islamaumaroc

الجذور الإدريسية لإمبراطورية غانا والأصول السنغالية للدولة المرابطية.

  محمد أحمد الغربي

العدد 269 ماي-أبريل 1988

قامت امبراطورية غانا وتوسعت في خلال سنة قرون، من القنرس السادس وحتى العاشر وكانت ظاهرة سياسية وحضارة مركزية فريدة في إفريقيا العربية جنوب الصحراء، حيث اعتمدت على العنصرين الأبيض والأسود، وأخذت بالوسائل المادية التي دفعت بها نحو التطور والقوة، ومن بين تلك الوسائل تحويل الحديد وفرض الضرائب على تجارة الذهب والملم والمواشي، بالإضافة ذ إلى التوسط التجاري، والاعتناء باستخراج الذهب وتسويقه.
ولقد كان الذهب يستخرج بكيفية رئيسية في غانا ويباع لبلدان البحر المتوسط، وكان بغانا منجمان رئيسيان، أحدهما في بامبوك، بين نهر السنغال وفالبي، وفي بوري القريبة من مدينة سيغرى، وأهم ما كان يدفع مقابل مسحوق الذهب الملح المستخرج من مالح الصحراء وبعض المصنوعات المجلوبة من المغرب، وظلت سيطرة برابرة صنهاجة على طريق الذهب في عهد غانا مستمرة لقرون عديدة(2).
وقد استفادت قبائل السراكولي، التي كان لها العصبية في دولة غانا، والقبائل الأخرى المنضوية تحت حكم تلك الدولة مثل الماندينع والبامبارا، من خبرة برابرة صنهاجة في صهر الحديد وطرقه وتحوله إلى أدوات مختلفة استخدمت في الحرب ومجابهة الطبيعة وإخضاعها وفي إقرار الأمن.
وأعانت الأهمية التي ظلت قبائل صنهاجة تحتفظ بها في دولة غانان، على توسع تلك القبائل نحو الشرق والشمال الشرقي، ويبدو أن تلك الوضعية المريحة للبرابرة قد ساعدت على اندفاع عدد من القبائل المغربية الأخرى نحو الصحراء والسودان الأمر الذي أذى قبل وصول الفاتحين المسلمين إلى هذه الجهات في القرن السابع إلى دفع القبائل السوداء نحو الجنوب بشكل متواصل، وإلى قيام جنس مختلط بربري – سوداني.(3)
ولعل هذا العصر هو الذي جعل القادة المسلمين يضعون مناطق السودان البربرية نصب أعينهم، فقد فتح عقبة ابن عامر بن عبد قيس باسم عمرو بن العاص مدينة غدامس التي كانت بوابة النيجر الشرقية سنة 662م، وفي السنة الموالية افتتح وادان وكورا في السودان وأثخن في تلك النواحي وكان له فيها جهاد وفتوح،(4) ويذكر ابن عذاري المراكشي أن عقبة انحدر في حملته الثانية إلى السودان من بلاد المغرب، ووصل إلى غانان عن طريق وادان وبنى مساجد فيها (5),
فاعتماد على مقارنة بين المصادر يتبين أن عقبة قام بحملتين إلى السودان إحداهما من تونس والثانية من المغرب، ولا تعثر في أي مصدر على أخبار قتال أو حصار في الحملتين معا، بما يدل على استجابة الأفارقة السود لدعة الدين الجديد وهو نفس الأمر الذي كان يحدث تقريبا في بلاد المغـــــرب(6).
ونحن نرجح أن وجود قبائل بربرية وفيرة ومتنفذة في الصحراء والسودان، بالإضافة إلى خصائص الدين الجديد وروحه التحريرية، خلفا جوا مناسبا لوصول الفاتح العربي إلى بعض أهدافه الروحية، والثابت أن حملة عقلة هدت أغلبت قبائل البربر وبعض قبائل غانا إلى الدين الجديد بالقدر الذي فتحت أعين حكام شمال إفريقيا على إمكانيات السودان.
