islamaumaroc

خطوات مظفرة للدبلوماسية المغربية: قمة بروكسيل ورسالة ريغان.

  عبد اللطيف أحمد خالص

268 العدد

 اعتاد الشعب المغربي، كلما أهل عيد العرش المجيد، أن يقف وقفة تأمل وتمعن ينظر خلالها إلى ما وضعه من لبنات في سبيل نهضته الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وما حققه من إنجازات في طريق التقدم والازدهار، وما خطاه من خطوات لإرساء دعائم حياته السياسية والديبلوماسية على أسس قويمة ورواس ثابتة.وإذا كان صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، قد عودنا على تقديم عرض قيم عن التطورات التي طرأت على بلادنا في خطاب العرش الدي تهفو قلوب المواطنين إلى الاستمتاع به، والالتذاذ بالتقاط الدرر الغالية التي يتحلى بها هذا الخطاب الملكي السامي في وقت معلوم وموسوم ومرسوم، فإن المغاربة، بدورهم، يسعون إلى تسجيل الوثبات الكبرى التي حققتها بلادهم في طريق الرقي والنماء معتزين بعرضها في أعداد خاصة بالجرائد والمجلات والإذاعات والتلفزات وفي نشرات ومطبوعات تصدر بمناسبة عيد العرش المجيد كما دأبت على ذلك مجلة " دعوة الحق" الفيحاء.
 ويطيب لي أن أتعرض في هذا العدد الخاص إلى الخطوات الوئيدة المظفرة التي سارت عليها الدبلوماسية المغربية خلال هذه السنة، والتي تميزت بالزيارات الكريمة التي قام بها إلى بلادنا عدد من الملوك ورؤساء الدول، وبمشاركة المملكة المغربية في عدد من المؤتمرات واللقاءات الدولية والإقليمية، وبالاتصالات التي ربطت بلادنا بعدد من الدول الشقيقة والصديقة والتي تجلت، بصفة خاصة، في التقارب المغربي مع كثير من الدول الإفريقية، وشعوب أمريكا  اللاتينية. وقد نتج عن هذه العلاقات الدولية تفهم كبير لقضية وحدتنا الترابية حتى إن بعض المعلقين الأجانب لم يترددوا في الجهر بأن المغرب أصبح اليوم، بفضل دبلوماسيته المتحركة النشيطة، أقرب إلى الدول الإفريقية أكثر مما كان عليه الأمر يوم كان المغرب عضوا في منظمة الوحدة الإفريقية.
 وبالفعل فقد توصلت بلادنا في صمت واتناد إلى توطيد علاقتها الدولية مع عدد من الدول الإفريقية التي تمكنت من الوقوف على حقيقة الوضع في الصحراء المغربية، والتمعن في وجه النظر المغربية، ودراسة الملف المغربي بكل إمعان وتدبر بعد المآزق الدبلوماسية والسياسية التي وضعتها فيها الدعاية الجزائرية الهوجاء المبنية على الادعاء الكاذب والبهتان المقيت.
 ولكن أعظم ما حققته الدبلوماسية المغربية، في نظري، من نجاح هو أمران إثنان، قل نظيرهما في الأعراف الدولية، بل لم يسبق لمثلهما أن تحقق على ساحة الدبلوماسية الدولية، ويرجع الفضل الأول والأخير في هذا النجاح إلى حنكة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، وإلى دهائه السياسي الذي استطاع، بفضله، أن يحقق لمملكته انتصارين باهرين أولهما، يهم علاقات المغرب الاقتصادية مع السوق الأوروبية المشتركة، وثانيهما يخص مصير قضية العرب والمسلمين الأولى، ألا وهي قضية فلسطين.
                                                      ***
 أما فيما يتعلق بالسوق الأوربية المشتركة فقد كان للمملكة المغربية، كما هو معلوم، علاقات ممتازة مع غالبية الأقطار الأوربية، بصفة خاصة.
 وقد طرأ على هذه العلاقات الاقتصادية والتجارية المغربية الأوروبية نوع من الاضطراب والتقلص منذ إنشاء السوق الأوربية المشتركة التي جمعت هذه الأقطار داخل حدود معلومة، وصوى مرسومة، وفرضت على دولها قيودا ومعايير يجب أن لا تخرج عن إطارها كل دولة تسعى لربط علاقات اقتصادية وتجارية وجمركية مع دول أخرى غير دول السوق.
 وقد سعى المغرب ونجح منذ ما يقرب من عشرين سنة في ربط علاقات خاصة مع مجموع دول السوق الأوربية المشتركة وذلك بالترخيص لبضائعه وصادراته للدخول إلى هذه السوق في إطار شروط معلومة، ومقاييس معينة لم تترك الباب مفتوحا كما كان عليه الأمر فيما سبق، ولم تغلقه بإحكام تام أمام المنتوجات المغربية في الوقت الذي ظلت فيه هي في مجموعها أو فيما يخص بعضها تصدر موادها المصنوعة وما إلى ذلك من تجهيزات وأدوات صناعية بكامل الحرية إلى بلادنا.
 وقد ازداد الموقف اضطرابا وصعوبة عندما دخلت على التوالي اليونان في مرحلة أولى والمملكة الإسبانية والجمهورية البرتغالية في مرحلة ثانية إلى السوق الأوربية المشتركة، ذلك أن نظام هذه السوق يقضي بفتح أسواق جميع الدول الأعضاء لترويج بضاعتها ومنتوجاتها داخل السوق طبقا لاتفاقيات مهنية خاصة، تجدد تقريبا، كل سنة، خلال اجتماعات متوالية يعقدها وزراء الاقتصاد والمالية والفلاحة وغيرهم فيما بينهم، ويتم فيها الاتفاق الجماعي على المواد والأثمان والتعريفات الجمركية إذا كانت هناك تعريفات جمركية تخص بعض المواد، ويقضي هذا النظام، أيضا، بالسماح لدول السوق الأوربية المشتركة بربط صلات اقتصادية وتجارية ذات طابع خاص مع عدد من الدول يتم الاتفاق معها داخل المجموعة وتسمى هذه المجموعة الأخرى " الدول المرتبطة" « Etats Associés »
كان من بينها إسرائيل!وكيف لا؟.
