islamaumaroc

الحسن الثاني داعية الوحدة الإسلامية

  محمد إبراهيم بخات

268 العدد

 لقد اشتهر الحسن الثاني حفظه الله بأنه القائد السباق إلى دعوات الخير والمبادر دوما إلى المكرمات في ميدان الإسلاميات، فمنذ تولى مسؤولية مغربنا الحبيب وهو يدعو العالم الإسلامي إلى التمسك بالكتاب والسنة، ويناشد قادة المسلمين وشعوبهم بالعودة إلى الأصل لأنه المصل الواقي ومصدر الإحياء والتجديد والريادة للمسلمين مصداقا لقوله تعالى:( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم...) (الأنفال 24).
 (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس...) (البقرة/143
 فهو الذي قال سدد الله خطاه في رسالته السامية إلى العالم الإسلامي (1) (معاشر المسلمين لقد أكرمنا الله بدين متين الأساس راسخ البنيان، صالح لكل زمان ومكان ما من شعيرة من شعائره، ولا شريعة من شرائعه إلا وهي مؤسسة على تقوى الله ورضوان فهو دين يقرر "كرامة الإنسان"، ولا يرضى له بالتعرض للذل والهوان وهو دين العلم والحرية، الذي لا يعرف التحفظ ولا التقية، يدعو أتباعه دعوة ملحة إلى تعلم العلوم والفنون واللغات، ويسمح لهم بالتفتح على جميع أنواع الحضارات، إذ بذلك ينالون أسباب القوة والخلود ويتفادون أخطار الجمود والجحود، وهو دين الوفاء بالعهود، والعدل الوارف الظلال والإحسان الشامل للوجود، وهو دين تقوم تكاليفه على أساس الرفق والتيسير، ورفع الحرج والبعد عن كل تعسير وهو دين يعامل الناس بالإنصاف والسوية، ويلزم بالشورى بين الراعي والرعية، ويحذر المسلمين من التنازع المؤدي إلى الفشل، ويحضهم على وحدة الصف والهدف والعمل، فبالوحدة يجمعون أمرهم، ويتغلبون على الصعاب التي تعترض سيرهم ويتمكنون من استيناف البناء والتشييد، والإصلاح والتجديد، في عالم الإسلام الواسع المديد، وإذا جمعت المسلمين كلمة التوحيد وربطتهم شريعة الإسلام، فلا خوف عليهم من غوائل الدهر، ومفاجآت الأيام، قال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)(الأنعام/153).
 ففي وحي تلك الكلمة السامية نقول بأن كل نهضة إسلامية لا بد أن ترتكز على العلم ويباركها العلماء ويحوطها بالعناية والرعاية لتستمر النهضة قويمة والمسيرة مستقيمة فهذا دور العلماء في مجتمع الإسلام، إنه الدور القيادي والريادي، للتوجيه والتصحيح عملا بقوله تعالى:(ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (آل عمران/104) 
 لهذه الغاية النبيلة كان تأسيس رابطة علماء المغرب والسينغال بإيعاز من الحسن الثاني وتشجيع رعاه الله في يونيو 1985، وهذا ما يؤكد ريادته الإسلامية العالمية، ونتج عن هذا التأسيس المبارك عقد مؤتمرها الأول(2) بدكار عاصمة السينغال.
 وكان تأسيس رابطة علماء المغرب والسينغال خطوة أولى في طريق الوحدة الإسلامية ولا شك أن عقد مؤتمرها الأول كان من مكرمات وبركات السياسة الحكيمة النابعة من إيمان الحسن الثاني بضرورة تحقيق الوحدة الإسلامية في عالم اليوم فهي الغائبة عن واقعهم، وبغيابها يقاسون شتى الوسيلات والخطوب، إنها سياسة تنم عن ريادته الإسلامية كما تدل على تأثيرها في قادة الشعوب الإسلامية، هذا التأثير الذي ظهر فيطلب دول إسلامية(3) الانضمام إلى رابطة علماء المغرب والسينغال.
