد إلا مع بداية الطور الثاني من ق 5 هـ واستمرت إلى حدود ق 9 هـ وأعتمد في تحديدي لهذا التاريخ مواكبته فترة بداية اكتشاف أهم المناجم الذهبية بالسودان الغربي وأعني بها مناجم: يامبوك – روبي وأخيرا لوبي.
ولا يفوتني في هذا المجال ذكر ما كان لذهب السودان من دور طلائعي في تدعيم القطاع النقدي بالمغرب ذلك أن مراكز سك العملة اعتمدته في ضرب نقودها.
أما الرقيق، فإذا كانت هذه "البضاعة" (هذا المصطلح بين عارضتين) تحتل المكانة الثانية بعد الذهب نظرا لكون العبيد السود أبهظ ثمنا من أولائك الذي كان يحصل عليهم المغربي في حركاته الجهادية بالأندلس، فقد صارت تحتل مكانة أهم مع الحكم المريني نظرا للانتكاسة التي عرفتها السلطة المغربية في محاولاتها الجهادية بالأندلس.
وبهذا نجد العبيد السود قد صاروا يشكلون طبقة اجتماعية شاركت المغاربة في كل جانب من حياتهم. فمجدهم في بلاط الملوك وعلية القوم كما نجدهم محاربين في الجيش وفلاحين في الواحات الصحراوية وعمالا يستخرجون المعادن بل وتجارا يرأسون القوافل إذا ما نالوا ثقة رؤسائهم.
- وأخيرا ننتقل إلى أوروبا الجنوبية. وقد كان لا بد أن تشكل ركنا مهما من أركان التجارة الصحراوية قبل كل شيء بحكم الموقع الجغرافي. ذلك أن جنوب أوروبا يعد أول بقعة تطأها أرجل المغاربة بعد اجتياز البحر المتوسط، وثانيا لحكم الحاجة الماسة إلى بعض المواد الغذائية وأهمها الحبوب والأسماك والخيول..وكذا بعض المواد السودانية كالجلود والذهب والرقيق. ثالثا وأخيرا بحكم كون أوروبا الجنوبية مصدر الكثير من المنتجات المرغوب فيها ببلاد السودان وأهمها: المنتجات الزجاجية كالحلي والأساور والقلائد والمنتوجات والأغطية والنحاس.
- وفي هذا الباب أشير أنه إذا كانت أوروبا تحصل على الذهب من المغرب على شكل عملة فانه ما لبث أن اشتدت حاجتها إلى هذا المعدن كمادة خام لتقوم هي بنفسها بسك العملة وصناعة الحلي وتزيين المنسوجات الحريرية الرفيعة, فكان ذلك مواكبا للحكم المريني بالمغرب ومن هنا سعت كل من ممالك اسبانيا المسيحية والمدن الإيطالية وفرنسا واسبانيا الإسلامية إلى ربط علاقات الود والصداقة مع السلاطين الجدد, بل وأن التجار الأوروبيين الذين كانوا إلى حدود ق 7هـ/ق 13 م متمركزين بالموانئ المغربية بدأوا منذ القرن 8 هـ/ق 14 م يتسربون إلى داخل البلاد فوجدوا بمدينة فاس وسجلماسة وكذلك بلاد السودان. ومن هنا لم تعد أوروبا الجنوبية ترضى بالوساطة المغربية للحصول على الذهب فعملت على تخطيه لتصل مباشرة إلى السودان الغربي عبر المحيط الأطلسي. وقد تم لها ذلك بالفعل في ق 9 هـ/15 م بعد أن نجح البرتغاليون في اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح والسيطرة على السواحل الإفريقية.
- وهكذا وبعد القيام برصد لأهم المقومات الاقتصادية لكل هذه الأطراف يتضح لنا التكامل الاقتصادي الذي شمل القارة الإفريقية بشقيها شمالا وجنوبا وكذا جنوب القارة الأوروبية والنطاق الصحراوي في إطار تجارة موحدة. وبهذا يبقى إظهار هذا التكامل الاقتصادي وإبراز الوساطة المغربي الإشكالية الأساسية التي حاولت إبرازها طوال أطروحتي.
ولعل أهم ما عملت على إبرازه كذلك هو أن هذه التجارة الصحراوية كانت من الأهمية بمكان إذ درت على أصحابها الأموال الطائلة، وخير دليل على ذلك أن عنصرا اثنيا معروفا بميولاته التجارية شكل عنصرا رئيسيا من المستفيدين منها أعني به اليهود، فقد تواجد هذا العنصر الاثني بالتخوم الصحراوية منذ ق 3 هـ/ق 9م وذلك في كل من منبسط درعة وسوس وسجلماسة، بل أنه وجد بالسودان الغربي نفسه مثل بلاد لملم وناحية تونبكتو، وظل يستفيد من موارد هذه التجارة رغم عانى من اضطهاد عهد المرابطين وخاصة الموحدين وذلك إلى حدود ق 98 هـ/ق 15 م حيث عرفت التجارة الصحراوية تراجعا ملحوظا بعد أن تم اكتشاف فضة وذهب أمريكا.
كما أن العلاقات العدائية بين المرينيين وجيرانهم شرقا تشكل دليلا آخر على أهمية التجارة الصحراوية. فما الصراع المريني – العبد الوادي وكذا الصراع المريني – الحفصي إلا تنافسا حول احتكار المسالك التجارية المؤدية إلى بلاد السودان. فالصراع بين دول المغرب العربي تركز حول ثلاثة مراكز: سجلماسة – تلمسان – تونس، وكلها تشكل منافذ مهمة نحو الجنوب.
