islamaumaroc

إفريقيا المسلمة تؤكد وجودها التاريخي ودورها الحضاري وتعلقها بالقيم الإسلامية

  عبد الكبير العلوي المدغري

العدد 269 ماي-أبريل 1988

في أجواء تعبق بطيوب الحب والمودة والإخاء، وبروح تفيض ثقة وحماسا، وتتألق إخلاصا وفعالية. وفي ظروف مواتية مسعفة تستهدف تقاربا إسلاميا خالصا، احتضنت مدينة دكار عاصمة السنغال المؤتمر الأول لرابطة علماء المغرب والسنغال للصداقة والتعاون الإسلامي، تغيا جمع كلمة المسلمين الأفارقــة ليزدادوا تعاونا وتآلفا، وتناصرا وتآزرا، ويعززوا صفوفهم، ويؤلفوا قوة إسلامية في جو من الأخــوة والصفاء، تكفل لهم حياة رافهة، وعزا منيعا، كما تضمن لهم فرض وجودهم في معترك الحياة، وسوح الجهاد، وتعطيهم المكانة المرموقة التي يجب أن يحتلوها على الصعيد العالمي… 
وما من شك في أن هذا المؤتمر الأول لرابطة علماء المغرب والسنغال للصداقة والتعــاون الإسلامي الذي انعقد في شهر فبراير الماضي، كان فرصة فريدة في تاريخنا الإسلامي في العصر الحديث، وفي منطقة غرب الشمال الأفريقي، فقد سجل تقاربا متينا حيويا مثمرا بين البلدين الإسلاميين، كما كان مظهرا لإبراز التضامن والوئام بين الإخوة المسلمين عموما فيما يعود على بلدانهم وشعوبهم وقارتهم، وعلى المسلمين بالخير المحض، والنفع العام، حتى يشعروا عن وعي يقظ ، وتبصر حي، بقوتهم السياسية والبشرية، وإمكانية تسخيرها لخير شعوبهم، ولصالح الإنسان…
فهذه المؤتمرات الإسلامية، التي تعقد هنا وهناك، تفرضها مبادئ الإسلام التي تتطلب من أبنائها البحث عن حل مشاكلهم المادية والروحية، استجابة لما يعتلج في نفوس المسلمين من شؤون وشجون، وأشواق نحو الوحدة الجامعة من أبناء الأمة الوسط حتى يحددوا مكانهم ودورهم في بناء الحضارة الحديثة وموقعهم من الصراع العالمي.
لقد أصبحت هذه اللقاءت اليوم استجابة لإلحاح الضرورة، واستحثات الحال تفرض وجودها، وتؤكد حضروها، لتؤلف بين القلوب في ذات الله، وتؤاخي بين الشعوب في أصل الحق، وتحارب كل عمل يخدش الجبهة الداخلية لأمة، فهي، ولاشك، دلالة على تيقظ الروح الهاجد في كيان الأمة الإسلامية، وتعزيز لأواصر القربى والألفة والمودة بين شعوبها مما يبشر بتجمع القوى الشتيتة في هذا العصر الذي يمتاز بخصوصيات التكثـلات والتجمعات على مستويات مختلفة، والتي تتجلى، بإذن الله، في تعاطف المسلمين على البعد، وتناصرهم على الحق، وتحالفهم على الأحداث، وتغلبهم على الصعاب والعقاب…
                                                   ***
إن المؤتمر الأول لرابطة علماء المغرب والسنغال أعطانا صورة صادقة عن إخواننا المسلمين في السنغال قيادة وحكومة وشعبا، كمفكرين واعين، ومجتهدين مخلصين، وزعماء روحيين تنضر بهم الآمال الذاوية، وتزكو العزائم الخابية، ويعلق الناس على علومهم وجهودهم وحضورهم كل الأماني، ومواطنين إفريقيين، ما انفكوا ينتفضون، ممزقين حجب الجهل والتخلف، ويستيقظون من هجعتهم استيقاظ المذعور، يلتمسون طريق الخلاص، ويتمسكون بإسلامهم، ويتعلقون بوطنهم كخير ما يكون عليه المواطن المسلم الصالح الذي تراه دائما ثائرا لا يهدأ، وطامحا لا يرض ، ودائبا لا يستقر، فهو في سبيل نشر العقيدة، والتشبث بها، والتعلق بالإسلام، والعمل للدعوة له، والذياد عن حياضه وحماه، حركة دائبة لا تفتر، وتقدم بخطوات ثابتة لا تعثر، وزحف هادر لا يقف.
