islamaumaroc

كلمة عبد القادر فال وزير الثقافة والشؤون الدينية بالسنغال للجمع العام التأسيسي لرابطة علماء المغرب والسنغال.

  عبد القادر فال

العدد 269 ماي-أبريل 1988

قال الله تعالى في كتابه العزيز:
(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (سورة آل عمران – الآية 104)
لقد أبيت إلا أن ابتدئ خطابي بهذه الآية الكريمة من كتاب الله العزيز اقتناعا مني بكونها تبرز جليا أن المناسبة التي تجمعنا اليوم ليست حادثا عارضا ولا مجرد ما تنم عنه إرادة نخبة من الرجال ولكنها تندرج في سياق ما يريده الله من أمور وتعبر عن الامتثال لما شرعه الخالق الباري من شرائع وأحكام.
ولعل هذا كاف وحده لتبرير إحداث رابطة علماء المغرب والسنغال.
ولكن ألا يمكن أن نتساءل نحن المؤمنين عن أمر انتمائنا قبل اليوم إلى أمة واحدة عظيمة هي أمة الإسلام التي يجمع بين أفرادها الإيمان والقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؟ وهل من العدل، وهل من الموافق لروح الإسلام إحداث جمعية جديدة قد تعتبر أمة داخل أمة ومدعاة للتفرقة والانشقاق في عالم إسلامي بكيفية ما هو معرض له، وبالأسف، من التمزق والانحلال؟
وأبادر للإجابة على هذا السؤال بالنفي لأن مثل الأسرة التي تكون فيها الروابط بين الإخوة أكثر رصانة ومنانة منها بين سائر الأقارب الآخرين دون أن يضر ذلك بالوحدة العائلية بوجه عام كمثل الأمة الإسلامية التي لا تؤدي فيها أواصر الأخوة القائمة بين بعض الشعوب إلى تفرقة المسلمين بل إلى تعزيز وحدتهم وإرساء ما تقوم عليه من أسس ودعائم.
وهل هناك شعوب أكثر أخوة من الشعبين المغربي والسنغالي؟ فأنتم الذين بلغتمونا منذ آلف السنين كلام الله سبحانه وتعالى، ومن أراضي السنغال انطلقت تحت قيادة عبد الله ابن ياسين ثم يوسف ابن تاشفين حركة المرابطين التي استطاعت أن تبلور فترة من أشرق فترات الحضارة الإسلامية.
وهكذا نشأت بين شعبينا اللذين عاشا طوال مدة من الزمان داخل حدود مشتركة هذه الأخوة العريقة التي تثير انتباه أقل الملاحظين معرفة وإطلاعا مما يجعل رابطة علماء المغرب والسنغال تسير في اتجاه تاريخنا المشترك.
وأكثر من هذا، إذا فرضنا أن التاريخ لم ييسر إقامة هذه الروابط الأخوية بيننا فإن وجود رابطة العلماء يعد من باب الاستعجال والضرورة.
إننا نعيش في عالم تطبعه الحيرة والاضطراب عالم يتنكر فيه بعض المؤمنين لمبادئ وحدة الأمة فيشن بعضهم على بعض حروبا كلها إثم وشر لا تبقي ولا تذر، عالم تحدق به من كل جهة أخطار تهدد شبابنا ومجتمعنا وحضارتنا وتطغى فيه روح التخريب والمادية اللاأخلاقية وتسيطر فيه على النفوس الأطماع المغرضة والشهوات الجامحة ولا يعار فيه اهتمام للجهود، وما تقوم عليه من حتميات وواجبات. وكم من شباب وفتيان أغوتهم الملاهي والشهوات وانساقوا مع الأهواء والمحرمات فحادوا عن أبسط القواعد الإسلامية وزاغو عن أوضح المبادئ الدينية دون أن ينتبهوا في بعض الأحيان، إلى ما هم فاعلون أو إلى ما هم عليه مقبلون، إذ فسدت قلوبهم وعميت أبصارهم لكثرة ما يحيط بهم من رذائل وموبقات.
وأمام هذه الوضعية كيف يمكن التصرف؟ وكيف يمكن مواجهة الأخطار؟ وكيف يمكن أن نذكر أبناءنا وإخوتنا المهددين بهذه الأخطار بقول الله عز وجل :
(إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها). (سورة الإسراء ـ الآية 7)
( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ). (سورة الأعراف ـ الآية 200)
وفي القرآن كذلك أفضل جواب على هذه الأسئلة المحرجة :
(والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب). سورة آل عمران ـ الآية 7)
(وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما يتذكرون).(سورة غافر ـ الآية 58)
ومما لاشك فيه أن هاتين الآتين الآيتين توضحان النهج الذي ينبغي أن تسير عليه رابطتكم ومدى ما تستمده في عملها من روح القرآن الكريم.
