islamaumaroc

طبيعة العلاقات المغربية مع إفريقيا الغربية.

  إبراهيم حركات

العدد 269 ماي-أبريل 1988

............... متكاملة،  فيكفي أن عبد الله بن ياسين وجد أوضاع صنهاجة في مجال الإسلامي تثير الغرابة. وعلى أي حال فقد تحكمت صنهاجة في طريق درعة ـ غانا لفترات متفاوتة. غير أن ظهور الأدارسة أعطى نفسا جديــدا للعلاقات المغربية السودانية، فإن الأمير عبد الله بن إدريس الثاني أنشأ تامدولت التي قال عنهـا مؤلـــف الاستبصار، إنها على رأس نهر درعة أي عند مصبه على المحيط. وقال : إن العمارة كانت متصلة بينها وبيـن درعة على مسافة ستة أيام سيرا. وبالطبع فإن تامدولت فتحت علاقات مع غانا وهي علاقات اقتصادية، كما أن الأدارسة قاموا بدور طيب في التوعية الدينية. بل إن الأدارسة بشهادة ابن خرداذبه يسميها بلاد زاغي بـن زاغي (1)، وفي الواقع لم يهتم الأدارسة وحدهم بإفريقيا الغربية فإن تاهرت الرسمية قامت بمهمة مشابهة عـن طريق سجلماسة ووار غلة. ولا يمكن أن تفهم من هذا أن حركة تقل العبيد كانت نشطة في الأســـواق الشمالية. فهذا النشاط سيتخذ أبعادا جديدة مع المرابطين. ولا ريب أن مدينة كاغو العريقة جذبت إليها تجار الذهب في العهد الإدريسي. والحميري يقول عنها بعد أربعة قرون إنها أكثر بلاد السودان ذهبا، وتجـــارة الذهب لم تشمل الشمال الإفريقي وحده، بل الأندلس أيضا، وفي هذه الفترة الموازية للعصر الإدريسي بلغت غانا حدا من الترف بسبب مواردها من تجارة الذهب، وكانت القوافل المغاربة خلال العصر الوسيط تتجه إلى مراكز النخاسة خصوصا بنهر السينغال حيث تصحب الرقيق وتقتني كميات من الذهب والعاج. وفي أواسط القرن العاشر الميلادي كانت أودغست عاصمة غانا تابعة لزعيم صنهاجي ذكر مؤلف الاستبصار أن منطقـة نفوذه امتدت عبر مسافة شهرين في مثلها، وهي مسافة تعادل مليون كيلومتر مربع تقريبا وكانت عمارتهــا متصلة كما قال .

   ويبدأ التعرف أكثر فأكثر على مناطق السودان بعد ظهور عبد الله بن ياسين، وهذا على الأقل ما يرجحه الحسن الوزان الذي يرى أن هذا بالطبع يخالف الحقائق التاريخية السابق ذكرها. وإذا كان المرابطون قد عملوا على نشر الإسلام لدى جيرانهم الأفارقة فإن ذلك فتح باب التواصل البشري والاقتصادي على أوسع نطـاق بين الشمال والجنوب، حتى إن تجار الشمال أخذوا يتعلمون لغات السودان كما قال الحسن الوزان.

واتخذ المرابطون في جيوشهم عددا كبيرا من السودان، والواقع أن العصر السوداني شارك في الفتوح الأولى للأندلس، ولكن لا تعلم إذا كانوا من سودان الغرب أو إفريقيا الوسطى، وفي معركة الزلاقة وحدها ساهـم مالا يقل عن عشرة آلف منهم، بل يمكن القول بالتأكيد أن فرقة الرماة منهم كان لها دور حاسم في الانتصار الإسلامي. وقبل المرابطين كان العنصر السوداني مع الحموديين الأدارسة بالأندلس، فضلا عن وجودهم لدى الزبيريين والحماديين. وتحكم العنصر الصنهاجي بشكل حاسم ولعدة قرون في الطريقين الصحراويين، المارة أحدهما من سجلماسة إلى مالي ثم النيجير، والثاني من السوس الأقصى عبر الساحل باتجاه غانا. ولهذا الغرض كانت سجلماسة أول مركز قصدته الهجومات المرابطية. كما أن المرابطين اعتنوا بمدينة نول لمطة وهي غيـر بعيد من تامدولت التي بدأت تتخلى عن مكانها للمدينة المذكورة والتي تحدث عن أهميتها غير واحد مــن الجغرافيين لاسيما مؤلف الاستبصار.

