islamaumaroc

علاقات المغرب والسنغال علاقات أخوة وعقيدة

  قاسم الزهيري

العدد 269 ماي-أبريل 1988

تم تعييني سفيرا في السنغال في بداية سنة 1961، وكنت من الجماعة التي وقع اختيار جلالة المرحوم محمد الخامس طيب الله ثراه عليها قبل وفاته ببضعة أسابيع لتمثيل المغرب في بعض الأقطار الإفريقية، ومن هذه الجماعة الشيخ المكي الناصري والسيد الداي ولد سيدي بابا، وقد أخذنا أوراق الاعتماد في يوم واحد: 25 رجب 1380 هـ الموافق 19 يناير 1961، وبعد بضعة أيام جاء دور الصديق الدكتور عبد السلام الحراقي الذي عينه جلالته في جمهورية مالي.
وأن أنس لا أنسى يوم سلمنا العاهل المنعم أوراق الاعتماد، فقد سلمهما لنا رحمه الله في ردهة صغيرة من القصر الملكي بالرباط بعد صلاة المغرب، دخلنا على جلالته فاستقبلنا واحدا واحدا، وكان أشعت تعلو رأسه فيصلية بدت من تحتها وفرة خاطها المشيب ولحية أهمل حلقها من بضعة أيام على عادته كما حزبه أمر، وكان يرتدي جلبابا بسيطا يميل إلى الزرقة، وكان بادي التعب والإنهاك من الآلم الممض الذي كان يلازمه في آخر حياته. ومع ذلك كان متجلدا. استقلبنا وتوجه إلينا بكلمات أبرز فيها مكانة إفريقيا في الحاضر وما تتطلع إليه في المستقبل ومكان المغرب منها، وبين لنا ما ينتظره من كل واحد في مواصلة الرسالة التي قامت بها بلادنا في هذه القارة على مر العصور: رسالة سلام وإخاء وتضامن إسلامي، وشرح صدر منا بكلمات في منتهى الرقة واللطف. ثم أدينا اليمين بين يدي جلالته وانصرفنا بعدما وشحنا بوسام العرش، ولم أكن أتصور أننا كنا في لفاء وداع جلالته تغمده الله بواسع رحمته.


فماذا عن العلاقات بين المغرب والسينغال؟
العلاقات بين المغرب والسنغال تعود إلى أقدم العهود، وقد ترسخت بالخصوص منذ ألف سنة في عهد الدولة المرابطية التي نشأت في صحراء موريتانيا وصادت في إفريقيا الشمالية والأندلس بينما غزا أحد قادتها إفريقيا الغربية ونشر الإسلام في السنغال ومالي و غيرهما، ولم تنقطع حركة التنقل عبر الصحراء منذ ذلك التاريخ، فكان التجار والدعاة والمعلمون يقطعونها جيئة وإيابا، ولعب الإبل دورا مهما في هذه الحركة، ومن هؤلاء من كانوا يروحون ويغدون، بينما كان يستقر آخرون ويتأهلون من البلاد وينشئون عائلات أو يأتون بأهلهم طلبا للرزق، وكثير من هؤلاء يقضون شبابهم في الكبد والعمل ثم يعودون إلى بلادهم بعد ما يحصلون على بعض الكسب أو تتقدم بهم السن. وكل هذه الأوصاف موجودة إلى الآن، وإن كانت آخذة في الانحسار بسبب ضيق أسباب الرزق في السنغال مما اضطر الكثير إلى الرحيل إلى بلاد أخرى كساحل الحاج أو العودة إلى الوطن.
وقد أدركنا الكثير من هؤلاء المواطنين في السنغال وغامبيا، وكانوا منتشرين في أهم المدن ويتعاطون بالخصوص تجارة القماش والحذاء المغربي (البلغة) والطربوش والمصنوعات التقليدية. وكان يبلغ عددهم أزيد من مائتين وخمسين عائلة، كل عائلة يزيد أعضاؤها عن خمسة أفراد ومنها من تبلغ العشرين، وإذا كانت قلة من هؤلاء المهاجرين تصحبهم أزواجهم من المغرب، فإن الأغلبية اتخذوا زوجات إفريقيات وأنجبوا منهن. ومنهم من كان لهم مثنى وأكثر. وأبناؤهم لا يختلفون عن السنغاليين في شيء: لون وأسلوب حياة، ولغة، وكان التفاهم تاما بين المغاربة المهاجرين وأبناء البلاد. يثقون في بعضهم بعض، وتتوثق صلات المودة والمحبة بينهم أكثر من غيره.
