islamaumaroc

التشاد المسلمة

  التهامي الراجي الهاشمي

العدد 269 ماي-أبريل 1988

    زرت في صيف 1987 جمهورية التشاد مشاركا في الدورة التدريبية لموجهي اللغة العربية؛ تلك الدورة التي أشرفت عليها المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم. وبما أنني كنت مسؤولا، في هذه الدورة عــن وحدة التربية الإسلامية فقد تسير لي الالتقاء بعلماء أجلاء متخصصين في الدرس الإسلامي. منهم من أوقـف حياته على تاريخ التشاد الإسلامية كالشيخ الصديق عثمان علي محمد صاحب «رسالة في سبيل الحـــق والإسلام» التي طبعت بمطبعة النيل للطبع والنشر بالخرطوم. وكتاب «لـمحات من تاريخ التشاد الإسلامي» الذي سيطيع، إن شاء الله، بالرباط برعاية المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم التي يديرها بقوة وأمانـة العلامة السيد عبد الهادي بوطالب حفظه الله وأعانه في جهوده المشكورة التي يبذلها للرفع من مستوى الأمـة التربوي والثقافي والعلمي. وكالعلامة الأديب شاعر التشاد الصديق عباس محمد عبد الواحد مدير المدينــة الجامعية للملك فهد بانجامنا عاصمة التشاد، صاحب ديوان «المـلامح» المطبوع بمطبعة أسعد ببغداد سنــة 1983 .
وكالعلامة المقرئ الشيح يوسف إسحاق مدير معهد القراءات بنجامينا وكالأستاذ الصديق محمد طاهر آدم مدير معهد محو الأمية المشرف على مدرسة الجيل الصاعد بالعاصمة. وكالأستاذ المقرئ الحافظ هشام جبـل المسؤول عن تكوين الأطر بمديرية التعليم العربي بوزارة التربية الوطنية وكالعلامة الدكتور محمد موسى رئيس شعبة اللغة العربية بكلية الآداب التابعة لجامعة التشاد وكالأستاذ المدني التيجاني صابون مدير التعليم العربـي بوزارة التربية الوطنية وكالمربي فضول المفتش العام بالتعليم الثانوي، وكالأستاذ الباحث محمد بركة معـروف وكالشيخ مهدي عبد الواحد صاحب كتاب «مكانة المرأة في الإسلام».
لاشك أن ذكر جميع المبدعين والباحثين الذي التقيت بهم في التشاد سيخرج كلمتي عن القصد الذي قصدت إليه وهو التحدث، ولو بإيجاز، عما تختص به الآن التشاد المسلمة.
لقد استرعى انتباهي فيها ثلاثة أمور؛ أحرص أن أشير إليها، ولو باقتضاب شديد.
الأمرالأول: تمسك هذا البلد بالمذهب المالكي الذي يطبق تطبيقا أمينا في كل الأمور الدينيـــة والدنيوية. ومما تجدر الإشارة إليه حرصهم الشديد على دراسة موطأ الإمام مالك الذي تعقد من أجل تحصيله حلقات دراسية، لا في المساجد الكثيرة المنتشرة في كل من أنجا منا العاصمة الإدارية أبشة العاصمة العلميـة للبلد، وإنما أيضا في الزاوية، وحتى في بعض ساحات أحياء المدن حيث يتجمع الأهالي للاجتماع إلى شروح أساتذة متخصصين في الموضوع.
الأمر الثاني: عمق تخصص شيوخ التشاد، لاسيما الذين درسوا في «أبشة» في تفسير كتاب الله. ولهم في ذلك منهج يتبع من قديم. الشيوخ الشباب يفسرون القرآن للطلبة المبتدئين انطلاقا من تفسير الجلالين؛ فإذا حصل التلاميذ ذلك انطلقوا إلى حلقــات شيوخ أكبر سنا وأوسع تجربة وأكثر علماء بكتاب الله ليستمعــوا منهم إلى تفسير الطبري؛ فإذا ما أنهـوا ذلك انضموا إلى الشيوخ الكبار المبرزين يدرسون عليهم الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، فالبحر المحيط لأبي حيان الغرناطي.