ونحن لا نوافق بعض المؤرخين الذين يذهبون إلى حد القول بأن الفكرة الإسلامية كانت هي العامل القوي في بناء امبراطورية غانا أو بناء الإمبراطورية المغربية بالسودان،(7) لأن ارتكاز غانا على العنصر الديني كان ضعيفا جدا بدليل تصديها للمرابطين الذين أرادوا حمل الزنوج بالقوة على اعتناء الإسلام، وهو أمر حدث بعد أربعة قرونه من وصل عقبة على هذه الجهات، على أن هذا لا ينفي أبدا أن الفكرة الإسلامية فد انتشرت تباعا ولاكن على نطاق محدود قبل المرابطين.
وفي عام 734 وصلت حملة عربية من المغرب، استولت على أحمال من الذهب استخرجت من السودان وسوس، وأعقبتها حلمة ثالثة لا نعرف لها تاريخا انحدرت ومن تافيلالت إلى نهر النيجر، واستبدل التجار المرافقون لها ما كان معهم من البضائع بمسحوق الذهب،وقد نقل canale عن المسعودي بأن سكان نهر النيجر الذين قايضهم أولئك التجار كانوا عراة تماما.(8)
ويظهر أن الحملات التي تلت مجيء عقبة لم تكن تهتم بالموضوع الديني، مما تسبب في ردة فعل عنيفة لدى الغانيين وصنهاجة لا نعرف مداها، وأغلب الظن أن ذلك كان من الأسباب التي نبهت زعماء غانا إلى ضرورة قيام حكم قوي فيهم للوقوف في وجه الأخطار التي باتت تطل من الشمال، ولا حكام المراقبة على طريق القوافل.
وفي هذا الوقت، وفيما كان صراع التصفية النهائية يجري في غانا لإقرار النظام المركزي القوي، قدم من الشرق أشراف ينتسبون لنفس الأسرة الإدريسية التي حكمت المغرب منذ عام 788، وأقامت لها دولتين أخريتين في الأندلس (بني حمود وفي اليمامة (بني الأخيضر)، ولم يفطر أولئك الأشراف في أمر دعوة أو إصلاح بل سعوا أكثر من ذلك في تأسيس مملكة بالسودان.(9)
ويظهر أن صالحا الذي أتى من مكة قد ألقى من الترحيب ببلاد غانا بالقدر الذي لقيه إدريس الأول في المغرب، وقد استقل ذلك لإقامة ملك "ببلاد السودان من المغرب الأقصى...وبقي عقب الأدارسة معروفا..."(10)
ولا نعلم مدى تأثير هذا الوضع الجديد على سير عملية تأسيس غانا المركزية، ولكننا نميل إلى الاعتقاد بأن الأشراف حازوا على تأييد الغانيين وتحزبهم لهم بدليل أنهم نقلوا عاصمتهم من ضفة نهر النيجر إلى كومبي صالح التي أسسها الأدارسة وجعلوا منها عاصمة سياسية لهم وهي في منطقة خصبة غرب نهر النيجر.(11)
وتدل نتائج التنقيب الذي أجري في مكان كومبي صالح والذي استغرق ثلاثين سنة، إن البلدة كانت شبيهة بالمدن الإسلامية الكبرى، فقد أقيمت على مساحة بلغت ميلا مربعا وكانت تتسع لثلاثين ألف نسمة، وأقدم بينان فيها يعود إلى 900 سنة، مما يدل على أن نواتها كانت موجودة قبل قدوم الشريف صالح، وقد أحيطت المدينة من كل جوانبها بسور مرتفع وأنشئت وسطها قلعة ذات طابقين، وعثر المنقبون بين الأنقاض على أسلحة متخذة من الحديد ومسامير في غاية الدقة، وموازين مختلفة الأحجام لوزن الذهب وصفائح نحاسية وحديدية مزخرفة بآيات قرآنية، ورسوم دقيقة على الجدران، ومقض ومطارق حديدية وخشبية وجرار مختلفة الأحجام وغير ذلك من الأدوات. (12)
وقد عمرت المدينة بعناصر مختلفة زنجية وبربرية، مع أقلية عربية أخذت ولا شك مكانة مهمة في الميدان السياسي والعلمي والتجاري، حيث كانت تسكن بيوتا ذات ساحات واسعة وغرف متقابلة فسيحة اشتملت حيطانها وأعمدتها على بعض النقوض والكتابات العربية.
