islamaumaroc

مستقبل الإسلام في نيجيريا

  محمد الإدريسي

العدد 269 ماي-أبريل 1988

نيجيريا دولة تتكون من أربعة أقاليم:
هي نيجيريا الغربية، ونيجيريا الشرقية، ونيجيريا الشمالية، وإقليم لاغوس عاصمة الدولة الاتحادية.
ونيجيريا تقع في القسم الغربي من إفريقيا يحدها المحيط الأطلسي من الجنوب وهي بين بلدين إفريقيين هما الداهومي في الشرق والكاميرون في الغرب.. أما في الشمال فهناك جمهورية النيجر، ويقع اتحاد نيجيريا على مساحة تقرب ب 965 ألف كلم2 أي ثلاثة أضعاف مساحة الجزر البريطانية التي كانت تسيطر على هذه البلاد.
تعتبر نيجيريا أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان إذ يبلغ تعدادهم قرابة 100 مليون نسمة غالبيتهم مسلمون، وهذا العدد يكاد يساوي مجموع المسلمين في بقية القارة الإفريقية حسبما أوردته جريدة (السياسة) (1).
وقد دخل الإسلام إلى نيجيريا من شمال البلاد في فترات مختلفة أيام المرابطين خصوصا أثناء حكم يوسف بن تاشفين، وبقي ينتشر في هذا القسم حتى ساد وبذلك فرض وجوده على أرضية الشمال،وبدأ يغزو الجنوب رغم أن المسيحية دخلت منه عن طريق الاستعمار الغربي الذي حاول جاهدا الوقوف في وجه الزحف الإسلامي المستمر للقضاء عليه فجند المبشرين وأنشأ مدارس التبشير، واستعمل وسائل القوة واستغل كل أسالين الإغراء وذلك للحيلولة دون استمرار المد الإسلامي.
وبقي الصراع بين شمال البلاد وعربها أي بين الإسلام والمسيحية، وهو صراع حبست له القوى الصليبية العالمية ألف حساب. ومما زاد الطين بلة في نظر الاستعمار الغربي أن استقلال البلاد الذي تحقق في 16 نونبر 1960 كان على أيدي زعيمين خطيرين ممن زعماء أهم الأحزاب في شمال نيجيريا وهما: أحمد بيللو الذي كان رئيس حزب هيئة الشمال ورئيس وزراء الشمال وأبو بكر تفاوة رئيس الوزراء الاتحادي، فهما معا كانا وراء توسيع رقعة المد الإسلامي في عهدهما على صعيد نيجيريا، وهما معا ساهما مساهمة فعالة وعملا من أجل حرية البلاد.
ولمكن حيكت المؤامرات ضد استقرار نيجيريا قصد عدم انتشار الإسلام فيها، وقد تولى كبر تلك المؤامرات العدو الصليبي والعدو الصهيوني اللذان خططا بخبث ونجاح لإزاحة الزعيمين بيللو وتفاوة عن مسرح الحياة. وكان ذلك منتظرا ومتوقعا لأن أحمد بيللو برهن عن إسلامه وإخلاصه للقضية الإسلامية الأولى في قرننا العشرين فقد رفض هذا الزعيم المسلم أن ينحني لإرادة الاستعمار الإنجليزي برفضه رفضا قاطعا زيارة وزيرة خارجية إسرائيل لبلاده.. وقال معبرا عن رفضه: (إن بلده إسلامي، لا يسمح شعبه المسلم لمن دنس حرمة فلسطين ومناطقها المقدسة أن يدخل بلاده).
وكان جزاء الرئيس الزعيم أحمد بيللو ورفيقه ألأبي بكر تفاوة أن اغتيلا في انقلاب دموي دبر ليدمر البلاد ويأتي على الأخضر واليابس وبقيت آثاره إلى الآن.
ومنه ابتليت أفريقيا بالانقلابات وهي تعاني الأمرين: ولا وجود لاستقرار سياسي ولا بناء للهيكل الاقتصادي ولا تحسن في الحياة الاجتماعية رغم أنها غنية بثروات عظيمة وضخمة تشتمل على البترول والمعادن بإضافة الثروة الزراعية والثروة الحيوانية.
