islamaumaroc

الخطاب السامي لصاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله في عيد العرش.

  الحسن الثاني

العدد 269 ماي-أبريل 1988

       وجه صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله خطابا ساميا إلى الشعب المغربي بمناسبة عبد العرش المجيد وقد أبرز العاهل الكريم في مستهل الخطاب السامي عميق المغزى والمعاني من تخليد عيد العرش المجيــد الذي تجمع فيه القلوب على تكريم وتمجيد الوفاء والإخلاص لأسمى معانـي الإتلاف بين الملك وشعبه.
       وذكر جلالته حفظه الله بمشاعر الحب والوفاء والارتياح التي تغمر دائما قلوب الآباء وقلوب الأبنـاء كما ذكر جلالته بالقيم العالية التي اتصف بها ملوك المغرب الذين تعاقبوا على عرش البلاد من أجل حريــة وراحة رعاياهم وجمع شمل البلاد وتحرير أراضيها وإعادة استقلالها وكرامتها.
وفيما يلي النص الكامل للخطاب السامي :


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه.
شعبـي العزيز
إن من نعم الله علينا أن اختار لنا يوما يفد علينا كل عام، وميزه بأبهى طلعة وجعله أحفل أدامنـــا بالدلالات وأوفاها خطا من العاني.
ومثل هذا العطاء الذي كتب الله لنا أن نتملى حامدين شاكرين نعماءه لا ينزل بساحة معاشر النــاس كلهم، وإنما هو رحمة يختص الله بها من يشاء من الأمم والشعوب.
لقد من الله علينا فأقام لنا عيدا تجمع فيه القلوب على تكريم وتجميد الوفاء والإخلاص لأسمى معاني الإئتلاف بين الملك وشعبه، وعلى تكريم وتمجيد أقوى وأعمق عاطفة حب متبادلة بين من استرعاه الله أمر شعبه وبيـن الشعب الذي تحيط به رعاية الراعي المتجلية الحاضرة في كل ظرف، الشاملة الغامرة في كل حين.
إن اللقاء التاريخي الذي تيسر بين الأمير الذي اصطفاه الله فألقى إليه مقاليد الأمور وبين الشعب الذي أهله الله لأن يحاط بأكرم رعاية ويخص بأعظم اهتمام ليرمز إلى جلاله وروائه هذا العيد الأعز، الذي يحتفل به المواطنون المغاربة كل عام في مثل هذا اليوم أينما وجدوا من أقطار الدنيا، وتفتن أفراحهم في التعبيـــر عن مشاعر الارتياح والاطمئنان، والرضاء والهناء، الجياشة على حد سواء في قلوب الآباء وقلوب الأبناء.
لقد أضفى الله على هذا اللقاء من مطارف يمنه السابغة وأردية بركاته الواسعة، ما جعل الخواطــر والنفوس تفيض كلما حل هذا العيد بأطياف الماضي وذكريات بطولاته وأمجاده، وما وفق الله إليه الجهــود المتضافرة المتآزرة وأنـجزته العزائم الملهمة المتناصرة.
ملوك المغرب صرفوا اهتمامهم على مصالح الرعية.
وطبيعي شعبي العزيز أن تتوثق بيننا وبينك على امتداد الأعوام، أواصر الإعزاز والألفة والثقـــة، وأن تستحكـم الوشائج التي يولدها الطموح المشترك والآمال المشاعة، والأهداف التي تحددها إرادات كانت تراها ملائمـة صالحة فتفاوتت حظوظ هذه الدولة من التوفيق متوافقة همها الأكبر أن تشيع في البلاد وتتمكن أسباب الرخاء والازدهار.  
لقد عهد الله إلى ملوك المغرب الذين تعاقبوا على عرش البلاد منذ ذلك اليوم الذي شاءت فيه إرادة الله أن يرتفع بنيان الملكية فوق أرض وطنك بأن يصرفوا اهتمامهم إلى مصالح الرعية ويكفلوا رعايتهم لصغيرها وكبيرها.