                                                      ***
 أما بلادنا فكانت تحظى منذ ما يزيد على عشرين سنة بما يسمى ب" نظام ممتاز" لحقبة معينة نظرا لما لها من علاقات اقتصادية وتجارية وطيدة مع عدد من دول السوق كفرنسا التي تعد أكبر زبونا لبلادنا في العالم، بصفة عامة، وفي القارة الأوروبية، بصفة خاصة، وفي السوق الأوروبية المشتركة بوجه أخص. وقد كان المغرب يرى دائما في هذا الاتفاق المؤقت والذي كان المغرب يطالب بتجديده كلما مرت السنوات الأولى من تضييق بنود هذا الاتفاق غبنا وحيفا يلحقان أضرار بمصالح بلادنا الاقتصادية والتجارية والصناعية.
 وقد نجح المغرب، حتى الآن، في تجديد هذا الاتفاق المرسوم بطابع الامتياز مرتين أو ثلاث دون أن يصل مع السوق الأوربية المشتركة إلى ما كان يرجو أن تكون عليه العلاقات بين الطرفين خصوصا بعد أن أصبحت إسبانيا والبرتغال عضوين كاملي العضوية داخل السوق.
 ومما زاد الطين بلة أن اسبانيا التي لها بدورها علاقات ممتازة مع بلادنا في الميدانين الإقتصادي والتجاري خصوصا منه ميدان الصيد البحري تشكل ممرا طبيعيا للصادرات المغربية إلى دول السوق ويتكون غالب إنتاجها الفلاحي مما يتكون منه إنتاجنا الوطني الشيء الذي ينتج عنه، بطبيعة الحال، منافسة ضيقة حادة بين الإنتاجين المغربي والإسباني لن يكتب فيها النجاح داخل السوق إلا أن الإنتاج الإسباني نظرا لكون اسبانيا أصبحت إحدى دول مجموعة السوق الأوربية المشتركة. وفي هذا الشأن كان من اللازم على هذه الدول الأعضاء أن تأخذ بعين الاعتبار الموقف المغربي المتشدد والمنطلق من تخوف بلادنا من الأضرار التي قد تصيب الاقتصاد الوطني المغربي، ولكن دول المجموعة الأوربية ظلت تتلكأ في اتخاذ موقف حازم يتناسب ومصالح بلادنا العليا، وتتأرجح بين مصالحها المشتركة التي تفرض عليها الاكتفاء بالإنتاج الأوربي وبين مصالح كل منها مع بعض الدول الصديقة أو المجاورة لها خصوصا بالنسبة لفرنسا وإسبانيا، ومن حسن حظ المغرب  أن تجد اتفاق الصيد البحري مع إسبانيا توافق هذه السنة مع ضرورة تجديد اتفاقنا مع مجموعة دول السوق الأوربية، وهو الاتفاق الذي لم يبق المغرب يكتفي به به كإطار للعلاقات الاقتصادية والتجارية بيننا وبين دول المجموعة ولا يرضى به كشكل من أشكال التعاون الاقتصادي والتجاري بيننا وبينها سواء كانت مجموعة أو متفرقة.
 وقد أبى بعد نظر جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، وتبصره إلا أن يغتنم فرصة نهاية آجال الأوفاق المبرمة مع السوق الأوربية المشتركة ومع إسبانيا خاصة في ميدان الصيد البحري ليتقدم، بصفة رسمية، بطلب انضمام المملكة المغربية إلى المجموعة الأوربية معتمدا في ذلك:
 أولا: على تشابه الأوضاع السياسية في بلادنا وفي أقطار المجموعة كتعدد الأحزاب والنقابات، والممارسات الديموقراطية، والحريات العامة.
 وثانيا: على الجوار القائم بيننا وبين دول المجموعة التي لا يفصلنا عنها إلا فاصل طبيعي هو البحر الأبيض المتوسط.
 وثالثا: على التكامل الضروري في الحاجات والإمكانات بين المغرب والدول الأوربية نظرا لاعتبار جنوب البحر الأبيض المتوسط امتدادا طبيعيا لشماله.
 وقد كان لهذه الخطوة الملكية السامية أثر عظيم في العالم الغربي والعالم الثالث تجلى في الاندهاش الكبير الذي استولى على المسؤولين الأوربيين الذين وجدوا أنفسهم أمام وضعية عجيبة كانت تراود أحلام بعض الأوربيين منذ القدم، وتخفيف آخرين كثرا منهم عرفوا بتعلقهم بمبادئ وقيم ومقدسات قد لا نعدو الحقيقة والواقع إذا قلنا بأنها مبادئ وقيم ومقدسات لا تخلو من نوع من الميز العنصري والديني والإرثي.
 وكيف ما كان جواب الأوربيين –وقد كان !-فإنه يعبر أصدق تعبير على ا، أوربا الغربية لا تفكر إلا مصالحها السياسية والاقتصادية أولا وقبل كل شيء، وأنها، حتى في الوقت الذي تبدي فيه استعدادها لمساعدة دول العالم الثالث، لا ترى ذلك من باب المصالح الذاتية للمجموعة، وأن هذا الاستعداد لا يتعدى حدود التبرع أو الصدقة التي لا يمكن أن يتولد عنها تعاون اقتصادي وتكنولوجي مثمر يساعد دول العالم الثالث على مواجهة أدنى حاجاتها الملحة والضرورية لا ذلك التعاون المرجو بين الشمال والجنوب والذي قد يؤدي إلى إقلاع اقتصادي حقيقي يخرج  بدول الجنوب من وهدة التخلف الاقتصادي والاجتماعي ويدفع بعجلات حياتها إلى التطور المنشود، والتقدم المأمول الكفيلين، وحدهما، بجعل هذه الدول تعتمد على نفسها.
