islamaumaroc

الحسن الثاني وازدهار القراءات القرآنية بالمغرب -7-

  التهامي الراجي الهاشمي

268 العدد

 كنت حدثت، في خمسة أعداد سابقة خاصة من مجلة دعوة الحق الغراء(1) القراء الأعزاء عن القرار المولوي السامي القاضي بتحقيق وتفسير«المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» للعلامة الأندلسي عبد الحق بن أبي بكر بن عبد المالك الغرناطي المعروف بابن عطية.
 وإنه لقرار مبروك جاء في وقته المناسب سيجني منه المغرب تحقيقات علمية تشمل، إن شاء الله، جميع أنواع علوم القرآن مستمدة من تفسير عظيم كان الأصل الأصيل لكثير من التفاسير المشهورة التي جاءت بعده.
 نعلم أن أمر تحقيق هذا التفسير العظيم أسند إلى المجالس العلمية، ولهذا الغرض قامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية فزودت المجلس العلمي بفاس والمجلس العلمي بمراكش والمجلس العلمي بتطوان والمجلس العلمي بأكادير بالنسخ الخطية الموجودة الآن لـ« محرر الوجيز».
 قام المجلس العلمي بفاس فحقق منه، حتى الآن تسعة أجزاء.
 ولقد أطلعت بنفسي، من جهة أخرى، على الجزء الأول من هذا التفسير بتحقيق أعضاء المجلس العلمي بمراكش حين كان هؤلاء العلماء يعقدون جلسات مطولة في خزانة الكتب بكلية اللغة العربية يناقشون ابن عطية، واضعين التعاليق المناسبة لما أبهم. ثم رأيت، بعد مدة، هذا الجزء مطبوعا بالآلة الكاتبة في نفس الكلية.
 لكن يظهر أنه وقع التخلي عن طبع المحرر الوجيز بتحقيق هذه المجالس كلها، واقتصر، فيما يبدو، على ما ينجزه المجلس العلمي بفاس.
 كانت ملاحظاتي في الأعداد السابقة منصبة-كما ينص عليه عنوان المقال- على القراءات القرآنية.
 لقد كان أملي وأمل الدارسين المحبين للدرس الإسلامي أن يهتم محققوا هذا الكتاب بتوضيح ما غمض من كلام أبن عطية، وبتصويب ما انبهم عليه من الأمور التي يتعرض لها في تفسيره، وعلى الخصوص تلك التي تتعلق بالقراءات القرآنية، لا سيما وأن المحرر الوجيز، يعد، زيادة على كونه توضيحا لبلاغ رب العالمين، مرجعا خطيرا في القراءات القرآنية.
 سيقال لي لا حاجة بنا إلى التعليق على ما يتعرض له من القراءات ما دام يقدمه مفصلا معزوا لذويه، بأسهل عبارة، وأوضح طريق.
 أقول نعم لو كان الأمر كذلك في كل الأحول. لكن حين يحيد عن هذا السبيل، أو حين تزل قدمه، أو حين ينفرد بأمر لم يقل به أحد غيره من الأئمة المختصين، وجب أن ننبه على ذلك وأن نرده إلى الصواب.
 لا يمكن لأحد، ولو كان ابن عطية، أن يقول في القراءات، لا سيما القراءات المتعبد بتلاوتها، بهواه. إن التعليق في مثل هذه الحالات، أي يخرج عن الجماعة، من أوجب الواجبات على المحقق.
 لقد أعطيت أمثلة عن ذلك في سبق من الأعداد الخاصة لـ« مجلة دعوة الحق»وسأواصل، اليوم، الحديث في الموضوع لعل إخواني العلماء المسؤولين عن تحقيق هذا الكتاب يعيرون ذلك اهتماما حتى يكون عملهم الذي يقدمونه للناس ذا فائدة.
 لنأخذ الآية:(2) (وإذا قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين).
 ولننظر ما قال عنها ابن عطية مما يتعلق بالقراءات وماذا كان موقف السادة المحققين من تخريجاته.