فهي تجمع علماء شعبينا أي الراسخين في العلم وأولي الألباب الذين يذكرون. وهؤلاء الرجال الذين يتذكرون يجب عليهم رغم قلة عددهم، أو يوجهوا العميان ويشردوهم بفضل الله إلى الطريق السوي فيساهموا بذلك في تحقيق قوله عز من قائل: (وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم).(سورة الحج ـ الآية 54)
ولهذا فقد جئنا مع رجال أخلصوا الدين لله تعالى فاستطاعوا لما أوتوا من علوم القرآن الكريم والحديث الشريف أن يحتلوا الطليعة في بلادنا. وإنه لمن دواعي الفخر والاعتزاز أن ألاحظ أن المغرب اعتمد نفس المقاييس في اختيار رجاله وانتقاء علمائه. وإذا كان من الجائز تقليد خاتم الأنبياء المختار في خضوع ووقار استطاع كل رجل من هؤلاء الرجال الأفذاذ أن يقول: (قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين).(سورة الملك ـ الآية 26)
وإذا كان جميع هؤلاء العلماء ينتمون، على المستوى الإنساني، إلى نخبة الإسلام الروحية فإني استأذن هنا بسم رئيس الدولة فخامة الرئيس عبدو ضيوف وباسم الشعب السنغالي أن أحييهم بكل ما يليق بهم من احترام وتقدير وأن أشكرهم على حسن تفضلهم بالانضمام إلى هذه المبادرة المغربية التي أفضت إلى تأسيس رابطة علماء المغرب والسنغال.
   وإن كانت رابطة علماء المغرب والسنغال إسلامية بما تنبني عليه من قواعد وهياكل وما تضمه من أعضاء وأفراد فإن أهدافها مشبعة كذلك بروح الإسلام وما يدعو من أعمال صالحة وقيم سامية.
وأول هذه الأهداف أن رابطة علماء المغرب والسنغال نريد أن تنصب نفسها للرد على تحديات وأخطار العالم لحديث، فالرسول عليه الصلاة والسلام عندما دعانا إلى الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر وضح لنا الطريق المطلوب إتباعه والنهج القويم المرغوب في السير عليه، وإذا كان من واجب كل مسلم الدفاع عن الدين والمحافظة عليه والنهوض بشعائره والتمسك بأحكامه وتعاليمه، فإنكم أنتم بحكم علمكم وما تستطيعون القيام به من جهاد فعال مطوقون بهذا الواجب أكثر من غيركم في الحال والمـآل.
فإليكم توكل مهمة تربية وتكوين الشباب بتعليمهم وشرح كلام الله ودينه وتعاليمه إليهم، وها أنتم تبرهنون لهم بسلوككم أن الإسلام ليس متنافيا مع الحياة التي ينشدها رجل القرن العشرين. ولهذا يجب عليكم أن توضحوا لهم هذا التمييز الذي يريد بعضهم إقامته بين العلوم الدينية والعلوم الحديثة والتكنولوجيا قصد صرف الاهتمام إلى هذه العلوم الأخيرة دون علوم الدين، إنما هو خلف وهذر وعبث وهراء، فكيف يمكن أن يكون رجل العلم ملحدا كافرا إذا أن العلوم كلها تفضي إلى معرفة الله وأن كل اكتشاف علمه يعتبر حافزا جديدا وداعيا إضافيا للتأمل بإكبار وإجلال في عظمة الخالق وما يتسم به الخلق من تعقد وغنى وثراء؟
( يسبح لله ما في السموات وما في الأرض).(سورة التغابن ـ الآية 1)
كان بودي أن أقرأ سورة الرحمان الرائعة بكاملها وهي إحدى السور التي تتجلى فيها بكل بهاء وإجلال عظمة ورحمة الخالق الباري سبحانه وتعالى ولكني سأقتصر على التذكير بمطلعها :(الرحمان علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان).
وإذا كنت أرى أن عملكم لفائدة الشباب يجب أن يحظى بكل أسبقية وأولوية نظرا لكون الشباب هو إسلام الغد وكون العالم الإسلامي الذي نشهد تكونه ونشأته رهينا بما ستبذلونه من جهود حميدة وأعمال سديدة فإن ما رسمتموه لأنفسكم من أهداف وما تعتزمون تحقيقه من غايات لا تقل أهمية أو طموحا، وأذكر منها على سبيل البيان وليس على سبيل الحصر، الاهتمام بنهضة علمية إسلامية وبعث الثقافة العربية وإحياء التراث الإسلامي وبوجه خاص المحافظة على آثار المذهب المالكي ونشرها. ومما لا مراء فيه أن مثل هذه الأهداف تسير في اتجاه ما يعرفه الإسلام حاليا من نهضة تتجلى في العالم بإسره ولا سيما في قارتنا الإفريقية التي أخذت مسيرة الإسلام تخطو فيها منذ بضع عشرات السنين خطوات على الأمام بعزم أكيد وحرص شديد. ولا شك في أن تحقيقها سيضفي على هذه النهضة إشراقه مثل ما عرفته أزهى فترات تاريخ الحضارة الإسلامية.