 وقد كان لعقد المؤتمر الأول لرابطة علماء المغرب والسينغال الأثر الطيب والصدى الكبير في السينغال، هذا ما تجلى بوضوح في كلمة الرئيس السينغالي عبدو ضيوف بالمؤتمر، والفضل في ذلك لعاهل المغرب، وكان مما قاله:( 4).
 (... فإن هذا الاجتماع يأتي استجابة لرغبة الشعبين وقادي البلدين في تقوية روابط الصداقة والأخوة التاريخة...) كما دعا الرئيس السينغالي العلماء إلى القيام بمهمتهم الكبيرة والخطيرة المتعلقة بتقوية الأخوة الإسلامية القائمة بين السينغال والمغرب، والعمل على تطوير المسلمين في إطار قيم الإسلام النبيلة خاصة في وقت تطعن فيه المصالح الإنسانية التي يبدو أنها تتقدم على حساب القيم الأخلاقية والروحية.
 وقد نوه الرئيس السينغالي بمبادرة الملك الحسن الثاني لجمع شمل العلماء من أجل تعميق البحث حول عدد من القضايا الإسلامية قصد التوصل إلى تقريب وجهات نظرهم لما يخدم الأمة الإسلامية(5).
 وهكذا فتأسيس رابطة علماء المغرب والسينغال وعقد مؤتمرها الأول كمبادرة ملكية رائدة إنما تحققا لإيمان الحسن الثاني حفظه الله بضرورة السير في طريق الوحدة الإسلامية على أسس علمية من وحي ديننا، وهذه حقيقة نابعة من دعوة القرآن الكريم إلى الاعتصام بالله والتمسك بحبله لأن القرآن يهدي ويقي ويحقق في عالم الواقع إنسانا حضاريا فريدا من نوعه: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا...) (آل عمران/103).
(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا) (الإسراء:9).
 فالقرآن هو الذي ربى إنسان الإسلام الذي عاش في استقامة وحصانة ووعي ونورانية وسمو وحضارة من نتاج القرآن.
 (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون) (الأحقاف:13 و14). 
 (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم ما تدعون. نزلا من غفور رحيم. ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين. ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) (فصلت:من 30إلى 35).
 هذا القرآن ولا شك هو ينبوع الخير وأساس حضارة الإسلام وسبب سعادة من يؤمن به، وهذه شهادة حق والحق ما شهد به الأعداء من كنورتي الإيطالي:( إن نهض المسلمون فلن تنهض بهم روح أوربية ولا روح شيء خارج عن الإسلام، فالقرآن كان مبعث نهضتهم بدءا وهو مبعثها عودا)(6).
 إن هذه القولة معبرة عن قيمة القرآن، المبرهنة على أهمية القرآن، المجسمة لعظمة القرآن على لسان أحد علماء الغرب إنما توحي بحقيقة واحدة وهي أن نجاح الدعوة الإسلامية التي نجم عنها البعث الإسلامي الذي تحقق سابقا والذي سيتحقق مستقبلا إنما كان وسيكون بواسطة هذا القرآن، وهذا ما لاح في الأفق وعرف بالصحوة الإسلامية.
 وما الصحوة إلا عودة للأصل وتأكيد لصدق الانتماء وتحقيق لوسطية الإسلام وريادة المسلم، وصدق الله العظيم:
(يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون. وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير)(الحج:77-78).
إنه القرآن، دعوته كلها خير، فهو دستور دين الفطرة، وشريعة الحق، ورائد الأمة التي أراد الله لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، فهذا القرآن "هو كتاب هذه الأمة الحي ورائدها الناصح، وأنه هو مدرستها التي تتلقى فيها دروس حياتها، وأن الله هو المربي. ولقد أراد الله سبحانه أن يكون هذا القرآن هو الرائد الحي الباقي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، لقيادة أجيال هذه الأمة، وتربيتها وإعدادها لدور القيادة الراشدة، الذي وعدها به كلما اهتدت بهديه، واستمسكت بعهدها معه، واستمدت منهج حياتها كله من هذا القرآن، واستعزت به، واستعلت على جميع المناهج الأرضية الجاهلية...)(7).