تقام بجانب هذه الحلقات التفسيرية حلقات صغرى لدراسة النحو العربي. وهكذا يوجد، بجانب حلقة تفسير الجلالين، درس لشرح لامية الأفعال لابن مالك عن مستويين اثنين؛ يقدم في المستوى الأول شرح بحرق الصغير، وفي المستوى الثاني شرح بحرق الكبير.
أما بجانب حلقة تفسير الطيري فتدرس معاني الحروف في مستويين اثنين. يخصص المستــوى الأول للجني الداني في حروف المعاني لابن أم قاسم في حين يخصص المستوى الثاني للمغني اللبيب لابن هشام.
وتدرس بجانب حلقة تفسير القرطبي وأبي حيان أمهات كتب النحو العربي في مستويين كذلك؛ يدرس شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك في المستوى الأول ويدرس كتاب سيبويه؛ في المستوى الثاني.
الأمر الثالث: اهتمامهم بالقرآن وبقراءاته.
لقد أثار اهتمام التشاديين بالقرآن وقراءاته انتباهي، ولعل التشاد هو البلد الوحيد المسلم الذي يمكن في للطفل أن يحفظ في الكتاتيب القرآنية القرآن بإحدى الروايات الأربع.
أ  ـ  رواية الدوري عن أبي عمر والبصري من طريق أبي الزعراء؛ تدرس هذه الرواية بكثافة في شرقــي التشاد وفي أبشة العاصمة العلمية لهذا البلد الشقيق على الخصوص.     
يكتب الأطفال رواية أبي عمر الدوري من طرق أبي الزعراء على الألواح كما نفعل أو كنا نفعل نحن هنا في المغرب، وهذا نموذج من هذه الألواح المستعملة من طرف أطفال التشاد، نلاحظ أن النص كتب على اللوح بالرواية المذكورة مكتوبة بخط تشادي (الإفريقي الجميل) على منهج المغاربة في الرسم إلا ما اضطـروا إلى مخالفته تسهيلا على المتعلمين مثل نقط النون في آخـــر الكلمة، وهي مخالفة لا تكاد تذكر. كما أنهم يشيرون في ألواحهم إلى الآية بثلاث نقط؛ وهو أمر خاص بالقراء الخطاطين لمصاحف أبي عمر الدوري من طريق أبي الزعراء. وهم يستعملون للكتابة على الألواح أقلام قصب رقيق ينبت بكثرة في التشاد ودواة من فاكهة أفرغ جوفها؛ وهذه صورة للقم والمدواة.
وحفاظ القرآن الكريم التشاديون مولعون بنسخ كتاب الله برواية الدوري، يحرصون أشد ما يكون الحرص على تفسيره تفسيرا فنيا رائعا بجلود ذلك المعز الأبيض الذي يصل تعداده في جمهورية التشاد، حســـب إحصائيات وزارة الفلاحة، إلى أكثر من مليوني رأس، يقصد كل صباح المراعي، كما شهدت ذلك بنفسي في جل المناطق التي زرتها حتى بدون راع.
وهذا نموذج من هذه المصاحف المخطوطة التي تفضل بعض القراء التشاديين العلماء فأهداني نسخـة منها غاية في الإتقان سليمة من كل خطأ.
هذا النموذج نادر جدا فلما يعثر عليه المرء وهو نفيس نظرا لتلكم التعليق التي زيدت في الطرة؛ وهي تعليقات تهم في غالب الأحيان أسرار التكرار ومشاكل في الرسم كما أنها تعنى بخصائص سور القرآن.