- ولا يفوتني في هذا الغرض أن أشير إلى نقطة أساسية تطلبت مني بابا بأكمله وأعني بها المسالك التجارية وما واكبها من نشاط عمراني وقيام مراكز حضرية. وتنقسم هذه المسالك إلى ثلاثة أقسام:
1- محور سجلماسة – شمال المغرب: وقد كان له أهمية كبرى في إيصال البضائع السودانية إلى كل من جنوب أوروبا وباقي دول المغرب العربي بل والمشرق، إذ كانت تنطلق من مدينة فاس عدة طرق: منها ما هو صوب سبتة فمضيق جبل طارق ثم جنوب أوروبا، ومنها ما هو صوب تلمسان فقسنطينة فالقيروان وغيرها عبر مضيق تازة.
2- محور سجلماسة – جنوب المغرب: وقوامه ثلاثة مسالك: مسلك سجلماسة – تول – أوليل/ملك سلجماسة – أودشغت – غانة/ملك سجلماسة – تغازا ولاتة.
ولعل فهم ما سجلته في هذا الإطار هو أن انتقال المسالك التجارية من الغرب إلى الشرق كان مواكبا لتغير السلطات الحاكمة وانتقال مراكزها السياسة ابتداء من غانة فمالي فصنغاي, بدليل أن انتعاش مسلك سجلماسة – نول أوليل وسجلماسة – أودغشت غانة كان مواكبا لازدهار امبراطورية غانة. كما أن انتعاش مسلك سجلماسة – تغازا ولاته كان مواكبا لازدهار إمبراطورية مالي.
أما بعد أن تألق نجم إمبراطورية صنغاي صارت المسالك التجارية نحو الشرق أكثر، فضارت تنطلق من تونبكتو وكاوو وكوكيا لتتصل بالشمال الإفريقي عبر توات ووركلة وكذلك عبر غات وغدامس.
3- مسالك التجارة داخل بلاد السودان: ورصدها من الأهمية بمكان لأن كثيرا من السلع السودانية كالذهب والرقيق لم تكن موجودة بالمراكز السودانية الواقعة شمالا، بل كانت هذه المراكز تلعب دور الوسيط في الربط بين أقصى المناطق السودانية المنتجة لتلك البضائع وبين المغرب.
ولعل أهم سمة للمسالك داخل بلاد السودان أنها تتجمع بنقطة واحدة هي غانة غربا لتبلغ صنغانة ومنها تتصل بجنوب المغرب ثم تتجه شرقا لتبلغ تامدكة ومنها تتصل بالقيروان عبر غدامس. وبهذا تبقى كل من غانة وصنغانة وتامدكة أهم نوافد السودان الغربي على إفريقيا الشمالية.
فمن خلال البحث في مختلف المسالك التجارية اتضح لي أن أهم المركز الحضرية سواء بالمغرب أو السودان الغربي وجدت على طلو تلك المسالك، مما يؤكد ظاهرة ارتباط ازدهار المدينة بأهمية القاعدة الاقتصادية وخاصة التجارة منها ومن هنا خصصت دراستي بالحواضر المغربية الآتية: سبتة – فاس – سجلماسة -: وهي تقع على طول محور سجلماسة – شمال المغرب. كما خصصت دراستي بالحواضر السودانية التالية: ولاتة – مالي – تكدا – تونبكتو – حتى، وهي أشهر الأسواق السودانية التي كانت تقام بها المبادلات – المغربية –السودانية.
أظن أنني قد وضعت من خلال هذا العرض الإشكالية التي حاولت تحليلها في ثنايا الأطروحة, وقبل الانتهاء أود أن أذكر بعض المصاعب التي واجهتني وقد تحددت في أربع نقط:
1 – صعوبة معالجة موضوع اقتصادي وخاصة في العصر الوسيط حيث لم أجد أحدا من المؤرخين تطرق لهذا الموضوع بعينه بل كنت أجد المعلومات الاقتصادية مبعثرة بين ثنايا أحداث سياسية واجتماعية.
2- قلة المراجع المهتمة بهذا الموضوع أن لم أقل انعدامها, وبهذا كنت مضطرة للتنقل بين جامعة السربون وla bibliothèque des langues et civilisation orientales centre des Etudes Africaines – بباريس – وقد حصلت بالفعل على مصادر ومراجع قيمة أثبتها بالبيبلوغرافيا.
3- قلى المعلومات عن التجارة المرفئية بالمصادر العربية مع العلم أنها تشكل الوجه الآخر للتجارة الصحراوية. ومن هنا كان لا بد من الرجوع إلى مصادر أوروبية. وحينما كان يتعذر على ذلك كنت أكتفي بالرجوع إلى المراجع التي اعتمدت تلك المصادر.
4- قلى المادة المصدرية فيما يخص بعض جوانب التجارة الصحراوية. وفي هذا الإطار أذكر مشكل انعدام دفاتر الحسابات حيث تثبت السلع وأسلوب البيع والشراء.
حقيقة أننا نعلم أن المقايضة واستعمال العملات قد شكلت الطريقة الأساسية للتبادل التجاري داخل السودان الغربي, وقد أعطيت عدة نماذج عن ذلك, مثل كانع التي تتعامل بالنحاس حسب ما ورد عند العمري، وكوغة وكوكو وتتعاملان بالودع حسب ما ورد عند ابن بطوطة. إلا أن السؤال يبقى مطروحا: وهو هل التاجر المغربي المتنقل بين مختلف المدن السودانية كان يضطر أن يأخذ معه كل هذه المواد وعندما يبلغ إحدى المدن يستعمل المادة المتعامل بها هناك أم أنه يكفيه أن يملك إحدى تلك المواد لاستعماله في أية مدينة سودانية كانت ويشتري بها أية بضاعة أراد ؟ !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here