islamaumaroc

مدرسة محمد الخامس في سياق الفكر السياسي المغربي من خلال ظاهرة الجنوح للسلم.-2-

  عباس الجراري

العدد 269 ماي-أبريل 1988

 بعد هذه المظاهر المأخوذة من التاريخ والواقع، ننتقل لتفسير ظاهرة الجنوح للسلم في الفكر السياسي المغربي، ومدرسة محمد الخامس خاصة. ومن عير أن نتحدث عن العوامل الذاتية، من أرومة وتربية ونشأة وما إليها مما يصب آخر الأمر في التحليل لتأثره بمختلف عناصره، نبادر إلى الأمر في التحليل لتأثره بمختلف عناصره، نبادر إلى تحديد ثلاثة من هذه العناصر:
         الأول:  طبيعة الشخصية المغربية بكل الملامح التي تعطيها وجودا دائما يتمثل في الأمة، لأن الأمة ليست مجرد حدث قد يطرأ ويزول، أو واقعة اجتماعيـــة(un fait social) قد تكون عارضة، ولكنها إرادة وعوامل متعددة تحرك هذه الإرادة. وهي كذلك سيادة نشكلها معطيات مختلفة غالبا ما تكون في معظمها متجذرة يصعب تحديد نشأتها، وراسخة بحيث يتعذر اقترعها، حتى حين تتعرض الأمة لما يهز كيانها، كما هو الشأن في مرحلة الاستعمار على سبيل المثال.
وإذا كان الجنوح للسلم مرتبطا بوجود الأمة، فإن ذلك يعني أنه مرتبط بوجود مجتمع متماسك في قيادته وقاعدته، تسوده روابط اجتماعية قوية هو واع بها وبضرورتها وأهميتها وأهمية وجودها وسيادتها، أي أنه مجتمع لا تتحكم فيه الفردية، والأنانية قد تستولي على القيادة فتعلن الحرب ولو بالمغامرة أو المجازفة بالأمة ومصالحها. كما أن الأنانية قد تستبد بالمواطن فيتحول إلى شخص لا مبال، واللامبالاة غالبا ما تكون مشحونة بعدوانية داخلية، فيتمنى الحرب أو يتحمس لها، سواء ظن أنه سيبقى بمعزل عن نتائجها، أم كان واعيا بأخطارها وبأنها قد تأتي على الأخضر واليابس، أو كما يقال: «عليّ وعلى أعدائي».
الجنوح للمسلم بهذا يعني وجود حس حضاري ووعي ثقافي، وإدراك للواقع ومعرفة بحقيقة دون تزييف أو اصطناع، بعيدا عن تضخيم الذات وتحجيم الآخرين. وهو يعني الميل إلى الجانب العملي بموعية تنأى عن الوهم والخيال والظن، وعن الحماس المنفعل الذي لا يضبطه العقل. ويعني كذلك القدرة على تحميل المسؤولية في تكامل لا مجال فيه للتخلي أو الإسقاط على الغير
وهذه كلها ملامح تعني في النهاية أن الجنوح للسلم يرتبط بالأصالة الحضارية والثقافية. آية ذلك ما ذكره صاحب الجلالة الحسن الثاني في خطابه بمناسبة الذكرى الثانية والعشرين لثورة الملك والشعب، يوم الأربعاء 11 شعبان 1395 هـ (20 غشت 1975م، وهو يتحدث عن تحرير الصحراء بالطرق السلمية، ما لم يقع الاضطرار إلى غيرها، وهو احتراز في غاية الأهمية عبر عنه ـ نصره الله ـ من خلال بيت الشاعر الكميت بن زيد: (68) «نحن نريد تحرير صحرائنا بالوسائل السليمة وبالطرق القانونية. نريد هذه الطرق القانونية والسليمة لأسباب متعددة  أولا لأننا شعب لنا حضارة وتاريخ عريق في الأصالة. والشعوب الأصيلة والشعوب العريقة المجد هي التي تسعى دائما إلى حل المشاكل بالطرق السليمة. ثانيا لأننا إذا تمكنا أن ننال مرادنا ونوفر المال والأرواح لكان من الأحسن أن نوفر المال والأرواح وننال مرادنا، ولكن:
إذا لم يكن إلا الأسنـــــة مركب          فـــلا يسع المضطر إلا ركوبها
والذي أقول لك شعبي العزيز : إنني أتأمل كثيرا فيما قاله إستراتيجي معروف : الحرب المعركة الأخيرة التي يمكن أن يركبها الإنسان إذا فشلت المعارك الدبلوماسية كلها»(69).
إن جلالة الملك بهذا القول ينطلق من حقيقة مرتبطة بالشخصية المغربية ويلح عليها، وهي أن الشعب المغربي مفطور على السلم وعلى التعايش والتساكن إلى حد الاندماج والانصهار، ما لم يتـم التعامل معه بالعدوان أو محاولة فرض السيطرة فإنه يناوئ ويقاوم، لأنه على حد تعبير الشاعر المغربي المرحوم إدريس الجالي: ( 70)    
شعب غضــوب للكرامــة إن يثر       تتراجــع الأقـــدار لايتقهقر
وهو واقع تبرزه مواقف البطولة والجهاد التي عاشها المغاربة في مختلف العهود، والتي حددت اختياراتهم وما يترتب عنها من علاقات وسلوك.