نقرأ مثلا في طرة الصفحة التي كتب عليها مطلع سورة الأعراف ان «في» متبوعة بالصاد كمــا «فـي صدك» و«في صحف» و«في صدور» وردت ستون مرة في القرآن الكريم. وهذه طريقة المغاربة فـي عد الحروف المتجاورة في كتاب الله، إلا أن المغاربة يعلقون على كل كلمة فيه بحيث يصبح النص القرآنــي عبارة عن لوحة فنية لا مثيل لها. وليتمكن القارئ الكريم من تكوين فكرة عن هذه الطريقة المغربية التي لاشك تأثرها بها نساخ القرآن الكريم بالتشادي، أقدم نموذجا بخط الفقيه المقرئ الحافظ سيدي الهاشي بــن مولاي أحمد بن مــولاي محمد الشريفي (1832 ـ 1894 ) لنفس مطلع سورة الأعراف، وسيدي القارئ أن الفقيه المرحوم سيـدي الهاشمي علق على نفس الكلمة «في صدر» بثلاث كلمات أخرى، غير اللتين علق بها الناسخ التشادي؛ ذلك علق عليها بـ «في صخرة»( القمان 16) وبـ «في صرة» (الداريات الآيـة 29) وبـ «في صلاتهم» ( المومنون الآية2) وذاب«في صحف» وبـ«في صدور».
وهذا نموذج آخر اكتفى ناسخه بالنص القرآني الكريم برواية الدوري، هذا النوع كثير في التشاد يكاد يوجد عند كل حافظ للقرآن بهذه الرواية وياما أكثرهم في هذا البلد!
تمثل الصورة الأولى فاتحة القرآن وتمثل الثانية سورة مريم، لاشك أن القارئ الكريم سيلاحظ أن الهاء في (كهيعص) ممالة وإن الياء بالفتح بخلاف ورش الذي يقللهما معا. ومعلوم أن امالة الهاء هنا عند الـدوري أماله محضة.
ب ـ رواية قالون عن نافع من طريق أبي نشيط، تنتشر هذه الرواية في المناطق الشمالية من التشاد. ومما ساعد على الاحتفاظ بهذه الرواية في هذه المناطق قربها، من جهة، تونس التي اهتمت دائما وتهتم الآن أيضـا بهذه الرواية فقطعها من حين لأخر كاملــة بأحجام مختلفة تارة ومجزأة إلى أرباع وأحزاب تارة أخرى تحت إشراف مشيخة الجامع الأعظم بتونس التـي أرجو، بهذه المناسبة أن تعمل على إصدار مصحف لرواية قالون بما اصطلح عليه بمقياس6، لأنه حجم يسهـل تناوله وحمله من طرف تالي القرآن في السفر والطعن.
كما أن قرب التشاد من الجماهيرية الليبية التي تطبع هي أيضا مصحفا برواية قالون وتوزعه بسخـاء كبير تشكر عليه ساعد على الاحتفاظ بهذه الرواية سليمة صحيحة في المناطق الشمالية من التشاد. وإن إقدام جمعية الدعوة الإسلامية بالجماهيرية الليبية على إصدار القرآن الكريم المرتل ترتيلا جيدا للغاية من طرف المقرئ الزميل محمد أبو سنينة مسجلا على سقاط تحتوي كل واحدة منها حزبين؛ تسجيلا يوزع على نطاق واسـع يساعـد أيضا على تعميق حفظ هذه الرواية في التشاد.
ولقد أسعدني الحظ فصليت ذات ليلة صلاة العشاء وراء فقيه حافظ أم بنا برواية قالون؛ قرأ في الركعــة الأولى بسورة القيامة وقرأ في الركعة الثانية بسورة المرسلات. ولما التقيت به بعد الصلاة أخبرني أنه لا يقرأ إلا بهذه الرواية وان كان يعرف روايتي ورش والدوري.