 قال عن قوله تعالى: (3) (يغفر لكم):
 قرأ نافع: يغفر بالياء من تحت مضمومة.
 هذا صحيح، لكن كان من المفيد أن يشير المحققون إلى أن هذا من المواضيع التي انفرد فيها الإمام نافع إذ من شأن هذه الإشارة أن تساعد القارئ على إدراك مراد الله من كتابه.
ثم قال إن عطية: وقرأ ابن عامر: تغفر: وهذا صحيح أيضا ولا يحتاج إلى التعليق وإن كان انفرد هو أيضا بهذه القراءة.
 ثم قال بعد ذلك ابن عطية: وقرأ أبو بكر عن عاصم: يغفر بفتح الياء على معنى يغفر الله.
كان على المحققين أن يقفوا هنا وقفة ليوضحوا هذه القراءة: وهي قراءة، إن بقيت بدون ملاحظة جرت إلى شر كبير. ذلك أن أبا بكر ( 4) لم يقرأ عن عاصم في مشهور مقروئه بفتح الياء، وإنما قرأ مثل صاحبه حفص، بالنون (نغفر) وبطرق شتى.
بهذا قرأنا، وبهذا قرأ شيوخنا رضي الله عنهم، وهذا ما ينص عليه الشيخ أحمد بن الحسين بن مهران النيسابوري(5) في غايته(6)وأبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي البغدادي (7) في كتاب السبعة في القراءات (8) والإمام أبو عمر وعثمان بن سعيد الداني(9) في تيسيره(10) وأبي جعفر أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري ابن الباذش (11) في إقناعه(12) وأبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي(13) في كشفه(14) وفي تبصرته(15)، وأبو علي الحسن بن أحمد الفارسي(16) في حجته(17) 
 لم يذكر أحد من هؤلاء الأئمة الكبار في القراءات أن أبا بكر قرأ عن عاصم "يغفر" بفتح الياء على معنى" يغفر الله".
 فكيف يسمح السادة المحققون لابن عطية أن يقول هذا الكلام دون أن ينبهوا عليه؟
 غير أننا نعلم، من جهة أخرى، مكانة ابن عطية في القراءات القرآنية وتضلعه فيها. وعليه، فلا بد للمحقق أن يبحث في كلامه جيدا وأن يقلبه ألف مقلب ليعلم مصدره.
 نعلم أن أبا بكر هو أحد رواة الإمام عاصم وأن روايته أتتنا من طرق كثيرة أوصلها الإمام ابن الجزري إلى ست وسبعين طريقا(18). لكننا، نحن الآن لا نقرأ إلا بطريقين، هما طريق يحيى بن آدم بن سليمان بن خالد بن أسيد أبي زكريا العلمي، وهي أصح طريق عنه على الإطلاق، وبها نقرأ رواية شعبة عن عاصم رضي الله عنهم، بسبب بسيط وهو أن يحيى ابن آدم هو الوحيد، في نظري الذي سمع القرآن كله عنه وعرضه عليه حرفا حرفا، لذا فطريقه هي أوثق طريق عندنا.قال يحيى بن آدم: (19) سألت أبا بكر بن عياش عن هذه الحروف (20) فحدثني بها كلها وقرأتها عليه حرفا حرفا وقيدتها على ما حدثني بها وأثبت جماعة قراءته عليه عرضا والأقل أثبت سماعا" .(21) أما الطريق الثاني المؤدية إلى رواية أبي بكر فهي طريق يحيى بن محمد بن قيس العلمي(22). ورغم شهرتها فلا نقرأ بها لا في المغرب ولا في العالم الإسلامي نظرا لأن الإمام الداني، مثبت القراءات، وبعده الإمام الشاطبي، مقننها وناشرها لم يقرأ بها أو على الأصح لم يذيعها وأخذنا برواية أبي بكر عن عاصم بطريق يحيى بن آدم أو بطريق يحيى العليمي فإن أبا بكر لا يقرأ " يغفر" إلا بالنون. 