كان بدكار عشرات التجار المغاربة، كان لهم متاجر حافلة بالضائع من جميع الأنواع على حافتي الزقاق المسمى بزقاق فانسان في وسط المدينة والذي سمي فيما بعد بزنقة محمد الخامس، وكان يقصدهم أهل البلاد لشراء ما يحتاجون من ثياب وأثاث وغيرهما وكان أبرز هؤلاء التجار ممن عفناهم السيد محمد الداودي والسيد محمد الشاوي والسيد بنسالم السقاط والسيد عبد الكريم الجابري والسيد إبراهيم بوغالب. ومنهم من كانوا يشتركون في متجر واحد. ورجل الصناعة المغربي الوحيد الذي كان إذ ذاك في دكار هو السيد محمد مكوار. وكان له معمل كبير لصنع الأقمشة التي كان يصدرها إلى موريتانيا وجميع أقطار إفريقيا الغربية، وكان معروفا في الأوساط الرسمية، وله صدقات وطيدة، كما كانت له تجارة واسعة في الدار البيضاء، وهذا ما أهله لأن يصبح سفيرا في دكار سنة 1981.
طالما اجتمعنا بهذه الجالية ودعوناهم لتكييف حالتهم بحسب الأوضاع السياسية والاقتصادية الجديدة حفاظا على بقائهم وتجارتهم، فالسنغاليون، بعد الاستقلال، أخذوا يتعاطون التجارة ويبحثون لستغلة المرافق الاقتصادية، ثم إن الدولة الناشئة أصبحت في حاجة على المداخيل، فلجأت على سن الضرائب، وكان على مواطنينا أن يتنبهوا إلى تبدل الأحوال فيشركوا معهم أبناء البلاد في رأس المال والريح.
وبذلك يبقون على وجودهم وتجارتهم. والوحيد الذي تنبه إلى ذلك هو السيد محمد مكوار، أما الآخرون، فأغلبهم لم يتطوروا فاضطروا إما على العودة إلى بلادهم أو على الرحيل إلى ساحل العاج حيث فرص العمل الحر أكثر والبلاد أغنى.
وبقي بعض المغاربة العجزة الذي تأهلوا من السن السنغال وأنجبوا أبناء يعتبرون سنغاليين، ومنهم من أقعدهم الدهر، فكانوا يتلقون الإسعاف من مواطنيهم أو من الدولة المغربية،وأكثر هؤلاء كانوا في "مباي لوي" أو "كولخ" الخ..ومنهم من أدركهم المنون فتركوا أسرة على بساط الفقر. وممن أدركنا بالخصوص وعلى سبيل المثال: المرحوم السيد إدريس كنون. قضى أزيد من أربعين سنة، في السنغال، وكانت له تجارو واسعة ودار مفتوحة في دكار، وكان يعرف ب "بابا إدريس" مات عن سن تناهز المائة وترك أسرة تتألف من أرملة وإحدى عشر ولدا. ومنهم الشيخ الحسن بن جلون، كان من التجار المشهورين في مدينة كولخ قبل أن يقعد به الدهر ويذهب بصره. وكانت عائلته متألفة من زوجة وثمانية بنين وستة حفدة. وسنه تناهز الثمانين. وقد أواه أحد السنغاليين ونقله على مدينة "روفيسك" ومن بين التجار المغاربة القدامى السيد عبد العزيز بوغربال له ثمانية أولا وكان يسكن بمدينة "روسو".والسيد عبد الله بن جلون وقد أصيب بعاهة ألزمته البيت وله عيال كثير، والسيد عبد الكريم بوزكري وكان من التجار المعروفين، وقد اتخذ مديمة "دجوربيل" مسكنا له ولبناته الخمس. والسيد إدريس بن جلون وكان من التجار المعروفين في مدينة كولخ. وله أسرة تتألف من عشرة أبناء وأخت تحت كفالته، والسيدة خادي أرملة المرحوم السيد الحاج محمد بنونة وكان من كبار التجار المغاربة في دكار خلف خمسة أطفال صغار.
