islamaumaroc

الشيخ المربي أحمد الصغير لو في مدرسته النموذجية بالسنغال

  محمد إبراهيم بخات

العدد 269 ماي-أبريل 1988

من الحقائق الثابتة أن السنغال تشكل مركز الثقل المحور الأساسي بالنسبة للمسلمين في غربي إفريقيا خاصة، وفي إفريقيا عامة، فهذا البلد يعد بحق بوابة الإسلام إلى إفريقيا.(1).
والسنغال قديم عهد بالإسلام منذ أن انطلقت منه حركة المرابطين من ألف سنة تقريبا (2) تدعو إلى الله، وتنشر دينه الحنيف على أسس صحيحة، ورغم أن هناك انحرافا عن الدين الحق في العقائد والمفاهيم ليس في السنغال وحدها وباقي أقطار إفريقيا (3) بل في بلاد الإسلام كلها، إما بسبب جهل بالدين أو نتيجة توجيه غير سليم، أو بتأثير الغزو الفكري، إلا أن ما تتميز به بلاد السنغال من مزايا، يجعلنا نقول بكامل الاطمئنان بأن الإسلام بخير في السنغال، هذه المزايا منها نجاح المؤتمر الأول لرابطة علماء المغرب والسنغال، الذي انعقد بدكار(4)، وتجسد فيه الحضور السنغالي في جلساته، واكتظاظ القاعة الكبرى التي شهدت انعقاد المؤتمر بجمهور الشعب السنغالي، وكان الحضور من جميع الأعمار، ومن مختلف المستويات.
والمزية الثانية هي التمذهب بمذهب واحد كالمغرب، هو المذهب المالكي، فالسنغالي مالكي المذهب، مما ساعد على وحدة الشعب هناك، ووقاه شر الخلاف بين طبقاته، والاختلاف في الآراء بين علمائه الذين يعتزون كامل الاعتزاز بمذهبيتهم المالكية، لأنها نسبة إلى إمام دار الهجرة ورمز إلى سنية المذهب، وإسلامنا ولله الحمد ما هو إلا كتاب وسنة، إذن فهذه المذهبية السنية دلالة قوية على عمق الإسلام في السنغال.
والمزية الثالثة للشعب السنغالي هو حبه العميق للغة دينه، وتعلقه الكبير بلغة القرآن، ونحن نعرف بان العربية هي الباب الوحيد لفهم الدين بأصوله الصحيحة، فهي أقصر طريق وأوضحه لتفهم الإسلام، وهي الأسلوب الناجح في الدعوة والتصحيح والتقويم، لأنها اللسان المبين المعبر عن حقائق هذا الدين ومبادئه.
وتغلغل حب القرآن في القلوب لا يكون إلا بلغة القرآن، هذا الحب الذي تجلى في إقبال أهل السنغال بشكل عجيب على حفظ القرآن، ليس الآن ولكن منذ سنين(5) ولا ريب عندنا أن مثل هذا الحفظ ينتج عنه تقويم اللسان وعربية الخطاب، واستقامة النظرة والوجهة إلى الإسلام.
هذا الحب للعربية والتعلق بها علمنا بهما أخيرا، فقد تأكد لدينا بأن جانبا مهما من الصحوة الإسلامية الواعية بدأ يفرض وجوده في السنغال، وذلك بالإقبال على تعلم العربية، وفسح المجال لمن يريد تعلمها بصفة رسمية في المدارس الابتدائية.
هذا الإقبال على تعلم العربية هناك وفسح المجال لها يجعلنا ننظر بتفاؤل إلى المستقبل المشرق للغة القرآن عند شعب السنغال، الذي يزيد عدد المسلمين فيه على 95 %، والذي عانى كثيرا محاربة المستعمر الفرنسي للغته القرآنية، ومحاولته لإلغاء كل نسب بينه وبين الإسلام، وتشجيعه لكل اللهجات المحلية، ووضعه للأبجديات بالحروف اللاتينية، بعد أن ألغى الحرف العربي، مع إقامته لمخابر لتطوير اللغات المحلية المتعددة وتأصيلها(6).