غير أن هناك طريقا آخر غير مشهور لرواية أبي بكر تسمى طريق حسين ابن علي الجعفي(23). هذا الإمام الحبر الزاهد الذي قال عنه أحمد بن حنبل:« ما رأيت أحسن من حسين الجعفي».هو الذي يقرأ: « يغفر». بالياء على معنى يغفــــــــــــر الله ».ورغم أن الجعفي هو « أفضل رجل في الأرض». كما كان يقول عنه سفيـــان بن عيينة، فإننا لا نأخذ بقراءته، طريق لأبي بكر كما ذهب إلى ذلك ابن عطية؛ لأن الجعفي لم يسبق له أن عرض القرآن كله على أبي بكر  بل  روى عنه الحروف سماعا من غير عرض، نعرف أن الجعفي ناقلا لقراءة الإمام حمزة ولقراءة أبي عمر والبصري أكثر من نقله لغيرهما نظرا لطول قراءته على الأول وقيامه خلفا له في قراءته من بعده وروايته للثاني وملازمته له.
 وعلى كل هذا، كان يحسن بالسادة المحققين أن يشيروا إلى أن قراءة أبي بكر المقدمة في الأداء هي« نغفر» النون كالجماعة.
 وشيء آخر في قراءة هده الآية كان لابد من التنبيه إليه وإلا ضلل قارئ هذا التفسير القيم.
 ذلك أن ابن عطية يخلط في تفسيره بين قراءتين وجب الفصل بينهما .لابد – وهذا شيء وجب الحرص عليه- أن نفصل بين القراءات وإلا وقع شر كبير، إذ هناك احتمال أن يأخذ متصفح تفسير ابن عطية هذه القراءات فيقرأ بها في صلاته ما دام يراها متساوية في كتاب طبعته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وحينئذ تكون صلاته باطلة قطعا ونكون نحن آثمين بعدم توضيحنا لذلك.
 وجب أن نشير إذن في هذه الآية إلى أن القراءات المتواترة المتعبد بها هي: قراءة نافع وقراءة ابن عامر قراءة الباقين وما عدا ذلك كقراءة الحجدري والأعمش  وقتادة والحسن البصري وأبي حيوة فغير متواترة، ذكرت، لا على أنها قرآن يتعبد به، ولكن على مراد توضيح الآية رغبة في إدراك مراد الله من كلامه.
 فإن انتقلنا إلى قوله تعالى: (24) (وإذا قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءو بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون).رأيناه يقول في قراءتها: (25) وقرأ نافع: بهمز «النبيئين».وكذلك حيث وقع  في القرآن الكريم إلا في موضعين في سورة الأحزاب: (إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي) بلا مد ولا همز،و(لا تدخلوا بيوت النبي إلا) وإنما ترك همز هذين لاجتماع همزتين مكسورتين من جنس واحد، وترك الهمز في جميع ذلك الباقون".
 في هذا الكلام خلط ووهم وسوء تخريج: كان على السادة المحققين أن يقصدوا إليه لينبهوا قراءهم عليه مقومين خطأه ومصوبين وهمه ومصححين تخريجه.
 أما الخلط فقوله: (إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي)(26).فأي « النبي».يقصد؟ الأولى أم الثانية، كان على المحققين أن ينبهوا  الناس إلى ذلك. المقصودة بالكلام، التي خرجت عن الأصل، هي الأولى: أي كان عليه أن يقول فقط؛ « إن وهبت نفسها للنبي إن أراد».ليعلم القارئ أن هذه وحدها هي التي ينصب عليها الكلام.أما الثانية فلا تدخل في المقصود لأنها مهموزة عند نافع قطعا وبدون خلاف.
 وأما الوهم فقوله: « قرأ نافع بهمز  النبيئين».وكذلك حيث وقع في القرآن إلا في موضعين.