ومما يبعث على الرضى والاطمئنان أننا وجدنا شعبا مسلما واعيا في بلاد السنغال، كإخوانهم علماء المغرب، يبشر بتجمع القوى الشتيتة في الأمة الإفريقية المسلمة يغلي حركة ودؤوبا، ويتطلع شوقا لمعرفة دينه، ويذوب وجدا لمعرفة أصدقائه، ويمد يده، في ضراعة، لإخوانه المسلمين في كل مكان لعونه ومؤازرته، وشد أزره، وينشد من رؤسائه وحكامه تحقيق مطامحه وأشواقه ومقوماته وتطلعاته حتى يدرك ما فات، ويسترجع ما ضاع، ويتبوأ مقامه الكريم عن جدارة صائبة، وعريقة، في إطار حياة تقوم على الإيمان المحض، والإحسان الخالص، لا يبقى المسلمون أشتاتا وأوزاعا لا تؤلف بينهم وحدة، و يجمعهم نظام… 
                                                   ***
وإننا لنتيمن بهذا البعث الإسلامي الرائع وصحوة المسلمين في هذا البلد الأمين، ونعتبره فجرا صادقا بدأت تلوح إشعاعاته المتألقة في غربنا الإفريقي الإسلامي، لا ليبث، بإذن الله، إن يعم سناه وضياؤه الآفاق في بقية الجهات…
لهذا سادت الفكرة الإسلامية في هذا اللقاء، الذي تم بين علماء المغرب والسنغال وغيرهم من علماء المنطقة، فأحس المسلم معها أن إخوانه سواسية، متفقون في الشعور، متحدون في الوجهة، متعاطفون في المكروه، متناصرون في الشدة، فلا يتنابذون بالمذهب، ولا يتنافرون في الوجهة، ولا يتعادون في الخلاف، وأنه ليس لمسلم فضل على مسلم إلا بالتقوى، وأن عقيدة التوحيد هي نواة الإصلاح، ونقطة التحول التي تملك غرس الوئام في النفوس، وإقرار السلام في العالم، فلا تبقى معنى للنعرات الطائفية والمذهبية التي طالما غرسها الاستعمار الكافر، وعمق جذورها في الأرض، وبثها في نفوس المذبذبين تحقيقا لمطامعه وأغراضه وشهواته، حتى ابتدع له فكرة الزنوجية في محاولة لغلق الوجود الإفريقي وحبسه في إطار فلكلوري، وتصويره في صور سياحية يرى فيها الأوربي متحفا للغرائب، ومعرضا للعجائب الاستوائية.
                                                   ***
  وإن مما يحيي النفوس، ويثلج الصدور، وينعش الآمال أن أبناء إفريقيا اليوم الذين تعرض تاريخهم لتعتيم منهجي، ولتشويه منظم، ولتخريب مقصود، والذين غضبوا للإهانة، وثاروا للعدوان. فتحرروا من ربقة الاستعمار، في تموجات حركية دائبة، وقوة إيمانية صادقة صامدة، لتأكيد الذات، وإعلان الحضور، في تآزر ووحدة وانسجام، مدركين أن تناقض المذاهب، وتعارض الشرائع، وافتقاد الإنسانية لذلك النظام الإلإهي الذي يسدد خطاها، ويحفظ قواها، ويصون تاريخها وثقافتها وعقولها ودينها ودنياها من الفوضى العبثية، والتزييف الكاذب مما يكون سببا في تأخير الأمة وتخبطها في دياجير التخلف والجهالة…
وإنه ما فتئت تلك الحملات المغرضة تحاول الكيد للإسلام، وتنال منه، وتجهز عليه، والتي كانت وما تزال يغذيها لصوص الضمائر، وأبالسة الجن، وسماسرة الأديان، وشياطين القلوب، الذين اضطرهم اليأس أو البؤس إلى الاتجار بالدين، والعبث بعقائد الناس، والعيش على ضلالات العقول، وسفاهات الألسن، وحزازات النفوس، وتخدير المشاعر…
إن إفريقيا اليوم، واعية بمسؤوليتها، مقدرة ظروفها، مدركة لما يحيط بها، فقد حقق الإسلام لها كل أمانيها، وحرّرها من إسار الجمود والجحود، فكان لها النصر المؤزر، والفلج والظهور، فلم يزل الاستعمار والتبشير يرجع إلى الوراء، خاسئا مدحورا، حتى عاد كالعرج القديم، ثم ولى مدبرا، ولم يعقب …
ولربما كان ظفر الإسلام في إفريقيا اليوم أعظم ظفر لاقاه المبشرون المسلمون حديثا .. فقد قال مبشربر وتستنتي فرنسي : «ما برح الإسلام يسير التقدمية منذ نشوئه حتى اليوم، فلم يعثر في سبيله إلا القليل، وما نراه يسير في جهات الأرض حتى بلغ قلب إفريقية، مذللا أشق المصاعب، ومجتازا أشد الصعاب، غير واهن العزم، فالإسلام حقا، لا يرهب في سبيله شيئا، وهو لا ينظر إلى النصرانية منازعته الشديدة، نظرة المقت والازدراء، فلهذا هو حقيق بالظفر والنصر، إذ بينما كان النصارى يحملون بفتح إفريقية في نومهم، فتح المسلمون جميع بقاع القارة في يقظتهم.
