islamaumaroc

الدخيل في الثقافة العربية الإسلامية

  دعوة الحق

30 العدد

لا اريد في هذه المقالة أن اعرض الى مواطن الدخيل في ثقافتنا العربية الاسلامية. واناأن فعلت ذلك فلا أراني أقول الامعاد.
ولكني أن اعرض للموضوع فاقول : ان الذين عرضوا الى هذا اطلقوا اقوالا عامة، تنتهي الى ان الثقافة العربية الاسلامية قد تأثرت في صورها المختلفة بالعقلية الاغريقية.
واول من اطلق هذه الاحكام هم المستشرقون ومن بين هؤلاء من لم يتصف بالعدل والقصد والنصفة فما امر Renan الفرنسي في القرن الماضي ببعيد. فقد ذهب هذا إلى أن العرب أو قل ان العقلية السامية قاصرة لا ترقى الى غيرها من العقليات كالاغريقية والرومانية ومن أجل هذا كان هؤلاء عيالا على غيرهم من الشعوب في حضاراتهم. وقد أسرف هذا الفرنسي المسيحي المتعصب لاكتر من غرض واحد ولسنا بصدد بيان هذا، وقد ذهب غيره هذا المذهب دون أن يلتزم بعنفه وشدته.
ولا أريد أن أدفع عن ثقافتنا تاثير فما الى ذلك قصدت، وانا ان فعلت ذلك فقد جرت على الحقيقة كما جار النفر الآخر، ولكني اريد أن اقول:
لقد بالغنا –نحن المشارقة- في هذا الزعم، فاساتذتنا المصريون وغير المصريين من المحدثين قد ذهبوا أكثر مما ذهب اليه أولئكم الاعاجم المسشرقون
فما قولك فيمن يعزو شاعرية بن الرومي المقلقة الى كونه يرجع الى أصل غير عربي أو قل رومي، ولم يقصد يومئذ بالرومي التحديد التام فربما كان الاغريق روميا أيضا، والى مثل هذا ذهب المفتنون بابي تمام وقالوا ان فيه شيئا آخر لا يرجع الى دنيا العرب. ثم ماقولك فيمن يقول أن ملكة الكتابة عند عبد الحميد الكاتب وترسله المعروف والنحو الذي درج عليه، راجع الى أن صاحب هذه الصنعة قد استمد أصولها ونهجها من عقلية لا تمت الى العروبة بصلة. ولن تعجب من هذه الاقوال، فلم يقلها ممخرق مدع، ولم يقلها جاهل لم يألف البحث العلمي، وانما قالها أستاذ عميد، غبرت عليه السنون وشارك في ثقافة الاجيال الحديثة، ذلكم هو طه حسين.
ولم نريد ان نشتط كما اشتط هؤلاء ففي ثقافتنا اصول دخيلة اخرى، وليس عيبا ان تتاثر ثقافة باخرى، وما من حضارة في الارض قديمها وحديثها الا كانت متاثرة بغيرها سلبا وايجابيا، ولعل مما يشير الى قوة الثقافة والى قيمتها من حيث مكانها والتطور والرقي، انها ذات قابلية في الاخذ من غيرها ودمج هذا الدخيل فيها حتى يصبح شيئا منها.
وقد حصل هذا في ثقافنتنا العربية الاسلامية، فالذي اصطلح عليه الباحثون من (الفلسفة الاسلامية) ان هو الا الشيء من هذا، فالفلسفة في كتب الغزالي وابن سينا والفارابي وابن رشد مزيج من ثقافتين، ولكن هذا المزيج له وحدته، وله طابعه وهذا الطابع لا يناى به عن الشكل العربي المسلم. وفي اعمال هؤلاء شيء مما يسميه الباحثون اليوم ب (SYNHESE) ولا اريد ان اسرف في هذا الشق من الموضوع ذلك اريد ان اعود فاقول ان الذين ذهبوا الى تأثر الثقافة الاسلامية بالاغريق قد اطلقوا هذا التاثر على شعب المعرفة جميعها.