وهذا يتضح تاريخيا من ارتياح المغاربة للفينيقيين الذي كانوا مستوطنين أصحاب تجارة يتبادلونها مع الغير. ويتضح كذلك من نفورهم من الرومان والوندال والبيزنطيين الذين كانوا يهدفون إلى الاستعمار والاستغلال. فقد أتاح الموقف لهم ـ أي للمغاربة ـ في العصر الفينيقي، نقصد الموقف المتبادل، أن يساهموا في تطوير حضارة راقبة، في الوقت الذي كان للعصور التالية أثر سلبي انعكس على حياتهم وعلى دورهم في المنطقة، بل جمد قدراتهم الإبداعية في الاستقلال، فإنه ظل متمثلا في بعض المواقف الوطنية التي كانت تسعى إلى تحرير الشمال الإفريقي وتوحيده، والتي قادها زعماء أمثال حنبعل وماسينيسا ويوغورطة ويوبا الأول وابنه اغطس يوبا الثاني الذي انتعشت الثقافة في عهده، انطلاقا من عاصمة شرشال ووليلى.وقد جعلت هذه المواقف وغيرها بعض المؤرخين يعتبرون السكان «مفطورين على قلة الولاء» على حد قول شارل أندري جوليان (71)، وهم في الحقيقة مجبولون على حب الحرية والاستقلال.
ولعلنا هنا أن نستحضر بيتي الفرزدق المشهورين(72)، فما أصدقهما علينا نحن المغاربة:
حلــل الملــوك لباسنـا في أهلنـا         والسابغـات إلى الــوغي نتسربـل
أحلامنا تــزن الجبــال رزانــة          وتخالنــا جنـــا إذا مـا نجهـل
وما أروع قول شاعر الصحراء        المغربية الشيخ ماء العينين لاراباس: (73 )
فإنا دعاة السلم إن جنحوا لها           وإلا فنار الحرب نسعرها سعرا
ومثله قول الشارع المدني الحمراوي: (74)
مفاخرنا في السلم والحرب لم يطق     سوانا لها شفعا فما فتئت وترا
العنصر الثاني: في تفسير الظاهرة يكمن في التمسك بالإسلام والتأثر به على مستوى الفرد والجماعة. وغير خاف أن الإسلام دين السلام القائم على التعايش والتسامح. وقد ورد لفظ "السلم" (بتسكين السلام) ثلاث مرات في القرآن الكريم، و"السلم" (بفتح اللام) خمس مرات، و"السلام " اثنين وأربعين مرة، من غير أن نشير إلى بقية الألفاظ المشتقة من هذه المادة، ومنها "الإسلام" الذي يعني الاستسلام لأمر الله والإخلاص لعبادته، ويطلق عليه "السم" كذلك (لفتح السن وكسرها وتسكين اللام). ومنه قول الشاعر المخضرم امرئ القيس بن عابس الكندي:
فلست مبدلا بالله ربا        ولا مستبدلا بالسلم دينا (75)
وقول عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بالأحوص: (76)
فذادوا عدو السلم عن عقر دارهم     وأرسو عمود الدين بعد التمايل
ولعله يكفينا في مجال هذا العنصر أن نقرأ قوله تعالى في سورة الأنفال: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله" (77)، وقوله عز وجل في سورة البقرة: (يا أيها الذين أمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين، فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم) (78).
والخطاب في القول الكريم موجه للمومنين عامة، وهو ما يؤكده ورود اسم "كافة" الذي يعني الجمع والإحاطة، والذي هو حال من ضمير فعل الأمر "ادخلوا"؛ ويعود على المومنين المسلمين وغيرهم؛ ويؤكده كذلك ربط هذا الأمر بالنهي عن اتباع خطوات الشيطان وما ينتج عنه من زلل. وقد ذهب بعض المفسرين (79) إلى أنه موجه للمسلين خاصة، على حد الاستعمال الغالب في القرآن، ولمال للموصول من معنى المعرب بلام العهد.
والسلم هنا المصالحة وإن وجهه البعض لمعنى الإسلام. وإلى ذلك ذهب من قرأ بكسر السين ليفرق بين السلم ( بالكسر بمعنى الإسلام، والسلم ( بالفتح ) بمعنى الصلح، وهي تفرقة لا أساس لها كما بينا في مقدمة هذا البحث، ويؤكد معنى المصالحة السياقة الذي وردت فيه، إذ هي مسبوقة بمجموعة من الآيات التي تتعلق بالقتال، تبدأ بقوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين. واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل. ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم، كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين)(80)، وتختم بقوله الكريم: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين)(81).
والسلام من أسماء الله الحسنى. يقول تعالى في سورة الحشر: (هو الله الذي لا إله إلا هوالملك القدوس السلام المومن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون) (82).وربـما كان أصل التسمية .
كامنا في هذا المعنى السلمي الذي نتحدث عنه، وكذا فس لامته عز وجل من النقص والعيب ومما يلحق الغير من آفات الغير والفناء، كما عند غير قليل من المفسرين. يقول الشاعر الجاهلي أمية بن أبي الصلت :
ســلامـك ربنـــا فــي كـل فجــر    بريئــا مـا تعنتـــك الذمـوم(83)
وفــي القرآن الكريم دعوة صريحة للسلم يعبر عنها قوله تعالى قي سورة يونس : (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط المستقيم)(84).
وقد فسرها البعض بأنها الـجنة.
وهي دعوة نابعة من ثلاثة مبادئ:
1 ـ مبدأ التسامح والتعايش بين المجتمعات الإنسانية التي هي ـ لاختلافها الذي يمس الرؤى والمكونات والمصالح بما قد يصل إلى التنافر ـ تحتاج إلى نسق لقيامها يحقق الحد الأدنى لتبادل الخدمات والمنافع والتعاون من أجلها. ولعل من أهم معالم هذا النسق التعارف الذي تحدث عنه القرآن الكريم في سورة الحجرات: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير) (85).