والسيد عبد العزيز بوغالب كانت له تجارة واسعة في "تيبس" وأسرته مؤلفة من اثني عشر و لدا علاوة على زوجته، والسيد عبد القادر الشاوي، وكان معروفا بكرمه لما كانت تجارته مزدهرة، وأسرته تتألف من أربعة عشر ولدا وزوجتين. والسيد إدريس بوغالب لن زود وبنت، والسيد الكبير العلمي وله زوجة من أسرة بوعياد وقد هجرها وترك لها أربعة أولاد، والسيد عثمان بوغالب وهو من وجهاء المغاربة في "سان لوي" وله سبعة أنجال.
هؤلاء ممن عرفنا، منهم من لم تجمعنا بهم المقادير وهم الأكثرية، وكان المواطنون في السنغال – جازاهم الله خيرا – يسعفونهم بما يستطيعون، وقدمت لهم السفارة بعض الإسعاف كما طلبت من الدولة أن تعينهم.
ولا يفوتنا بأن نشير في هذا السياق إلى بعض المواطنين الذي سبق لهم أن تعاطوا التجارة في السنغال وحصلوا على رزق واسع؛ ثم عادوا على بلادهم وأنشأوا مرافق تجارية وصناعية واسعة، وخاضوا الميادين المصرفية، يديرون الآن مؤسسات ناجحة، بينما هاجر عشرات التجار المغاربة من السنغال بعد أن ضاقت آفاق العمل به إلى غيره من أقطار إفريقيا المدارية وخاصة ساحل العاج حيثأنشأوا تجارة واسعة ولقوا، ولا يزالون، تشجيعا كبيرا من لدن سلطاتها.
ينتمي السنغاليون عامة على إحدى الفريقتين: التجانية أو القادرية، وكلتاهما قامتا بدور أساسي في نشر الإسلام، ولا زال شيوخهما يقومون بواجبهم في ترسيخ قدم الإسلام لا بهذا البلد فحسب، بل في عمون إفريقيا الغربية والوسطى وقد اتجه نظرنا من البداية إلى ربط الاتصال مع شيوخ هذه الطريقة والتعاون معهم لما لهم من نفوذ روحي وساع على عامة الشعب.
والطريقتان تتنافسان في نشر الإسلام، وتتعايشان تعايشا حسنا. والطريقة القادرية (المريدية) بالأخص تضيف إلى نفوذها المعنوي، أهدافا اقتصادية اجتماعية حيث يتوفر أتباعها على تنمية الإنتاج الفلاحي. لهذا فإن الحكومة الحالية، اقتداء بالحكام في عهد السيطرة الأجنبية، يستندون إلى الطريقتين. ويرضونهما بجميع الوسائل،و إذا كان الرئيس ليوبولد سيدار سينغور، قد توفق في البقاء على رأس الدولة السنغالية عشرين سنة، فلأنه عرف كيف يتعامل مع شيوخ الطريقتين.
من بين هؤلاء الشيوخ المرحوم نورو طال وكان شيخا وقورا ذا صيت واسع ونفوذ، وهو من حفدة الزعيم الوطني دان فوديو كان بيته من أكرم البيوتات في دكار، ولن تأثير كبير على التجانيين بالسنغال، وقد توثقت صلاتنا به، وكان له عطف خاص على المغرب ووفاء لعاهله الكريم جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وكانت لنا علاقات متينة كذلك بالشيخ المرحوم إبراهيم نياس والشيخ عبد العزيز التجاني وهما عالمان جليلان: أما الأول فكان لا يفتر عن التحول في إفريقيا الغربية وله أتباع كثيرون في نيجيريا وساحل العاج والكامرون الخ.. إذا قام بجولة لنشر الإسلام، اعتنق الدين الحنيف الآلاف دفعة واحدة،و قد حضرنا أحد مجالسه بمناسبة عبد من أعياد المولد وأعجبنا بأسلوبه في الإقناع. وكان هو أيضا من المحبين للمغرب، وقد نظمنا له زيارات ومقابلات مع جلالة الملك. وراح أبناؤه للتعلم في جامعة القرويين بفاس، أما الشيخ عبد العزيز التجاني فهو كذلك من العلماء الأجلاء، وكان مجلسه بمدينة "كولخ" ولا يزال مجلسا حافلا وكلا الشيخين أسسا كتاتيب قرآنية، ومدارس لتعليم اللغة العربية ومبادئ الدين في شتى أنحاء السنغال، ويعود لهما ولأمثالهما من المشايخ الفضل في الدعوة الإسلامية وبقاء اللغة العربية حية بهذه الربوع. وكذلك الشأن في مشايخ الطريقة القادرية, وقد أدركنا الشيخ الكبير مباكى الذي كان مقره بمدينة طوبى بجوار المسجد الجامع.