ولم تكن كومبي صالح في المدينة الكبيرة الوحيدة إلى جانب أودغوشت التي حافظت حتى ذلك الوقت على دورها السابق كمركز تجاري أول في غانا، بل كانت هناك مدن أخرى دونهما أهمية وكبرا وخاصة على الطريق التجاري الغربي أو بالقرب من منجمي الذهب ومن بينها مدينة هينيشين التي ضمت جالية عربية أيضا هي بقايا الجنود الذين سبق لخلفاء بني أمية في الأندلس أن وجهوهم للسودان فتخلفوا وتزوجوا بسودانيات.(13)
وإذا حاولنا أن نجد عند أدارسة المغرب اهتماما بالسودان وما كان يجري فيه بعد تقلد أبناء عمومتهم الزعامة السياسية فإننا لا نعثر على إشارات متباعدة وغير مضبوطة عن اتجاه بعض الدعاة المتطوعين إلى تلك الجهات لنشر الإسلام والدعوة إلى عقيدته، "فرسالة المغرب الإفريقية قد تبلورت آنذاك في إشعاع بلغ تخوم النيجر (14) ولعله كان من المثير تاريخيا لو أ، احتكاكا أو اتصالا واسعا وقع بين الدولتين الإرديسيتين. ولكن ذلك لم يحدث إلا على نطاق لا يمكن اعتباره، ويبدو أن حسن النية ونبل المقاصد كان متوفرا للجهتين معا ولكن لم يترجم إلى شيء ملموس بالنظر لبعد، الشقة وانشغال كل من الطرفين بما يقع داخل حدوده، وفي الوسع التصور بأن حسن النية ذلك قد ترجم على عمل مثمر وغير مباشر، وتمثل في أعمار المدن التي كانت تمر بها القوافل نحو السودان والمغرب بل وبناء مدينة بكاملها لهذا الغرض هي مدينة تمدلت بسوس وتنصيب أحد الأمراء الأدارسة عاملا عليها، وازدهرت سجلماسة وكوليمين في ذلك الوقت.
وما كادت الدولة الإدريسية في المغرب تفقد قوتها، وتترك البلاد في بد حكام وثوار هنا وهناك حتى عاجلت قوات الزناتيين الذين استقلوا بجهات المغرب الجنوبية الشرقية وضموا سجلماسة، بلاد السودان بضربات متلاحقة فيما بين 932 و 933 وكانوا يلقون العوم من برابرة اودغوشت الذين أفلتت السلطة من أيديهم منذ مجيئ الشرفاء الأدارسة إلى السودان.
وقد تمكن زعيم الزناتيين موسى بن أبي العافية من دفع جند غانا وقادتاه الأدارسة نحو الجنوب، وأخذ من كومبي صالح المكوس على الذهب والنحاس والملح، ولكن سلطانه لم يرسخ بهذه الجهات أو يمتد لفترة طويلة حيث إن الفاطميين نازلوا مراكز إمارته وخاصة سجلماسة وأجبروه على منازلتهم حيث تمت هزيمته وانقضاء دولته، واضمحلال دعوته الأموية، وانكفاء أطراف السودان عن سلطانه (15).
أما في جهات النيجر الأوسط حيث أسس برابرة صنهاجة منذ القرن الخامس مملكة لهم حول مدينة كوكيا، فقد كانت بمنأى عن الصراعات التي عرفتها غانا طيلة ثلاثة قرون، ولقد كان التأثير العربي القادم من مصر ذا اعتبار وأهمية (16) ويظهر أن الإسلام هناك انتشر عن طريق الإقناع، وامتد إلى تشاد شرقا وإلى بعض قبائل البهل غربا.