2 ـ المبدأ الثاني يؤكد أن التعايش ينبغي أن يقوم على الحوار الذي هو في الإسلام حوار معروفي يهدف إلى تبادل التعارف ووجهات النظر لحل المشكلات، وليس إلى التقابل الجدلي العنيف والمناظرة التي تقصد إلى الغلبة والإفخام. يقول تعالى في سورة النحل: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين)(86)، ويقول سبحانه في سورة العنكبوت: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل أليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) (87).
3 ـ المبدأ الثالث كامن في تنبيه القرآن الكريم إلى ضرورة تجنب الخصومات والنزاعات وما قد تؤدي إليه من خسران. يقول الله عز وجل في سورة المائدة لدا ذكر قصة ابني آدم عليه السلام، وقتل قابيل أخاه هابيل، بسبب الحسد الناشئ عن قبول قربان أحدهما دون الآخر: (فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين)(88 ).والنزاعات تؤدي إلى فتن قد تعصف بكل شيء، ولهذا يقول تعالى في سورة الأنفال : (واتقوا فتنة ولا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (89)، ويقول في نفس السورة : (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكـــــــــم) (90).
هنا تثار قضية كثيرا ما يساء قضية كثيرا ما يساء فهمها، وهي دعوة الإسلام للجهاد. وعلى الرغم من أن حدود هذا البحث لا تستوعب بسط القول، غلا أننا نود توضيح ثلاثة أمور:
الأول: أن الإسلام يرفض القتال لإرغام المخالفين في الدين على اعتناقه وإكراههم عليه. يقول سبحانه في سورة البقرة:(لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغون ويومن بالله فقد استسمك بالعروة الوثقى لا انفصام لها)(91).
الثانـي: أن دعوة الإسلام للسلم لاتعني قبول العدوان والطغيان، والسكوت عن الشر والباطل، والاستسلام للظلم والفساد أو ما إلى ذلك مما هو طعن في الحياة البشرية التي قام الله شريعتها على أساس التعارف والتسامح والتعايش والتساكن.
الثالث : أن الإسلام بهذه الشريعة يعتبر الحرب خرق للسلام وجريمة، ما لم تدع إليها حالات معينة تبيحها تكون الحرب فيها عادلة ومشروعة. وهو ما اتفقت معه فيه مختلف المواثيق الدولية الحديثة والمعاصرة التي كفي أن نذكر منها «ميثاق الأمم المتحدة»الذي حث الدول على التوسل بالطرق السليمة لحل مابينها من نزاع، ومنع استعمال القوة والتهديد حفاظا على السلم والأمن والعدل الدولي. وهذا ما جعله يحرم الحرب الا في حالة الدفاع الشرعي الذي حددته المادة الإحدى والخمسون حين نصت على أنه « ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات في الدفاع عن أنفسها إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة. وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي».
لهـذا، فإن الإسلام يحث على قيام الجهاد لرد كل مظاهر خرق طبيعة تلك الشريعة، وللدفاع عن مقوماتها السوية، بدءا من الدفاع عن النفس فيما يمس الفرد وأهله وماله، إلى الدفاع عن المجتمع والوطن والعقيدة، حفاظا على الحرمات حتى لا تنتهك، وحماية للذات الخاصة والعامة من أن تداس أو تهان. وفي هذه النقطة التقى الموقف المغربي ويلتقي باستمرار مع النظرية الإسلامية.
على أن الجهاد في الإسلام مخاطبة به الأمة من حيث هي أمة دعوة ودولة، وهو لا يعني أنه دين الحرب والسيف كما فهمه بعض المفكرين الخصوم، وحتى بعض المدافعين الذين يظنون أنهم بهذا القول يدفعون إلى الأخذ بما يبعد عنه الضعف ويقوي جانبه. ولو كان كذلك ـ أي دين الحرب والسيف ـ لانتهى أمره بمجرد انتهاء عظمة دولته، ولما استمر حيا باقيا في النفوس.
وهم بهذا الزعم غالبا ما يقارنونه بالمسيحية التي شاع عنها أنها دين العفو والتسامح، وأنها تحرم الحرب، في حين أنها ليست كذلك، أي أنـهاـ كالإسلام ـتلجأ إلى السيف عند الحاجة. فمن أقوال المسيح عليه السلام في انجيل متى : «لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض، ما جئت لألقي سلاما بل سيفا»(92). ومن أقواله في انجيل لوقا، وقد سأل أصحابه «حين أرسلتكم بلاكيس ولا مزود ولا أحذية، هل أعوزكم شيء ؟ فقالوا : لا، فقال لهم : لكن الآن من له كيس فليأخذه ومزود كذلك. ومن ليس له فليبع ثوبا ويشتر سيفا » (93).
ثم إن الجهاد في الإسلام ذو أبعاد ومراحل تشمل العمل السياسي وإنفاق المال، وما إلى ذلك مما يتوسل به في استرداد الحق ورد الاعتداء وحفظ الكرامة. بل إن جهاد النفس يعتبر أعلى مراحل الجهاد أو« الجهاد الأكبر» كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولعل الآية الأولى التي شرعت الجهاد ربطته بدفع الظلم، وهي قوله تعالى في سورة الحج : (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله)(94).
ويؤكد هذا المعنى قوله سبحانه في سورة البقرة : (كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن نحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (95).