 وهذا وهم بين وجب تصويبه على الفور وإلا ظن الناس، انطلاقا من هذا الإطلاق الذي أطلقه أن ورشا، وهو من رواة نافع الذي نقرأ بروايته في المغرب، يقــــــــــرأ: « للنبي إن أراد » و«بيوت النبي الا».بدون همز، والصواب غير ذلك، فورش يقرأ اللفظين معا بالهمز، روى ذلك عنه الناس بلا خلاف والمغاربة جميعا على ذلك لا يعرفون غيره.
 فكيف سمح المحققون لأنفسهم بإهمال ذلك مع عملهم به لأنهم حفاظ للقرآن برواية ورش؟
 كان عليهم أن يعلقوا على هذا الكلام فيقولون: إن قالون وحده يقرأ اللفظين في الأحزاب بإبدال الهمزة ياء وإدغامها في الياء في حالة الوصل وحين نقرأ له بطريق غير طريق الحلواني(27).
 أما حين يقف قالون على اللفظين فإنه يقرأهما بالهمز كورش أو حين تنقل قراءته عن طريق الحلواني فإنه يقرأهما بالهمز كذلك.
ومثل هذين اللفظين « بالسوء الا».في قوله تعالى: (28) (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم).
 وإلى هذا أشار الإمام ابن بري في درره:
 وسهـل الأولى لقالون وما                أدى لجمع الساكنين أدغمـا
 في حرفي الأحزاب بالتحقيق             والخلف في بالسوء في الصديق
 ومعلوم أن قالون يسهل الهمزة الأولى من المتفقتين بالضم أو بالكسر (29). أما المتفقتان بالضم، وليس في القرآن إلا موضع واحد، هو «أولياء أولك»(30) فيجعل الأولى منهما كالواو، أي بين الهمزة والواو.وأما المتفقتان بالكسر-وهو الموضوع الذي يهمنا-فقد ورد منه في القرآن الكريم خمسة عشر موضعا  (31) باتفاق القراء جميعا، كلها قبل الهمزة الأولى منها ألف إلا موضع واحد ما قبل الهمزة فيه واو (32). وإثنان اختلف القراء فيهما، الأولى هذه التي نتحدث عنها وهي: « للنبي إن أراد» يقرأها ورش راوي نافع بهمزتين متفقتين بالكسر خلافا لما ذهب إليه ابن عطية.
 والثانية نجدها في أية الدين: (32) «الشهداء إن تضل».يقرأهما حمزة وحده لكسر «إن».فتصير عنده وخده من المتفقتين بالكسر ويقرأهما على أصله وهو التحقيق.
 يقرأ قالون هذه المواضيع الخمسة عشر بالتسهيل فيجعل الهمزة الأولى كالياء أي بين الهمزة والياء إلا الحرفين في الأحزاب، فيبدل، كما قلنا الهمزة الأولى ياء ويدغمها في الياء، والا «بالسوء الا».في يوسف فيبدل الهمزة الأولى واوا ويدغمها في الواو. وإلى هذا أشار الإمام الشاطبي في حرزه قائلا:
 وقالون والبزي في الفتح واقفا(33)              وفي غيره كاليا وكالواو سهلا
 وبالسوء إلا أبد لا ثم أدغمــا                      وفيه خلاف عنهما ليس مقفلا
 وأما سوء التخريج فقوله: (34)« وإنما ترى همز هذين لاجتماع همزتين مكسورتين من جنس واحد».يفهم من هذا أنه كلما اجتمع همزتان مكسورتان من جنس واحد في كلمتين إلا ووقع إبدال الأولى ياء. وهذا غير صحيح . فلو كان هذا صحيحا لرأينا ذلك مطبقا في خمسة عشر موضعا التي أشرت إليها في الهامش31 الذي وجب أن يقال إن قالون يخفف اللفظ إذا كان قبل الهمزة الأولى المكسورة حرفي علة(مد على الأصح) بإبدال الهمزة ياء إن كان قبلها ياء أو واوا إن كان قبلها واوا وذلك لإزالة رتابة الصوت وتكراره.
 وأحب قبل أن أختم هذه الحلقة أن أثير انتباه السادة المحققين للمحرر الوجيز إلى أمر غريب في منهج ابن عطية فيما يتعلق بالقراءات عليهم أن ينتبهوا له.