                                                      ***
 وإذا كانت المجموعة الأوربية قد استعملت الأساليب الدبلوماسية اللائقة لتبليغ رفضها إلى المغرب وذلك بإرسال رئيسها السيد جاك دولور الفرنسي الجنسية على بلادنا، وتكليفه بإبلاغ صاحب الجلالة، بكل ما يليق بجلالته من الاحترام والتقدير، أن المجموعة الأوربية لا تضم بين أعضائها إلا دول القارة الأوربية، وأنها، مع تفهمها للمسعى المغربي، فإنها، حسب قوانينها الداخلية  ودساتيرها التشريعية، لا تستطيع قبول هذا الطلب الذي يمكن أن يلبي عندما يحصل تغيير أو تعديل لهذه القوانين مدعية أنها لا ترفض الطلب المغربي وإنما تؤجل البث فيه إلى ظرف آخر، فإن هذا الرفض يدل في حد ذاته على أن السوق الأوربية لا يهمها من تعاونها مع دول العالم الثالث، ومع جيرانها بالخصوص، إلا ما هو متطابق مع مصالحها الذاتية واستراتيجيتها التي تدل على أنانية محضة وعنجهية تنمان عن روح استغلالية يمليها الاستعمار الجديد".
                                                      ***
 وإنه، والله، لمن الغريب أن تتعامل دول المجموعة الأوربية مثل هذا التعامل المثير مع بعض شعوب العالم الثالث وهي التي استنزفت خيرات هذه الشعوب، ومصت دماء أبنائها بعدما أجبرتهم على المشاركة في الحربين العالميتين التي كانتا تهددان وجود غالبية دول هذه المجموعة كما نجد من أعجب العجب أن تقف هذه الدول من هذا الموقف وهي التي تعالت صيحاتها في كل مكان عندما قررت القوتان العظيمتان: الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفياتي تخفيض قواتهما النووية في أوربا الشرقية منها والغربية. فقد فقد خشيت أوربا على نفسها بعد خروج القوات الأمريكية من أرض أوربا زمغادرتها للتراب الأوربي من أن تصبح عرضة لأي هجوم نووي يريد غهلاكها ويؤدي إلى القضاء عليها.فما الفرق-يا ترى- بين الهجوم النووي الذي تخاف منه أوربا ومن هجوم كابوس التخلف  ونير التأخر الذين تخشاهما دول العالم الثالث؟
                                                      ***
 والحقيقة أن المملكة المغربية التي حباها الله ملكا هماما لم تفتأ أن استغلت أزمة الصيد البحري في مفوضاتها مع اسبانيا والمجموعة الأوربية فاتخذت موقفا حازما شجاعا أيدته جميع الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والهيآت المهنية؛ وقد تجلت هذه الصرامة في عدم تمديد اتفاقية الصيد البحري التي كان العمل جاريا بها ولو أدى ذلك إلى عدم الوصول على أي أتفاق، وأصبح المغرب حرا في تصرفاته منذ غرة السنة الميلادية الجديدة 1988 كما أصبح ممنوعا على سفن الصيد الأوربية عموما، والإسبانية، خصوصا أن تمخر عباب المياه الإقليمية المغربية من الناظور إلى طنجة ومن طنجة إلى الكويرة مما اضطر بعضا من هؤلاء الصيادين الأوربيين إلى الانغمار في أعالي المحيط الأطلسي بعيدة عن الحدود الأوربية وإلى النزول على سواحل وموانئ بعض الأقطار الإفريقية النائية.
 أمام هذه الصرامة التي أظهرها المتفاوضون المغاربة بأمر من جلالة الملك، وإجماع من الأمة المغربية، وصعوبة الوصول إلى خل يرضى الجانبين، اضطرت لجنة المجموعة الأوربية، بعد استشارات بين الدول أعضائها، إلى الرضوخ إلى الأمر الواقع الذي يفرض عليها مفوضة جلالة الملك في القمة الأوربية المنتظر عقدها خلال الأسبوع الثاني من شهر يبراير 1988 بمقر اللجنة في بروكسيل.
                                                      ***
 وهكذا وجهت لجنة المجموعة الأوربية دعوة رسمية إلى جلالة الملك للمشاركة في جزء من أعمال قمتها المشار غليها أعلاه أملا من أعضائها في أن يستجيب جلالة الملك حفظه الله لهذه الدعوة فتكون مناسبة لفتح ملف العلاقات المغربية الأوربية بأجمعها عسى أن يتوصل الفريقان المغربي والأوروبي إلى اتفاق يضع حدا للأزمة الحالية، ويفتح آفاقا للتعاون بيننا وبين المجموعة في المستقبل.
 يتضح من هذا أن التسلح بالصبر ومجابهة العناد بالعناد، مفوضات الند للند، وعد الإفراط أو التفريط في أي جزء من المصلحة الوطنية، وجعل هذه الأخيرة فوق كل اعتبار، كل هذه الأشياء أجبرت المجموعة الأوربية على الخضوع إلى الأمر الواقع، والتسليم بأن المغرب، بفضل ملكه الحسن الثاني الوفي لوطنه وشعبه، لا يمكن أن تتعامل معه المجموعة كما تتعامل مع بعض الأقطار الديكتاتورية والتوسيعية، وأن لا مناص من إعطاء المغرب المكانة اللائقة به، وبقائده الهمام، فكانت الدعوة الموجهة إلى جلالة الملك للمشاركة في القمة الأوربية المنتظرة والتفاوض معه في مؤتمر علني لا أتذكر شخصيا أنه سبق لرئيس دولة ما خارج المجموعة أن استدعي من طرف المجموعة للمشاركة فيه.