وقد سعت كل دولة خلت من الدول المتعاقبة إلى الاضطلاع بالأعباء وأداء الواجبات بالطرق التي كانت تراها ملائمة صالحة فتفاوتت حظوظ هذه الدول من التوفيق، وأبقى الله لبعضها بما ابتلته سياستها من بلاء حسن ذكرا غاليا وصيتا بعيدا في الخافقين.
وتسلمت أسرتنا مقاليد الملك فجعل أجدادنا الميامين من أغراضهم الأكيدة وأهدافهم القريبـــة والبعيدة لم شعت البلاد وجـمع شملها وتحرير أراضيها وإعادة وحدتها كما قصدوا إلى تأمين اليسر والطمأنينة للشعب، والنباهة ورفعة الشأن للمملكة. وتصرف ملوك أسرتنا طوال قرون وهم يدبرون شؤون المملكــة ويسوسونها تصرف من تـحتل كرامة البلاد وسعادة الشعب المنـزلة العليا من اهتمامهم والمقام الأسى مـن مشاعرهم وأفكارهم، وأخذوا نفوسهم بالمحافظة على ما تمتاز به الشخصية المغربية من ملامح وعلى ما تزخر به الديار من تراث حضاري، وكان كل من ملوك الأسرة العلوية يشعر شعورا قويـا بأن عليــه أن يسلم ما تلقاه من سلفه إلى من سيأتي من بعده كاملا، غير منقوص بل أكثر ثراء وأعظم شأنا.
وفي أثناء هذه القرون كان من حسن طالع المغرب أن تمكن الوئام بين الملوك وشعوبهم كمـــا تعززت الثقة، واستحكمت المحبة واتحدت المقاصد وتكاتفت المساعي ويسـر الله لهذا الأب المشترك ولهـذه الإرادات والهمم المتلاحمة إدراك ما تصدت له الجهود وبلوغ ما ترامت إليه الأماني.
جاهد محمد الخامس في سبيل رقي رعيته
واستمرت سفينة المغرب تمخر العباب تجري بها تارة ريـاح طبية وتارة تعترض سبيلها المصاعب، وتلوح في أفاقها المخاطر، وكان ربابنتها يواجهون المشاكل بحزم وإصـرار، ويغالبون الأهوال بمضاء العزيمة وقوة الشكيمة، ومضت الأحقاب تلو الأحقاب على هذه الوتيرة من اليسـر والشدة إلى أن تألبت الأطماع، وأخذت قواه المنتشرة تزحف خاطفة ناهبة غابة تتحيف المغرب من أطرافـه وتشرئب إلى عقر الدار، وفرض السيطـرة الكاملة التي لا ترد ولا تجادل ولا تنازع.
إزاء هذا الخطر الداهم، حاولت السلطة المغربية المركزية أن تقاوم الزحف، وتصد العدوان ولكــن الأطماع التي امتدت إلى البلاد، وأحدقت بها من كل جانب، اصطنعت جميع أساليب الكيد لبثا لفوضى ونشر الاضطراب، وتوهين الضمائر والنفوس وخلق الأزمة وتمهيد الطريق لنجاح مؤامرة انقضاض المصالح الجامحــة والاستيلاء العسكري الغاشم، كل هذا جعل المقاومة المغربية واهية كليلة الحد، عاجز عن الصمود ودفع المكروه ليسعاها إلا الإعانة والاستسلام.
وانتظر المغرب اعتلاء جلالة والدنا محمد الخامس طيب الله ثراه عرش آبائه وأجداده، ولم يمض علـى إمساكه زمام القيادة إلا زمن يسير، حتى نشطت الآمال من عقالها واختلجت في النفوس أحلام استرجــاع الحرية السليبة والاستقلال الضائع.
وجاهد جلالة الملك محمد الخامس رضي الله عنه وأرضاه، ما وسعه الجهاد في سبيل رقي شعبه ونقلـه من طور حسن إلى طور أحسن وإحلاله المنازل المرموقة واحدة بعد أخرى، مستعملا في علاقته بالاستعمـار تارة المياسرة والين، وتارة أخرى المعاسرة والشدة، إلى أن حان وقت إعلان ما في السرائر من مطلب عزيـز فصدع جلالة محمد الخامس نور الله ضريحه، في شجاعة الملك المخلص المؤمن المقدام بالرغبة القارة الشائعة في قلب كل مغربي ومغربية، وحاول بعد ذلك دون جدوى أن يقنع الاستعمار بأن لامناص من الاستقلال وأن الاستقلال هو الوسيلة الوحيدة الصحيحة السليمة الصالحة لخلق أواصر صداقة وتعاون متينة ولكن الاستعمار ثارت ثائرته وطاش صوابه فاقترف من الأعمال الشنيعة ومن الأخطاء الفادحة ما عجل بناهية نفوذه وسلطانه.