من أجل هذا، عظم الإسلام أمر الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، وأعتبره أفضل من الحج والعمرة ومن كل تطوعن صلاة كان أم صياما. ويكفي لإبراز هذه القيمة أن نقرأ قول الله سبحانه في سورة الصف: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تومنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيبة في جنات عدن،ذلك الفوز العظيم، وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب، وبشر المومنين )(96). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار» (97). وقـــــــــــال: « عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله»(98 ). وقال عليه السلام كذلك: « حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها»(99) . وفي الصحيحين(100). « أن رجلا قال : يا رسول الله دلنى على عمل يعدل الجهاد في سبيل الله ؟ قال : لا تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر، وتقوم لا تفتر؟ قال: لا. قال: فذلك الذي يعدل الجهاد».
ومع ذلك، حين تضطر الدولة الإسلامية إلى الحرب، فإن لهذه الحرب قوانين وشروطا وأحكاما وآدابا مثالية إنسانية تضبطها، على حد قول الرسول صلى الله عليه وسلم : « اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع » (101)، وقوله كذلك عليه السلام : « لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة » (102) .
وتشمل هذه الضوابط ما بعد الحرب مما يتعلق بالأسرى، ويلخصه قول النبي الكريم: « أنا نبي الرحمة ونبي المـحلمة » (103). وهذا باب واسع فصل القول فيه فقهاء الإسلام (104).
وغني عن البيان أن الدولة الإسلامية في حال السلم تقيم علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية، وتكون لها مبادلات على أساس المساواة والمعاملة بالمثل، والمحافظة على المصالح المشتركة، والتعاون من أجل استمرارها، مما تحدده المعاهدات والمواثيق التي يحث القرآن الكريم على التزامها، كما في سورة النحل: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم اللهه عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون ) (105). ويظل الالتزام قائما ما لم ينقض الطرف المعاهد الميثاق فيتبرأ منه في هذه الحالة، وفق ما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام التوبة: ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ) (106). وقد استثنى منهم المحافظين على العهد في قوله الكريم من نفس السورة ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحد فأتموا عهدهم إلى مدتهـــــــــم)(107) وقد وصل أمر الالتزام بالعهود والمواثيق حدا جعل النبي عليه الصلاة والسلام يرد من جاء من المشركين مسلما بغير إذن وليه، وفق ما يثبته صلح الحديبية، مما هو معروف وموضح في كتب السيرة النبوية.
أما العنصر الثالث والأخير في تفسير ظاهرة الجنوح للسلم في مدرسة محمد الخامس، فهو السلوك الذي نضبطه معايير خلقية تمس الفرد مثلما تمس الدولة. فالدولة المغربية لم توجد من عدم أو بالمصادفة، ولم يصطنعها الاستعمار، ولم تطرأ في ظرف عابر على إثر انقلاب أو غيره؛ ولكنها مؤسسة تاريخية مرتبطة بمختلف العوامل الفكرية والمؤثرات الاجتماعية التي صهرت المجتمع المغربي، بعيدا عن أي صراع مهما كان، مما أعطاها خصوصيات تفردت بها ومميزات تلخص كيانها وكيان الأمة، ومما مكنها من الاستمرار والتطور بما يناسب تجدد المجتمع.
وهذا يعني أنها لم تقم عن طريق التسلط والقوة والعنف، ولكنها نشأت انطلاقا من رضى الأمة واقتناعها، وإجماعها على عقد تجاوز العقد الاجتماعي الذي قال به روسو (ROUSSEAU) وبعض منظري نشأة الدول، لأنه عقد إلهي أساسه البيعة، مع وجود مجموعة من التطورات الاجتماعية العميقة التي أفضت إلى ذلك الرضى والاقتناع.
وقد أوضح جلالة الحسن الثاني هذه النقطة في الخطاب الذي ألقاه يوم الأربعاء 23 شعبان 1407 ( 22 أبريل 1987 ) حين قال : «يتساءل الجميع : لماذا هذا البلد آمن مطمئن ولله الحمد ؟ لأن مؤسساته لم تقم على السرقة، بل قامت على المشروعية منذ مولاي إدريس الأول إلى يومنا هذا، من مشروعية إلى مشروعية، ولكن في إطار المشروعية الإسلامية : البيعة، والوفاء بالبيعة، والقيام بما تفرضه البيعة، والدفاع عن المقدسات وعن الحصون وعن الإسلام. فمن الطبيعي إذن أن يكون كل مغربي مغربي قد ورث بل رضع من ثدي أمه روح المشروعية. لذا بقينا متشبثين بالمشروعية وسنبقى متشبثين بـها ».
والدولة المغربية بهذا دولة موحدة، أي أن سيادتها غير مجزأة. وهي كذلك دولة كاملة السيادة تتصرف في شؤونها بحرية مطلقة. والفرد في نطاقها لا يشعر بتعارض أو تصادم بين حقوقه هو كمواطن، أي سيادته، وبين حقوقها هي كمؤسسة حاكمة، أي سيادتها. ولكن بين الأمرين توازن وانسجام يمسان الإرادة والرؤية والهدف ووسائل تحقيقه في شبه مراقبة ذاتية متبادلة بين الفرد والدولة لحماية العقد من كل خرق، والمحافظة على الرباط الاجتماعي الذي يذيب التناقضات وما قد ينشأ عنها من صراع.
وإن هذا البعد الإسلامي للدولة المغربية، بجمعه بين المثالية والواقعية، وبما آل إليه في تطوير الحكم نحو نظام الملكية الدستورية بكل مقوماته السياسية والديمقراطية والاجتماعية، ليجعلنا نستحضر المفهوم الأرسطي للحكم الدستوري الذي يستند إلى ثلاثة أسس: (108)
أولـها: أنه حكم يهدف إلى تحقيق الصالح العام، إذ يتميز عن الحكم الطائفي الذي يسعى إلى صالح طبقة واحدة، كما يتميز عن الحكم الاستبدادي الذي يقصد إلى صالح فرد واحد.