فالدكتور ابراهيم سلامة المصري يضع كتابا في بلاغة أرسطوا بين العرب واليونان يقول فيه: ان البيان العربي قد ابتدأ بالجاحظ وان بيانه قد اختلط فيه النقد مع القاعدة البلاغية، والتقت فيه عدة ثقافات. ثم بين لنا أن ابن المعتز قد عرض لبلاغة عربية المثل، عربية الاصطلاح، عربية المأخذ، ولو انه عاصر (قدامة بن جعفر) الذي اطلع على كتابي ارسطو (الخطابة والشعر) ولكنه جعل كتابه في البلاغة العربية وفي النقد الادبي عربيا أصلا في عبارات اصطلاحية لها دلالتها الخاصة من ناحيتها اللغوية، ووجد فيما قرره الجاحظ من المصطلحات ما اعانه على تقسيم كتابه، هذا التقسيم الدقيق الذي فرق بين الصنوف الخمسة الاولى للبديع وبين الصنوف الاخرى التي سماها بالمحسنات.
ثم تتبع الاستاذ سلامة ابن المعتز فيما يكون له شبه بالبلاغة اليونانية، فقرر أن ارصالة واضحة، وخطة ابن المعتز بالقياس الى خطة ارسطوا غاية في البساطة، بعيدة عن التحديد المنطقي الذي عرفه بها ارسطوا في تعريفاته. ثم قرر ان الشبه بينهما حاصل في خطة كل منهما، فكما ان اريسطو تتبع شعراء اليونان واستخرج من كلامهم بلاغته وفنه كذلك تتبع ابن المعتز شعراء العربية مسجلا في أشعارهم الموضوعات البلاغية.
ولكن الدكتور سلامة لا ينفي ان قدامة بن جفر قد اخد عن سطور –المعلم الاول– وتأثر بكتابي (الخطابة والشعر) ولكنه يعود فيقول: ان شخصية قدامة بقيت ظاهرة.
ولا بد لنا من ان نقول هنا شيئا، وذلك ان هؤلاء الذين يذهبون هذا المذهب ربما كانوا يطلقون الاقول قبل الرجوع الى المظان المعروفة وربما كان ذلك راجعا الى أنهم قد استقرت في اذهانهم فكرة الدخيل الاغريقي في جميع الوان المعرفة العربية، ومن اجل هذا يطلقون هذه الاقوال ثم يقدونها على الشكل الذي عرفنا. فكتاب (نقد الشعر) لقدامة بن جعفر مادة في البلاغة العربية والنقد الادبي كما عرفه الاقدمون.
والمطلع على الكتاب لا يجد صعوبة في اكتشاف الحقيقة وهو ان هذا الكتاب عربي في شكله ومادته وترتيبه ومصطلحاته الفنية مصطلحات لغوية لا تختلف كثيرا عما وجدناه في (بديع) ابن المعتز.
وقد بين الدكتور سلامة ان العرب لم يتركوا انفسهم يندفعون في البلاغة اليونانية. التي جذبهم اليها (قدامة) وقد تعقبه (الامدي) في (الموازنة).
وتعقبه العسكري في الصناعتين وقال أن خطأه فاحش في كثير مما ذهب اليه، ولم يرض الجرجاني بما فعله ووعد في (الوساطة) أن يكتب في موضوع البديع.
ويبدوا أن الدكتور سلامة مؤمن بصلة البلاغة العربية بالبلاغة اليونانية، فقد قرر مع هذا أن هذا الاخذ لم تنقصه الفطنة ولم يغب عنه الذكاء العربي الذي تصرف فيما اخذ.
ونحن لا ننكر التأثر في هذا الميدان الذي لا ينصب على المادة والاصول وانما ينصب على الشكل.
فالأسلوب الجدلي والمحاكمات العقلية التي طبعت على كتب البيان ذات علاقة بالاساليب الدخيلة اليونانية في البحث ثم ان شيوع طائفة من الاصطلاحات راجع إلى هذا أيضا كالقول بالتجريد والقياس والإطلاق وغير هذا.
عرف العرب كتب ارسطوا فقد سموا (كتاب الخطابة) أو الفن الخطابي بـ (ريطوريفا) وسموا كتابه (الشعر) (ابو طيفا). وقد ذكرهما صاحب الفهرست في مجموعة كتبه (المنطقيات). وقد نقل الفيلسوف العربي ابن رشد كتاب الشعر الى العربية.