ويبدو الانتشار الإسلامي بغانا واضحا من خلال التأثير المرابطي خلال القرن الحادي عشر، فحتى  العاصمة الغانية تكونها مدينتان إحداهما خصصت للمسلمين الذين يتوفرون على مساجد كثيرة فضلا عن مسجد آخر داخل المدينة الوثنية الغانية. وينسب Basil David Suy غانا أو بالأصح عاصمتها الأولى إلى جماعة من يهتد سوريا الذين استوطنوا المنطقة خلال أواخر القرن القرن الثالث للميلاد، ولا يمكن تحديد مدى صدق هــذه الرواية ما لم تكن قد تناولتها وثائق لاتينية أو عبرانية.

وأتاح التوغل المرابطي والصنهاجي عموما في الأقطار والمواقع التي تتوفر على الذهب إمكانية حصـــول المرابطين على كميات غير قليلة من هذا المعدن الثمين، وهكذا يتحدث البكري عن دنانير الذهب الخالص التي كانت تتعامل بها تادمكة الصنهاجية، كما أن العملة الرائجة في عموم المناطق المرابطية كانت لها قـــوة رواج خارجها لصفائها. وخلافا لما هو متعارف من أن أقطار السودان ظلت تتعامل بنظام المقايضة حتى بزغ نجـم الاستعمار، فإن المكوس التي وضعتها الدولة الغانية على الملح والنحاس والأمتعة كانت بعملة مسكوكة مـن الدنانير والمثاقيل، وهذا ما سجله البكري في القرن 11 م واعتبر ذهب غانا أجود الذهب. ومعلـوم أن الأندلس كانت تحصل على الذهب إما عن طريق تجارتها أو من طريق المغاربة، وكيفما كان الأمر فالبكـري الأندلسـي كان يعرف جيدا ما يروج في وطنه، ثم إن غانا أممت  في هذا العصر مناجم الذهب، وهذا شبيه بما اتخــذه الفاطميون من إجراءات بالنسبة لذهب النوبة، ولم يكن الاستغلال العمومي مسموحا بــه إلا بالنسبة لدقيــق التبر، وذلك حتى لايكثر الذهب لدى الجميع فيقل الطلب عليه وتنزل قيمته، وكانــت غياروا على ضفة النيجير أهم مناجم غانا ذات الذهب الجيد.

كان الدور الصنهاجي بالغ الأهمية في ربط العلاقات بين الشمال والجنوب، وبدون الوساطة الصنهاجيــة كانت العلاقات ستبقى في نطاق محدود بين الشمال والجنوب، وذلك أن المرابطين حكموا الشمال وأضافـوا إليه الجزيرة الإبيرية التي هي مستهلك ذو أهمية في ذلك الوقت سواء شقها المسيحي أو الإسلامي. ثم لأنهـم راقبوا في النهاية، الجزر لشرقية التي فتحت لهم طريق الجزر الأوروبية الأخرى كسر دانيا وصقلية، وبذلــك حلوا إلى حد كبير، محل وسطاء مغاربة وغيرهم. والأهم من هذا أننا نرى العنصر السوداني لا تحرك نحــو الشمال لذاته إلا بشكل محدود فهو يستقدم شراء للعمل في الجيش أو لخدمة الحكام، وحتى في الجيش لاثرى ضباطا كبارا يبرز دورهم في المسؤوليات العليا من بين أفراد هذا العنصر، ومع ذلك فهذا العنصر يـؤدي دورا جليلا في موقعة الزلاقة وفي حماية الحصون الأندلسية قبل ذلك وبعد ذلك (كانت غرناطة التي حكمهـــا بنوزيري قبل المرابطين تتوفر على حامية سودانية كما يذكر ابن الخطيب في الإحاطة).

وإذا كان المرابطون قد راقبوا طريق غانا المار من درعة، فإن طريق الصحراء الغربية احتفظ بمكانته بــل ازدادت هذه المكانة قوة، فقبلهم كان التجار الهواريون من أغمات يتوجهون إلى أقطار السودان الغربي محملين بقناطير النحاس وآلات الحديد والعطر والتوابل وثياب الصوف وغيرها من البضائع. وبدون شك كان لتجار اليهود دور بارز في هذا المجال أيضا، فقد كان لهم بالسوق الأغماتي مقام رئيسي، وعندما نقل المرابطــون عاصمتهم من أغمات إلى مراكش فقد كان هذا يعني القضاء على النمو الاقتصادي لأغمات وذلك ما حصل فعلا.