وكان الأسلوب في التدمير الذي تعرضت له نيجيريا تلافيا لتحقق أكبر وجود إسلامي يفي إفريقيا متمثلا في نيجيريا الاتحادية، وبقيت البلاد إثر ذلك الانقلاب المشؤوم تقاسي وتقاسين وما زال الإسلام يكافح ويجابه التبشير والتنصير الذي جند له دعائه جيوشا وخصصوا له ميزانيات ضخمة وخططوا لتمسيح إفريقيا مركزين على نيجيريا، وهذه حقائق في الموضوع تشير إلى معوقات انتشار الإسلام في نيجيريا وما يعانيه المسلمون هناك اعتمادا على ما جاء في بحث للأستاذ عبد الباسط الذي كان يدرس في مدارس نيجيريا الشمالية، وكان مما قاله بالأرقام (كلنا يعرف أن نسبة المسلمين في نيجيريا تبلغ 77 % من عدد السكان، ولكن هذه النسبة قد انخفضت الآن إلى 69 % حسب تقديري (2) بسبب التخلف ونقص الوعي اللذين سادا أحوال المسلمين في السنوات الطويلة الماضية.
وإن شرعة انتشار الارتداد عن الدين، التي نشاهدها في الوقت الحاضر، يمكن أن تؤدي إلى جعل نسبة عدد المسلمين تنخفض إلى 30 % في غضون السنوات العشرين القادمة. وإن البعثات التبشيرية المسيحية الآن، تعمد مرارا ودائما إلى الإعلان عن إخفاقها في أعمالها التبشيرية، في نيجيريا الشمالية، ولكن هذا العمل ليس إلا خدعة تلجأ إليها هذه البعثات لتخدع المسلمين وتلهيهم عن خسائر من إخوانهم المسلمين الذي ارتدوا إلى النصرانية.
وهناك واحد وعشرون بعثة تبشيرية أجنبية، بالإضافة إلى المنظمات التبشيرية المحلية، وجميع هذه البعثات والمنظمات تقوم بالعمل التبشيري بجد ونشاط.ولهذه البعثات هيئات تبشيرية منتشرة في كل ناحية من نواحي نيجيريا، ومستشفيات ومدارس من مختلف المستويات، ومحلات لبيع الكتب، وكذلك محلا عامة تعرض الكتب التبشيرية مع البضائع الأخرى. وطبيعي أن الأرباح التي تنتج عن هذه الهيئات والمستشفيات والمدارس والمحلات والمكتبات تتفق كلها على الدعاية والنشاط التبشيرية.
وإن المدارس الحكومية التي تتبع لوزارة التربية النيجيرية يديرها بأجمعها مسيحيون، كما أن حوالي 90 % من أعضاء المجالس التربوية المحلية هم من المسيحيين، ولهم السيطرة التامة على المدارس المحلية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن 80 % من المدرسين هم من النصارى، وهم يتعربون أن التبشير أثناء التدريس هو جزء من واجبهم.
ومن ناحية أخرى، فإن المدرسين من الملمين، لا يعرفون إلا أقل القليل عن دينهم، وليس لديهم الإمكانيات أو الاستعدادات لخدمة الإسلام. وباعتباري مدرسا، فقد أتيحت لي فرص عديدة للتحدث مع مئات من الطلاب الذين ينتمون إلى أسر مسلمة، والذين تلقوا تعليمهم في مدارس تبشيرية، وقد تبين لي أن 90 % منهم مسيحيون، وأن أل 10 % لم يعلنوا أنهم مسيحيون، ولكنهم يقلبون كثيرا من الشبهات والشكوك حول الإسلام...
والمسلمون في نيجيريا، سواء كانوا مسنين أو شبابا، يعانون منم عقدة النقص، فإذا ما سألت أحدا منهم عما إذا كان مسلما، فإنه سوف يجيبك ببسمة، ثم يعتذر لك لكونه مسلما، وبما أنهم يشعرون بالغضاضة لكونهم مسلمين فإنهم لا يدون على أي إساءة أو تشهير قد توجه للإسلام, وأننا نجد أن كتب التاريخ التي تدرس في المدارس مفعمة بالضغائن والأحقاد والإساءات للإسلام، ولكننا لا نجد أي صوت يرتفع ردا على هذه التهجمات على الإسلام.