 إن القرآن هو وسيلة الدعوة لدين الله، هو الضرورة الحتمية للعودة لدين الحق، هو الحيوية المطلوبة لتحقيق هداية ربانية، لتحقيق حركة بانية لصرح الإنسانية في هذا القرن وفي القرون المقبلة وحتى يوم القيامة.
 إن القرآن نهج الله في الحياة، وعلاج الله للحياة، ونداء الله لكل إنسان، ودواء الله لكل البشر، وينبوع الخير الثر، وعلة الحضارة السامية، ومفتاح السعادة الإنسانية التي أساسها طاعة الله على الدوام مع حياة الفضيلة إلى الأبد.
 إن القرآن حل للغز الحياة وعقدة الحياة لحفظ المصير الإنساني، لإسعاد الوجود الإنساني، أن فيه الحل الوحيد الذي بحث عنه فلاسفة الدنيا ومفكرو العالم عبر العصور لمعرفة الحكمة من وجود الإنسان، ولتحقيق سعادة الإنسان في هذه الأرض.
 إن الفلاسفة اجتهدوا في البحث وأعملوا الفكر للوصول إلى نتيجة نهائية تعرفهم بحقيقة الحياة ودور الإنسان فيها، فلم يعثروا على الحل المنشود للغز الحياة، ولم يفلحوا في التعرف على حقيقة وظيفة الإنسان في هذا الوجود لأنهم بشر فضلوا، وهذا الحل الفريد لا يعلمه إلا رب البشر، وهو يوجد في دستور الإنسانية، كتاب الله، معجزة الله، القرآن الكريم: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون.إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين). الذاريات: 56،57،58).
 وما فائدة العبادة؟ ولماذا العبودية لله؟ وهل هي ضرورية إلى هذا الحد؟ وهل هي حتمية الوجود في هذا الكون؟
 إن العبادة حتمية لاستمرار وجود الإنسان في هذا العالم كما أراد الله له وإلى ما شاء له لمصلحته المضمونة ولوجوديته المؤمنة في ظلال الديانة الحقة، فهي وحدها الدليل على حقيقة الإنسان وأفضلية الإنسان.
أما العبودية لله فهي ضرورية ليبقى الاتصال بين الخالق والمخلوق، ولإدامة الأخاء الإنساني بين الناس على أساس من التقوى القاضية على كل فوضى من جميع الأنواع منها: فوضى السلوك والتصرف، فوضى القيم والمفاهيم، فوضى الاعتقاد والتصور، فوضى الجنس والتحرر، فوضى التعصب والتغيير، فوضى الترقي والتعدي، فوضى التهديد بالابتكارات، فوضى التدمير بالاختراعات.
 هذه الأصناف من الفوضى المقوضة لصرح الإنسانية إنما تشمل مجتمعات الناس الذين يجتنبون عبادة الله ويجهلون العبودية لله التي تحميهم وتقيهم وتفيدهم وتسعدهم في ظلال العمل بالتعاليم الربانية.
 إن التقوى هي المصل الواقي للناس وهي وسيلة للاعتصام بالله ونتيجة إيجابية للإيمان بالله تحدث التكامل بين العنصرين الروحي والمادي في الإنسان وتحقق الانسجام بين متطلبات الروح ومتطلبات البدن، فهي أفضل زاد وأمثل طريق على الله:(وتزودوا فإن خير الزاد التقوى...)(البقرة 197)
 إذن فإنسان القرآن المؤمن بهذا الدين قد وجد الحل منذ نزول القرآن فعاش بمبدأ القرآن في الوجود وعاش بنظرة الإسلام وفهم الإسلام للحياة(أنا عبد الله، إذن أنا حر...إذن أنا موجود)(8).
 فوجوده حقيقي منبثق من وجود الله، وحريته حقيقة من دعوة الإسلام إلى الحياة ومفهومة من نظرة الإسلام للحياة المتمثلة في المسؤولية التي يفرق بها بين الإنسان والحيوان.