وقبل منتصف القرن العاشر هبت على كوكيا رياح الفتنة الإسلامية، بينما كان الإسلام لا يزال فتيا بها محدود الانتشار في نواحيها، وفقد التجأ الخوارج الفارون من وجه الفاطميين بتونس، ولم يلبث زعيم المدينة كيراد أن اعتنق المذهب الخارجي، ثم قام هو وابنه أبو يزيد مخلد بن كبراد بالدعوة للأمويين الذي كان نفوذهم قد تراجع من كل بلاد المغرب، وقد ظفر أبو يزيد مخلد بتأييد مسلمي النيجر الأوسط وصنهاجة أدوغشت الذي كانوا شيعة للأمويين منذ مجيء موسى بن أبي العافية، وأمدت أدوغشت أيا يزيد بمقاتلين ودواب فتمكن في مد سلطانه على بلاد الحمادة وجنوب تونس والجزائر والمغرب، وعندما استمرت الحرب بينه وبين صاحب تونس إسماعيل بن محمد بن عبيد الله المهدي الملقب بالمنصور انتهت بهزيمته، فعاد إلى كوكيا وأعلن نفسه إمام، وبايعه السودانيون وصنهاجة، وأصبح أمير البربر زيري بن مناد من قواده وأنصاره وقد حاول مهاجمة تونس من جديد، ولكنه هزم وقتل عام 941 )(17).
وبانتهاء الحكم الخارجي في كوكيا، والزناتي الأموي في أدوغشت وغانا الذي قضى على حكم الشرفاء الأدارسة عادت غانا في ظل حكم القادة الوطنيين تتلمس طريقها نحو الحكم السياسي المستقل، غير أن دعوة المرابطين كانت قد بدأت آنذاك، وبدأ معها عهد غني بالتواصل بين المغرب والسودان.
المرابطون وغانا:
عادت قبائل صنهاجة إلى احتلال مكانتها السابقة في ظل أمراء غانا الأقوياء وسط طموح جامح من أولئك البربر البيض في تأسيس دولة كما فعل الطالبيون قبلهم. وعزز من تطلعهم إلى القوة السياسية توقف الطريق التجاري الشرفي عن النشاط بسبب الزوابع الرملية، وتحول التجار إلى الطريق الغربي المار من سجلماسة والمتفرع بعدها إلى المسلكين المؤدبين إلى كوكيا شرقا وأدغوشت غربا، وكان على التاجر العراقي والمصري أن يسلكا نفس طريق التاجر المغربي، وبهذا أصبحت سجلماسة من أغنى المراكز التجارية والعلمية في كل بلاد الإسلام.(18)
وضمن قبائل صنهاجة التي توطنت منذ نهاية القرن العاشر جميع مناطق الصحراء الكبرى حتى نهري النيجر والسنغال، برزت قبيلة شاء لها القدر أن تترجم أمور صنهاجة إلى واقع، وما دام الأمر يتوقف على استقدام شريف أو فقيه، فقد خرج يحيى بن إبراهيم إلى الشرق طامعا في أن يحقق ما فعله الأدارسة والطالبيون، ورجع إلى بلاد كدالة (من صنهاجة) ومعه أحد الدعاة المسلمين عبد الله بن ياسين الجزولي، وكدالة كانت تسكن آخر بلاد الإسلام، وتصل إلى البحر المحيط غربا (19) ويظهر أن عبد الله بن ياسين كان يمل إلى التنظيم، والإعداد العسكري المناسب، فانتقل إلى جزيرة قبالة ساحل العاج وأخذ في إعداد أنصاره وتربيتهم دينيا وعسكريا.
