islamaumaroc

خطاب فخامة الرئيس عبدو ضيوف رئيس جمهورية السنغال في افتتاح مؤتمر رابطة علماء المغرب والسنغال.

  عبدو ضيوف

العدد 269 ماي-أبريل 1988

افتتحت بقاعة المعرض بدكار أشغال المؤتمر الأول لرابطة علماء المغرب والسينغال
للصداقة والتعاون الإسلامي تحت الرئاسة الفعلية للرئيس السينغالي عبدو ضيوف.. وقد ألقى الرئيس عبدو ضيوف خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، التي حضرهـا على الخصوص أعضاء الحكومة السينغالية«البرلمان» والسلك الدبلوماسي الإسلامــي المعتمد بدكار، ومن ضمنهم سفير صاحب الجلالة بدكار، وشخصيات إسلامية أخرى
… كلمة شكر فيها جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله على المبادرة التي اتخذها جلالته
  لإنشاء رابطة تجمع بين علماء المغرب والسينغال..
وقبل كلمة السيد الرئيس ألقى إبراهيم جرب، الكاتب العام للرابطة كلمة حيـا  فيها جلالة الملك الحسن الثاني والرئيس عبدو ضيوف عن الجهود التي يبذلانها لرفع رايـة الإسلام، والوقوف دفاعا ضد الزور والبهتان الذي قد يلحق يتعاليم الإسلام…
قال فخامة الرئيس:

أصحاب المعالي
أصحاب السعادة
أصحاب الفضيلة العلماء
 لقد استطاع التاريخ أن يقيم بين المملكة المغربية والسنغال علاقات ووشائج ثقافية متينة عزز جانبها ووطد دعائمها امتزاج بين شعبيهما يعود تاريخه إلى ألف سنة وزيادة، مما يضفي صبغة خاصة على هذا الحدث الهام الذي يجمعكم اليوم في دكار. ولعل إلقاء نظرة على الماضي يمكننا من إدراك عمق دلالة هذا اللقاء الذي لا يمتري اثنان في أنه يدخل التاريخ من بابه الواسع.وهذا بالذات ما يحملنا على تقدير أهميته والاعتزاز بأهدافه ومراميه.
ويكفي أن يبحث الإنسان في تاريخ الإسلام ليلاحظ أن المؤرخين في العلوم ينظرون إلى القرن الرابع الهجري ( القرن الحادي عشر الميلادي ) باعتباره مرحلة أساسية لتطور الفكر الذي أسهم بفضل الإسلام في ازدهار إحدى الحركات العلمية الأكثر حيوية وفاعلية التي عرفها التاريخ. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على ما يحتله العلم في الإسلام من مكانة رفيعة ودرجة مرموقة فـي حياة الإنسان سواء بالقياس إلى صلته بربه وتعامله مع بني جلدته أو إلى علاقاته بطبيعة بيئته.
وبما أن الإنسان لا يستطيع القيام بواجباته الثقافية على أحسن وجه وأكمله إلا بفضل العلم والمعرفة فإن الإسلام الذي أرمى قواعد التفقه في المجال العقلي بالدعوة إلى التفكير العلمي أدخل مهمة البحث والاستقصاء والدراسة والاستقراء في حكم فريضة من فرائضه الأكيــدة ودعامة من دعائمه الوطيدة.
وفي هذا الصدد قال نبينا المختار المقدام عليه أفضل لصلوات وأزكى السلام :
« طلب العلم عبادة »
« اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد »
ولم يكتف صلى اله عليه وسلم بإبراز أهمية العلم والمعرفة في الدنيا والآخرة بل ذهب إلى أكثر من ذلك إذ قال : « التفكير في العلم يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام ».
 وإذا كانت تنمية الطاقة الفكرية قد أدت إلى ازدهار في مجال العقل عززه ما يتشبث به الرسول عليه الصلاة والسلام من فكرة قوامها أن الحكمة لله وأن من الواجب البحث عنها ولو في الصين فإن هذا التفتق يسر الحصول على تراث علمي هام لا تحصى منافعه ولا تعد مزاياه. وهذا من الدواعي الرئيسية والحوافز الأساسية التي اضطر معها الغرب في القرون الوسطى أن يختار من المسلمين أساتذة مرموقين بدلا من اليونانين ولا سيما في ميدان العلوم الطبيعية.
وتأكيدا لهذا المنظور في طلب العلم والنور وفي توسيع دائرة الأخوة الإسلامية عبر العصور قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ( إنـما المؤمنون إخوة ).
على أن بعض الخلافات في الآراء سرعان ما أخذت تظهر لتؤدي، بكل أسف، إلى زعزعة الوحدة الرصينة والأنظمة المحكمة المبنية على ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية من مبادئ وأحكام وإرشادات وتعاليم.
ولم يكن ذلك ليعزى سوى إلى اهتمام كل واحد إلى العمل على انفراد دون غيره من الأفراد بحيث ظلت مؤسسات التكوين مجردة من كل مدلول وخالية من كل فاعل ومفعول إلى حد أن مفهوم الحوار والشورى بين العلماء أصبح، رغم ما يوليه الإسلام من سابغ العناية وبالغ الاهتمام، حبرا على ورق لا يلتفت إليه ولا يعبأ به.
ومنذ هذه الفترة العصيبة أخذت تظهر بعض المدارس والطوائف التي اتسغ نطاقها وتعددت مجالاتها مما تسبب في انقسام الأمة الإسلامية وتصدع صفوفها وكان من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى نزاعات أكثر خطورة وأشد بلاء ولكن الله سلم.
ومهما يكن من أمر فإن الصيت الذائع للأمة الإسلامية التي حصلت مشعل العلم والتكنولوجيا طوال قرون وقرون بدأ يضعف ويتقلص ثم جاءت مصيبة الاستعمار فعجلت بالقضاء عليه والحد من آثاره.
ومما تدعو الضرورة إلى الإشارة إليه والتأكيد عليه في هذا الصدد أن أصل انحطاط الأمة الإسلامية يرجع إلى ما أصبح للعلم من مفهوم جديد سواء من حيث طبيعيته أو من حيث دوره في حياة شعب من الشعوب، ويشهد التاريخ أن ما عرفه مفهوم العلم النافع من قسمة ثنائية وتفرع إلى نوعين متميزين أعطى مزيدا من الأهمية والاعتبار إلى العلوم الجزئية بالنظر إلى العلوم الأساسية انصرف اهتمام الفقهاء على الانكباب على بعض النوازل في ميدان الاجتهاد وكان ذلك سببا في فصل المدرسة عن الحياة والتميز بينهما.         
وكانت هناك دائما محاولات لتدارك الوضع وإصلاح الأمر على يد ملوك أو بفضل إرادة بعض العلماء الذين أحوا جماعات أو أفراد بضرورة تشاورهم وتبادل أرائهم للقيام برسالتهم في توضيح مبادئ الإسلام وإثبات صحتها وسلامتها.    
ومن هذه الزاوية يطيب لب ويسعدني أن أحيي أخي وصديقي جلالة الملك الحسن الثاني وأنوه بمبادرته لتنظيم هذا اللقاء الذي يجمع لأول مرة في التاريخ رجالا أفذاذا وعلماء أفاضل أتوا من المغرب والسنغال للحوار والتداول في قضايا إسلامية رغبة في التقريب بين آرائهم ووجهات نظرهم وتحقيق إجماعهم لصالح الأمة الإسلامية. 
وبالإضافة إلى هذا الهدف الذي لا تخفى دلالته ولا يستهان بأهميته فإن لقاءكم أيها العلماء الأفاضل يندرج في ما للشعبين وقائديهما من حرص شديد وعزم أكيد على تعزيز أواصر الصداقة والإخاء العريقة التي نسجها التاريخ وأحكم عراها بين البلدين وعملت الأجيال السابقة في كل وقت وحين على تنميتها وتوسيع مجالها.     