إن معاناة شعب السنغال، كانت كبيرة بسبب وطأة المستعمر البغيض، ولكنه الباطل، ولابد له من زهوق، فقد ذهب إلى غير رجعة: وها هو قد بدأ العودة إلى دينه على هدى وبصيرة، وذلك بتعلم لغة القرآن والحفاظ عليها، كما حافظ على القرآن بحفظه وتحفيظه، وفي ميدان تحفيظ القرآن نسمع عن تجربة رائدة في هذا المجال، وهو بيت القصيد من مقالي هذا.
هل سمعتم عن معلم تفرغ خمسين عاما لتحفيظ القرآن دون انقطاع إلا للحج؟ !!
هذا الشيخ والداعية المتفرغ أحمد الصغير لو، الذي تخرج على يديه من مدرسة تحفيظ القرآن أكثر من عشرة آلاف طفل.
إنها مدرسة كوكي بالسنغال، وهي مدرسة نموذجية تأسست بجهود متواضعة، واعتماد على النفس وصبر وصمود، ودعم المحسنين لها وأهل الخير، أو بالأحرى أهل القرآن في ذلك البلد الإفريقي العريق في إسلامه.
والذي يبشر حقا بمستقبل مشرق في ميدان التحفيظ في ذلك الجناح الغربي من العالم الإسلامي، أن مدرسة كوكي يتخرج منها حملة كتاب الله من دول أخرى غير السنغال، وهي مالي وغينيا وغامبيا وموريتانيا، مما يدل على ريادة مدرسة كوكي، وينم عن نجاحها البعيد المدى.
وما تحقق هذا النجاح إلا بفضل التفرغ الكامل بإخلاص لمشروع تحفيظ كتاب الله، وهي تجارة مقدسة مع الله، إنه مشروع أعطاه الشيخ المربي أحمد الصغير كل إمكاناته واهتماماته، لقد نذر نفسه لله، بل باع نفسه لله كما عبر هو (لقد بعت نفسي لله تعالى طمعا في أن أكون من خير الناس، الذين يتعلمون القرآن ويعلمونه، وقد تركت عملي كتاجر في سبيل هذه الغاية)(7)، وهو هنا يحقق ما أمر به الرسول الكريم في هذا الشأن {خيركم من تعلم القرآن وعلمه}، وكان تأسيس مدرسة تحفيظ القرآن بمدينة كوكي سنة 1939 على يد الشيخ أحمد المختار أمبي، ومنذ إنشائها والمربي أحمد الصغير يحفظ يها كتاب الله لأبناء المسلمين، لأن تحفيظ القرآن للمسلم، هو مفتاح الخير له، والسلاح الضروري له مدى الحياة، يقول عن سبب إنشائها: (جاء إنشاؤها كغيرها من آلاف المدارس لتحفيظ القرآن في السنغال، وكانت نظرة شيوخنا من السلف الصالح، نظرة عميقة ودقيقة في أن القرآن الكريم هو سلاح المسلم ضد أي عدوان، سواء عدوان المادة، أم عدوان الروح، وهو المخرج الأمثل للمسلم من كل مشاكله...، لذلك كان اهتمامهم بالقرآن)(8).
إنه فهم حيوي لأهمية القرآن في حياة المسلم، وإدراك واقعي لحركية الإسلام، فالقرآن هو مصدر الإحياء دائما وأبدا للمسلم، هو الهادي وهو الواقي، هو الحل وهو المفتاح، يحيي القلوب ويهدي النفوس: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم...}.
إن المسلم وهو صغير، لا يكون صالحا ولا ينفع مجتمعه في مستقبل الأيام، إلا إذا تربى في رحاب القرآن، لأن في تربية القرآن وقاية للأجيال الصاعدة من آثار وأضرار الجاهلية، والواقع الإسلامي الذي جسمته التربية الإسلامية، يكد لنا بأن بناء الإنسان المسلم يكون فقط بالتربية القرآنية، وهذا ما توصل إليه الشيخ محمد الصغير من خلال تجربته الطويلة في خدمة القرآن وتحفيظه للناشئة المسلمة، فهو يقول في هذا الصدد: (رأيت من خلال تجربتي بأن خير وسيلة لتربية أبناء المسلمين هي أن يربى الطفل على مائدة القرآن...).