وكانت امبراطوية غانا لا تزال – أثناء ذلك – تحتفظ بقدر مهم من القوة الحربية، ورغم إسلام بعض قبائل التكرور في السنغال بفعل الدعوة المرابطية وثورتها ضد غانا، فإن هذه الأخيرة جمعت قوتها واحتلت بحد السيف مدينة أدغوشت التي كانت عاصمة حتى ذلك الوقت لصنهاجة.(20)
وغادر الأمير يحيى بن إبراهيم جزيرته، وقصد أدوغشت، وافتكها من الحكم الفاني عام 957، ويظهر أن العملية لم تكن صعبة، مما دفع بالأمير إلى التقدم شمالا نحو سجلماسة، وهناك رحب به (بنو يالدس)(21) وبابعوه، وكان هدف يحيى من هذه العملية واضحا، فالمدينة وناحيتها لهما من الأهمية التجارية ما لا تتوفر عليه مدينة أخرى في كل الغرب الإفريقي، وخضوعها للمرابطبين، مع وجود حلفاء مخلصين أمر في غاية الأهمية، وقد ظل بنو يالدس يحرسون القواف واستقروا بمدينة خلوها لهم هي مدينة تمتطيط وكانت آخر العمران قبل غاو.(22)
وكان أمراء غانا – ويظهر أنه لم يكن لهم زعيم وتحد – قد عادوا لمنازلة أدوغشت بعد أن فاجأهم هجوم المرابطين مستعينين بحلفهم مع بعض قبائل التكرور، ولمك يكنه هناك مفر من معركة أخرى على أبوبا المدينة خاضها الأمير يحيى المنهك بالسفر البعيد، فتوفي في تلك المعركة وتقهقر أنصاره نحو رباطهم في الجزيرة عام 1048. (23)
ولم يكن عبد الله بن ياسين والأمير الجديد أبو بكر بن عمر في عجلة م أمرهما، فتأخر زحفهما الشامل على شمال إمبراطورية غانا ست سنوات،(24) وكان نصرهما في هذه المرة عاما وشاملا،و حمل المرابطون جميع قبائل صنهاجة على اعتناق الإسلام على المذهب المالكي، ومحيت النزاعات الشيعية والخارجية تماما، وأصبح الدعاء للخليفة العباسي قائما.(25)
وهنا ظهر التحول الكبير في خطط المرابطين وتطلعاتهم المستقبلية في الجهاد والحكم والعظمة، فبدلا من أن يتابعوا طريقهم نحو الجنوب والشرق، جمعوا القبائل الناصرة لهم وساروا محو الشمال حيث أسسوا إمبراطورية الواسعة التي امتدت إلى حدود تونس شرقا وحدود فرنسا شمالا.
ولا شك أن المرابطين وهم يتركون الساحة في جنوب الصحراء (26) كانوا مطمئنين إلى نفاذ دعوتهم، وتمكن إدارتهم الحازمة من المنطقة بل وأكثر من ذلك تتأكدوا أن القبائل الصنهاجية ستكون أضمن وأوثق رديف لهم في حروبهم المقبلة شمالا، وكانت بواعث ذلك الاطمئنان كثيرة:
- تقلص قوة غانا بحد التلاشي المستمر أمام ضربات الرابطين خلال القرن الحادي عشر (27)
- ولاء قبائل صنهاجة.
- خضوع قبائل التكرور والصوص ودخولهما الإسلام وإخلاصهما لأمراء الملثمين وموالاتها الإغارة على أمراء غانا المنسحبين جنوبا.
- تحول أدوغتش وتمنطيط وكوكيا على مراكز للسلطة القوية، وللتجارة المأمونة.
وقد ظلت إدارة صنهاجة تحكم البلاد كلها، وتحول البلاط الزنجي إلى الحكم الرمزي، وظل الملك يدفع الغرامات كلها عاد إلى أدغوشت حتى القرن الرابع عشر، أما الأمراء الغانيون في الأقاليم فقد اعتنقوا الإسلام وانضووا تحت الإمارة المرابطية مع أتباعهم من السراكولي والوانغار والديولا والمادينغا، وأصبحوا يقومون نيابة عن المرابطين بمحلات لنشر الدين الإسلامي بين القبائل الوثنية من البهل والموسى(28) وكان ذلك يتم بأمر ومباركة الخليفة العباسي.(29)
خضعت عانا للتحديات السياسية والعنصرية، وانجرفت أقاليمها المتباعدة الآهلة بالقبائل ذات المحاتد المتباينة الواحدة تلو الأخرى في تيارات دينية مختلفة، ولذلك لم تتح لها سوى فرض قليلة تنعم بالاستقرار، ولم تتمكن طيلة وجودها من إقامة الحكم السياسي القائم على الوحدة.