وكذلك فإن عددا من الصحف والمجلات الدورية تبحث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بلهجة خالية من الاحترام، ومليئة بالتهجم والإساءة، ولكن ما من أحد يقوم بالرد على هذه الصحف والمجلات.
وإن فقدان الثقة بالنفس، والخضوع المهين للإهانات، الموجودين لدى الملمسين، يمكن أن نعزوهما، برأيي، إلى جهلهم بالإسلام، وإلى تقدم جيرانهم المسيحيين وثرائهم، والمسلمون يعانون من فقرهم بالمؤلفات الإسلامية، التي تواجه هجمات النقاد المعادين للإسلام،و يعانون كذالك من فقدان الجو المسلم في بيوتهم، حيث يمكن أن يتولى تصحيح الصورة المشوهة عن الإسلام، والتي تقدمها المدارس لأبنائهم.
وبالإضافة إلى أثر النشاط التبشيري، فإن هناك أثر ارتفاع مد حركة الاتجاه إلى الغرب. وتقبل كل ما ينتجه من أفكار ونظرات إلى الحياة. وهي حركة تحيط بنيجيريا وتلتهمها بقوة وسرعة كبيرتين. حتى إن أي شيء يأتي من الغرب، يصبح له من القوة، مثل قوة النصوص المنزلة بالنسبة للمؤمنين) (3).
وقد جاء في كتاب الإسلام وتقاليد الجاهلية للأستاذ الداعية آدم عبد الله الالوري في معرض حديثه عن البقايا أو الآثار الجاهلية التي لا تزال قوية في نيجيريا المسلمة هي التفرقة العنصرية بين القبائل المسلمة، فترى البرناويين يرون أنفسهم أحسن قبائل نيجيريا، ثم يأتي الفلاتيون يعتقدون أنهم أهل البلاد، فيجب أن يعضوا عليها بالنواجذ مهما علا الثمن، ثم ترى قبائل هوسا أنهم أحسن من قبائل يوربا، ولم تستطع الروح الإسلامية حتى الآن أن تنزع من قلوبهم هذه العصبيات حتى في المجال الديني. ومن مظاهر ذلك أنه قلما تجد هو ساويا أو فلاتيا يصلي إمام يورباوي، حتى ولو كان يعيش بين أوساط يورباوية في بلاد يوربا.
وإنما يبنون لقبليتهم مسجدا خاصا ولو بجانب مسجد أهل البلد كمسجد الضرار لأنهم يزكون أنفسهم في إيما وعقيدتهم وعباداتهم ويتهمون البوريا بالنفاق والرياء وضعف الإيمان. وهذا داء عضال انفرد به مسلمو نيجيريا.وهذه حقيقة لا ينكرها أحد من الناس إلا مكابر، اللهم إلا ما كان حديثا من بعض المثقفين في لاغوس وأغيغي يعملون لإزالتها في الأوساط السياسة.
وبدأ الشعور من علماء هوسا كالشيخ محمد ناصر كيرا والقاضي أبو بكر قومي وغيرهم، فبدأوا يحاربون هذه العصبية بطريق الحكمة، خصوصا عند إنشاء المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، بضم سائر المنظمات من شتى القبائل، فعسى أن يفتح هذا باب التفاهم، وإزالة الفوارق بين المسلمين) (4).
وقد جاء في تحقيق نشرته السياسة الكويتية خاص بصندوق التعليم الإسلامي في نيجيريا، مجمله أن هذا الصندوق يحتاج إلى مساندة كبيرة من جانب الدول الإسلامية ليتمكن من مواجهة التعليم التنصيري في تلك البلاد، وورد في التحقيق بأن (معظم المسلمين محرمون من التعليم الإسلامي الذي يكافح رغم صعوبة ظروفه والذي يحتاج إلى تطوير في الكيف لتخريج المسلم المعدل المتوازن، وإلى تطوير في الكم لتغطية احتياجات المسلمين الكثيرة. أما التعليم العصري الذي يستوعب معظم أبناء المسلمين فإنه يخرج أجيالا من الشخصيات التي لا تكاد تعرف عن دينها شيئا والتي تكون اهتماماتها هي تحصيل شهادة تعين حاملها على الفوز بوظيفة تضمن له العيش) (5).