وقد انطلق المرابطون من عمق التراب السينغالي، وبالذات من جزيرة شمال نهر السنغال، وقام عبد لله بــن ياسين بنشاط واسع في مجال الدعوة الإسلامية ونشر المذهب المالكي. وكذلك تابع أبو بكر بن عمر هذه المهمة بين القبائل الوثنية، وكان من أبرز القضاة الذين تعاونوا معه أبو بكر المرادي ذو الأصل القيرواني الذي نسـب إليه إدخال علم الاعتقاد أو التوحيد إلى المغرب والسودان، كما وضع كتاب السياسة الذي يحتمل أن أبا بكر بن عمر وكبار مساعديه قد اطلعوا عليه، وهكذا توغل الإسلام بعيدا في افر يقيا الغربية تارة عن طريق المرابطين، وطورا عن طريق بعض زعماء السودان المسلمين، وهكذا أسلمت جهات عديدة من حوض النيجر، وكان من أقوى المناطق النائية المجاور للملثمين منطقة الزافون. ويذكر ياقوت في معجم البلدان أن الزافون كانوا مسلمين ذوي منعة وقوة. وأنهم كانوا أعرف بسياسة الملك من الملثمين، وأن يوسف بن تاشفين بقصره باحترام فائق، ويشير الحميري إلى شعب راكنو بدل الزافون، ويقول إنهم بربر.

ويعتبر الحسن الوزان، سكان مالي أول شعوب السودان سبقا إلى الإسلام بإفريقيا الغربية في عهـد أبي بكر بن عمر، غير أن مثل هذا الحسم يصعب قبوله لأنه يلغي دور التجار القدامى وإمارة تامدولـــت الإدريسية التي امتد نفوذها إلى نهر النيجير، لكن مما لاشك فيه كان دور المرابطين تصحيحيا من جهة وتوسعا في الدعوة الإسلامية من جهة أخرى، أما التكرور الواقعة على نهر النيجير في القطر المالي الحالي فقد أسلمت على يد ملكها ورجاني الذي توفي سنة 432 هـ، أي أن إسلام المنطقة تم قبل الانطلاقة المرابطية، وفي هذا الوقت كما في القرن التالي كانت تكرور، ذات حضارة زاهرة، وتؤخر روايــة الاستبصار قليلا، إسلام التكرور، بالنسبة لرواية البكري، كما أن الاستبصار ينسب إسلام هذه الجهة إلــى وزجاي بن ياسين، وربـما كان أخا لعبد لله بن ياسين.

وهناك مملكة قوية أخرى هي سنغاي التي نشأت على حوض النيجير بين إقليم تمبكتو حدود نيجريا الحديثة، ومعالمها السكانية تتضح خصوصا منذ القرن العاشر. وهي خليط من بربر لمطة الليبية، والزنــوج المحليين والوركو القادمين من بحيرة تشاد على ما يتحمل، وهم صيادو سمك، واستولى ضياء بن قيس على غاو في أوائل القرن 11م وجعل منها عاصمة لسنغاي التي كانت تجاور لمتونة أدرار كما يذكر باذل دافدصن. وبسنغاي وجدت شواهد قبور منقوشة بالعربية مما يدل على التأثير القوي الذي كان للشمال في هذه المنطقة التي امتزج فيها الدم الصنهاجي والزنجي. ويتحدث البكري عن إسلام كاغو بينما كان من حولها وثنيين. وكانوا يتلقون عن طريق المغرب والمناطق الداخلية، الملح والودع والنحاس والفربيون Euphorbe وهو نبات طبي ينمو في المناطق المدارية. ويعد القرن الحادي عشر بالنسبة لإفريقيا الغربية، والجزء الغربي من شمالي افر يقيا فترة انبعاث الحكم الوطني، أو بالأحرى فترة قيام أول حكم وطني قوي بالنسبة لغالبية المنطقة. إن الانطلاقـة المرابطية كانت من غير شك ذات تأثير في سريان خذه الروح الوطنية حيث نجد نظام حكم آخر ينشأ في هذا القرن بكانم وبورنو، وهو حكم إسلامي وطني امتد من تشاد إلى نيجيريا والكامرون (كاني، مجلة البحـوث التاريخية بليبيا ـ يناير 1981).                 

