islamaumaroc

مليلية في تاريخ المغرب القديم والحديث

  دعوة الحق

30 العدد

مدينة مليلية هي احدى المدن المغربية القديمة. ولقد عرفت في عهد الرومانيين باسم "روسادير". وهي توجد في الشمال الشرقي وفي أسفل الجانب الايمن من الرأس المتوغل في البحر الأبيض المتوسط والذي ينتهي بنتوء يعرف باسم "رأس سوقة". وسكان المدينة ثلاثة وتسعون الفا من الاسبانيين فيهم الفان من اليهود وأربعمائة من المغاربة المسلمين!  أما موقع المدينة بالتدقيق فهو عند تقاطع خط الطول (درجتان وست وخمسون دقيقة) المار غرب "غرينوش" بخط العرض (خمسة وثلاثون درجة واحدى وعشرون دقيقة) شمال خط الإستواء. أما إذا نظرنا الى مناخها وجدنا ان معدل الحرارة السنوي 18 درجة مئوية وخمس الدرجة وان معدل الامطار السنوي 434 وعشر الميلمتر. والمعدلان مستخرجان من رصيد يومي استمر ثلاثين عاما(1). وهي تقع ضمن قبيلة "مزوزة" الريفية.
ومليلية تابعة في نظامها الاداري ونظامها القضائي لمقاطعة مالقة التي هي  احدى المقاطعات الاسبانية الخمسين. أما معاهدة المدينة ومدارسها فتابعة للدائرة الجامعية لمدينة غرناطة. ولما انتهت الحرب الأهلية الاسبانية الأخيرة منذ احدى وعشرين سنة جعل مندوب اسبانيا السامي بتطوان قائدا أعلى لجيوشها بمنطقة الحماية ومدينتي سبتة ومليلية على السواء باعتبار هاتين المدينتين من مواقع "السيادة" الاسبانية بالشواطئ المغربية. ولما أعلن الاستقلال أصبحت مليلية تابعة من الناحية العسكرية لمدينة سبتة التي يقيم بها حاكم  المدينتين معا. فما هي هذه المدينة ذا الأثر  القوي الفعال في تاريخنا القديم والحديث وما هي مكانتها في ذلك التاريخ؟.
ويتعين علينا ان نسارع الى القول بأنه لم يكن لمدينة مليلية في هذا التاريخ ما كان لمدينة سبتة من الصيت والأثر البعيد. فلم يكد الاسبانيون ينهون ما يسمونه بحملة استرجاع الأندلس بسقوط مملكة غرناطة يوم ثاني يناير سنة اثنين وتسعين وأربعمائة وألف في أيدي "الملكين الكاثوليكيين" حتى شرعوا يغيرون على الشواطئ المغربية والعمل على الاستقرار بها برورا بوصية الملكة "ايسابيل" حتى لا يعود المسلمون الى فتح الاندلس مرة أخرى. وكانت مملكة البرتغال قد شرعت حينذاك تنافس الدولة الاسبانية الناشئة في حملة الاعتداء على المغرب. ولقد استطاع ملك البرتغال في معاهدة ALCAGAVAS المبرمة يوم 4 سبتمبر سنة تسع وسبعين وأربعمائة والف أن يحمل اسبانيا على اعتبار مليلية جزء من المملكة المغربية بعد ان كانت تعتبرها تابعة لمملكة تلمسان. ولقد أخذت الكنيسة نفسها بتنسيق عمل الدولتين النصرانيتين الناشئتين وابادة اسباب الخلاف بينهما فتم التوقيع تحت إشراف البابا الكسندر السادس على معاهدة Tordesillas سنة اربع وتسعين واربعمائة  وألف تلتها عدة اتفاقات أخرى لتأكيدها تتميمها. وكان الغرض من تلك المعاهدة  تقسيم المغرب الى منطقتين تقع احداهما شرق "حجرة بادس" وتكون للاسبانيين وتقع الأخرى غرب هذه الجزيرة الصغيرة وتكون للبرتغاليين.