عم تفكيرنا وتفكيرك كل ميدان
وعاد جلالة محمد الخامس رحمه الله وأسرته من المنفى السحيق إلى الوطن الحبيب، بعد الاغتراب الإجباري المنكر والفراق الشاق الأليم.
وهكذا قيض الله للمغرب جلالة محمد الخامس الذي استطاع هو وشعبه أن يمحوا بـما خاضاه معا من جهاد صادق مرير آثار الأزمة التي دبر الاستعمار خلقها واتخذها ذريعة لاحتلال البلاد.
وهكذا أتاحت ثورة الملك والشعب للوطن الذي عاني ردحا من الزمان شدائد التحكم والاستعـلاء أن يستأنف مسيرة الحرية والاستقلال.
وانتقل جلالة محمد الخامس قدس الله روحه إلى جوار ربه بعدما شرع لشعبه وخلفه آفاق التجديـد والبناء والتحديث والإبداع.
وشاءت إرادة الله أن نخلف والدنا المشمول برحمة الله وغفرانه على عرش آبائنا وأجدادنا وأول مــا وافي ذاكرتنا في ساعة النهوض بالمسؤولية الكبرى، ما فرضه الله من واجبات على من قلده أزمة حكمــه، وملكه أمور خلقه، فلم يغب عنا في تلك اللحظة أن السلف الصالح رضوان الله عليه كانوا يعتقدون أن مـن خصه الله بسياســة الرعية وشرفه بأن ألقى إليه مقاليد الرئاسة والقيادة، هو حمى الله في بلاده وظله الممدود على عباده.
وانطلاقا من هذا التعريف الذي اعتمدناه قاعدة دستورية إلزامية تصدينا لحاجات المغرب المختلفـة، وطفقنـا نمعن النظر في كل مجال من مجالات الاحتياج ونعد العدة لمواجهة المشاريع ونضع المخططات ونقوم بالإنجـاز هنا وهناك لا تكل لنا عزيمة، ولا تأم إرادة ولا يفتر أو يتوقف مجهود، فعم تفكيرنا وتفكيرك شعبي العزيز، كل ميدان وشمل نشاطنا ونشاطك كل واجهة تبين لنا أنها حرية بأن يتولاها ويسرع نحوها الاهتمـام الفعال فلم يبق جانب من جوانب الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة لـم تتناوله مبادراتنا ولم تتخذ فيه أنـجع التدابير ولم يفض ما قصرنا عليه من مجهود إلى مرموق النتائج وأطيبها. وعلى هذا النحو انطلقنا نحن وأنت شعبــي العزيز، في ظرف قصير بعقولنا وعزائمنا وسواعدنا، نوسع رحاب البناء ونقيم المصانــع والمنشئات ونشق الطرق ونمد الجسور والقناطر ونشيد الموانئ على امتداد سواحل البلاد وبين السدود ونعلي صروح العرفان ونضاعف وسائل نمو الفكر وازدهار الثقافة.
ولم ينحصر المجهود في هذه الدائرة على رحبها واتساعها وإنما امتد إلى مجال آخر تتعلق به نفسنــا اعتلاقا شديدا ذلك هو المجال السياسي. فحققنا بتأسيس الملكية الدستورية وتثبيت دعائم الديمقراطية أمنيــة غالية مـن أماني جلالة محمد الخامس وأمانينا وأنشأنا ما تستلزم الديمقراطية الحق من مؤسسات، وعززنـا ما تقتضيه مـن حريات وبذلنا ضمان الصيانة والحماية لحقوق الأفراد والجماعات.