ومما ينبغي التأكيد عليه والوقوف عنده أن هذه المبادرة التي تفضل بها جلالة الملك الحسن الثاني لا تمثل سوى جانب واحد من اهتمامه الفائق بالعلم والعرفان وسعيه بوصفه أمير المؤمنين في بلورة تعاليم تبينا خير الأنام عليه الصلاة والسلام وتخليد تراث ثقافي لا يخلو من غنى وثراء يتلقاه الخلف عن السلف وبعد جلالته من أحرص العاملين على مواصلة التشبث به والاستمرار في الاعتزاز به.( وجامعة القرويين الشهيرة التي تم بناؤها سنة 895 ميلادية في فاس مدينة العلم والإشعاع أليست من أقدم الجامعات وأعرقها في العالم إلى جانب جامعة بولون ؟). 
وكما يشهد العالم كله بذلك فإن أهمية إسهام جلالته في التنمية العلمية والاقتصادية وفي إحياء الثقافة والحضارة الإسلامية والنهوض بهما لم تعد تحتاج إلى برهان أو دليل. وهل من أمثلة في هذا الصدد أوضح بيانا وأفصح تعبيرا من:
1) دار الحديث الحسنية التي تختلف في وجوه كثيرة عن غيرها من الجامعات والتي قامت في العديد من المبادين بتكوين مختصين أكفاء في القضايا الإسلامية استطاعوا الارتقاء إلى درجة الدكتوراة.
2) الخزانة الملكية التي توجد بها مخطوطات من أندر مخطوطات الأقطار الإسلامية ولا سيما منها المملكة الشريفة والتي يوليها جلالته نصيبا خاصا من اهتماماته الفائقة وانشغالاته الصادقة بالربط بين حاضر الثقافة وماضيها في العالم الإسلامي. الأكاديمية الملكية المغربية التي ينضوي تحت لوائها رجال نبغاء وعلماء أجلاء متشبعين بالفكر المعاصر ومنتمين لكل أقطار العالم والتي تكرس جهودها للإسهام في التنمية الاقتصادية على وجه الكرة الأرضية.
3) أصحاب الفضيلة العلماء          
 من يدري إلى أين تنتهي هذه الصداقة العقلية التي تمثلونها في البحث عن معرفة الله ؟ حقيقة يفيدنا التاريخ أن المغرب والسنغال عرفا منذ ما ينيف على الآلف سنة تبادلا ثقافيا حرصت الأجيال المتعاقبة على مساندته والدعوة إليه. غير أن رغبتكم في الاقتراب بعضكم من بعض من بعض كما يشهد بذلك هذا اللقاء العظيم لم تكن أشد إلحاحا وأكثر إصرارا حتى تتيسر أفضل الشروط لضمان ما تتطلعون إليه من نجاح وترجونه من  فلاح.         
  هذا وقد كان المغرب دائما وعلى جميع مستويات التبادل الثقافي مع العالم الإسلامي مركز دعم وتعزيز بالنسبة إلى السنغال، ويكفي للاقتناع بذلك اللقاء نظرة سريعة على ما يعرفه التعليم التقليدي العربي الإسلامي في السنغال من برامج كانت خلال القرن المنصرم أوثق صلة وأشد ارتباطا بالبرامج المقررة في معاهد التعليم التقليدي بالمملكة المغربية.
ومن هو يا ترى السنغالي من جيلكم الذي لم يهتم بدراسة وحفظ أبيات الفقيه العلامة ابن عاشر وما  تشتمل عليه من أحكام في التوحيد والفقه والتصوف ؟ و لا أحسن من الرجوع في هذا الباب إلى أطروحة السيد «رفان مباي تحت عنوان»« الإسلام في السنغال ».       
ذلكم هو النهج القويم الذي سار عليه مشايخ بلادنا الإعلام الذين عملوا على تثبيت الإيمان في قلوب المسلمين في السنغال بفضل ما كان لهم من عزم وحزم وما برهنوا عنه من تضحية ونكران ذات. وهذه الأعمال المتواصلة والجهود المتضافرة أفضت باعتبارها عاملا من عوامل التنمية إلى إرساء قاعدة متينة استطاع الإسلام بفضلها أن يحتل طوال خمسة قرون مقام الصدارة في ازدهار الفكر عبر العالم.
أصحاب الفضيلة العلماء إن رسالتكم عظيمة وخطيرة في آن واحد: 
رسالة عظيمة لأنها تندرج في آفاق العمل على تمتين عرى أواصر الأخوة الإسلامية التي تجمع بين المغرب والسنغال والنهوض بالقيم الإسلامية النبيلة عن طريق نشر تعاليم هذا الدين الإنساني الحنيف الذي تعلق عليه  اليوم آمال مليار من عباد الله المسلمين.
ورسالة خطيرة لأنكم تضطلعون بها في عالم يطبعه الاهتزاز والاضطراب ويخشى أن تدفع به إلى الهاوية الأطماع الأنانية والأغراض الشخصية التي أخذت تغطي على القيم الأخلاقية والروحية.
وإني لمقتنع كل الاقتناع بأنكم ستستخلصون العبرة من الماضي في أداء الرسالة المنوطة بكم وأنتم علماء الأمة وأملها في النجاة والاستقرار وسوف لا يفوتكم فيما ستتدارسونه من مواضيع وقضايا، الاهتمام بضرورة إحياء التعليم الديني لجعله أكثر استجابة لمتطلبات العصر . وهكذا ستتجنبون العقبات التي اعترضت العلماء في فترة انحطاط الفكر الإسلامي الممتدة من القرن الثاني عشر إلى القرن التاسع عشر.
ولا حاجة إلى التأكيد على أسباب ما عرفته الثقافة الإسلامية من كبو وتعثر طوال هذه المدة التي اتسمت   فيها الأعمال، إلا ما كان من بعض الاستثناءات بقلة الخلق والإبداع نتيجة انعدام روح النقد والتميز بين الجيد والردئ. وكان العلماء مضطرين إلى الاقتصار على بعض الشروح والتعاليق فيما يخص مساهمتهم في الثقافة  الإسلامية مع العلم أن هذه الثقافة بلغت ذروتها وانتهت إلى أوجها في القرن الحادي عشر الذي عاش فيه العالم الجليل ذو الباع الطويل الإمام الغزالي رحمه الله.             
وكان من اللازم أن يظهر في القرن التاسع عشر رجال جدد من مستواكم للقيام بالنهضة في هذا المجال.وكل الآمال معلقة عليكم لتحقيق الأهداف المنشودة والغايات المقصودة.    
وكيفما كان الحال يمكنكم الاعتماد على دعمنا ورعايتنا وسوف لا نبخل بأي مساعدة من شأنها أن تيسر استمراركم في هذا العمل الذي تحددون اليوم معالمه وترسمون خططه وبرامجه.              
وقبل الختام في هذه الغمرة من الأمل أبي إلا أن أنوه بالرعاية السامية التي يحيطكم بها أخي وصديقي جلالة  الملك الحسن الثاني.
وإني إذ أرجو لأعمالكم كامل النجاح أعلن افتتاح المؤتمر الأول لرابطة علماء المغرب والسنيغال للأخوة والتعاون الإسلامي.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here