ويبدو أن المغرب أحكم صلاته التجارية بغانا خلال القرن الثاني عشر، متخذا من المحور الممتد مـن تارودانت عبر الصحراء المغربية وموريتانيا الساحلية طريقا دائب الحركة بعد أن تراجع المرابطون إلى مراكزهم القديمة بالصحراء. ويذكرنا هذا النشاط بسالفه في العهد الإدريسي، لكن الموحدين لم يغامروا بالرج بجنودهم فيما وراء مشارف نول ودرعة جنوبا، بتوطيد علاقاتهم الاقتصادية بغانا بعيدا عن المغامرات الحربية، وفي هذه الفترة بلغت كل من تارودانت وإيغلي شأوا بعيدا في مجال إنتاج قصب السكر وتصنيعه وتزويد الشمــال الإفريقي والأندلس بأجود أنواعه، وكانت إيغلي تزود أقطار السودان بالنحاس المسبوك أي على شكل سبائك كما عند الإدريسي الذي يجعل من أوليل أخر مراسي المغرب حيث مواطن جدالة.

ويظهر أن العلاقات لم تكن على ما يرام في بعض الفترات خلال القرن الثاني عشر، فالمنصور رفض هديـة من السودان هي عبارة عن فيل. ومع أن الهدية ربما كانت من تجار السودان بعيدا عن الرسميات فإن رفـض المنصور لها لم يكن سوى رد فعل ضد بعض مواقف حكام السودان. وهكذا فالأمير أبو الربيع سليمان والي سجلماسة وأقاليمها وجه مذكرة إلى ملك غانا يستنكر العراقيل التي توضع أمام صغار التجار المتجهين من المغرب، ويذكره بأن اختلاف الدين بين الجانبين لا يمنع من حسن التعايش، وأن الجانب المغربي بإمكانه أن يعامل تجار السودان بالمغرب بالمثل، لكنه لا يستصوب هذا الاتجاه. وقد نقل المقري في نفح الطيب (ج 4، طبعة القاهرة 1949) هذا الجزء من المذكرة المشار إليها، عن رحلة السرخي المصري الذي عاصر الموحدين.

وشهد القرن الثالث عشر تطورات جديدة، فمن جهة، حرصت بعض مراكز القوى الشعبيــة بسوس على أن تحل محمل الدولة في مراقبة طريقة غانا عبر السوس الأقصى، ومن جهة ثانية بدأ المغرب ينظـر إلى العلاقات مع السودان نظرة فيها انفتاح دبلوماسي وفكري اتسع أكثر فأكثر خلال القرن التالي. وهكـذا نشأت إمارة بني يدر بسوس في أواخر العصر الموحدي، واستقدمت مجموعات بني معقل الحسانيين الذين كانوا يستوطنون حوض ملوية، وذلك بحجة وجود علاقة دم بين مؤسس هذه الإمارة وبني معقل. وابتداء من هـذه الفترة، وبالرغم من حرص الحكومة المركزية على ضمان وحدة المغرب في مفهومه الواسع نجد الصحراء الجنوبية والغربية مع تبعيتها بالولاء والبيعة للسلطة المغربية تصبح وسيطا رسميا للمغرب، لدى أقطار السودان، وذلك من طريق كل من معقل ومسوفة. فمنهما الأدلاء، والموفدون الرسميون المرافقون للوفــود المركزية إلـى أقصار السودان، وبدون معقل ومسوفة لم يكن باستطاعة المغرب الرسمي لفترة تمتد من القـرن 13 إلـى 19 أن يضبط علاقاته بإفريقيا الغربية بشكل مستمر وطبيعي، وينبغي أن نعتبر هذه الخطة نجاحــا بارعا للدبلوماسية المغربية التي تعد من أعرق الدبلوماسيات العالـمية، وعن طريق كعقل ومسوفة، زعمـاء وأدلاء ووسطاء، وأيضا كطلبة بمعاهد المغرب وكأساتذة ومسؤولين عسكريين وإداريين، نجح المغاربة فــي تنشيط علاقاتهم بإفريقيا الغربية؛ بل إن القرويين استقبلت منذ القرن 13م، أعدادا كبيرة من طلاب بورنــو وكانـم، كما ذهب زملاء لهم إلى كل من القاهرة وتونس، وبـهذا الصدد يقول كاني في مجلة البحــوث التاريخية السابق ذكرها إن الأزهر والقرويين ساهما مساهمة مهمة في نقل المعرفة إلى كانـم وبورنو وإلــى مناطق أخرى في السودان الأوسط، وإذا كان الأمر هكذا بالنسبة لإفريقيا الوسطى فما الذي تكون عليــه علاقات المغرب مع إفريقيا الغربية الأقرب نسبيا ؟