ورغم ذلك فإن موقعها الجغرافي المتوسط إضافة إلى خيراتها المعدنية والزراعية، وطموحها الطاغي، مكنها من بناء اقتصاد لم تمسه التقلبات إلا في النادر، وقد استفاد سكانها بقطع النظر عن أصولهم، من عزم كل الذين حكموا غانا أو استقلوا ببعض أرجائها، على حماية التجارة وتنمية الموارد المعدنية، ولم يثبت أن غانا وضعت – قبل المرابطين – يدها على مكامن الملح في الصحراء ولكن الذي يبدو على غزوات الملثمين وعلى أشكال الحكم التي أقاموها أنهم اتجهوا نحو الذهب بعد أن وضعوا أياديهم على ممالح الشمال.
فالفرق بين المرابطين والغانيين أن الأولي سيطروا على المصدرين معا، وتحكموا في طرق التجارة في كل الجهات، بينما لم يصل الغانيون إلى الملح إلى في ركاب الصنهاجيين.
وبخلاف الغانيين أيضا فإن نشر الإسلام عند المرابطين كان هدفا يتقدم على غيره من الأهداف كانوا ينشرونه بالترغيب أو الترهيب ويسيرون بمقتضى الشرح في الحالتين معا.
وقد فرضت غانا – قبل سقوطها – الضرائب على تجار الملح، فكانت تأخذ دينارا من الذهب على كل حمولة تدخل غانا منه، وديناران على الحمولة التي تخرج باتجاه الجنوب أو الشرق، وذلك مقابل ما كان يقلاه التجارة من الحماية، وما تجده دوابهم من عشب ومياه، وأما النحاس الذي مثل جانبا من مصادر الدخل، فقد أخذ عنه مكس قدره خمسة مثاقيل من الذهب لكل حمل. وتتساوى العروض المنقولة الأخرى فيما يدفع عليها داخلة أو خارجة وقدر الضريبة عشرة مثاقيل.(30)
وعندما بسط المرابطون حكمهم أبطلوا الضرائب والمكوس، واحتفظوا منها بالزكوات والأعشار وأخماس الغنائم والجزية تمشيا مع تعصيهم الديني.(31)
ويظن أن إلغاء الضرائب على العروض التجارية كان السبب في اقتتال القبائل بعضها ع البعض الآخر، وحين نشبت الفتنة بين لمتونة ومسوفة التي كانت تختص بحمل الملح أتى الأمير أبو بكر ووضع حدا لخصوماتها وأقر منطوق الشرع بين قبائلها.(32)
إن التجارة بشكل خاص، والأعمال الاستثمارية على العموم حافظا على حيويتهما، وكأن الغزو لم يخرج من نطاقه السياسية الصرف. والمغرب المرابطي، رغم الانقطاع العملي بينهم وبين الجنوبي الغاني – المرابطي ابتداء من نهاية القرن الحادي عشر سعى جاهدا في تأمين الحركة التجارية ودفعها, وقد تحولت مدينة أغمات إلى عاصمة للتجارة مع السودان فكان تجارها من هوارة يذهبون بالقوافل إلى غانا وما يجاورها وهي محملة بالنحاس ونسيج الصوف والأصداف والأحجار الكريمة والعطور والأدوات الحديدية، ويعودون بالذهب ونتاج السودان والتاجر الواحد كان يمتلك ما بين سبعين ومائة جمل كلها محملة بالبضائع.(33)
واحتلت اللغة العربية إلى جانب لغات الصوصو والمايدنغ والشلحية مكانة مهمة باعتبارها لغة القرآن، وقد عثر أحد المنقبين عن الآثار في ضواحي مدينة تنبوكتو على لوحة صنعت في مدينة (ألميرية) بالأندلس وكانت تلك اللوحة التي وجدت في إحدى المقابر تحمل تاريخ وفاة الميت التي وقعت عام 1100م.(34)