وأود الآن أن ألح على هدف واحد من أهدافكم أعتبره أساسيا لأنه يتعلق في الواقع ببرنامج حقيقي يستنتج من اسم جمعيتكم «رابطة علماء المغرب والسنغال»، نعم يتعلق الأمير بتحقيق تعاون مثمر ومستمر بين علماء بلدينا في مختلف الميادين الإسلامية، ولا يخفى عليكم أن بين المغرب والسنغال تعاونا ثنائيا خاصا يبلور الوجه العصري للعلاقات العريقة التي كانت تجمع بين البلدين، وإذا كان هذا التعاون القائم في جميع الميادين الثقافية والاقتصادية والتربوية وغيرها مشبعا بالروح الإسلامية التي لا يخلو منها أي عمل إنساني في البلدان الإسلامية، فإنه يحتاج إلى ديناميكية روحية عميقة وغلى حوافز من شأنها أن تذكي شعلة الإسلام الوقادة وتبعث حيويته الوضاءة. ويعد الحرص على تقوية تعاوننا بهذه الديناميكية الروحية أحد الأهداف الأساسية التي يجب أن تسعى رابطة علماء المغرب والسنغال إلى تحقيقها. وبهذا سيتأتى تعزيز هذه الأخوة العريقة التي يعمل على تجسيدها وإبراز معالمها رئيسا الدولتين جلالة الحسن الثاني عاهل المملكة المغربية، وفخامة الرئيس عبدو ضيوف، رئيس الجمهورية السنغالية.
وإن أنس فلا أنسى أن أذكر هنا بما أبداه فخامة الرئيس عبدو ضيوف من موافقة عفوية ومساندة قوية لمبادرة تأسيس رابطة علماء المغرب والسنغال بمجرد الاطلاع عليها وتقدير مدى أهميتها.
ولخاتمة المطاف احتفظت بالتصدي لهدف أساسي يشمل جميع الأهداف الأخرى ويلخصها ويتوقف عليه تحقيقها أل وهو الدعوة إلى الله ونشر التعاليم الإسلامية الصحيحة التي يجب أن يقام على أساسها الصرح الروحي لشعبينا، ويتعلق الأمر بالعمل على أن يرجع إلى الله أولائك الذين وصفهم القرآن الكريم بالضالين والغافلين: (لهم قلوب لايفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون).(سورة الأعراف ـ الآية 179)
والغاية الكبرى التي يناط تحقيقها برابطة علماء المغرب والسنغال تتمثل في الحرص على أن يصبح هؤلاء الغافلون رجالا يتقربون إلى المثل العليا الإسلامية فيتحلون بفضائلها ويتمسكون بتعاليمها كما ورد تلخيصها في الآية 35 من سورة الأحزاب: الإسلام، والإيمان، والقنوت، والصدق، والخشوع، والتصدق، والصوم، وحفظ الفروج، وذكر الله.
ولا يخامرني شك في أنكم ستقومون بهذه المهمة على أكمل وجه بفضل الله سبحانه وتعالى وتحت القيادة النيرة للدكتور عبد الكبير العلوي المد غري وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في المملكة المغربية. ولا يفوتني هنا أن أحيي هذه الشخصية المؤمنة الصادقة باسم رئيس دولة السنغال، فخامة الرئيس عبدو ضيوف وحكومته الموقرة.
وقبل الختام، أريد أن أشير إلى ما نصبو إليه من مطامح وما نعقده من آمال وما نقتنع به من حقائق فيما يتعلق برابطة علماء المغرب والسنغال.
إننا نطمح في أن تكون جميع الطوائف الإسلامية السنغالية وجميع الطوائف والهيئات الإسلامية المغربية ممثلة في حظيرة رابطتكم.
ثم إننا نأمل أن يتكرر مثل هذا اللقاء الذي يجمعنا اليوم سواء في المغرب أو السنغال وأن تكون رابطة علماء المغرب والسنغال حاضرة في جميع تظاهراتنا الدينية الكبرى.
وختاما فإننا مقتنعون كل الاقتناع بأن أعمالكم ستفضي ليس فقط على اتخاذ قرارات ذات طابع ديني صرف غالبا ما يقع تقلبها من غير جهد أو عناء ولكن إلى قرارات واقعية ملموسة تهدف على توطيد أركان الأمة وتعزيز أواصر الأخوة بين شعبينا على غرار ما يجمع بين رئيسي دولتينا، كما تهدف إلى إقامة الصرح الروحي لشعبي البلدين حتى يهديهما الله الرحمان الرحيم إلى الصراط السوي المستقيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here