 وسواء حضر صاحب الجلالة بنفسه هذه القمة، أو لم يحضر، فإن القصد من مشاركة صاحب  هو الوصول إلى اتفاق مع بلادنا يحدث توازنا في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين دول المجموعة الأوربية والمملكة المغربية، ويعطي لبلادنا المكانة اللائقة بها، ويستجيب للمطالب المغربية حتى لا تبقى هذه العلاقات بين المد والجزر لا يعرف لها مستقبل ولا آفاق، ولا تسير على نهج دائم واضح المعالم والصور يعرف كل من الطرفين حدوده وأبعاده.
ويكفي المغاربة فخرا واعتزازا أن تكون بلادهم أول بلاد خارج أقطار المجموعة تدعى للقمة الأوربية لأن هذه الدعوة تدل على التقدير والاعتبار الذين تحظى بهما بلادنا بفضل السياسة الحكيمة التي ينهجها صاحب الجلالة لصالح المغرب ورعاياه.
 ومما لا إشكال فيه أن مشاركة بلادنا في هذه القمة سيعطي لعلاقات بلادنا مع هذه الأقطار إطارا جديدا، إذا لم يكن هو انضمامنا إلى المجموعة الذي يسعى إليه صاحب الجلالة، فسيكون من نتائجها الإيجابية، على الأقل، اعتبار مصالحنا الوطنية، وبذل مجهود أكبر ما سبق، لقبول بضائعنا ومنتوجاتنا، والمساهمة الفعالة في معركة الإقلاع الاقتصادي الذي عزم المغرب على خوضها للوصول إلى ازدهار اقتصادي، ورقي اجتماعي طالما جد المغرب واجتهد للوصول إليهما، وإمداد المغرب بالمساعدات المالية والتقنية التي يتوقف عليها نجاحه في مراحل نموه وتطوره. وأننا لا نتصور أن تكون الدعوة إلى جلالة الملك تهدف إلى غير هذا، وإلا فما المعنى من توجيه هذه الدعوة إلى بلادنا في شخص صاحب الجلالة نصره الله؟
 وإن كل ما نتمناه في هذه المرحلة الحرجة من علاقاتنا مع السوق الأوربية المشتركة هو أن يتحسن مستوى هذه العلاقات، وان يسفر لقاء القمة المنتظر عن تحول جذري في العقلية الأوربية نحو بلادنا وغيرها من أقطار العالم الثالث. فالخطوة الوثابة الأولى التي خطتها الدبلوماسية المغربية هي، إذن، خطوة وطنية وكبرى تهم الوطن والمواطنين المغاربة، أولا، وتهم علاقات المغرب بأوروبا الغربية، ثانيا، وتتناول الجانب الاقتصادي والتجاري من هذه العلاقات ثالثا وأخيرا. فعسى أن تتحقق بفضل هذه الخطوة الجريئة الإيجابية آمال وأماني الأمة المغربية وأن ينتج عنها، بحول الله، تطور عملي يستفيد منه بالتبعية دول المغرب العربي، وبقية أقطار العالم الثالث كما كان الشأن في كل خطوة خطاها المغرب منذ حركته التحريرية وحصول على الاستقلال السياسي إلى انبثاق عهد جديد في العلاقات الاقتصادية، وتحقيق استقلال اقتصادي لنا ولغيرنا من دول العالم الثالث.
                                                      ***
 أما الخطوة الجبارة الثانية التي خطتها دبلوماسيتنا المتحركة فهي خطوة تهم المغرب أولا لأنها تدل على المكانة التي تتمتع بها المملكة المغربية في النطاق العالمي، كما تهم هذه الخطوة جميع العرب والمسلمين ثانيا، لأنها تتعلق بقضية مقدسة طالما عمل العرب والمسلمون على إيجاد حل عادل لها، ولكنهم كانوا دائما يجدون في مواجهتهم خصوما أشداء يتوفرون على قوة كبرى، ونفوذ قوي، يعترض كل المحاولات العربية والإسلامية في سبيل نصرة حق من حقوقهم المشروعة وأداء واجبا من واجباتهم القومية وكيف لا يكون الأمر كذلك وخطوتنا هذه تتعلق بقضية فلسطين السليبة التي تكالبت قوى الشر العالمية، والعنصرية والصهيونية لتسلب هذا الشعب العربي حقه في ترابه الوطني، وتعرضه للطرد والتشريد منذ أزيد من أربعين سنة؟
حقا !لقد كان العرب والمسلمون، منذ وضعت قصية فلسطين على بساط الدرس في المسرح الدولي، يجدون في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الكبرى كالإتحاد السوفياتي – وإن طرأ نوع من التطور على موقفه منذ الحرب العربية الإسرائيلية التي وقعت في سنة 1967- وبريطانيا العظمى وفرنسا ومعظم الدول الأوربية- أقول – كان العرب يجدون هذه الدول تواجه كل مسعى يقومون به لإحلال السلام محل الحرب، وإعطاء الحق لأهله، ورد المهاجرين من أبناء فلسطين إلى ديارهم.كانت آذان المسؤولين الأمريكيين وغيرهم من قادة الدول العظمى صماء أمام كل مطلب تقدم به العرب سواء في المنتظم الدولي أو في المؤتمرات والمنتديات الدولية والإقليمية أو في اللقاءات والاتصالات الثنائية أو الجماعية التي تعرض فيها قضية  فلسطين بل أن الجواب التلقائي الذي كان يحصل عليه العرب والمسلمون بعد كل محاولة ترمي إلى السلام هو التعنت الأمريكي الذي كان لا يقضي برفض كل مسعى سلمي عربي إسلامي فحسب بل كان رد الفعل الأمريكي على كل مسعى هو تأييد علني عالمي لإسرائيل، وبزيادة مدهشة في تزويدها بالسلاح الفتاك على مختلف أشكاله وأنواعه، والإعلان على أن لإسرائيل الحق في الوجود ولو على حقوق الشعب الفلسطيني.ومن أغرب ما كان يلاحظ في مواقف الولايات المتحدة الأمريكية أنه كلما تقدم العرب أو المسلمون بمشروع سلام في الشرق الأوسط يعتقدون أنه يحتوي على ما يرضي هذه الدولة العظمى إلا وتصلبت هذه الأخيرة في موقفها المعادي لكل محاولة سلمية، أو كل مشروع خوفا من أن تمس إسرائيل في حدود لم يكن لها أن تكتسبها في أي عصر من عصور التاريخ البشرى المعروف لولا تأييد الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل.