وخلال القرن 14 عاد طريق سجلماسة ـ السودان الغربي إلى أشد ما يكون نشاطا وحركة فسجلماسة تتوفر على نسبة كبيرة من التجار والسكان الزناتيين الذين يجدون في الدولة المرينية الحماية والمنعة، وفي هذه الفترة يتحدث ابن بطوطة عن تبادل الملح في تغازي بالذهب والفضة... وقرية تغازي على صغرها يتعامل فيها بالقناطير المقنطرة من التبر.

وهكذا فإن القرن الرابع عشر يمثل أوج نمو العلاقات بين إفريقيا الغربية والمغرب في العصر الوسيط، بـل إن هذه الحقيقة تشمل باقي الشمال الإفريقي في تبادله مع أقطار السودان، وعندما تحكم المغرب في محور تلمسان مع السودان في عهد أبي الحسن المر يني أحكم سلطان مالي منسا موسى صلاته بالعاهل المغربي وأظهر ارتياحه لبسط السلطة المغربية نفوذها على مملكة بني عبدا لواد. وكتعبير عن حسن مشاعره، بعث أبو الحسن بهدايـا وتحف إلى معاصره المالي الذي كان ضمن وفده ترجمان صنهاجي، كما أن العاهل المغربي بعث وفدا لهــذا الغرض، وأمر بعض بني معقل من سكان الصحراء باصطحاب الجميع إلى ملك مالي وأثناء ذلك توفي منسـا موسى فخلفه منسا سليمان وهلك هو أيضا بعد أن أعد هدايا، سودانية إلى نظيرة المغربي، فألحق بها خلفـه منسا حاطه زرافة، واستقبلها حينئذ أبو سالم في عرض رسمي وشعبي وكبير، وقد فصل ابن خلدون تبــادل الوفود والهدايا بين المغرب ومالــي (ج 7) . 

والواقع أن علاقات المغرب بمالي حظيت باهتمام الطرفين معا، وكان ابن بطوطة أبرز ممثل دبلوماسي في هذا العصر عن البلاط المغربي، ووصف بدقة مشاهداته، سواء عبر الطريق الصحراوي  الذي قاده إلى مالي، أو أوضــاع السكان أو العصر السلطاني بمالي، وسجل حسن التعايش بين أهل هذه البلاد ومن يخالطهم من البيض ومعظم من المغرب وباقي الشمالي الإفريقي، وينسب الوزان الأسرة الحاكمة بـمالـي منذ ظهور المرابطين حتـى أواسط القرن 16 م. إلى سلالة أبي بكر بن عمر اللمتونـي (2) (Léon, p. 466). ووصف ابن بطوطـة والحسن الوزان تمبوكتو عاصمة مالي التي كانت سوقا تجاريا زاهرا يرتبط بصلات وثيقة ودائمة مع أسـواق الشمال الإفريقي وتتعامل بالذهب سبائك، وتأتيها المخطوطات والخيل من أقطار المغرب. ويتحدث الـوزان عن ازدهار الحركة العلمية بـهذا المركز النشيط، كما أن جني المالية كان يتجه إليها محور سجلماسة وتصنع ثيابا قطنية جيدة وتتلقى من القوافل المغربية، الملف والنحاس والأسلحة.

إن بعض الحضارات الإفريقية تراجعت في أعقاب العصر الوسيط وبداية العصر الحديث، والـوزان يصف ما وصلت إليه بورنو من كآبة وانحطاط ديني وسياسي واجتماعي، وذلك بسبب غزو برداوة ذوي الأصل التشادي، لكنه يؤكد استمرار جلب الخيل من أقطار المغرب إلى المنطقة، وقد كانت الخيل من أعــز ما تحتاج إليه الدول الحاكمة بأقطار السودان.

