islamaumaroc

الفتح المغربي لبلاد السودان.

  عبد الكريم كريم

العدد 269 ماي-أبريل 1988

بعـد سقوط الأندلس واستيلاء البرتغال والإسبان على معظم السواحل المغربية، انطلقت حركات الجهاد التي تعددت قواعدها بتعدد مراكز الاحتلال والتي أفسدت على الغزاة كل محاولة للتوغل داخل البلاد.
وازداد الشعور بالخطر عندما الملك البرتغالي(دون سباستيان) الجملة الصليبية التي انهزمــت بوادي المخازن يوم الاثنين 30 جمادى الأولى عام 896 هـ الموافق 4 غشت 1578.
وخلال الربع الأخير من القرن العاشر للهجرة ظل المغاربة حذرين من أي تحرك إسباني يستهدف الانتقام لهزيمة الحملة الصليبية في المخازن في المخازن أو التمركز في قواعد تهدد بلاد الإسلام وديار المسلمين في غربي إفريقيا وبلاد السودان التي تربطها بالمغرب علاقات دينية واقتصادية منذ قرون بعيدة.
وحرصا من المولى أحمد المنصور السعدي على تدعيم هذه الروابط وللحيلولة دون أي تهديد خارجي، سارع إلى بسط النفوذ على المنطقة الساحلية ما بين درعه ونهر السنغال عام 992 هـ / 1585 (وخاضوا القفر مع الساحل إلى السودان فوصلوا إليها من بعد الجهد لتسعين مرحلة متصلة من ثغور ممالك العرب القبلية…وكان الذي استجاب لهم ودان بالطاعة والانقياد من عرب الفلاة فقط وأممهم الذين ينتجعون الكلأ في مجالات القفر الممتد من ثغور المغرب القبلية إلى ممالك السودان بالجنوب نيفا وأربعين ألف خيمة)(1).
وبذلك حال المنصور دون أي تدخل للإسبان في بلاد السودان رغم احتلالهم لجزيرة (أرگان) القريبة من الرأس الأبيض ومصب نهر السنغال (… العساكر والأجناد التي جعلناها لنكاية عدو الدين بالمرصاد واعتدناها للذب عن كلمة الإسلام وحياطة البلاد والعباد)(2) أو القيام بأي تبشير مسيحـي
 ( ولما رأيناهم قد أتوا من الغواية… وتفاقم الأمر حتى … النزوع على دين النصرانية واستبدال الملـة التوحيدية بالملة التثليثية فوجهوا وفدا خاض من بلادهم بشج البحر إلى الإشبونة قاعدة برتغال من بلاد الكفر حتى أتوا منها بقسيسين يفقهونهم في دين الطاغوت وعقائد اللاهوت… فانقدح بذلك دين النصرانية فيمن يليهم انقداح النار حتى تفاقم الداء واستشرى ورجعت كلمة الإسلام في تلك الآفاق القهقرى…)(3) وتمتعت نتيجة لذلك بلاد السودان بالطمأنينة والسلام (وهي جنود الله التي لولا ما حجزت بينكم وبين طواغيت الشرك سيوفها القاصمة وضربت في وجـه الكفر دونكم بأسوارها العاصمة … لفاض عليكم طوفانه السائل وسال على أرضكم منه شؤبــوب هاطل. وكبحت عنكم عنان الكفر حتى نمتم في كفالتها آمنين وفي حياطتها وادعين مطمئنين.(4)
غير أن اضطراب الأوضاع الداخلية لدولة سنغاي الممتدة على الحوض الأوسط لنهر النيجر والمضاعفات الخطيرة التي ترتبت عنها في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (ثم بدلوا نعمة الله كفرا وما تركوا شيئا من معاصي الله تعالى إلا وارتكبوها جهرا)(5) جعلت أحوال السودانييــن تتصف (بالأحوال الذميمة والطبائع الرذيلة)(6) وإيامهم بأنها (أيام بؤس ومجاعة)،(7) وأصوات الاستغاثة وطلبات النجدة التي وصلت إلى المنصور وهو الاستغاثة وطلبات النجدة التي وصلت إلــى المنصور وهو الحريص على (لم شعث المسلمين ودعم دعائم الدين وتشييد معالم الجهاد وإخماد شـرر الكفر)(8) جعلته يرسل قوات عسكرية لإقرار الأمن والطمأنينة، وفي شهر جمادى الأولى 999 هـ الموافق لمارس 1591 م وصلت القوات المغربية إلى تومبوكتو وشرعت (في التمهيد وتسكين الشـارد وتأمين الطريد وخفض الجناح حتى اطمأنت النفـوس المستنة فـي مجال القلق واستقـرت الأفئــدة الجائشة).(9)