ج  ـ  رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق، المصاحف المستعملة في هذه الرواية هي مصاحف مطبوعة طبعة يمكن أن نقول إنها حجرية حديثة مكتوبة بخط إفريقي جميل وطبعت على نفقة المحسن الحاج حسن أنـو مدرم من أصل كمروني.وهذه نماذج بين هذا المصحف الجميل المكتوب بأربعة ألوان كما نرى في النمـاذج التالية:
كتب، في هذا المصحف ذي التفسير الأنيق، ما يعرف بالرسم العثماني باللون الأسود وهذا ما كان دائمـا وما يجب أن يكون لقد كانوا يعبرون عن الرسم العثماني بـ «السودان» ويقولون: «السواد كتب الكلمـة كذا بالشكل كذا»ذلك أن الحروف الصوامت كانت تكتب دائما باللون الأسود حتى صار رسم الإمام يعرف بـ «السواد».
وكتب الهمزة فيه باللون الأصفر وهذا هو المنهج الذي اتبعه السلف الصالح رضوان الله عليه في رسم الهمزة. أما الحركات على الحروف فأثبت في هذا المصحف بالأحمر تطبيقا لما درج عليه التابعون رحمهم الله. قال الإمام الدائي: (المقنع في رسم مصاحف الأمصار صفحة 134) : «وأرى أن يستعمل للنقط لونــان الحمرة والصفرة فتكون الحمرة للحركات والتنوين والتشديد والتخفيف والسكون والوصل والمد وتمــون الصفرة للهمزات خاصة، وعلى ذلك مصاحف أهل المدينة فيما حدثنا به أحمد بن عمر بن محفوظ عن محمد بن أحمد الإمام عن عبد الله بن عيسى عن قالون عن مصاحف أهل المدينة».
وأشير فيه بنقطة خضراء إلى نطق الفات الوصل. فإن كانت مفتوحة جعلت نقطة خضراء على أعلى الألف وإن كانت مضمومة جعلت في وسطه وإن كانت مكسورة جعلت في أسفله وهذا بالضبط ما كان عليه السلف الصالح، قال الإمام الداني في المقنع (ص 134) : «وإن استعملت الخضرة للابتداء بألفات الوصل على ما أحدثه أهل بلدنا قديما فلا أرى بذلك بأسا إن شاء الله وبالله التوفيق». ولكن نظرا لارتفاع ثمن هـــذا المصحف المطبوع برواية ورش ( ثمنه 3500 فرنكا أسفة) فإنه فليل لا يكاد المرء يعثر عليه إلا بشق الأنفس.
لذا حين أهديت لأصدقائي بعض مصاحف ورش المطبوع في المغرب بالخط المغربي وبأمر من أمير المؤمنين الحسن الثاني أعزه الله فرحوا له فرحا شديدا. ولقد شجعني صغر حجمه فأخذت منه معي ما يزيد على عشر نسخ. لكن لم يكن معي، بكل أسف إلا مصحف واحد حسني من الحجم الكبير المذهب أهديته لمعهد القراءات. وكم كانت فرحة أساتذة وطلبة المعهد عظيمة حيث شاهدوه واعتبروه هدية لا تقدر بثمن وصاروا يدعون لأمير المؤمنين بالنصر والتمكين.
د  ـ  رواية حفص عن عاصم من طريق يحيى بن آدم.هذه رواية بدأ القراء التشاديون يقبلون عليهــا بسبب مواطنيهم الذين درسوا في الشرق وعادوا إلى بلادهم متمكنين منها. لكنني لاحظت أن انتشارها اقتصر على العاصمة انجامنا دون سواها من المدن والقرى التشادية.
وأحب قبل أن أختم هذا الحديث المقتضب عن التشاد المسلمة أقدم صورتين تذكاريتين لبعـــض الأساتذة التشاديين الأصدقاء الذين أبو إلا أن يخلدوا ذكرى الدرس القرآني بصورة تذكارية أخذت في حدائق الجامعة وأخرى في المنطقة السياحية التي تبعد عن انجامنا بحوالي 120 كلمترا جنوب العاصمة. يظهــر وراء الصورة نهر شاري العظيم فأراضي الكمرون.
لقد كانت حقا جولة ممتعة ومفيدة سنحت لي التعرف على مفكرين ومبدعين وقراء سأعتز بصداقتهم ما حييت؛ ولله الأمر من قبل ومن بعد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here