وكان السلطان محمد الشيخ الوطاسي قد اتفق مع سلطان تلمسان على أن يهجر كل مدينة مليلية اثر الخلاف المحتدم الطويل الذي شجر بينهما حول ملكيتها. ولقد استغل الاسبانيون هذا الخلاف وما نتج عنه فاغتصبوا مليلية في 17 سبتمبر 1496 بقيادة "بيدور دي ايسطوبينيان" الذي نال لقب "دوق مدينة شيدونة". وما ان نزل الجنود الاسبانيون بالمدينة وعددهم خمسمائة حتى بدأ المغاربة سلسلة المحاولات لاسترجاعها دون أن يكتب لها النجاح أبدا. وقد ضرب الحصار على المدينة بصفة تكاد تكون مستمرة خلال ما يزيد على أربعة قرون. ولقد ظل المغاربة خلال القرن السابع عشر يقومون بعدة أعمال عسكرية تتفاوت خطورتها وأهميتها. كما حوصرت المدينة عدة مرات في القرن الثامن عشر أيضا. فلقد حوصرت في السنة الخامسة عشرة وفي السنة السابعة والعشرين من هذا القرن. اما الحصار الأكبر فقد شهدته مليلية سنتي 1774  و 1775 على يد السلطان مولاي محمد بن عبد الله الذي قام  يوم تاسع سبتمبر من السنة الأولى يمهاجمة مليلية وسبتة معا. الا أن سيطرة الاسطول الإسباني على البحر ضمنت تموين المدينتين بالإضافة الى نجاحه في الحيلولة دون وصول الذخيرة والعتاد إلى المغرب من الخارج. قد أدى الى فشل  هذه المحاولة الحازمة أيضا. وعاد المغاربة سنة أربع وأربعين وثمانمائة والف الى مهاجمة مليلية عند ما  ضعفت السلطة المركزية فوجهت الحكومة الاسبانية انذارا الى السلطان تطالبه بوقف اعمال "الاعتداء" حسب تعبيرها وبتخويل اسبانيا ارضا تمكنها من ضمان الدفاع عن المدينة بالاضافة الى اجبارها على ارسال كتيبة من القوات النظامية لتحول بين القبائل الريفية وبين مواصلة هجماتها على المدينة. غير أن الاتفاق الذي ابرم في السنة التالية لم يتضمن الا القضايا المعلقة بسبتة. ومع ذلك فقد تواصلت الهجمات  وأصرت اسبانيا على المطالبة بتوسيع قطاع مليلية من جهة وتخويلها منطقة ساحلية مقابلة لكل من "حجرة النكور" و "حجرة بادس" من جهة أخرى. ولقد قال السلطان في الجواب على طلب الحصول على الاخدودين الساحليين "ان الحجرتين جزيرتان عين الله حدودهما وليس في مستطاع المخلوق ان يغبرها". ولقد تم بمدينة تطوان يوم 24 اغسطس 1859 التوقيع على اتفاق يقضي بتعيين حدود القطاع لمدينة مليلية. ويشتمل هذا الاتفاق على ست مواد ويقوم على تخويل اسبانيا اخدودا حول مدينة مليلية يكون كافيا لضمان الدفاع عنها وصيانة امنها. فلقد نصت المادة الاولى على ان ملك المغرب يتنازل   لاسبانيا عن ملكية الاقليم القريب منمليلية على أن يمتد الى النقط المواتية للدفاع عنها وذلك  بقصد الاعراب عن حسن مشاعره ازاء اسبانيا واستعداده للمساهمة بقدر المستطاع في صيانة امن المواقع الاسبانية بالساحل الافريقي. وتنص المادة الثانية على أن يجري تعيين حدود القطاع المتنازع عنه من جانب مهندسين اسبانيين ومغاربة يقيمون تصميماتهم لتعيين اتساعها على مدى طلقة مدفع من عيار 24 من النوع القديم. أما المادة الثالثة فتنص على انه سيباشر باتفاق بين الجانبين وفي اقرب اجل ممكن بعد يوم التوقيع تخطيط الحدود التي تبتدئ من الجانب الشمالي الى الجانب الجنوبي للمدينة. وتنص المادة الرابعة على ضرورة تحديد قطاع محايد بين الاقليمين الخاضعين للسلطتين الاسبانية والمغربية. أما حدود هذا القطاع فستكون من جهة مليلية هي الخط المنصوص عليه في محضر التحديد الوارد