islamaumaroc

من ذخائر مخطوطات الخزانة الحسنية (الكشف والبيان في تفسير القرآن)، للثعلبي

  عبد القادر زمامة

268 العدد

 خلد سلف هذه الأمة في القرون الأربعة الأولى من الهجرة-فيما خلد- مكتبة قرآنية حافلة، بكتب التفسير القرآني متعددة الاهتمامات والاتجاهات، والمشارب...!
  والمنهاج في كل مجموعة منها. يعكس ثقافة المفسرين، وحظهم من المنقول والمعقول، ويترجم ما لهم من صلات بمذاهب النجاة. واللغويين والفقهاء والمحدثين. وأهل البحث في العقائد. والأصول ورواة الأخبار والمغازي والأقاصيص ... وما إلى ذلك...
 كما أننا نستشف عند البعض من هؤلاء المفسرين فيما بقي لنا من آثارهم .ما كانوا يعتمدونه من مقاييس في انتقاء الروايات.وتصحيح الأخبار عند التعرض لها في التفسير... وما إلى ذلك من أشياء وقضايا تتعلق بتفسير النص القرءاني : أساليب ومناهج ومضامين وأفكارا...!
 وعند استعراض ما بقي لنا من مكتبة التفسير القرءاني في هذه القرون الأربعة الأولى نجد أنفسنا، أمام مجموعة من التفاسير. والمفسرين. يصعب إحصاؤها، ويتعذر الإطلاع على الكثير منها...!
ولا شك أن تفسير الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري(310هـ923م) المسمى:" جامع البيان في تفسير القرءان" كان بيت القصيد في هذه المجموعات. حيث كان الطبري إماما من الأئمة. ومذهبا من المذاهب. وثقة من الثقات، يروي ويعي ما يروي.ويتتبع ويستقري. مع ذوق في الترتيب.وفصاحة في النقد. والتعليق مما جعل تفسيره عمدة. ورأيه حجة...!
 ويطل القرن الخامس الهجري وقد تضخمت المكتبة القرآنية. وظهرت لبعض المفسرين، آفاق جديدة في بعض الشكليات. والمضامين وما يرجع للروايات، والدراسات. وصارت الأمصار الإسلامية في الأقطار المشرقيةوالمغربية.تشاهد إشعاعات وإشراقات من تفاسير القرآن الكريم بين مقلد ومبتكر... وكل يبرز خصائص ثقافة العصر، ومعطيات المذاهب والآراء وامتزاج النظريات والعقليات...!
 وقد ظهر في هذا القرن –فيما ظهر من التفاسير – تفسير يسمى:" الكشف والبيان عن تفسير القرآن" كما أن بعض المصادر تسميه: "الكشف والبيان في تفسير القرآن... بينما يسمى أحيانا بتفسير= الثعلبي=...
 وهذا التفسير حظي-ولمدة قرون- بشهرة واسعة. في الأمصار الإسلامية ونقل عنه الكثيرون ... واشتهر مؤلفه: أحمد ابن محمد بن إبراهيم الثعلبي المكنى بأبي اسحق في كتب التراجم والطبقات.
 فنجده عند ياقوت في "معجم الأدباء" وعند الحافظ الذهبي في "العبر" وعند طاشكبري زادة في " مفتاح السعادة" وعند غيرهم... وقد توفي 427هـ=1035م.
 غير أننا رغم هذه الشهرة لا نعرف مراحل حياته ولا ما لابس هذه الحياة. من تطورات شخصية واجتماعية وثقافية .باستثناء ما توحي به بعض الإشارات الواردة في ترجمته من كونه كان على جانب كبير من المعرفة المتنوعة في القراءات واللغة والنحو والحديث والتفسير. كما أنه كان مستقيم السلوك.متين الديانة. مشتغلا بالتذكير والوعظ. سالكا في حياته الخاصة مسلك الورع والزهد كثير التدريس، والتلاميذ ومنهم: المفسر الواحدي: ( 468هـ1076م) صاحب التفسير الشهير.
 ونجد السبكي في " الطبقات" يترجم الثعلبي المفسر، مما يدل على أنه كان يعتبره من فقهاء المذهب الشافعي. الذين يترجم لهم في كتابه هذا...
 وكتب الأنساب – حينما أشارت إلى نسبته- ذكرت أنه يلقب بالثعلبي" نسبة إلى المفرد" كما يلقب بالثعالبي " نسبة إلى الجمع" كذلك ينقل السمعاني في كتاب "الأنساب" وغيره.