وحمل المرابطي أبو بكر بن عمر من مراكش هدايا عظيمة لا شك أن الصناع المحليين تأملوها وحاولوا تقليد بعضها، وفي هذه السفرة، كما حدث دون ريب في الموجة المرابطية التي ذهبت إلى الشمال انتقلت مجموعات بشرية من المغرب وإليه، ويكفي أن أبا بكر جلب معه نصف الجيش المرابطي إلى السودان.(35)
ونجد واضحا في التاريخ أن مجموعات كبيرة من السودانيين، وكانت جزءا من جيش المرابطين، حاربت في الأندلس كفرقة مستقلة هامة، وقد اعتمد المرابطون في كل الجهات على هذه الفرقة وسميت عندهم لفرقة (الحشم)، ورئيسها كان من أبناء السودان أيضا،(36) وحمل السودانيون في معاركهم بالأندلس القنا الطوال والدرق اللمطية والسيوف الهندية(37) وتميزت الفرقة السوداء باستعمالها للطبول عندما كانت تسيير إلى المعركة أو أثناء اشتباكها مع العدو، وتلك عادة في كل السودان وفي جميع أدوار تاريخه(38) وقد تحدث أبو عبيد الله البكري عن اشتراك ملوك التكرور أنفسهم مع المرابطين في حروبهم في الأندلس وقد أشار بصفة خاصة إلى واقعة الزلاقة التي وقعت في أكتوبر 1086 والتي انتصر فيها يوسف بن تاشفين على جيش ألفونس السادس.(39)


1) يراجع كتابنا "بداية الحكم المغربي في السودان الغربي" نشر دار المثنى بغداد 1983.
2) J.S. Canale Afrique Notre P. 151
3) R . capot-Rey le sahara français. Paris T.V.F. 1953 p. 169-170.
4) عبد الرحمان بن خلدون – كتاب العبر...دار الكتاب اللبناني، المجلد 3 ص 21.
5) أحمد بن عذاري المراكشي – البيان المغربي في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب – تحقيق كولان وبروفنصال – دار الثقافة – بيروت – ج 1 ص 27 وانظر أيضا: 1930 de la Chapelle – Hespris n° : 11..
6) عبد العزيز بن عبد الله – تاريخ الحضارة المغربية – ج 1 ص 58.
7) المصدر السابق ص 41.
8) Canale, Afrique noire p. 147.
9) ابن خلدون – مجلد 4/ص 221، كان موسى الجوف بن عبد الله بن حسن المثنى ثائرا على أبي جعفر المنصور، وذاق هو وأبناء عمومته أدارسة المغرب والأندلس واليمامة الأمرين في بلاد الحجاز، وبعد موت موسى تولى ابنه إسماعيل إشعال الثورة في غرب الجزيرة العربية، ونصب نفسه على ملكا على مكة والحجاز واليمامة، ثم تولى أخوه محمد أخيضر، وهو الذي بعث حفيده، صالحا بن يوسف على السودان لإقامة ملك بها، وابن خلدون يجعل صاحبا ابنا لموسي أو لعبد الله بن موسى تبعا للروايات التي اعتمدها في كتابه (انظر ابن خلدون 4 ص 245),
10)  المصدر السابق ص 221.

11) Canale-Afrique noire p. 149 عقد كنال مقارنة بين وصف البكري للعاصمة الجديدة التي انتقل إليها الغانيون وبين العاصمة القديمة التي وصفها الإدريسي، وبينما كانت الأولى تقع على ضفتي نهر النيجر كانت الثانية داخل القارة على بعد 330 كيلومترا شمال باماكو الحالية.