 إن الحكمة العميقة من وجود العبودية لله تتجلى في إيجاد الإنسان الذي يتمتع بتحرر مقبول ينتج عنه الشعور بالواجب الذي هو خاصية الإنسان، وينجم عنه الاهتمام بالمسؤولية التي هي ميزة الإنسان. هذا التحرر المعقول ليس من صنف التحرر اللا معقول الذي يؤمن به بعض الفلاسفة غير المتعمقين أو المتطفلين على الفلسفة من أمثال (سارتر) الذي يقول (أنا حر...إذن أنا موجود) بل ويدعو إلى الحرية المطلقة فيقول: (أنا حر في كل شيء... حر عندما أزني... وحر عندما أهرب... وحر عندما آكل... حر عندما أخاف...حر عندما أريد...وحر عندما لا أريد...ولم لا أكون حرا؟ ما دمت قد حذفت كل جوهر من فوقي ومن خلفي فأنا غير مرتبط ولا مربوط...)(9).
 إن تحرر المرء مما لا يليق به كإنسان له عقل وفكر، ونفس وضمير تقره الحقيقة الدينية وتحتمه الضرورة الاجتماعية وتؤكده النظرة الفلسفية التي تتسم بالصحة، فهذا التحرر اللائق يكون له الإدراك الصحيح لإسرار الأمور فيفكر بشكل معقول ويحول هذا التفكير إلى طاقة متحركة كلها إنتاج سديد يبني صرح الإنسانية ويسعد كل من لمس أثاره العميقة أو أحس نفعه الشامل.  
إن تحرر الإنسان دليل على ترقي حضارة الإنسان وصيانة له من الانحدار إلى حضيض الحيوانية، فتحرره الصحيح هذا واجب أكيد وخير برهان على المسؤولية النظامية لا المسؤولية الفوضوية، وأفضل دليل على الحرية الواعية لا الحرية الواعية لا الحرية اللاواعية.
 إن هذا الإنسان لا بد له من ميزة تلازمه وتدل عليه، وهي أن يكون الإنسان المسؤول عن أدواره في الحياة، الإنسان المؤمن بالمحاسبة الآجلة أمام الله على هذه الحرية والمسؤولية اللتين يجب أن يكون بهما إنسان الخير لا إنسان الشر، إنسان الفضيلة لا إنسان الرذيلة.
 إن الحرية المطلقة قضاء على وجود الإنسان لأنها تعد على حدود الله وتحد لكل الناس، فيها تضيع الواجبات، وتنعدم المسؤوليات وتتميع الأخلاق، وتنمحي الحقوق، ويفشو الحرام، ويختفي الحلال، فهي لذلك أم المشاكل أبدا، بينما الحرية المفيدة بناء لوجود الإنسان وأصل لكل الحلول ونعمة الله لهذا الإنسان ليعيش بنظام دائم وفي استقرار كلي يتحقق بوسيلتين لازمتين: وسيلة العبودية لله ووسيلة الإحسان لنفسه ولغيره في حدود أوامر ونواهي الإله، وصدق الرسول المربي صلى الله عليه وسلم وهو يبين مفهوم الحرية ويضع معالمها في دنيا الناس:
 (مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاه وأصاب بعضهم أسفلها،، فكان الذين في أسفلها إذا استقموا من الماء مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وأن أخذوا على أيدهم نجوا ونجوا جميعا)(10).
 إن الإنسان الحقيقي هو ذو الضمير الحي، ذو الوعي الصحيح، ذو الإحساس بقيم الحياة، ذو الشعور بواجباته في الحياة، ذو الاعتقاد القويم في الوجود، المؤمن بالحقيقة الخالدة وهي أنه لم يلق في هذا الوجود احتقارا له أو عبثا به ليتيه ويضل بل وجد في هذا الكون ليفهم حقيقة الوجود بالدين الحق، ويحيا بوجودية إنسانية مؤمنة لا بوجودية حيوانية كافرة تعبث بالحقائق الناصعة وتكفر بالقيم الصحيحة.
 إن الوجودية المؤمنة بالله هي الوجودية القويمة التي يتجسد بها الفارق الوحيد والفيصل البين بين حقيقة الإنسان وحقيقة الحيوان، هذه الحقيقة التي تبرز في الأخلاقية البانية لوجود الإنسان المحافظة على قيمة الإنسان، المجسمة لماهية الإنسان، فالأخلاقية الفاضلة نتاج الضمير الواعي الذي يؤمن بمكارم الأخلاق ويرى ضرورة الوازع والحس والشعور المرتبط بالأخلاق الفاضلة، الحسنة.