 وقامت شهرة الثعلبي في عصره. وبعده على مؤلفاته التي من جملتها:
1)عرائس المجالس: الذي شرق وغرب.وأعجم وأعرب... وقد جمع فيه كل ما استطاع الوصول إليه من أخبار الأمم الغابرة. وقصص الأنبياء، والروايات المتعلقة بذلك...!والكتاب معروف متداول. طبع عدة مرات وآراء النقاد معروفة في هذا الكتاب. وفي غيره من كتب القصص ...! فلا نتحدث عن ذلك الآن هنا...
 2) الكشف والبيان: وهو الاسم الذي اختاره الثعلبي لتفسيره. وهذا التفسير ما يزال مخطوطا ." فيما نعلم" ومن أجل أن الخزانة الحسنية بالرباط تحتفظ-فيما تحتفظ به من ذخائر المخطوطات الكاملة. لنسخ هذا التفسير. فإن الواجب يفرض في هذه المناسبة أن تحدث قليلا عن هذا التفسير المخطوط ونشير إلى نسخة الخطية الكاملة الموجودة في هذه الخزانة...
 وبالاطلاع على جملة من الموضوعات التي تناولها أبو إسحق الثعلبي في تفسيره هذا نستطيع أن نتصور أهمية هذا التفسير. من جهتي: الرواية. والدراية. ومن جهة القيمة العلمية التي يشتمل عليها...!
 - فاهتمامه بالتفسير المأثور واضح. حيث يذكر السند تارة .ويختصره أخرى. اعتمادا على ما سطره في المقدمة الحافلة. التي قدم بها لهذا التفسير...!
- وإلى جانب الاهتمام بالتفسير الماثور . هناك الاهتمام بالدلالة اللفظية. حيث يتتبع الدلالة اللغوية  وما يشهد لها من أقوال الشعراء. في حقيقتها  وممجازها...!عندما تفسر بعض الكلمات القرآنية...
- وبالنظر لآيات الأحكام الواردة في القرآن وهي محط الاجتهاد والاستنباط. والخلاف بين أعلام المذاهب الفقهية في العبادات .والمعاملات. نجد الثعلبي يتتبع ذلك مستعرضا الحيثيات والأدلة. وتظهر لنا من حين لآخر، عند استعراض الأحكام. وأدلتها. والأقوال وأصحابها. أن المذهب الفقهي الشافعي يبرز في كلامه واضح المعالم والسمات... مما يؤكد ما ذهب إليه المؤرخ السبكي حينما ترجمه في طبقات الشافعية.
 - والتركيب النحوي. والقواعد النحوية يخوض الثعلبي فيهما. ويتوسع في بعض القضايا التي كانت محل خلاف بين النحاة. مستعينا بذلك  على الفهم والإفهام.
 كل هذا وغيره من المعارف الدينية والأدبية التي نضجت ثمارها في ذلك العصر. يأتي في ثناياها تفسير الآيات والسور. ويتفنن الثعلبي في ترتيبه.إجمالا ثارة. وتفصيلا أخرى... مما يؤكد لنا أهمية هذا التفسير. والقيمة العلمية التي يشتمل عليها. والتي جعلت عددا من المفسرين الذين جاءوا بعده ينقلون عنه. ويستفيدون استفادة واضحة مما خطت يمينه... ووصل إليه تفكيره...
والثعلبي – كما نعرفه في عرائس المجالس+= ريان من الأخبار والقصص والروايات المتعلقة بالأنبياء – عليهم السلام- والأمم الغابرة... يستعمل ذلك كثيرا في: التذكير والوعظ  والإرشاد وله طريقته الخاصة ومذهبه الخاص في ذلك...!
 فلا عجب أن نراه في تفسيره هذا يعكس في كثير من المناسبات. ما يتزاحم في ذاكرته من القصص والإسرائيليات. على ما يأتي به من استشهادات وتوضيحات أثناء تفسير القصص القرآني...!
وهذا ما جر عليه –بطبيعة الحال- كثيا من الانتقادات. من عدة جهات. بين متوسط.معتدل. ومبالغ. مغرق...!ولكل وجهته... في هذه الانتقادات...
كما أن استشهاده بالأحاديث والأخبار الضعيفة السند. جر عليه انتقادات أخرى...!
بل إننا رأينا من المنتقدين على الثعلبي وعمله في تفسيره. ومن يتعدى بنقده نقط الانتقاد...! فيظن القارئ الذي لم يطلع على مخطوطة هذا التفسير أن الأمر يتعلق بتفسير مجرد عن كل فائدة...! وكل قيمة علمية...!مع أن الواقع خلاف ذلك ... إذا أردنا النقد الموضوعي...
- فالفائدة موجودة...
- والقيمة العلمية واضحة...
- والانتقاد- على بعض النقط- وارد...