ثانيهـا: أنه حكم قانوني، أي أن الحكومة تدار فيه بمقتضى قوانين عامة لا بمقتضى أوامر تحكمية. وبذلك تكون السيادة للقانون باعتباره « العقل مجردا عن الهوى ».
ثالثهـا: أن الحكومة الدستورية حكومة رعية راضية، فتتميز بذلك عن الحكومة الاستبدادية التي تستند إلى محض القوة.
وإذا كانت الدولة المغربية بهذا السلوك تسير على هدي قيم حميدة، فإنها في ذلك تلتزم الأخلاق الإسلامية التي تتسم بالابتعاد عن كل ما ينكره الفكر أو الذوق أو السلوك السوي، وبالحرص على التوسط الذي فيه تكمن الفضيلة. وهي أخلاق ترتبط بالجماعة، إذ تتعدى نطاق الفرد إلى مجتمعه، وتصل بينهما عن طريق المشاعر والتصرفات بروابط الانتماء والمسؤولية التي تعكسها رقابة تلقائية تتحول إلى تبعة عفوية متبادلة، بحيث لا يتحرك الفرد إلا وفي باطنه موقف الجماعة، وكذلك العكس.
فالأخلاق الإسلامية تجعل التبعة ليست فردية فحسب، ولكن تجعل لها انعكاسات على المجتمع الذي يتدخل للفصل. وهي لذلك أساس قيام هذا المجتمع، لأنها ترتبط بإرضاء مصلحة الفرد في نطاق مصالح الآخرين. والمجتمع قد يكون صغيرا محصورا في الأسرة أو القبيلة، وقد يتسع ليصبح الدولة ورأي الإسلام في هذا الأمر يختلف عن بعض النظريات التي قال بها فلاسفة غربيون كهيجل الألماني (ت 1831 م Hegel)، والتي تفصل الدولة عن السلوك الخلقي، باعتبارها مثلا ـ كما عند هذا الفيلسوف ـ تدخل في نطاق عقلي لا مجال فيه للقيم.
إن هذه القيم في نطاق الدولة الإسلامية تحكم العلاقة بينها وبين الأفراد في إطار الالتزام الذي هو ذاتـي عفوي، وليس الإلزام الذي يفرض على الناس، فيثورون عليه حين يستطيعون، أو يواجهونه بالرفض والعبثية، أو ينقادون له بالاستسلام حين يعجزون. ولا عجب أن تسود تلك القيم الالتزام وليس الإلزام، طالما أنها تقوم على حفظ الحقوق واحترام الواجبات، وعلى التعاون والتآزر والمحبة والوئام والانسجام والتوازن والتراحم والتواد، وأنها متى سادت مال المجتمع إلى التكافل والتضامن والتكامل، ولو بالإيثار الذي هو نقيض الأثرة والطبقية وما يتولد عنهما من عقد وأحقاد وضغائن لا تلبث أن تتطور إلى صراع.
وانطلاقا من هذه القيم، فإن الدولة في الإسلام لا تجيز استخدام الوسائل غير المشروعة، وربما البشعة والهدامة، لتحقيق غايات معينة، على حد نظرية رجل السياسة الإيطالي مكيا?يل (ت 1527م Machiavel) التي تقول مطلقا بأن الغاية تبرر الوسيلة، والتي تدعو الحاكم إلى الابتعاد عن كل المقومات الدينية والخلقية، وإلى التوسل في تصرفاته بالأساليب الشريرة البشرية والحيوانية لحفظ مصالحه لغاية،إذ الغاية الحسنة لا يتوصل إليها بالوسيلة القبيحة، كما أن الوسيلة الحسنة لا تشفع للغاية القبيحة.
وبموقف من الدين والأخلاق شبيه بالمكيا?يلية، ظـهر الفيلسوف الانجـليزي توماس هوبـز (ت 1679 م Hobbes) متحمسا للسيادة المطلقة، وداعيا إلى القول بمذهب المنفعة، وأن الخوف هو أساس المدينة وليس النزعة الاجتماعية الطبيعية، وأن الدين مجرد مذهب في القانون وليس مذهبا عن الحقيقة؛ مع الزعم أن الإنسان وحشي بالطبع، وأنه ينفر من الآخرين ويكرههم ويتقيهم إما بالدفاع أو الهجوم، ولا يصير اجتماعيا إلا إذا اضطر لذلك.
ثم إن الأخلاق الإسلامية باجتماعيتها تلغي كل مدلول للضعف أو النقص، لأنها تسعى إلى تكميل شخصية الفرد وذات الإنسان ـ حاكما أو محكوما ـ باعتبارها عنصرا أساسيا من عناصر الكمال. وهذا على عكس بعض النظريات الفلسفية المخالفة، على حد ما نجد عند الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشــــــه (ت 1900 م ـ (Nietzsche في قوله بمذهب « إرادة القوة »في مقابل« إرادة الحياة » التي يعتبرها أساس أخلاق الضعفاء الذين لا يسعون لغير القناعة والكفاف وطلب الأمان. وهو لذلك يرى أن القيم الخلقية لا تدل على غير العجز من الوصول إلى الكمال، أي عجز الإنسان الذي يحول جهوده من نفسه إلى الغير وإلى الآخرين متحليا بالقيم. وهي نظرية خاطئة ما في ذلك شك، لأن المتخلق بالفضائل لا يكون في موقف ضعف، ولكن في موقف قوة يتحكم في نفسه وقدرته وشهوته، ويتصرف بما يليق بكرامته الآدمية، سواء على صعيد الفرد أو على مستوى الأمة. 