لقد أورد بعض القادة الأفارقة في ترجمة حياته تصويرا دقيقا كيفا عمد الاستعمار في إفريقيا، إلى اتهام الإسلام بالجمود والخمود، وعدم القابلية والنباهة، فكان يفت في الأعضاد، ويفل غرب العزائم إلى تحريف التاريخ، وتزييف الوقائع، وإفساد الثقافة، وتخدير العقول، وإفساد النشء والشباب والإيفاع، حيث يقول :«لقد تعلمنا نحن الإفريقيين في مدارس الاستعمار تاريخ فرنسا، وحروب الغال، وحياة «جاندراك»، ومعارك «نابيلون»، وقرأنا سفر«لا مرتين»، ومسرح «موليير»، ودرسنا التنظيم الإداري لفرنسا كما لو كانت بلادنا إفريقيا دون تاريخ، ودون واقع جغرافي ودون ثقافة، ودون قيم، ودون أخلاق، وقدم الاستعمار لنا من العلم والثقافة القدر الذي يرى أنه يخلق منا آلات ترتبط مصالحها بعجلة الاستعمار، هكذا تحددت طبيعة التعليم في ظل الاستعمار.
لقد أراد الاستعمار للمثقفين أن يفكروا «بديكارت» «وبرجسون» ولم يسمح لهم بالتفكير في قيمهم وثقافتهم وتراثهم الإفريقي …
لهذا لا يعرف كثير من شبابنا فلسفة المفكرين الإفريقيين أمثال المناضل الوطني «الحاج عمر» و «أحمد ساموري» وإذا استمر الأمر بناء على هذا النحو، فلن نستطيع أن ننمي شخصيتنا الإفريقية التي هي الطريق الوحيد للنهضة في إفريقيا…»
                                                   ***
إن الأمة ذات الرسالة الخالدة لا يمكن قهرها، والتغلب عليها أو تفكيكها، أو فصلها عن بقية أجزائها. فهي دائما في مناعة صامدة، وحصانة واقية تحفظها شر العثرات ووخيم المغبات.
وإن العرب جزء من إفريقيا، منذ كانت ومنذ كانوا وجودا متكاملا جغرافيا وبشريا وثقافيا … لذلك بقيت العلاقات الإفريقية العربية تتحدى كل عمليات التزييف لسبب واحد وبسيط، هو أنها حقيقة تاريخية صنعتها الشعوب وآمنت بها، وكافحت دونها، فلا ينسخها التجاهل، ولا يزيلها الكذب المحض، ولا يرفعها البهتان البحت، ولا يغيرها التأويل، ولا يبذلها التفسير…
وإن أساس الأمة الإسلامية الدعوة إلى الله بالتي هي أقوم وأحسن، وأدعى إلى القبول، والسعي والجهاد، وتمام الحجة على العباد.
والأمم المومنة تعلم أنها لا تنهض، ولا تلمع ولا تسود على العالم إلا برسالتها الحق، أو بما تنطوي عليه من صالح البشرية وبما تستطيع أن تقوم به من ثورة عارمة، وإحداث انقلاب في الطقوس البالية الفاسدة الكاسدة.
ويجب أن نعتقد مومنين ما يراه شاعر الإسلام د. محمد إقبال الذي يومن بأن المسلم الحق لم يخلق ليندفع مع التيار، وكأنه صعدة نابتة في جرز، أينما الريح تحركها تمل .. أو يساير الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية ويفرض على البشرية اتجاهه، ويملي عليها إرادته، لأنه صاحب الرسالة، وصاحب العلم، ولأنه المسؤول عن العالم وسيره واتجاهه، فليس مقامه مقام الأتباع والتقليد، إن مقامه الإمامة والقيادة، ومقامه الإرشاد والتوجيه، ومقام الآمر والناهي، فإذا عصاه المجتمع، وتنكر له الزمان، وانحرف عن الجادة، لم يكن له أن يستلم، ويضع أوزاره ويستغرق في هجعته، ويدلـج في ظلمته، ويسالم الدهر،بل عليه أن يثور، ويتمرد ويتعنت، ويظل في صراع معه،وعراك مستمر مستديم.