وبهذه الأعمال والمنجزات التي مافتئت تضفي على محيى بلادنا ملامح جديدة وتفرغ على أهابها أردية تتلاحق زاهية قشيبة، دفعنا فرحين مستبشرين ببلادنا إلى صميم وبحبوحة العمر الحديث، دون تفريط فــي جانب نوليه أكبر حظ من اهتمامنا ونحرص على أن يظل محاطا بسياج من الصيانة والوقاية، وهذا الجانــب يتمثل في الشخصية أو الخصوصية أو الأصالة التي تطبع المغرب بطابع التفرد والامتياز والتي يسوءنا كثيـرا أن يصيبها أذى التزييف والتنكير. 
هذه المبادرات الناجحة المتلاحقة شعبي العزيز وهذه الأعمال الإيجابية المترادفة التي يسرنا الله إلى سبيلها ووفقنا إلى كثبرها وجليلها، لم يكن لنا فيها سند إلا العناية الربانية، ومعتمد إلا رصيد ما بيننا من أواصر وثيقة وطيدة وما يشكله شعبنا ونجابة وعبقرية شعبنا من ثروة عريضة طائلة .
تغلبنا باستمرار على جميع قوى الشر والسوء
شعبي العزيز:
لقد وفقنا الله غداة جلوسنا على عرش أجدادنا الكرام إلى رسم وتحديد أهداف العمل الذي عقدنا العزم على مباشرته وإنجازه. وهذه الأهداف أردناها أن تكون متسمة بالبساطة مطبوعة بالاتساق في آن واحد. فعندما كنا نجد أنفسنا في مواجهة نزاعات كنا نحاول جاهدين أن ندلي بالحلول الكفيلة بأن تصــون أقوى ما تكون الصيانة سلامة وحدتنا الاجتماعية والترابية وبأن ندخر لكل واحد وللجميع أكثر ما يمكن من فرص لإدراك أسباب السعادة.
ولم يفتأ المغرب يتصدى برباطه جأش وبشجاعة لما كانت تتعرض له سلامة وحدته الاجتماعيـــة والترابية من مؤامرات مختلفة وقد استطاع وطننا بما أمده الله من عون وتأييد وبما أشاعه في قلوب شعبه مـن إيمان أن يتغلب باستمرار على جميع قوى الشر والسوء.
وهكذا ذللنا المصاعب العديدة المختلفة، التي اعترضت سبيلها وقهرناها واحدة بعد أخرى.
يتوافر للمغرب اليوم شعبي العزيز تجهيز أساسي يدعو إلى الاعتزاز وان اقتصادنا الذي تآزر القطـاع العام والقطاع الخاص على صنعه ليتسم فيها يتسم به بالتنوع والمرونة.
لقد ازدادت جودة منتجاتنا على توالي الأعوام وتعززت قدراتها على المنافسة وتحول المغرب من بلد مستورد إلى بلد مصدر نشيط التصدير في قطاعات عديدة.
وقد حان وقت حث حركة التنمية على الإسراع وذلك باستنادنا إلى تنوع المبادرات وتعددها ويتعلق الأمر فيما يتصل بالمغرب بتعلية أقوى لقيمة موارده بوجه عام وموارده البشرية بوجه خاص.
ويمـر علينا يوم دون أن يؤكد بلدنا ويتناول بالتهذيب في هدوء ويسر اختياره للنهج الاقتصـادي وللمجتمع الليبراليين.
وإذا نحن وضعنا شعبي العزيز هذا الاختيار في سياقه الجغرافي بدالنا المغرب قادرا على الدخول مباشرة في النظام المفتوح القائم على التنافس الذي هو نظام السوق الأوربية المشتركة. على أن أوربا هذه تمر هــي الأخرى بمرحلة تحول يقترن بما يتراءى في آفاق سنة 1992 وما اصطلح على نعته بالعمل الواحد في السـوق الواحد.
الاقتصاد الحر أفضل اختيار
ولما لاقتصاد المغرب ولرجاله من يقين بالاقتدار على التحكم في التطور الخاص بهم فإنهم يستعدون للانصهار المطبوع بطابع الانسجام في هذه المجموعة الواسعة.