ولعلنا أن نتذكر هنا موقف الرسول عليه الصلاة والسلام حين فتح مكة ودخلها منتصرا مرفوع الرأس، وقد وقف المشركون أمامه منهزمين منكسري الرؤوس يتوقعون انتقامه؛ وكان هو يشعر بما يملأ نفوسهم من أحاسيس وأفكار، فسألهم:« ماترون أني فاعل بكم ؟» فما كان منهم وهم يعرفون كريم أخلاقه إلا أن أجابوا: «أخ كريم وابن أخ كريم »، فلم يجعلهم ينتظرون طويلا قراره، وعجل لهم بقوله: « اذهبوا فأنتم الطلقاء »(109).
واستلهاما من هذا الموقف النبوي الكريم، كانت لمحمد الخامس قدس الله روحه ولجلالة الحسن الثاني دام علاه مواقف عفو وتسامح مع بعض الذين حادوا عن الطريق بقصد. ويكفي التمثيل في هذا المجال بما ورد في الخطاب الذي وجهه جلالة الملك حفظه الله للمواطنين المغاربة سكان الصحراء المغربية يوم الخميس 17 شــوال 1395 هـ ( 23 أكتوبر 1975 م)، وفيه قال «…وأتوجه لمن انطوت عليهم حيل المستعمرين أو لعبت بأذهاتهم أطماع الطامعين فأقول لهم : لا يمكنني أن أتنكر لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، ولا لأخلاق أجـدادي، ولأخلاق والدي رحمة الله عليه، بل واجبي أن أجمع الشمل وأن أصالح الجميع وأن أصافح الجميع؛ على أن أقول لكم إنني أو من ,اعتقد وسأفعل ما سأفوه به من قسم : إنني باسمي وباسم إخوانكم الذين هم في المسيرة أعد الجميع وأعادهم على التنامي وعلى الصفح وعلى طي تلك الصفحات التي لم يكونوا مسؤولين عنها تماما، بل كما قلت في طياتها كانت حيل المستعمر وأطماع الطامع» (110).
لقد كان طبعيا والدولة المغربية ـ وفي سياقها مدرسة محمد الخامس ـ تهتدي بالنهج الإسلامي، وتسلك سبيل القيم الخلقية، أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجها الذي تتبعه والمثال الذي تقتدي به. ففي خطاب العرش لعام سبعة وأربعين (111)قال الملك المجاهد طيب الله ثراه: «ولنا… خير أسوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله عز كماله». وبعد أن استعرض في نفس الخطاب جوانب من سيرته عليه الصلاة والسلام قال:« ينبغي للمومن أن يجعل هذه السيرة النبوية الشريفة نبراسا متوهجا في ضميره، ينير له طريق الرشاد في مسعاه، لا تزعزعه العراقل ولا تحجبه الشدائد، يعلم أن الله سبحانه وتعالى خلقه حرا ليعيش حرا بين إخوانه الأحرار، الإيمان قوته والعدل حجته واليقين دعامته، بانيا كل أعماله على التبصر وحسن التدبير، ممهدا للمقدمات حتى تكون أساسا متينا للوسط المنتج أحسن النهايات ».
وفي خطاب سنة إحدى وخمسين (112)، أكد ـ رحمة الله عليه ـ قوة عزيمته وعلو همته ولإصراره على الكفاح وثباته على المبدأ، متوسلا بمثال الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه، فقال :« وكفى بسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام برهانا ساطعا ونبراسا نيرا لامعا. أوذي صلى الله عليه وسلم فما وهنت عزيمته ولا ضعفت حجته ولا استكانت في الحق صرامته. التفت في أحرج المواقف إلى عمه حين عرض عليه المال والجاه ليتخلى عن تبليغ الدعوة فقال : والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر أو أهلك دونه ما تركتـــــه ».
ويكفي انتماء المدرسة إلى المثل النبوي الأعلى، تأكيد جلالة الحسن الثاني أيده الله، والتذكير به في كثير من المواقف، على حد ما صرح به لدا استقبال سفير اسبانيــــــا (113)، حين قال «فطمئنوا عاهل اسبانيا وحكومتكم على أننا ننتمي ـ وكما قلنا ذلك علنا ـ إلى مدرسة والدنا جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، الذي ينتمي بدوره إلى المدرسة الدبلوماسية لجده الرسول الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم».
وإذا كانت المدرسة النبوية هي جماع مكارم الأخلاق التي بعث الرسول عليه الصلاة والسلام متمما لها إذ أدبه الله فأحسن تأديبه، فإنها في مجال السلم الذي نحن بصدده في هذا البحث، قد أعطت أروع الأمثلة من خلال أفعاله وأقواله التي تكفي الإشارة منها إلى الحديث النبوي الشريف ذي البعد المستقبلي، وهو مروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : « إنه سيكون اختلاف أو أمر، فإن استطعت أن يكون السلم فافعل »(114).
                                                   ***
وامتثالا لهذا التوجيه النبوي الكريم، جنح المغفور له محمد الخامس إلى السلم، وكذلك جنح خلفه جلالة الحسن الثاني نصره الله، وفق نهج برزت من خلاله معالم اتجاه متكامل أصيل ومتجدد، يستمد أصالته من مدرسة الرسول عليه الصلاة والسلام وما حملت من روافد على امتداد التاريخ، وينطلق في آفاق التجديد التي اتسعت رحابها بحكم ظروف المرحلة وملابساتها وغني التجربة الوطنية وقدرات الذات على الالتحام والمواجهة وعلى الأخذ والعطاء.