إن هذا النوع الفريد من الأخلاق حقيقة أكيدة لديمومة الحياة السعيدة ولبقاء الإنسان المهتدي لربه، المدرك لكرامته في الوجود، الخليق بأن يكون الإنسان الفذ، القائد لكل خير، الهادف لكل نفع في هذه الأرض صامدا في وجوه الباطل مقاوما للشر لا يفتر ولا يكل.
إن هذه الضرورة الأخلاقية هي النتيجة المشرفة للإنسان وهي التي يؤكدها الإسلام بل هي العلة في بعثة رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وفي رواية (إنما بعثت لأتم صالح الأخلاق)(11).
 وبما أن هذه الحقيقة الأخلاقية المانعة لكل انحلال وضياع منطقية لإيجابياتها، بديهية لواقعيتها، فقد آمن بها من المفكرين المؤمنين بالله (داروين) الذي توصل إلى (إن الضمير أو الحس الأخلاقي هو أظهر فاصل بين الإنسان والحيوان)(12).
 (وكانط) الذي اتخذ (من الشعور الأخلاقي منطلقا لإثبات خلود الأرواح ويوم الحساب ووجود الله)(13).
 ونعود إلى رحاب القرآن لنرى أن المؤمن به في العصر النبوي قد تشبعت روحه بحقيقة المنهج القرآني فعاش في وجود إسلامي لأنه آمن من أعماق قلبه بأن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم هو المعبر الوحيد عن حقائق القرآن، وهو المشخص الوحيد بسلوكه لأخلاق القرآن، فالإيمان الحق بهذا الإسلام لا يكون إلا عن طريق القرآن الذي قربه إلى الأفهام، وحببه إلى النفوس، وجسمه للعقول، وزينه في القلوب كلية وبحيوية محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة سنته الهادفة، سنته الذخيرة سنته الكاملة، سنته الجامعة، سنته الرحيمة بالإنسانية.
إن القرآن صيدلية ربانية تحتوي على كل العجلات والرحمات، ولك علاجه نسيج وحده ودواءه فريد نوعه، وصدق الله:
(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) (الإسراء :82)
(يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) (يونس:57)                                       


1) من الرسالة الملكية إلى الأمة الإسلامية بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري دعوة الحق، عدد1: من السنة(23) ص (12 و 13).
2) أيام 13و14و15 من جمادى الآخر 1408 موافق 2-3-4 فبراير 1988.
3)وهي موريطانيا وغامبيا ونيجريا وتشاد(عن (العلم) عدد يوم 15 جمادى الآخرة 1408موافق 4 فبراير 1988).
4)عن نفس المرجع.
5)المرجع نفسه بتصرف.
6) مجلة الفكر الإسلامي ببيروت عدد 11 من السنة الأولى صفحة 61.
7) كتاب" طريق الدعوة في ظلال القرآن " من جمع وإعداد: أحمد فائز جزء 1 صفحة 119.
 8) من مقال للأستاذ محمد علي ضناوي بمجلة حضارة الإسلام بدمشق عدد 8 من السنة السابعة، صفحة: 21-22-23 شوال 1386 يناير1967، وقد جاء في نهاية المقال: إن العبد ..لله..حر سيد نظيف في جوهره عالم بحقيقته مدرك لوجوده فلذلك لن يكون لأية رغبة أو لأي كان عبدا لأنه موجود كالحياة...ورحم الله العارف بالله أحمد بن خضرويه إذ قال: ( في تمام العبودية لله تمام الحرية) ومن هنا صحت القاعدة: (أنا عبد الله..إذن أنا حر إذن انا موجود).
9) عن نفس المقال والمصدر.
10) رواه البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير.
11) أخرجه البخاري في الأدب المفرد والبيهقي في شعب الإيمان ورواه أحمد في المسند.
12) عن رسالة شبابنا المثقف أمام الإيمان والتدين للشيخ نديم الجسر.
13) نفس المرجع.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here