ولكي نبرهن على الدور الريادي لمدرسة تحفيظ القرآن بمدينة كوكي، نشير إلى أحد الخريجين منها، وهو السيد محمد جوب، قضى فيها عشر سنوات منقطعا وبعيدا عن أهله حتى أتم حفظ القرآن، وهو يجيد النطق بالعربية والفرنسية والإنجليزية، وهو كما قال السيد اسماعيل الفخراني إذا تحدث في محاضرة، شد قلوب الناس وآذانهم بما لديه من حجة قوية من القرآن والحديث، وحجته دائما حاضرة، حتى صار يلقب بالشيخ الشعراوي السنغالي.
إن تجربة السنغال من خلال الكتاتيب القرآنية، تدعو إلى ضرورة إحياء تلك الخلايا القرآنية في بلاد الإسلام كلها، فهو عمل مقدس ومشروع قرآني لا يضاهى، لابد منه لواقع المسلم، لأن به حياة المسلم، فمن لم تكن حياته بالقرآن فبأي شيء يحيا؟ ونحن نعلم بأن الله يدعونا إلى الحياة في رحاب القرآن، ويرشدنا إلى ضرورة الاهتداء به: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}، {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا...}.
وإلى هنا أقول بأن سفيان الثوري، قد سئل يوما عن الرجل يغزو أحب إليك، أو يقرأ القرآن، فقال: يقرأ القرآن ويعلمه، لأن الحديث يقول: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وفي حديث لأبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "يا أبا هريرة علم الناس القرآن وتعلمه، فإنك إن مت وأنت كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق".
ويقول القرطبي: قال العلماء: "تعليم القرآن أفضل الأعمال، لأن فيه إعانة على الدين، فهو كتلقين الكافر الشهادة ليسلم...".
وإذا كانت القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذي يجلوها، فأجاب: "تلاوة القرآن...".
من هذه الإجابة النبوية، نستنتج بأن على كل مسلم أن يتحمل مسؤوليته كاملة نحو كتاب الله، يجب علينا أن نقبل على القرآن، نقرأه، نتعلمه ونعلمه لأولادنا، وأن نعمل على إعادة الكتاتيب في واقع المسلمين، وإقامتها بعناية، والسهر عليها برعاية، لأنها هي التي علمت الأجيال، وحافظت على القرآن الكريم، والمغاربة وهم مشهورون بحفظ كتاب الله منذ القديم، وصاروا أعلاما فيه، فإن الفضل في ذلك يعود للكتاب القرآني، بما كان له فيما مضى من دور ريادي في التحفيظ والتربية، وتكوين الأجيال الصاعدة، ليصبحوا رجالا قادة.
    وإذا كانت الإنسانية في عصرنا الحاضر تعيش حالة تخبط واضطراب، فالسبب هو غياب القرآن عن حياة الناس، ولا يمكن أن ينتفع به الناس عامة، إلا إذا كان أهله يحفظونه ويحافظون عليه، خاصة بأن يتدبروه ويهتدوا بهديه، حتى ينقذوا الناس بأحكامه ومبادئه، فهم أهل المسؤولية في هذا الشأن بحكم إسلامهم، وهم أمة الوسطية التي أرادها الله لهم {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا...}.
هذا القرآن، فيه الهداية للعقول، وفيه الرحمة للنفوس، ويه الحياة لموات القلوب، لأن طريقه طريق الله المستقيم:
{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}.


1) كتاب الأمة (المسلمون في السنغال) رقم 12 صفحة بتصرف.
2) نفس المرجع صفحة 12 بتصرف.
3) يرجى الرجوع إلى كتاب الإسلام وتقاليد الجاهلية لآدم عبد الله الألوري، وهو بحث جد قيم يهدف إلى مواجهة تيارات إحياء التقاليد الوطنية في إفريقيا.
4) في الأيام الأولى من شهر فبراير 1988.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here