كان هذا هو موقف الولايات المتحدة من قضية فلسطين: مساندة تامة لإسرائيل، تعزيز إسرائيل بالمال والعتاد، رفض لكل مسعى سواء كان عربيا أو إسلاميا أو إفريقيا أو من مجموعة من المجموعات الدولية المشهورة كمجموعة دول عدم الانحياز من شأنه أن يخفف من شرور الإبادة التي يصطلي بنارها شعب فلسطين خوفا من أن يؤدي هذا المسعى إلى تضعضع الكيان الصهيوني بل خوفا من انهياره واضمحلاله وهو أخشى ما تخشاه الولايات المتحدة الأمريكية.
ونحن إذا تتبعنا سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط نجدها- مع كامل الأسف- تسعى منذ نشوء دولة إسرائيل إلى تقويتها وتعزيزها سواء كانت ظالمة أو متعدية أو جاءت شاكية باكية لأن هم أمريكا هو إرسال هذا الكيان الصهيوني المصنع في قلب الأمة العربية والإسلامية حتى يتم بواسطته تحقيق وجود أمريكي قار في المنطقة، من جهة، وبث بدور الشقاق والخلاف والنزاع بين الأقطار العربية وشغلها بمواجهة إسرائيل عن موجهة قضايا التطور والتقدم والنماء التي تعرفها هذه الأقطار من جهة أخرى.
وسواء كان الحاكمون في أمريكا جمهوريين أو ديموقراطيين وسواء كانت الغالبية لهذا الحزب أو ذلك فإن السياسة واحدة والاتجاه واحد هو تقوية إسرائيل وإضعاف الدول العربية والإسلامية حتى لا تتقوى في يوم من الأيام؛ ورغم ما بذلته هذه الدول مساع نحو الولايات المتحدة الأمريكية حتى تتفهم الموقف العربي، وتأخذ بعين الاعتبار الحقوق المهضومة للشعب الفلسطيني، وتقبل القرارات الدولية، والتوصيات الأممية التي تنص على ضرورة إعادة الفلسطينيين إلى ديارهم، وإيجاد تسوية سلمية للقضية الفلسطينية، وتردد القادة العرب فرادى وجماعات على البيت الأبيض لإبلاغ مختلف المسؤولين القرارات المعتدلة التي اتخذتها القمم العربية في هذا الشأن، فإن قادة الولايات المتحدة الأمريكية على اختلاف مشاريهم ونزعاتهم لم يعيروا اهتماما للتطور الذي طرأ على الموقع العربي، والليونة الدبلوماسية التي تكتسبها قراراتهم الأخيرة لحل النزاع العربي الإسرائيلي  بطرق سلمية تتسم بالاعتدال والواقعية.
وجاء مؤتمر القمة العربي المنعقد بفاس سنة 1982 فإذا بالقادة العرب يتفقون على مشروع فاس لحل قضية فلسطين نوه العالم كله بما ورد فيه من اقتراحات معتدلة وحلول واقعية: وتوجهت لجنة المتابعة المكونة من عدد رؤساء الدول برياسة جلالة الملك الحسن الثاني إلى واشنطن لإبلاغ الولايات المتحدة فحوى مشروع فاس، وإطلاع قادتها على الجو العربي الملائم لوضع خطوات حكيمة لإيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية وذلك بإحقاق الحقوق المتعلقة بضمان مصالح الطرفين المتنازعين ولكن الولايات المتحدة ظلت متشبثة بمواقفها المتعنتة بل أنها عززت المواقف المتحيزة بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن وحاولت بكل ما تتوفر عليه من وسائل، إغلاق المكتب الذي فتحته منظمة التحرير في نيويورك لمتابعة النشاط الدولي شأنها في ذلك شأن سائر المنظمات التحريرية في إفريقيا وآسيا وأمريكا التي ما زالت تطالب بحقوقها المشروعة.
وهكذا ظل الموقف الأمريكي متشددا، متعنتا ومتحيزا لإسرائيل إلى أن جاءت الثورة العارمة الأخيرة التي اندلعت في الأراضي العربية المحتلة بغزة والضفة الغربية والقدس الشريف. والتي أضرمها أطفال عزل لا سلاح لهم إلا الحجارة يلقون بها على جنود الاحتلال الصهيوني البغيض، ويرمون بها في وجوه الجيش الإسرائيلي العنيد الذي واجه هؤلاء الأطفال بالأسلحة الفتاكة، والمعاملات الوحشية، والضربات القاتلة دون مراعاة لسنهم، ولا اعتبار لمطالبهم ولا تقدير للأسباب التي دفعت هؤلاء الأطفال إلى الثأر لأنفسهم التي خيم عليها اليأس، ويسيطر عليها البؤس، وكاد يحطمها الاضطهاد.