ويشير الدكتور سلامة أن العرب قد عرفوا مبادئ السوفسطائيين وفلسفتهم. واهتمام اولئك بالبلاغة والخطابة، جعل العرب يهتمون بالخطابة والبلاغة وأساليبهما وبهذا تأثر ابن المقفع فقد عرف هؤلاء، وكان الدكتور سلامة يريد ان يقول أن النثر الفني متأثر  بهذه المبادئ وهذه الفلسفة ذلك أنه يقرر أن ظهور النثر الفني كان مع ظهور السوفسطائيين في القرن السادس قبل الميلاد.
وقد ذهب الدكتور طه حسين الى هذا أيضا فقد انتهى الى: ان البيان العربي نسيج جمعت خيوطه من البلاغة العربية في المادة واللغة، ومن البلاغة الفارسية في الصورة والهيئة، ومن البلاغة اليونانية في وجوب الملاءمة بين أجزاء العبارة.
على أن هذا التيار لم ينقطع فقد زعم المحدثون أيضا، جريا على سنة الاعاجم: أن النحو العربي متأثر بالثقافة اليونانية أو قل بمنطق ارسطو. والى هذا ذهب الدكتور ابراهيم بيومي مدكور في مقالة نشرتها مجلة مجمع فؤاد الأول للغة العربية سنة 1948-1949، وموضوعها (منطق أرسطو والنحو العربي) ذهب الدكتور مدكور في مقالته هذه الى تأثر النحو العربي بمنطق ارسطو تأثرا يمس المنهج والموضوع فقال (وقد اثر فيه –يعني النحو العربي- المنطق الارسطي من جانبين. احدهما موضوعي والآخر  منهجي. فتأثر النحو العربي عن قرب أو عن بعد بما ورد على لسان ارسطو في كتبه المنطقية من قواعد نحوية واريد بالقياس النحوي أن يحدد ويوضع على نحو ما حدد القياس المنطقي).
وقد بنى رأيه في تأثر النحو العربي بمنطق ارسطو على أمور:
1- اعتبار القياس اصلا من أصول النحو وتحديده ووضعه على نحو ما حدد القياس المنطقي ثم التشابه بين ما جاء من تقسيم الكلمة عند سيبويه الى اسم وفعل وحرف وما جاء من تقسيمها عند أرسطو الى اسم وفعل واداة.
2- ظهور النحو السرياني في مدرسة نصيبين في القرن السادس الميلادي على مقربة من نحاة العرب الأولين ثم ترجمة عبدالله بن المقفع لمنطق ارسطو التي تعد كما يقول ثروة جديدة نقلت الى العالم الإسلامي.
3- تلمذة بعض السريان على الخليل بن احمد كحنين بن اسحاق الطبيب السرياني المعروف الذي كان له أثر كبير في نقل علوم اليونان. وقرر الدكتور ان حنينا قد عاصر الخليل وسيبويه، وليس مدكور اول من ذهب الى هذا فقد قال بهذا القول قدماء ومحدثون.
ومن القدامى من ذهب الى هذا ابن ابي اصيبعة في (عيون الانباء) 1: 184 ونقل عنه هذه الرواية القفطي في (اخبار العلماء بأخبار الحكماء) ص117.
ومن المحدثين الأستاذ احمد امين في (ضحى الإسلام) 1: 298. ورد هذه القوال يقوم على ان الخليل لم يعاصر حنينا فوفاة الخليل كانت في سنة 180 او قبل ذلك او بعده بقليل، وان ولادة حنين لم تكن قبل سنة 194.  فلم يدرك اذن حنين الخليل ولا رآه، والزعم باطل.
والاستاذ (دي بور) في تاريخ الفلسفة في الاسلام يذهب الى غير واحد من المستشرقين.
على ان نظرة واحدة الى النحو العربي تظهر بعد هذه المادة عن كونها متاثرة بالمنطق الارسطي ولئن وجد شيء دخيل فيها لهو شيء خاص بشكل دون الأصل وبالأسلوب دون المادة فالتقسيمات النحوية كالحنين والنوع الخاص والعام والمطلق والمجرد من هذا الدخيل الوافد على هذه المادة الأصلية في عروبتها.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here