ومن الذين تناولوا بالوصف أقطار افر يقيا الغربية، القلقشندي في صبح الأعشى والذي رجع إلى جملة من المصادر بعضها في حكم المفقود، ومنها كتاب لسعيد الدكالي الذي اعتبر مالي مجاورة لجنوبي مراكش، وهو يقصد الأقاليم التابعة لها، ويلاحظ أن لمتونة كانت تابعة لمملكة مالي خلال القرن الرابع عشر، لكن مــع احتفاظها بحكم محلي، وانتشر مذهب مالك على نطاق واسع بين المسلمين وحكامهم، بإفريقيا الغربيــة والوسطى ولعلماء مصر والمغرب دور أكيد في هذا المجال، كما أن ملوك مالي كان لهم نشاط بارز في نشـر المذهب المالكي، وقد جلب منسا موسى الفقهاء، من الشمال إلى بلاده.

       وهكذا يمكن إجمال مظاهر التبادل والعلاقات بين المغرب وإفريقيا الغربية والتي ظلت بعض مؤثراتها قائمة حتى يومنا هذا، فيما يلي:

1 ـ في الميدان الاقتصادي، يصدر المغرب الكتب والخيل والنحاس والأسلحة وأنواعا من المنسوجــات والبضائع المغربية والتي يكون فيها وسطا، بينما يستورد الذهب بصفة أساسية، بالإضافة إلى بعــض المنتوجات القطنية والعاج وريش النعام.                          

2 ـ في الميدان البشري يستقدم المغرب عددا كبيـرا من السودان للعمل في الجيش والخدمات الخاصة، ويذهب إلى أقطار السودان تجار مغاربة قد يستقر بعضهم هناك نهائيا، وبعض قصور ملوك السودان تضم جواري من الشمال.

3 ـ في العادات والتقاليد، أخذت إفريقيا الغربية بالزي المغربي كما نقل القلقشندي عن سعيد الدكالي، وأخذ المغرب ببعض المؤتمرات الموسيقية لاسيما استعمال الطبل.

4 ـ  في الميدان الفكري والعقائدي عمل الدعاة والفقهاء المغاربة على نشر الإسلام والمذهب المالكــي وراجت المؤلفات المغربية والإسلامية عن طريقهم، وانتشر الخط المغربي الذي عم كل إفريقيا الغربيــة وإفريقيا الشمالية، وقصد المغرب عدد كبير من طلبة السودان كما أن ثمرة هذا العمل المغربي، أدت إلـى ظهور علماء كبار من السودان بعد هذه الفترة خصوصا، فقصدوا المغرب أو قصدهم طلابه.

ومعظم هذه العلاقات بل وأهمها أنبنى على التعايش السلمي وروح الأخوة الإفريقية والإسلامية، وما  حدث من صدامات بين صنهاجة وجيرانهم بأقطار السودان، لا يختلف في شيء عما حدث بي القبائل السودانية نفسها.

وأهم ملاحظة يمكن أن يختم بها هذا العرض هي أن غالبية المراكز السودانية النشيطة في مجـال العلاقات مع المغرب تتمحور حول المواقع المائية، خصوصا نهر السنغال وحوض النيجير، ومعنى هـذا أن الصلات بين المغرب وهذه المواقع كانت تمثل علاقات شعب متحضر بنظرائه. والحضارة لم تختـص بالمناطق المذكورة وحدها في إفريقيا الغربية، لكن الحاجة والظروف الجغرافية ووسائل الاتصال كـان   لها دور في أولويات المغرب وجيرانه .                                   

 
1) ـ هم دون شك قبائل الزغاوة بقطر النيجير، ويشير ياقوت إلى بلما من  مدتهم، (وهي لا تزال موجودة) ويذكر ياقوت زغاوة نقلا عن غيـر أنهم كانوا شعبا يعبد ملوكه ويعيش على الزراعة، وتحدث الوزان عـن زاغ زاغ (الطبعة الفرنسية، ص 477، وانظر تعليق Epaulart، نفس الصفحة).
2) - المعروف أن الأسرة التي حكمت مالي خلال القرن 14 م هي أسرة كيتا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here