وإننا لمقتنعون الآن شعبي العزيز بأن الاقتصاد الحر هو أفضل اختيار لتعبئة الطاقات الخلاقة. ومـن خلال هذا الاقتصاد الحر تبرز وتتعدد المبادرات الفردية أو الجماعية وما الاستثمارات وتحسن نمط الحياة إلا انعكاس وظلال لهذه المبادرات.
إن الدولة لتباشر تبديلا في تصرفها وسلوكها تبعا لهذه الدينامية الجديدة. لقد كانت الدولة تقوم بدور الإسعاف ودور التكفل فأصبح الآن دورها أن تساير الاقتصاد اليبرالي وتؤمن له جودة المسيرة.
لقد شرعت الدولة في إدخال إصلاحات تنتظم حميع المجالات متوخية أن يتم التغيير الناشئ  عنهــا بحكمة ولباقة.
وستشهد السنوات المقبلة إن شاء الله مواصلة هذا التغيير. إن إدارتنا التي اضطلعت منذ الاستقـلال بدور أساسي في نمو وطننا الاقتصادي والاجتماعي بما امتازت به أطرها من كفاية وإخلاص، مفتقرة إلـى أن تتطور حتى يمكنها أن تتكيف وفق متطلبات الاستثمار الجديدة.
وسيكون لزاما أن تخضع تنظيمات الجهــاز الإداري سواء في المستوى المركزي أو المستوى المحلي لعمليات التبسيط والتليين وتصبح أكثر مرونة وتشكل في نهاية المطاف مناخا ملائما بطبيعة الحال لحريـــة المبادرة.
إن المجتمع اليبرالي شعبي العزيز، مجتمع يخالف أتم المخالفة المجتمع الذي تتحكم فيه الفوضى، المجتمـع الليبرالي هو مجتمع القانون وهذا يعني أن كل واحد فيه والإدارة أحد أفراده له حقوق وعليه واجبات وهــو بالإضافة إلى هذا مجتمع يتألف من مواطنين يتمتعون بالكرامة والاستقلال ويتحلون بروح المسؤولية.
إن الإصلاحات التي همت الميدان الجبائي ونظام الصرف وترشيد القطاع العام وتحرير التجـــارة الخارجية، تتآزر كلها لتخويل الاقتصاد اليبرالي قواعد سليمة مطبوعة بطابع الدينامية.
تفتح المغرب على المنافسة الدولية       
لقد تفتح المغرب على المنافسة الدولية وغدا يسهم فيها بصورة نشيطة إلا أن الإطار القانوني الـذي يجري فيه نشاط المقاولات يجب أن يتطور لتزداد هذه المقاولات قوة واستقلال وتصبح بالتالي قادرة علـــى الاستغناء عن المساعدة العمومية المباشرة وبديهي أن تجد الاستثمارات الدولية مكانها في هذه البنية كما تجــد الاستثمارات المغربية من جهتها مكانها الطبيعي في الصناعة والتجارة العالميتين وتشكل هذه العلائق عوامل تجديد وإبداع وثراء يستفيد منها المجتمع المغربي بصفة مباشرة.
والمجتمع الليبرالي يعني بالإضافة إلى هذا العدل والإنصاف فيما يتصل بمكافأة الجهود الفردية والجهود الجماعية.
وهكذا فإن الدولة أخذت تخفض نسب الضرائب إلى جانب تخفيضها للامتيازات الجبائية، وهــذا انطلاقا من أن الاقتطاعات لاينبغي أن ترهق كاهل الذين اذخروا وبذلوا الجهود. لاريب أن العمل والادخـار عاملان من عوامل تحسين وضع الفرد والأسرة ولكنهما إلى هذا عاملان من عوامل أغناء مستوى معيشــة المجموعة كلها.
 قواعد الديـمقراطية
إن على كل نظام جبائي أن يراعي الجهود المبذولة ويكافئها كما أن عليه أن يكون حافزا إلى بـذل جهود جديدة ويمكن اعتبار النظام الجبائي الذي تتوافر له هذه الصفات قاعدة من قواعد الديـمقراطية لأنـه يقرر أن يعامل سائر أفراد المجموعة معاملة العدل والإنصاف.
ومن جهة أخرى فإن تطور الدولة يتم أيضا في مستوى أسلوب الإنفاق وهذا التطور يحصل مــن طريق الإدارة، والإدارة عنصر جوهري في محيط الحفز والتحريك لتنمية الاستثمار وبالتالي لخلق فرص الشغل.