ولا بأس هنا أن نشير إلى بعض من وقعت أنظارنا عليهم من منتقدي عمل الثعلبي في تفسيره...
-أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي(597هـ=1201م) في "كتاب القصاص والمذكرين"
(ص 103.ط.بيروت. دون تاريخ).  
 ابن تيمية (728هـ= 1328م) في كتاب: "مقدمة في أصول التفسير".
(ص76 ط الكويت 1391هـ 1971م) وكذلك في كتب أخرى...
- جمال الدين القاسمي (1332هـ 1914م) في تفسيره " محاسن التأويل" فقد ذكر تفسير الثعلبي وأثنى عليه. ثم بعد ذلك أتى برأيه الخاص المتزن فيما يرجع للنقطة التي انتقدت على الثعلبي...!وذكر مبررات يرتئيها لعمل الثعلبي...!
(محاسن التأويل ج1ص41القاهرة 1376هـ=1957م)
-محمد بن جعفر الكتاني(1345هـ= 1927م) في كتابه:" الرسالة المتظرفة" تعرض للثعلبي والواحدي تلميذه. وذكر ما في تفسيريهما من أحاديث موضوعة...وقصص باطلة...
(الرسالة المستظرفة ص59).
-محمد حسين الذهبي في كتابه:" التفسير والمفسرون" الذي اطلع على بعض أجزاء مخطوطة من تفسير الثعلبي. ودرس ما فيها . ثم تقدم بمعلومات مفيدة عن التفسير. وصاحبه  وما وجهه العلماء إلى هذا التفسيرمن انتقادات...!
(التفسير والمفسرون ج1 ص277 ط القاهرة 1391هـ= 1976م)
ولعل هذه الانتقادات التي أشرنا باقتضاب إلى بعض من وجهها. كانت من الأسباب التي حجبت عن الباحثين. والدارسين. والمهتمين بنشر كتب التفسير... ما في كتاب الثعلبي من مادة علمية. وما جمعه من معلومات مفيدة عن المكتبة التفسيرية. خلال القرون الأربعة الأولى من الهجرة وأودعها في المقدمة...
- ومقدمة تفسير الثعلبي جمع فيها حشدا كبيرا من أسماء المفسرين الذين سبقوه. وسنده إليهم. وما يمتاز به كل مفسر وما ينتقده على بعضهم...!
- وإلى جانب ذلك يذكر أنه جمع تفسيره:" الكشف والبيان" من مائة كتاب...! مجموعات مسموعات ... سوى ما التقطه مع التعليقات والأجزاء المتفرقات. وما تلقفه من أفواه المشايخ الأثبات. وهم قريب من ثلاثمائة شيخ...!
وقد أحسن الأستاذ السيد محمد العربي الخطابي محافظ الخزانة الحسنية. ومصنف فهارسها الوصفية صنعا. حينما جرد في الجزء السادس من فهارس هذه الخزانة. قائمة طويلة بمخطوطات تفسير الثعلبي: التام منها وغير التام(ص287-289) مع كل ما لها من أرقام خاصة بها في هذه الخزانة الحسنية. وبذلك اتضح لنا في بحثنا عن تفسير الثعلبي أن الخزانة بالرباط تضم أفيد مجموعة من نسخ هذا التفسير القديم لمن أراد أن يدقق البحث فيما لهذا المفسر. وما عليه... وبين يديه الآن مادة متسعة ذات عطاء متنوع...! وقد كنا نعلم مسبقا أن هناك من هذا التفسير نسخا خطية – تامة وغير تامة- موزعة على خزائن متعددة شرقية، وأوربية.
ولا شك أنه يتبين جليا عند الاطلاع على مناهج الثعلبي ومصادره. والكيفية التي "صنف" بها المفسرون قبله و"نوع" الانتقاد الذي وجهه لكل طائفة منهم... إن الرجل كان يملك قدرة على الفهم. والاستيعاب. والتحليل... وأن الجانب الذي انتقد عليه هو فعلا جانب ينتقد ...إلا أنه من الناحية الموضوعية ينبغي ألا يحجب هذا. تلك الجوانب الأخرى التي قدرها حق قدرها. واستفاد منها جزئيا وكليا. سابقون ولاحقون من رجال التفسير القرآني...
وهكذا يكون الثعلبي وهو من رجال القرن الخامس الهجري قد كتب تفسيرا يأتي في حلقة متوسطة بين تفسير ابن جرير الطبري... وبين التفاسير العظيمة الأهمية" العلمية والمنهاجية" التي ظهرت في القرن السادس الهجري وما بعده. وعلى رأسها" الكشاف" للزمخشري. و" المحرر الوجيز" لابن عطية الأندلسي الغرناطي...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here