وقد شاء القدر أن يلهم الله صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، لدعوة لجنة القدس التي توقفت أعمالها وتعطل اجتماعها منذ مدة لأسباب عربية عربية؛ فاجتمعت لجنة القدس في إفران في الأيام الأولى من السنة الجارية وترأس اجتماعها صاحب الجلالة الذي أبى الله إلا أن يوفقه لإلقاء خطاب جامع محكم أنحى فيه بالأئمة على العالم أجمع الذي يتتبع المآسي التي تجري في الأراضي المحتلة دون أن يحرك ساكنا.
وقد خص صاحب الجلالة الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الخطاب بفقرات مؤثرة ممتعة منها إلى أن العرب سئموا من الحرب وويلاتها، وضجروا من أعمال التعذيب والتقتيل والإبادة التي تقوم بها العصابات الصهيونية ضد سكان منين ومدنيين عزل النساء وأطفال وشيوخ؛ وأشار صاحب الجلالة في هذا الخطاب إلى الدور الذي لعبه المغرب بجانب الحلفاء في الحربين العالميتين الأولى والثانية للدفاع عن الحرية والكرامة البشرية وضد النازية. والفاسيشتية وقال حفظه الله للولايات المتحدة: " وهذه هي علة تدخلي بالنسبة للولايات المتحدة التي هي صديقة لنا منذ القدم...فهي صديقة قريبة وصديقة وفية ولكن أقول لها: لا ..." وزاد جلالته موجها الخطاب للولايات المتحدة:
 "استشهد جنودنا وجنودكم بالآلاف وبمئات الآلاف لتحرير البشرية، وهنا لا يمكن لحليفك بالأمس إلا أن يستغرب تنكرك للمبادئ التي من أجلها مات أبناؤك وأبناؤنا لماذا مات باطون؟ لماذا مات ضباطنا؟ لماذا متنا جميعا في كاليكاليانو؟ لماذا متنا جميعا في ألمانيا؟ لماذا متنا جميعا في ليزاردين؟ متنا للدفاع عن الكرامة، وهذا هو الذي يعطيني حقي كمغربي لأقول هذا الكلام وبكل صراحة هو كلام غير موجه للحكومة وللشعب الأمريكيين هو كلام موجه لعدم الإنصاف والصديق من صادقك لا من صدقك..."
وهكذا وضع جلالة الملك الحسن الثاني المجمع الدولي بصفة عامة، والولايات المتحدة الأمريكية، بصفة خاصة، والرئيس الأمريكي بصفة أخص أمام مسؤولياتهم وواجباتهم مذكرا الجميع بالمبادئ والمواثيق والعهود والاتفاقيات التي تضمن حقوق الشعوب المضطهدة، وسكان الأراضي المستعمرة، ومشروعية مقاومة كل شعب تنتهك حرماته وتستعمر أراضيه.
وقد كان للخطاب صدى واسع داخل الوطن العربي والإسلامي وخارجه، كما كان له تأثير بالغ في نفوس أعضاء لجنة القدس، والمجتمع الدولي لأنه خطاب حلل بكل موضوعية العوامل الخافية التي تدفع بالصهاينة إلى العدوان على الكرامة الإنسانية، والاستهتار بحقوق الإنسان، والازدراء بالقوانين والأعراف الدولية. 
وقد كان المفهوم من الخطاب الملكي السامي أمام لجنة القدس أن إسرائيل ما كان لها أن ترتكب هذه الجرائم والاعتداءات ضد الشعب الفلسطيني لولا حماية الولايات المتحدة الأمريكية التي أضحت مظلة تفزع إليها إسرائيل منذ أربعين سنة دون اعتبار للمنتظم الدولي الذي حاول مرارا إيقاف هذه الانتهاكات والاعتداءات، واتخاذ القرارات اللازمة لوضع حد لها، والذي كان يجد دائما في طريقه اعتراض الولايات المتحدة باستعمال حق الفيتو، تارة، وبالتهديد والوعيد، تارة أخرى، مع مواصلة التأييد المادي والمعنوي والعسكري والمالي والدبلوماسي لإسرائيل في كل وقت وحين.
وإذا كانت الدول الكبرى الأخرى كالاتحاد السوفياتي وبريطانيا العظمى وفرنسا وغيرها التي كانت، في أول الأمر، لا تفتأ عن مساندة إسرائيل، بعدما عملت مع الولايات المتحدة الأمريكية على خلق إسرائيل والوقوف بجانبها فإن هذه الدول ماعتمت أن تراجعت عن مواقفها لما رأت عن إسرائيل تجاوزت الحدود المتفق عليها، وأخذت تعتدي على السكان الآمنين، وتطردهم لتحل محلهم الأجانب والواردين عليها من شذاد الآفاق، وتمعن في شن الحروب الضارية على الدول المجاورة لها، وتحتل أراضيها وتضمها إليها، وتؤسس فوق تراب هذه الدول المستعمرات.