إن للمغرب أطرا تمتاز بـمستوى عال ولـهؤلاء عال ولهؤلاء الأطر كفاية وقدرة على تطوير الخدمة العمومية، وعلى مزاولة تقييم ما يقدم للمواطنين من خدمات وعلى هذا فإن مقابل الإسهام المنصف في النفقات الجماعية أن تتسم بالإنصاف الخدمة المؤداة لكل فرد من أفراد الجماعة، وذلك وفق روح التضامن المتأصلة في تراث الحضارة المغربية الديني والثقافي.
المغرب أرض الحوار والتسامح
تعلم شعبي العزيز أن أرض المغرب أرض غنية بمواردها ورجالها وهي أرض الحوار والتسامح وحرية المبادرة. وهذه العناصر المجتمعة المتضافرة تجعل من بلدنا بلد الفرص الطيبة.
إن السنوات المقبلة ستسجل انطلاقة متحمسة للاستثمارات في جميع الميادين وسيتيح انتشار وجـوه التكنولوجيا الحديثة مضاعفة الإنتاج بصورة سريعة. لقد أظهرت الفلاحة والصناعة الموجهة للتصدير والسياحة والصيد البحري والتجهيزات الأساسية، وما تنطوي عليه من طاقات وإمكانات إنمائية وستكون هذه الطاقات والإمكانات فوق ذلك مجالات لازدهار استثمار المقاولات الوطنية والدولية.
شعبي العزيز :
تستحضر مشاعرنا وأفكارنا كل عام في مثل هذا اليوم روح والدنا جلالة محمد الخامس أكرم الله مثواه، إن روحه الطاهرة لا تغيب طوال العام عن خواطرنا ولا عن أفئدتنا فهي حاضرة بيننا وفينا باستمـرار ولكن حضورها في هذه المناسبة السعيدة التي هي عيد العرش تحس به قلوبنا إحساسا خاصا عميقا قويـا. إن الاحتفال بعيد العرش غرس من أغراس تفكير جلالة محمد الخامس رضوان الله عليه، وثمرة زكية من ثمـرات مبادراته، ومكسب من المكاسب التي ظفر بها في أول طريق الكفاح. فإذا استحضرنا روحه الطاهرة في هـذا العيد الأغر، فإننا نستحصر معها سيرته الحافلة المجيدة وما أبلاه من بلاء واسترخصه من تضحيات ليعيــش المغرب حرا مستقلا وليحتفل ويفرح متى شاء وليبني حاضره ومستقبله وفق ما تمليه عليه إرادته لا إرادة غير.
محمد الخامس قاوم الاستعمار مقاومة الأبطال
لقد قاوم جلالة والدنا قوة الاستعمار مقاومة الأبطال الذين لا يملكون أمام القوة الوافرة الســلاح والعتاد إلا القوة الروحية المؤمنة بأنها تناضل من أجل الحق وأن الاستعمار يغامر مدججا مؤيدا بجحافل الباطل، قاوم رحمه الله العنف والاستكبار والاستعلاء كما قاوم خسة النفوس ونذالة الأساليب ولم يفت في شجاعتـه وإقدامه ولا في شجاعة شعبه وإقدامه خشية البطش ولا رهبة الاستبداد.
لقد اجتمع في شخص جلالة محمد الخامس الملك الذي يقدر أعباء الملك أقوم تقدير، والقائد الماهر الملهم والزعيم الذي يحمل اللواء ولا يخاف لومه لائم والرائد الذي ليكذب أهله، والأب الرءوف الحريـص على أبنائه فحرر العقول وشحذ العزائم وأدكى الحماسة وأضاء الدياجي والظلمات وبدد المخاوف وأوضح المسالك وكافأ الله الجهاد المرير والثورة التي أعلنها الملك والشعب أسني وأعظم مكافأة فتحقق للوطن أغلـى وأحب أمانيه، وبقيت سيرة جلالة محمد الخامس مشرقة متألقة مشعة على صفحات التاريخ بقاءها في النفوس عطرة فواحة بأطيب أريج.