من كل ذلك انبثقت «مدرسة محمد الخامس» متميزة في سياق الفكر السياسي المغربي ـ وكذلك الإسلامي والدولي ـ بمفهومها للسلم الذي يتعدى مجرد مقابل الحرب، ليندرج داخل رؤية متكاملة ووعي بأبعاد هذا المفهوم المؤثرة على مختلف جوانب الحياة الخاصة والعامة، في محاولة جادة وموفقة لتأصيله، والإقناع بروحه القائم على التعايش وبأسلوبه المتوسل بالحوار، مع الاحتراز من كل ما يمكن أن يؤول بأنه نقص أو ضعف، ومع بلورة النظرية بالتطبيق؛ مما جعل السلم ليس مجرد شعار مفرغ من كل مضمون، ولكن حافزا للتصدي والتحدي كذلك، بدءا من الموقف ضد الاستعمار إلى طرح القضايا والمشكلات المحلية والعالمية، والسعي إلى حلها، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية.
ويتجلى المضمون في كون المدرسة لا تعني السلام المفروض في القوي على الضعيف، ولا سلام الخاضعين الهائعين المستعبدين، فهذا سلام عندها مر لا تسيغه، وترى خيرا منه الموت الكريم، على حد ما تثبت مواقفها الثابتة المتحدية، ولكنها تعني السلام الذي يعيشه الإنسان بحرية الإرادة واختيار الذات، في ثقة بالنفس وإيمان بانتصار الحق، وفي هدوء بال وراحة ضمير، مع استقرار عقدي ومذهبي في الروح والكيان، واطمئنان ناتج عن إشباع الحاجات، دون عوز أو افتقار أو ما يثير أي خوف مهما كان، وفي توازن سوي بين مختلف عناصر النفس ومتطلباتها، ثم بين هذه النفس ـ باعتبارها فردا ـ ونفوس الآخرين.
وهذا ما يجعل نطاق السلام، من منظور المدرسة، يتسع ليشمل العلاقة بين مجتمع وآخر، ودولة وأخرى. وهو إطار لا يتحقق دون إدراك حقيقة الوجود والإحساس بالغير، والوعي بسر قيام البشرية واستمرارها، ورسالة الإنسان في الكون وما تقتضي من عزة وكرامة وحكمة وتعقل واستقامة خلقية ونزاهة فكرية، ودون مراعاة قيم يومن بها الجميع ويتبادلها، وأهمها الحرية والعدل والتقدير والاحترام والتعاون والتأزر، والرغبة في حياة الأمن والرخاء والازدهار، والسعي إليها من غير حسد أو حقد، وفي تنزه عن كل أنواع التعسف والتسلط، حتى يتاح التعايش والتكامل داخل نطاق الحق والقانون، وفي إطار حرمة الجوار وما إليها مما تفرضه الروابط والعلاقات المختلفة.
إن كل أمة تجد نفسها في فترة ما من تاريخها تعيش ظروفا وأزمات تضطر إلى مواجهتها، إذ تراها عائقا يحول دون تحقيق طموحها في النمو والتطور والتقدم، ولكن هذه المواجهة لا تكون إيجابية إذا هي لم تقترن بفهم عميق لطبيعة تلك العوائق وإدراك أسبابها وخلفياتها، وتحليلها في إطارها الخاص والعام، أي ربطها بما يعرفه العالم من تطورات اقتصادية واجتماعية، وما يشهده من تحولات علمية وتقنية تؤثر على السلوك والعلاقات.
ومن ثم، فأن هذه الأمة، نقصد أفرادها ـ باعتبارهم أناسي اجتماعيين ـ مطالبون بالاندماج. وهم يسعون إلى ذلك بحكم الغريزة، ثم بما لهم من وعي وعقل وقدرة على التمييز والاختيار. وبقدر ما تتحكم هذه العناصر الضابطة في عملية الاندماج، يكون دخول الأمة إلى مجال الحضارة وتكون مساهمتها في إغنائه.
وهذا لا يتحقق إلا إذا حلت قيم السلام في جميع النفوس، بأن تزيح عن الأقوياء نزعة الأنانية والتسلط والاعتداء، وبأن تزيل من الضعفاء مشاعر الخضوع والخوف والحقد.
ومهما يبد في هذه المعادلة من تناقضات، فإنها قابلة للحل، إذا عاد الجميع إلى قاعدة سلوكية نابعة في الأساس من الوعي بأن الوجود الإنسانية اليوم تجاوز مفاهيم الاعتداء والاستعمار في جميع أشكالهما، وأنه لا يمكن أن يتحقق إلا في نطاق التساكن والتسامح، بعيدا عن أي شعور بالاستعلاء أو التفوق، أو أي إحساس بالنقص والضعف.
وبدون ذلك لا أمل للحضارة في الاستمرار، أي في الصمود لألوان الخراب والدمار التي صنعها الإنسان، حتى يتحول التقدم العلمي والتقني إلى ما فيه خير البشرية وليس فناءها على يديه.
إن العالم اليوم يعيش في أجواء لا يتنفس مع هوائها إلا التوتر والخوف والقلق والاضطراب، لما يسوده من فتن وحروب تجاوزت البشرية بها قانون الغاب المتمثل في تسلط القوي على الضعيف لبقاء الأقوى، إلى التقاتل الذي يصل بين الإخوة إلى حد التدمير بشتى وسائل الفتك والتخريب، بدءا من التسابق المكشوف نحو التسلح إلى الإرهاب المقنع والمنظم.