                                                   ***
لقد دعا صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله إلى عقد هذا المؤتمر الإسلامي الناجح .. كما فكر وسعى قبل إلى إيجاد هذه الرابطة الإسلامية المغربية السنغالية سعيا لتوحيد الصف وجمع الكلمة، وضم الآراء، وسبيلا إلى الوحدة المرجوة بين أبناء المسلمين حتى تبلغ غايتها المرجوة، وشأوها البعيد، وأمدها المرسوم، بعد أن قد رأى ما عليه العالم الإسلامي من تناحر وتخالف واستغلال صارخ للدين والشريعة، فأهاب بالعلماء، أن يضموا الصفوف، ويجمعوا أمرهم وشركاءهم، حتى لا يكون أمرهم عليهم غمة، ويوحدوا خطتهم، ويأخذون بالمذهب الواحد الذي يعصم من الزلق والفتنة، واختلاف الآراء، وتوزع الأهواء.
                                                   ***
وبألمعية متوقدة، وذكاء لماح، وإدراك واع، خاطب فخامة رئيس الجمهورية السنغالية السيد عبدو ضيوف المؤتمرين، وهو يعلن عن افتتاح اللقاء الإسلامي الكبير، مشيرا إلى جهود صاحب الجلالة أمير المومنين الحسن الثاني حفظه الله الذي عمل من أجل إنجاح المؤتمر فقال:
«يطيب لي ويسعدني أن أحيي أخي وصديقي جلالة الملك الحسن الثاني وأنوه بمبادرته لتنظيم هذا اللقاء الذي يجمع لأول مرة في التاريخ رجال أفذاذا وعلماء أفاضل أتوا من المغرب والسنغال للحوار والتداول في قضايا إسلامية رغبة في التقريب بين آرائهم، ووجهات نظرهم، وتحقيق إجماعهم لصالــح الأمة الإسلامية …
وبالإضافة إلى الهدف الذي لا تخفى دلالته، ولا يستهان بأهميته، فإن لقاءكم، أيها العلماء الأفاضل، يندرج في ما للشعبين وقائديهما من حرص شديد، وعزم أكيد، على تعزيز أواصر الصداقة العريقة التي نسجها التاريخ وأحكم عراها بين البلدين، وعملت الأجيال السابقة في كل وقت وحين، على تنميتها وتوسيع مجالها.
وما ينبغي التأكيد عليه والوقوف عنده، أن هذه المبادرة التي تفضل بها جلالة الملك الحسن الثاني لا تمثل سوى جانب واحد من اهتمامه الفائق بالعلم والعرفان وسعيه بوصفه، أمير المومنين، في بلورة تعاليم نبينا خير الأنام عليه الصلاة والسلام، وتخليد تراث ثقافي لا يخلو من غنى وثراء يتلقاه الخلف عن السلف، ويعد جلالته من أحرص العاملين على مواصلة التشبث به والاستمرار في الاعتزاز به، وجامعة القرويين الشهيرة التي تم بناؤها سنة 895 ميلادية في فاس، مدينة العلم والإشعاع، أليست من أقدم الجامعات وأعرقها في العالم إلى جانب جامعة بولون ؟
   وكما يشهد العالم كله بذلك، فإن أهمية إسهام جلالته في التنمية العلمية والاقتصادية وفي إحياء الثقافة والحضارة الإسلامية والنهوض بهما لم تعد تحتاج إلى برهان أو دليل».
تلك شهادة مخلصة صادقة، صريحة مسؤولة، صادرة من رئيس جمهورية مسلم في أخيه جلالة الحسن الثاني حفظه الله الذي يعمل على ترسيخ القيم الدينية، ويرعى الحركة الفكرية والعلمية في شتى المجالات في بلاده، وغيرها من الأقطار الشقيقة والصديقة، ويسعى جاهدا لإتمام الحضارة المغربية المتفتحة، ويحرس القيم والمثل السامية الإسلامية بيد أمينة،وتبصر واع وحكمة إلاهية، مما يدعو إلى الفخر والاعتزاز ويبقى مخلدا في جبين الدهر، ومسطرا على صفحات الخلود…

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here