ومن الذين استقبلوا القوات المغربية استقبال الفاتحين قاضي القضاة بتومبوكتو عمر بن محمود بن عمر وخطيب جامع كاغو محمود رامي ( وتلقاهم الخطيب المذكور بالترحيب والإكرام واضافهم إضافة فاخرة كبيرة (10) وعدد كبير من الأمراء السودانيين (وكان ممن أنخذل عنه أخوه في نحو ثلاثمائة من إخوته ووجوه عساكره ورؤساء دولته … راسل أجناد المنصور ليصل يده بأيديهـــــــم. (11)
وعن عدالة الحكم المغربي للسودان يؤكد المؤرخ السوداني عبدا لرحمن السعيدي بأن أسلوب أغلبية المسئولين المغاربة كان محمودا:
فعندما أخذت الأوضاع تستقر ولو على بلاد السودان الاسكيا سليمان (وأكرم الباشا سليمان غاية الإكرام حتى جعله الاسكيا عليهم).(12) 
وقد كان الباشا منصور (رجلا مباركا عدلا ذا حكم شديد في الجيش وأمسك أيدي الظلمة والفسقة على المسلمين قصار يحبه الضعفاء والمساكين وببغضه الفسقة والظالمون).(13)
أما الباشا محمد طابع (فذو معرفة وذو رأي وتدبير).(14)
والباشا سليمان كان إذا همة عالية ورأي فائق وتدبير عجيب وحكم شديد وسار بذلك في الجيش كله. (15)
وعن القائد مامي المغرب ذكر السعيدي في تاريخه (ثم جاء القائد مامي إلى جني… وأصلح من أمور البلاد ما أصلح … ثم رجع القائد مامي لتومبوكتو وقد استقام الحال بحيث لم يبق في تلك الناحية ما يشوش البال والحمد لله الكبير المتعال).(16)
وهكذا ساد الأمن والاستقرار مجموع بلاد السودان وازدهرت بالتالي أحوالها الاقتصادية (وعن قريب إن شاء الله تعود تلك الأقطار تزهو على جلق وشط الفرات ويطير صيتها في الخصب فتمير القاصي والداني من أقاليم السودان.(17)
وبالفتح المغربي للسودان ( اجتمعت اليوم بحمد الله بانتظام هذه الممالك كلمة الإسلام وارتقى الأمر بحول الله إلى الكمال).(18)
و(الهمم الشريفة قد همت بتجديد الأسطول وكلفت بالاستكثار من المراكب الجهادية والآلات الحربية بما كان مولانا أمير المؤمنين أيده الله يؤمل من فتح جزيرة الأندلس وعبور البحر إليها بجنود الله وعساكر الإسلام لتجديد رسوم الإيمان بها وافتكاكها من أيد الكفر المتغلب عليها).(19)


1) عبد العزيز الفشتالي :  مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا . ص 80.
2) عبد الله كنون :  رسائل سعدية . ص 132.
3) مجموع مخطوط بالخزانة العامة بالرباط . ك 278 . ص 187.
4) رسائل سعدية . ص 132.
5) عبدا لرحمن السعيدي : تاريخ السودان، ص 135.
6) المصدر نفسه . ص 135.
7) نفس المصدر. ص 122.
8) المناهل . ص 133.
9) المناهل . ص 148.
10) تاريخ السودان، ص 141.
11) المناهل، ص 153.
12) المناهل ، ص 152.
13) تاريخ السودان . ص 177.
14) المصدر نفسه.
15) نفس المصدر. ص 190.
16) تاريخ السودان. ص 162.
17)   المناهل، ص 167.
18)   المناهل، ص 145.
19)   المناهل، ص 170.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here