ومع ذلك، وعلى الرغم من كل عناصر التشاؤم التي تسود العالم اليوم، تبقى الجهود التي تهدف للسلام بصيص أمل للإنسانية، وبشير خير يحث على التفاؤل لإنقاذ مصير البشرية. وفي طليعة هذه الجهود ما سعت وتسعى «مدرسة محمد الخامس » إلى تحقيقه، موفقة بإذن الله وسداد منه على الدوام.


68) شاعر الأمويين ثم الطالبيين (60 ـ 126 هـ )، وقد اشتهر بها شمياته، وهي قصائد مذهبية في الانتصار ليني هاشم.
69) انبعاث أمة ج 20 ص 122  ـ  123.
70) توفي يوم الجمعة عاشر رمضان 1397 هـ (6 غشت 1977). والبيت من قصيدته (كل الشهور نوفمبر)، وهي منشورة في ديوانه (السوانح) ص 75 ـ 77 (مطبوعات القصر الملكي ـ المطبعة الملكية بالرباط 1971).
71) في كتابه (تاريخ إفريقيا الشمالية) ص 193، تعريب محمد مزالي والبشير بن سلامة (ط الدار التونسية للنشر 1969 م).
72) ديوان الفرزدق ج 2 ص 717، تـ عبدالله الصاوي (المكتبة التجارية  ـ مصر 1354 هـ  ـ 1936 م).
والفرزدق هو الشاعر التميمي أبو فراس همام بن غالب (19 ـ  110 هـ).
73) من قصيدة (بني وطني ) المنشورة في (باقة شعر من أقاليم الجنوب) ص 20 ـ 21 (وزارة الشؤون الثقافية ـ المغرب ـ جمادى الثانية 1405 ـ مارس 1985، وانظر كذلك مقال الأستاذ شبيهنا حمداتي ماء العينين (نماذج من أدب الصحراء المغربية وأدبائها) ق 2: مجلة
دعوة الحق س 18 عـ 4 ص 100 ـ جمادى الأولى 1397 هـ مايو 1977 (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ـ المغرب).
74) ـ  من قصيدة ( ملحمة الجزائر )، وهي منشورة بمجلة دعوة الحق السنة 5 العدد 5 ص 82 ـ رمضان 1381 هـ فبراير 1962 م.
75) ـ  انظر هذا البيت والذي يليه في : لسان العرب ( مادة سلم ).
76) ـ  توفي سنة 105 هـ ( 723 م ).
77) ـ الآية 62 .
78) ـ  الآيتان 206 ـ 207 .
79) ـ انظر(تفسير التحرير والتنوير) للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ج 2 ص 275(الدار التونسية للنشر ـ تونس 1984 م ).
80) ـ  الآيات 189 ـ 192 .
81) ـ  الآية 194 .
82) ـ  الآية 23 .
83) لسان العرب ( مادة سلم )، وانظر ديوان أمية بن أبي الصلت ص 480، وفيها ورد البيت على هذا النحو :
سلامك ربنا في كل فجر بريئا ما تليق بك الذموم
ت.د. عبدالحفيظ السطلي ( ط الثانية ـ المطبعة التعاونية ـ دمشق 1977 ).
84) الآية 25.
85) الآية 13.
86) الآية 125.
87) الآية 46.
88) الآية 32.
89) الآية 25.
90) الآية 47.
91) الآية 255.
92) الاصحاح العاشر ـ الآية 34.
93) الاصحاح الثاني والعشرون ـ الآيتان 35 ـ 36.
94) الآيتان 37 ـ 38.
95) الآية 214.
96) الآيات 10 ـ 13.
97) رواه البخاري في ( الجهاد ) والترمذي فـي (فضائل الجهاد) والنسائي في ( الجهاد ) وكذلك ابن حنبل في مسنده.
98) رواه الترمذي في ( فضائل الجهاد ).
99) رواه أحمد في مسنده.
100) البخاري في ( الجهاد ومسلم في الإمارة). وهو وارد كذلك عند الترمذي في ( فضائل الجهاد ) والنسائي في ( الجهاد ).
101) رواه ابن حنبل في مسنده.
102) رواه الدارمي في ( الجهاد ).
103) رواه ابن حنبل في مسنده .
104) كابن تيمية في كتاب ( السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية)، وهو مطبوع عدة مرات، منها طبعة دار الكتاب العربي بمصر عام 1969 م.
105) الآية 91.
106) الآية 1.
107) الآية 4.
108) انظر : (تطور الفكر السياسي) لجورج سباين.ت. حسن جلال
العرومي ـ 15 ( ط.دار المعارف ـ مصر ).
109) أنظر الخطبة في ( جمهرة خطب العرب ) لأحمد زكي صفوت ج 1 ص 52، والمصادر المذكورة ( الطبعة الأولى ـ مصر 1352 هـ ـ 1933م ).
110) انبعاث أمة ج 20 ص 156 ( المطبعة الملكية بالرباط 1394 ـ 95 هـ = 1975 م ).
111) ألقى يوم 5 محرم 1367 هـ ( 18 نوفمبر 1947 م). انظره في المجموعة المشار إليها ( من سلطان المغرب إلى شعبه الوفي ) ابتداء من ص 65.
112) ألقي يوم 17 صفر 1371 هـ ( 18 نوفمبر 1951 م). انظره في المجموعة المذكورة ابتداء من ص  99.
113) سبقت الإشارة إليه.
114) رواه الإمام أحمد

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here