تغمد الله جلالة الملك والدنا محمد الخامس بواسع غفرانه وشامل رضوانه وبوأه الخلد في فسيح جنانه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
تحية إكبار وتقدير لقواتنا
شعبي العزيز :
إن مناسبة عيدنا الوطني هذا لتتيح لنا أن نتجه بأخلص مشاعرنا وعواطفنا إلى قواتنا المسلحة الملكية وقوات الدرك والأمن والقوات المساعدة المرابطة في صحرائنا الغربية تتجه مشاعرنا وعواطفنا إلى هذه القوات حاملة إليها في هذا اليوم المبارك السعيد عبارات رضانا عنها وارتياحنا لقيامها بالواجب المقدس واطمئناننا إلى جدها وسهرها وثقتها الكاملة في حزمها وقوة شكيمتها، واستماتتها في الدفاع عن ترابنا الوطني. وإننا نرنو إلى بطولاتها بهذا الإحساس المشفوع بآيات تقديرنا وإكبارنا، لنعرب لها باسمك شعبي العزيز عما لها في قلبك من محبة وطيدة وعما تكنه لها من تقدير بالغ وإعجاب شديد وتجله وفية مخلصة واحترام متواصل كبير.
لقد قدمت قواتنا الدليل بما استرخصته من تضحيات وأظهرته من شجاعة فائقة نادرة وبطولة شاع ذكرها في الآفاق على أنها تضع مقدسات البلاد ووحدة البلاد الترابية وقيم المغرب الروحية والحضارية في أسمى منزلة من تقديسها وعلى أنها مخلصة باستمرار لهذه المقدسات والقيم مستعدة متأهبة في كل حين للاستشهـاد من أجل صيانتها والدفاع عنها وصد كل عدوان يتهددها (والجود بالنفس أقصى غاية الجود).
لقد حاول أعداء بلادنا مرات عديدة أن يكسروا شوكة قواتنا ويفلوا حدها، وينفذوا إلى التـراب الوطني، ولكن قواتنا أحبطت الاعتداء كل مرة بشجاعتها المعهودة، وإقدامها المألوف، وارتد المعتدون بعـد الاندحار الشنيع على أعقابهم خاسرين.
وإن قواتنا التي ترابط في صحرائنا ساهرة يقظة وتضطلع على الوجه الذي يرضينا بالمهام التي نلقيهـا على كواهلها لجديرة بعطر الثناء وحقيقة بكل إشادة وكل تنويه.  
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم على قواتنا نعمة عونه وتأييده، ويجعل خطاها وأعمالها مقرونــة بالهدايا والتوفيق، مصحوبة بالفوز والنصر ما تلاحق الملوان وهو المسؤول سبحانه وتعالى أن يتغمد بواســع رحمته وغفرانه شهداء الأبرار الذين لم يضنوا بأرواحهم في ساحة الشرف دفاعا عن أرض الآباء والأجــداد ويحلهم من فسيح جنته أعلى المنازل والدرجات.
نسير بخطى متنقلة على جادة الصحة والسلامة والاستقامة
شعبي العزيز:
يمر العلم منذ أحقاب بتحولات تتوالى سراعا وهذه التحولات مردها إلى عوامل مختلفة أهمها:
الاكتشافات العلمية والابتكارات التطبيقية، وإذا كان العالم يطوي المراحل الواحدة بعد الأخرى، طيا يحمل على الدهشة المصحوبة بإعجاب ويسير متقدما راقيا بخطى واسعة لتتردد ولتحجم، بفضل هذه الاكتشافـات وهذه الابتكارات الباهرة فإن سيره الحثيث هذا ترافقه تحولات تطرأ على العادات والتقاليد وعلى الأفكــار والعقليات والمعتقدات.
لقد زامن التطور الذي تقلب فيه العالم وما زال يتقلب فيه شعور بالقلق والخوف اعترى النفـوس، وحيرة اضطربت لها الأفكار، ونكوص وإدبار منيت بهما القيم الأخلاقية والدينية وأمراض وعاهات متعـددة خلقية وغير خلقية وغير خلقية سرت في أجسام المجتمعات واستوطنتها.