ومما هو جدير بالذكر وجنود كثير من الجمعيات الإسلامية، وفي مقدمتها جمعية معلمي اللغة العربي وقد اتصلنا بمكتبها وأوفدنا اثنين من أعضائه إلى المغرب بعدما أسعفت السفارة ه الجمعية بما يساعدها على أعمالها التعليمية والتهذيبية. وقد أوفدت الجمعية خمسة وثلاثين طالبا على دفعتين إلى المغرب لتعلم اللغة العربية والتفقه في الدين. وتكفل الحكومة المغربية بإعطائهم منحا دراسية، كما توالت وفود الطلبة السنغاليين بعد ذلك على المعاهد العليمة الإسلامية وكانت وزارة الأوقاف تتكفل بالإنفاق عليهم.
ونشير بالمناسبة أن أحد حفدة الشيخ أحمد التجاني واسمه السيد محمد الحبيب كان يسكن بدكار، وكان محل اعتبار وتقدير من جميع الأوساط وخاصة من لدن أتباع جده وكنا نزروه في المسجد الذي ابتناه لا يفرغ من المؤمنين، وبعد استقلال السنغال أخذ السيد محمد الحبيب ينظم زيارات سنوية إلى ضريح الشيخ أحمد التجاني بفاس وإلى أهم معالم المغرب يشارك فيها عشرات السينغاليين، وقد تفضل جلالة الملك فأوقف بيتا كبيرا في مدينة فاس لإيواء هؤلاء الزوار, وكان لذلك وقعه الطيب في نفوس السنغاليين، ومما تجدر الإشارة إليه كذلك أن كثيرا من الحجاج السنغاليين كانوا فدون على المغرب لزيارة ضريح الشيخ أحمد التجاني في طريق العودة من بيت الله الحرام وزيارة الكعبة المشرفة.
ومن الجمعيات السنغالية التي كنا متصلين بها جمعية الاتحاد الثقافي الإسلامي، وهي من أنشط الجمعيات الإسلامية في السنغال ولها عدة مدارس لتلقين مبادئ الإسلام والعربية وفي كل سنة كانت توجه المتخرجين من هذه المدارس إلى تونس والقاهرة ويعدون بالعشرات وقد بدأت السفارة بطلب منح لعشرة من هؤلاء الطلبة لمتابعة دروسهم في المعاهد الإسلامية بالمغرب.
ويستحسن كذلك أن نشير بهذه المناسبة إلى دور المغرب في إنجاز المسجد الجامع بدكار, فقد فاتحنا السيد مامادو دجا رئيس الحكومة السنغالية إذ ذاك في وضع تصميم هذا المسجد وبنائه على أيد مهندسين وعمال مغاربة، وتشييد منار مرتفع يرى من بعيد وبناء مركز ثقافي ومدرسة لتعليم مبادئ الدين واللغة العربية. وسبق أن أسست لجنة القيام بهذا المشروع تتألف كلها من المواطنين السنغاليين وجمعت تبرعات كافية للإنفاق وقد تفضل جلالة الملك فلبى طلب الحكومة السنغالية وأوفد السيد المكي بادو رحمه الله، وكان إذ ذاك قائما بشؤون الأوقاف بالمغرب ومعه وفد من المهندسين وكبار النحاتين والعمال برئاسة المقاول السيد ابن عمر من سلا. واسهم جلالة الملك بقدر مهم من ماله الخاص لإنجاز المشروع وقد تم وفق المرام بعد سنتين، ومصر جلالة الحسن الثاني بنفسه في تدشين المسجد في يوم مشهود ما تزال ذكراه عالقة بأذهان السنغاليين على يومنا هذا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here