وقد رأينا كيف أن الإتحاد السوفياتي استنكر الهجوم الثلاثي على مصر في معركة السويس وأخذ، منذ 1956، يقف بجانب الحق العربي الأمر الذي اضطره إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل منذ أزيد من عشرين سنة، كما شاهدنا فرنسا تثير زوبعة في العالم عن إثر الهجوم الإسرائيلي على الدول العربية في سنة 1967، فقد قام الجنرال دكول رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك بحملة عارمة وغضب غضبته المشهورة طالبا من إسرائيل وضع حد من هجوماتها المتكررة، وإرجاع الأراضي العربية التي استولت عليها إسرائيل إلى أربابها. أما إنكلترا فقد اتخذت موقفا أقل ما يقال عنه إنه موقف دول مسؤولة لا يمكنها أن تسمح بأن تقع مثل هذه الإعتداءات المتكررة أمام مرأى ومسمع من العالم أجمع دون أن تجد إسرائيل من يصدها عن عدوانها، ويحد من نواياها التوسيعية خصوصا وأن انجلترا هي التي كانت تحتل المنطقة قبل خروج إسرائيل إلى الوجود بعد عملية التقسيم الشنيعة التي أقرتها منطقة الأمم المتحدة سنة1948.
ولم تبق من هذه الدول في موقف مناصرة والتأييد الأعمى لإسرائيل إلا الولايات المتحدة الأمريكية رغم ما لها من صداقات وعلاقات قديمة بقدم وجود أمريكا مع بعض الدول العربية كالمملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية اللتين تجمعهما بالولايات المتحدة مصالح مشتركة، والمملكة المغربية التي كانت أول دولة في العالم تعترف باستقلال أمريكا، وغيرها من الدول العربية كالسودان والجمهورية التونسية.
                                                      ***
وإذا كانت الانتفاضة التي عرفتها الأراضي المحتلة منذ أزيد من شهرين قد حركت الضمير العالمي، وأذكت الشعور الدولي بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من الاعتداءات الصهيونية على العرب والمسلمين وغيرهم من سكان فلسطين، وتقتيل النساء والأطفال والشيوخ، وتدمير المدن والقرى والأحياء التي يسكنها الفلسطينيون إلى درجة أن بعض اليهود الإسرائيليين استنكروا بأنفسهم الهجومات اللاإنسانية وأعمال العدوان التي يقوم بها جيشهم ضد السكان العرب والمسلمين فإن اجتماع لجنة القدس ونداء جلالة الملك إلى الضمير العالمي، بصفة عامة وإلى الولايات المتحدة بصفة خاصة، قد أثر تأثيرا كبيرا في الرأي العام الأمريكي بما فيه المحافل السياسية والأجهزة الإعلامية، ومصادر قرارات حتى بادر الرئيس الأمريكي رونالد ريجان إلى الاعتراف لأول مرة بأن الأحداث الأليمة التي تعيشها الضفة الغربية وغزة والقدس الشريف تدعو إلى الاستعجال في البحث عن حل للنزاع العربي الإسرائيلي.
وقد جاء هذا الاعتراف الرسمي الأمريكي في الرسالة التي وجهها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية إلى جلالة الملك رونالد ريجان بعد أيام قلائل من النداء الملكي السامي الذي وجهه جلالة الملك إلى الشعب الأمريكي، وإلى الضمير العلمي عسى أن يستيقظ كل منهما من غفوته، ويفق من سباته لمواجهة الموقف بحزم وعزم. فقد نوه الرئيس الأمريكي في هذه الرسالة بالشعب المغربي معترفا بتضحياته التاريخية، ومذكرا بالصداقة الدائمة القائمة بين الشعبين المغربي والأمريكي وتعاونهما، منذ القدم، من أجل نصرة الحق، والذود عن الحرية والكرامة الإنسانية؛ وألح الرئيس الأمريكي على الدور النبيل الذي يلعبه المغرب في سبيل القضايا العربية، عموما، والقضية الفلسطينية، خصوصا، مؤكدا، بصفة رسمية وعلنية، ضرورة الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني في كل مرحلة من مراحل المفاوضات التي يتعين إجراءها لإيجاد حل مرض لجميع الأطراف، ووضع نظام نهائي للأراضي العربية المحتلة.
يتبين من هذه الرسالة بكل وضوح، أن الرأي العام الأمريكي، وفي مقدمته رئيس الولايات المتحدة الأمريكي، شعر بأن الوقت قد حان " للاستعجال في البحث عن حل للنزاع العربي الإسرائيلي" كما يتضح، من هذا الخطاب أن الضرورة تقضي" بمشاركة الفلسطينيين في كل مرحلة من مراحل المفاوضات" التي ستؤدي، بحول الله إلى هذا الحل. وأهم ما يمكن أن يستخلص من هذا الخطاب هو اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية، على لسان رئيسها، بحقوق الشعب الفلسطيني في السيادة والكرامة والحرية،إنها، والحق يقال، وثبة كبرى في الموقف الأمريكي انتزعتها صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني بفضل حنكته المعترف بها من الجميع وحكمته النبيلة، ومعرفته الكبيرة في معالجة الأمور المستعصية بتؤدة ورزانة وتريث دون أن يستشيط غيظ احد سواء كان صديقا حميما، أو خصما لدودا.
إننا لا نريد هنا أن ندخل في تحليل دقيق لخطاب الرئيس الأمريكي، ولكننا نقر بأنه يشكل خطوة جبارة في طريق الحل المنشود للقضية العربية الكبرى؛ وإن من واجب العرب والمسلمين أن يعتبروا هذا التطور الذي طرأ على الموقف الأمريكي ليواصلوا الحوار مع الولايات المتحدة للتوصل إلى الكيفية التي يتعين اللجوء إليها لإدخال هذا الاعتراف الأمريكي الرسمي في مسلسل من الخطوات الوئيدة المتزنة الكفيلة بإدراجه في حيز التطبيق. لقد اتخذ الرئيس الأمريكي قراره العظيم مقتنعا بالآراء والأفكار والنظريات التي طالما عبرت عنها الأمة العربية والأمة الإسلامية على حد سواء، وقد كان خطاب جلالة الملك أمام لجنة القدس وسيلة لانتزاع هذا القرار، فما علينا الآن إلا أن نستغل الظرف المواتي خلال مراحل من الاتصالات والتفاوض لنعرف ماذا سيكون لهذا القرار من نتائج إيجابية محمودة، وعوقب طيبة منشودة.