لقد اخترنا شعبي العزيز، أن نعيش في صميم العصر الحديث معتمدين في اختيارنا هذا على موقــع بلادنا الجغرافي وعلى مالنا من استعداد فطري للتعارف وربط العلائق والصلات، وحرص شديد على أن نفيد الكثير من محاسن هذا العصر ونبادل أقطار الدنيا أخذا وعطاء، وها نحن أولاء نعيش في خضم العالم الحاضر، وما يتداوله من أطوار، ويجد فيه من تحولات، نعيش في خضم هذا العالم محاطين بما له وما عليه بإيجابياته وهي كثيرة وسلبياته وهي غير قليلة ولكن مع بقائنا بحمد الله مصممين على أن تظل خطانا متنقلة على جادة الصحة والسلامة والاستقامة.
نأخذ من العصر الحديث قصارى ما يفيد
إن وكدنا الأهم شعبي العزيز أن نأخذ من العصر الحديث ما يمكن أن يفيد نمو بلادنا رقيها. ولكي يتم هذا الأخذ على الوجه الذي يقي الحيرة والقلق ويحمي من علل الانحرافات وأمراضها ويحقق للنفــوس السكينة والاطمئنان يصون القيم الأخلاقية والروحية، فلا غنى لنا من المحافظة الضنينة الشحيحة، على طـوق نجاتنا لأمثل ووسيلة دفاعنا الكبرى التي لا تعادلها وسيلة ما طوق نجاتنا ووسيلة دفاعنا التي تؤمن لنا اختراق لحج العصر الحديث بسرب وادع وقلب مطمئن، وقدم ثابتة، وبصيرة وهدايا، إلا كتاب الله العزيز الذي لا يأتيـه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وسنة نبيه الغراء ومذهب إمام دار الهجرة الإمام مالك رضوان الله عنه.
وإن استمساكنا بـهذه المقومات التي هي مقومات أصالتنا أن رحب وطننا بالإسلام وأن استمساك أبنائنا وأبناء أبنائنا بهذه الذخيرة الغنية الزاكية لأفضل معتصم لنا وخير حرز وملاذ لأجيالنا القادمة.
ويكفي أن نعرض ما يعن لنا كلما اصطدمنا بوافد غريب من التيارات والأفكار والمذاهب على حك مــا نومن به مما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله ليتبين لنا الطريق اللاحب المستنير بالنور الصادق الذي ليخدع ولا يكذب.
عيدنا أرسى قواعده شعبنا
فليس لنا ولن يكون لنا أبدا شعبي العزيز حصن يحمينا من المزالق والضلال ولا جنة واقية تدرا عنا المكاره والأضرار غير البرهان الذي جاءنا من ربنا والنور المبين الذي أنزله الله إلينا ( يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا).
كلأ الله بلادنا وشعبنا بجميل حراسته وحياطته وجعل اعتصامنا بحبله المتين ودينه المكين، اعتصاما لا تبلى جدته ولا تنفصم عروته وكتب لوطننا العز المنشود والجاه الممدود، والحال الحميد والمصير السعيد.
اللهم إن عيدنا هذا عيد أرى قواعده شعبنا، وجعله دليلا على المحبة والوفاء والإخلاص، فأعد كل عام علينا ما تمتلئ به القلوب من أفراح ومسرات.
اللهم ابق بلدنا بلدا تشرئب إليه الأنظار، وتهفو إليه القلوب، وأدم علينا نعمة رعايتك الضافيــة، وعوا رف فضلك الوافية، وحقق ما تمتلئ به قلوب أبنائه من واسع الآمال وأهدني واهد شعبي إلى صالــح الأقوال والأفعال وأحفظ اللهم الآصرة الواصلة بيني وبين شعبي على تجرم الحقب والأعوام قوية جديــدة، راسخة وطيدة، وق خطانا بتصريفك الحكيم، وتدبيرك القويم، إلى ما يرضيك ويسعدنا في الحال والمآل. اللهم أعني على ما أوليتني وأيدني فيما وكلت إلي، وقلدتني وامنحني الوسيلة لإسعاد شعبي وانصرني على مصاعـب السبيل، وخذ بيدي وكن لي أقوى سند وأعز دليل .
(رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين)
صدق الله العظيم
والسلام عليكم ورحمة الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here