أما عن حقيقة التبشير في نيجيريا فقد قالت الصحيفة على لسان صاحب التحقيق محمد سليمان الشمري: (ازدادت الأمور سواء بسبب النشاط التبشيري المائل الذي لوحظ أنه نما وتزايد في السنوات الأخيرة والذي يحظى بالتشجيع...وكعادة المبشرين، فإنهم يلجأون إلى المدرسة والمستشفى والكنيسة والكتاب والغذاء والندوات واللقاءات لتنصير المسلمين، أو على الأقل لإفسادهم وصرفهم عن دينهم.
وقد حاول المبشرون توظيف خطط التنمية في البلاد وتوجيهها لصالح أهدافهم، وتدل دراسة جهودهم على أنهم يقومون بعمل مخطط مدروس تقف وراءه إمكانات كبيرة).
إن الأضواء التي ألقيناها على أوضاع المسلمين في نيجيريا توضح لنا بالإحصاء المحنة الكبرى لأهل الإسلام في ذلك البلد من القارة الخضراء الذي يتعرض وغيره من بلدان إفريقيا إلى حملات شرسة لتغيير معتقداهم الإسلامية نحو المسيحية أو القاديانية وغيرها من الدعوات الهدامة أو نحو إحياء التقاليد الجاهلية للتمسك بها كعقائد، والمهم عند أعداء الإسلام ألا يبقى مسلمو القارة العذراء مسلمين بالمعنى الصحيح.
والأعداء موقنون بأن سكان القارة من الزنوج خاصة يجدون رغباتهم ويرون في وجودهم في الإسلام لأنه لا يعرف العنصرية ولا يقر التفريق على أساس اللون، وهكذا حتى لا يكون أو يتحقق إقبال جديد على اعتناق الإسلام في القارة، وخوفا من زحفه المرتقب يصنع الأعداء مشاكل ويحيكون مؤامرات في القارة توهم سكانها بأنها نتيجة إسلامهم، وقد كانت طريقة التجويع أحسن أسلوب وأخبثه نجح أعداء الإسلام فيه فكانت الفرض السانحة لهم ودخلوا إلى القارة من جديد بعد استقلال بلدانها في الظاهر: دخلوا باسم الإحسان والإنسانية وما هو إحسان لله كما يريد الله وكما جاء في مبادئ الإسلام وتعاليمه.
إن الدعوة الصادقة التي تتسم بالإنسانية حقا هي دعوة الإسلام التي لا تعرف التمييز والتفريق بين أحمر وأصفر أو بين أبيض وأسود.
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات:13).
(إنما المؤمنون إخوة) (الحجرات:10).
إن إحسان أهل التبشير وما يبدو منهم من إنسانية ما هو إلا تظاهر ونفاق، فالمهم عندهم وهو هدف كبير العمل على تقليل سواء المسلمين وتضييق نطاق أهاليه في إفريقيا كلها لأن انتشار الإسلام فيها وتثبت أقدامه في  أرضيتها في إفريقيا كلها قنبلة لا تطاق ولا مثيل لها في عالم القنابل خصوصا إذا كانت مع كثرة المسلمين قوة ووعي ومسؤولية وحضارة من وحي القرآن، وهذا كله هو ما يخشاه أعداء الإسلام في القرن العشرين.
فواجبنا نحو إخوة العقيدة في القارة الخضراء هو الدعم المستمر في شتى المجالات مع السهر الدائم لخير الدعوة هناك، وهذا الواجب نحوهم يعتبر من أمانة الدعوة إلى الإسلام التي هي في عنق كل مسلم، كل على قدر استطاعته:
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) (الحجرات:13).


1) بتاريخ 26 أبريل 1985.
2) إن هذا الانخفاض كان متوقعا بعد الإطاحة بنظام أحمد بيللو وأبي بكر تفاوة اللذين عملا في عهدهما على أسلمة نيجيريا.
3) عن مجلة حضارة ا|لإسلام، عدد 3 و 4 في سنتها الثامنة عن (مأساة المسلمين في نيجيريا)، صفحة: 198 و 200.
4) كتاب (الإسلام وتقاليد الجاهلية) وهو بحث يهدف إلى مواجهة قيادات إحياء التقاليد الوطنية في إفريقيا طبعة 1977.
5) صحيفة السياسة بتاريخ 26 ابريل 1985.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here