ذكره في المادة الثالثة. وستعين الحدود من جهة الريف باعتبارها حدودا فاصلة بين الإقليم الخاضع لسيادة المغرب والقطاع المحايد. ويلتزم ملك المغرب في المادة الخامسة بنصيب قائد أو حاكم عند حدود اقليم مليلية تصحبه فصيلة من القوات بقصد اخماد كل "اعتداء" من جانب سكان الريف يكون من اقلاق العلاقات الطيبة بين القطرين. كما يلتزم ملك المغرب في المادة السادسة والأخيرة بإقامة قائد وعدد من القوات يكون كافيا لإقرار حرمه "حقوق" اسبانيا ولتيسر تموين المواقع التي تشملها "السيادة" الاسبانية مع ضمان تزويد الحاميات المرابطة بها. ويلتزم ملك المغرب في هذه المادة ايضا بان لا يسند رئاسة الفصائل المراقبة للحدود لاحد من أهل الريف الذين يمنع عليهم الانخراط ولو بصفة جنود في تلك الفصائل.
وتم يوم 26 يونيو 1862 بمدينة طنجة التوقيع على الاتفاق النهائي بين المغرب واسبانيا حول تخطيط حدود قطاع مليلية تنفيذا لما ورد في الاتفاق السابق المبرم بتطوان وللمادة الخامسة من معاهدة الصلح المبرمة بهذه المدينة ايضا يوم 26 ابريل 1860 ثم للفقرة الرابعة من الاتفاق المبرم بمدريد يوم 30 أكتوبر من السنة التالية.
يبتدئ خط الاقليم "الاسباني" المحادي لمليلية والذي هو نهاية القطاع التابع لها من نقطة تقع على شاطئ جنوب المدينة وتبعد عنها بمسافة الفين وتسعمائة متر. ويبتدئ عد الامتار في هذا الاتجاه  من مشرف ومنارة "سانطا باربارا" ثم يحادي طريقا يمتد الفا واربعين مترا نحو الشمال الغربي ثم يسير مسافة الف ومائة متر عبر زاوية يبلغ مقياس انفراجها 86 درجة غربا.
وينتهي الخط بعد سير منكسر في الشاطئ الصخري المنعرج شمال المدينة حيث ينتهي الخط "الاسباني" أيضا. أما الخط الأقصى للإقليم المحايد والمتصل بالإقليم المغربي فيكون شكل متعدد الزوايا اذ تبعد أضلاعه ما يزيد على خمسمائة متر من المدينة. وتبدأ هذه المسافة في نقطة تجمع الخطوط التي تربطها بحصن "فيكتوريا غراندي".
وقد أدى تخطيط الحدود على النحو السابق الى ترحيل عدد من الأسر المغربية فحدثث عدة مصاعب. وفي سنة ثلاث وتسعين من القرن الاخير نشبت الحرب المعروفة "بحرب مليلية" التي كانت بداية مرحلة جديدة في تاريخ المدينة اقترنت بتطورها ونموها. وفي السنة التاسعة من هذا القرن هجم اهل الريف على أحواز مليلية والسكة الحديدية التي مدها الاسبانيون لحمل ما يستخرجونه من مناجم الحديد لتصديره من مينائها الهام.
أما الهزيمة الكبرى التي مني بها الإسبانيون طيلة احتلالهم لمليلية فقد نزلت بساحتهم سنة احدى وعشرين وتسعمائة والف بعد بسط حمايتهم على اقاليم الشمال. فهم يعتبرون "كارثة أنوال" وانهيار القيادة العليا بمليلية في هذه السنة بعد هجوم  السيد محمد بن عبد الكريم الخطابي عليها افدح الهزائم التي شهدها الجيش الاسباني بتراب المغرب على اختلاف عصور وجوده بهذه الديار وتفاوتها.

(1)بحث " الحرارة والأمطار بالاقليم الشمالي" نشرته مجلة "الانوار" للكاتب في عددها العاشر الصادر  في شهر فبراير 1949 مصحوبا بلوحة بلوحة بيانية تتضمن المعدلين السنويين لمختلف محطات الارصاد بالشمال.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here