12) R.Thomassey et R.Mauny « compagne de Fouilles à Koumbi Saleh » Bull L.F.A.N. WIII, N° :2 1951 P/438-468
كان الموظف الفرنسي Bonnel de mIdère أول من لاحظ وجود الطبقة العليا من أنقاض كومبي صالح عام 1914 وبعد ربع قرن قام المنبقان P. Thomassey و R. Maauny بالشروع في الحفر وانتهيا من ذلك عام 1951، وتشتمل دراسة العالمين على معلومات مهمة عن المدينة التي تحولت إلى عاصمة مملكة مترامية الأطراف.
13) J.S. canale, Afrique noire P.151
14) عبد العزيز بن عبد الل- - تاريخ الحضارة المغربية ج 1/57.
15) يراجع على بن أبي زرع – الأنيس المطرب بروض القرطاس في أحبار ملوك المغرب وتاريخ  مدينة فاس – دار المنصور – الرباط 1973 ص 106 وما بعدها.
16) Henri Lhot “L’extraordinaire aventure des peuls. Près africaine XXII – octobre novembre 1958 p. 48.57
17) ابن خلدون – مجلد 4 ص 84.
18) Terrasse Histoire du Maroc T.2 p.204 ويراجع إدريس بن أحمد العلوي، الدرر البهية والجواهر النبوية/مطبعة حجرية فاس ج 1 ص 63.
19) عبد الله كنون "النبوغ المغربي في الأدب العربي" دار الكتاب اللبناني/بيروت صفحة 57,
20) المهدي البرجالي "صحراؤنا" يوليوز 1968. الرباط ص6.
21) ابن خلدون مجلد 7 ص 119: بنو بالدس من بطون بني ومانو أجداد المرينيين كانوا يضربون في الصحاري على الجنوب ممن سجلماسة.
22) المصدر السابق.
23) حركات المغرب عبر التاريخ الجزء الأول من  170-171.
24) تم هذا الزحف عام 1045.
25) المصدر السابق ص 180.
26) عاد الأمير أبو بكر عمر إلى السودان من مراكش وأمضى في الجهاد 13 سنة ثم جلب نصف جيش المرابطين من المغرب وبقي يجاهد 10 سنة (الحلل الموشيه ص 13).
27) أنهت قوات المرابطين مهم الإجهاز على غانا عام 1077 بعد مقاومة متفرقة دامت 23 سنة J.S canale Afrique noire P. 151.
28) المصدر السابق ص 153.
29) من رسالة من المستظهر بالله إلى أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين عام 512 )1118) "أما ما أنهيته من توفير الأجناد ومثابرته على الجهاد لدفع أدناس الكفرة مما يليه من البلاد، فإنه، وطائفة من حزب الله، وحزب الله هم الغالبون، فاتخذ التقوى عمادها والحق منارها وكتاب الله وسنة رسوله، وأعلنه بالدعاء لأمير المؤمنين على المنابر تكن الظافر بالأعداء الظاهر والسلام عليك وعلى من قبلك من أهل الطاعة" (الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية لأبي السماك العامري المالقي، طبع الرباط) (1926 ص.73
30) حركات المغرب عبر التاريخ 1 ص 229.
31) عبد العزيز بن عبد الله، تاريخ الحضارة المغربي 1 ص 107.
32) ابن السماك – الحلل الوشية ص 13.
33) عباس بن إبراهيم المراشكي: الأعلام بمن حل برماكش وأغمات من الأعلام – المطبعة الجديدة- فاس 26 ج1 ص 113.
34) محمد الغربي – موريطانيا ومشاغل المغرب الإفريقية – مولاطو- الرباط 1923 ص 14.
35) ابن السماك. الحلل الموشية ص 13.
36) المصدر السابق ص 59.
37) وأحمد بن محمد المقري – نفح الطيب – المكتبة التجارية القاهرة 1949 ج 6 ص 101.
38) حركات – المغرب عبر التاريخ ج 1 ص 224.
39) أو عبيد الله البكري: المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب – نشر البارون دي سلان ص 172-174.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here