وقد جاء هذا القرار الأمريكي العظيم لينضاف إلى الأيادي البيضاء التي أسداها صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني ، نصره الله؛ لشعبه الوفي، ولشعب فلسطين المجاهد، إلى الأمتين العربية والإسلامية.
ومن الاعتراف بالجميل أن نذكر بأن جميع الخطوات التي خطاها جلالة الملك في سبيل القضية الفلسطينية كانت خطوات إيجابية وموفقة انتهت كلها بأكمل النتائج وأطيب الرغائب، كما كانت خطوات عملية ملموسة تركت آثارها في المسار الذي قطعت قضية فلسطين الجنود المغاربة للمشاركة
في الحروب العربية الإسرائيلية كانت خطوة فعالة من جلالة الملك إذ وقف الجيش المغربي في سنة 1967 وسنة1973 بجانب الجيوش العربية مجاهدا، ومضحيا بالنفس والنفيس لإعلاء راية الحق، والقضاء على المعتدين وقد ترك جيشنا الباسل في سيناء والجولان ضحايا استشهدوا من أجل إخوانهم العرب والمسلمين ومن أجل الحقوق المقدسة للعرب والمسلمين.
وإن دعوة جلالة الملك لعقد أول قمة إسلامية بربوع مملكته كانت خطوة إيجابية موفقة انتهت، والحمد لله، بتأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي التي أضحت أكبر عضد للعرب والمسلمين في طريق البناء والتشييد، ولم شعثهم، وضم صفوفهم، كما كانت خير مدافع عن قضايا العرب والمسلمين عموما، وقضية فلسطين وقضية أفغانستان خصوصا.
أما القمم العربية المتعددة التي عقدت في الرباط، فإنها كانت كلها خطوات عملية موفقة في توحيد صفوف العرب وجمع كلمتهم؛ وقد تكللت كلها بنتائج إيجابية ليس إلى نكرانها من سبيل.
ففي قمة الرباط سنة 1974، على سبيل المثال لا الحصر، تقرر اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الوحيد والشرعي لشعب فلسطين، وهو قرار يسر على الأباعد والأقارب سبل الاتصال لسكان فلسطين، والمناضلين عنها في الداخل والخارج، كما سمح للمنظمة بالتحدث باسم الشعب الفلسطيني في مختلف المحافل الدولية والعواصم العالمية، وهي على كل حال خطوة إيجابية ما كان أحوج العرب والمسلمين في تلك السنة أن يقطعوها لصالح الدفاع عن الحقوق العربية والإسلامية في فلسطين.
وإن الأمل لوطيد أن تتلو هذه الخطوة خطوات أخرى تتمثل في تشكيل حكومة فلسطينية تتحدد  داخلها المسؤوليات في كل القطاع، ولا يبقى الكلام عن المنظمة بالأرقام الأول والثاني والثالث... الخ لمعرفة المسؤوليات والتبعات وقدر من يتحملونها .
وفي القمة العربية التي اجتمعت بفاس سنة1982 خطت القضية الفلسطينية، بفضل مساعي صاحب الجلالة الدؤوبة، خطوة إيجابية أخرى تجلت في وضع مشروع عربي متكامل يتضمن الحل العربي لقضية النزاع العربي الإسرائيلي وقد أصبح هذا المشروع يعرف اليوم بمشروع فاس. وهو يشكل لحد الساعة الإطار العملي لكل محاولة عربية أو أجنبية تريد الوصول إلى حل سلمي ونهائي لهذا النزاع بعدما يئس الكل من تصور علمي لأي إطار عمل يمكن أن يجمع نظريات العرب ، وتخيلاتهم لحل المشكل الفلسطيني.
وسوف لا أطيل في الكلام إذا ما ذكرت القرارات العملية التي اتخذها صاحب الجلالة لمساعدة الفلسطينيين ودعمهم بما يحتاجون إليه من مال وعتاد، دعوة المغاربة أجمعين للتعبئة والمساهمة للدفاع عن القضية الفلسطينية كفرض بعض الضرائب على بعض المواد الكمالية المستهلكة، وتخصيصها لمساعدة الفلسطينيين، وتشجيع الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني التي تضم في صفوفها خيرة العناصر المغربية وطنية وثقافة وجهادا ومركزا وجاها للعمل على تعبئة الجماهير المغربية، وتوعيتها بمناصرة المجاهدين الفلسطينيين.
                                                      ***
لقد تعرضت في هذا البحث إلى أهم الوثبات المظفرة التي وثبتها الدبلوماسية المغربية خلال هذه السنة، وهي كلها سلسلة من الانتصارات المعنوية التي حققتها بلادنا بفضل قيادة جلالة الملك الواعية الحكيمة، وبفضل السياسة الرشيدة الحازمة التي ينهجها جلالته لصالح أمته وشعبه تدل كلها على أن المملكة المغربية سائرة، بخطى ثابتة ورزينة، نحو الهدف المنشود ألا وهو إحلال بلادنا في المكان اللائق بها بين الأمم حتى يشع نورها البراق كما كان في القرون الماضية وحتى يتحقق ازدهارها المأمول في العصور الحالية، وحتى تتمكن في المستقبل القريب من أن تصبح دار سلام وأمن واطمئنان لجميع من يتفيأ ظلالها من الأهالي والسكان، ومن يِأوي إليها من أقاصي البلدان، وما ذلك على همة جلالة الملك بعزيز ولا على عزيمة رعاياه بعسير.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here