لاشك أن السادة المحققين لاحظوا حرص ابن عطية على ذكر القراءات القرآنية في كل آية بشيء من التفصيل بل والمبالغة؛ ويقف طويلا يستخرجها استنباط النوازل منها، فإن كان الأمر كذلك، وهو كذلك لا محالة. فماذا يكون موقفهم حين يتعرض المصنف لآية فيها قراءات متواترة يتوقف المعنى الإجمالي عليها ولكنها لا يوردها؟ أيمرون على ذلك مر الكرام أم ينبهون قراءهم عليه.فإن فعلوا قاموا بواجبهم وكان عملهم مفيدا وإن لم يفعلوا بقي التفسير غامضا ولربما ضلل القارئ الذي سيعتقد أن المؤلف لم ينص على القراءة في الآية لأنه ليس فيها منها شيء.
 لنأخذ مثالا على ذلك قوله تعالى: (35) (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحب النار هم فيها خالدون). لم يشر ابن عطية في هذه الآية على غير عادته إلى قراءة قوله: وأحاطت به خطيئته، غاية ما قال عنها: (36)«والخطيئات كبائر الذنوب»، وقال قوم: خطيته بالإفراد، وقال قوم، السيئة هنا الكبائر، وأفردها وهي بمعنى الجمع لما كانت تدل على الجنس، كقوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)(37). والخطيئة الكفر، ولفظة الإحاطة تقوي هذا القول وهي مأخوذة من الحائط المحدق بالشيء».
 هذا كلام ضرب الرقم القياسي في الغموض. ولا شك أن القراء سيضعون الأسئلة الآتية لتوضيحه. من هم القوم الذين قالوا بإفراد «الخطيئة». ولماذا أفردوها؟ ومن الذي قرأ بالجمع؟ ولماذا قرأ به؟ وما معنى « لفظة الإحاطة تقوى هذا القول وهي مأخوذة من الحائط المحدق بالشيء؟».
 هذه أمور مهمة يتوقف فهم الآية على الأجوبة الصحيحة عنها فلماذا بخل السادة المحققون بها علينا؟ في قوله تعالى: (وأحاطت به خطيئاته). قراءتان.
 قراءة الإمام نافع الذي انفرد بقراءة « خطياته». جمعا، وحجته في ذلك أن «الإحاطة». لا تكون للشيء المفرد إنما تكون لمجموعة من الأفراد.
فإن رد عليه أحد قائلا إن الإحاطة وقعت صراحة في القرآن الكريم على المفرد مقدما شاهدا على ذلك قوله تعالى(38)(وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بيس الشراب وساءت مرتفقا). قيل له إن ذلك جائز من حيث كان المحيط أكبر المحاط به، إذ سرق جهنم أكبر من الظالمين بكثير.
أو يعترضون عليه بقول الله عز وجل (39) ( ومنهم من يقول إذن لي ولا تفتني، ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) يقال لهم جاز هذا من حيث إن جهنم أكبر بكثير من الكافرين.
ثم إن نافعا عندما يقرأ بالجمع لا يعتبر ما سبق فقط وإنما يرى أن "أحاطت به خطيئاته" أهلكته خطاياه مصداقا لقوله تعالى(40)(قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما ءاتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل).
قال مجاهد شارحا قوله:" إلا أن يحاط بكم" إلا أن تهلكوا أو تموتوا. ومصداقا كذلك لقوله تعالى (41) (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين).
ومعلوم أن العدو إذا أحاط بموضع فقد أهله. ومن هنا جاء قولهم فيمن وقع في بلية:" قد أحيط به"ومصداقا لقوله تعالى: (42)(وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يليتني لم أشرك بربي أحدا) لأن "أحيط بثمره" أهلك ماله كله.
وقرأ الباقون وهم ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكوفيون"خطيئته" بالإفراد جعلوها مضافه إلى مفرد. وكما أفردت السيئة-وهذا ما أشار إليه ابن عطية وما كان يحتاج إلى بيان-أفردت الخطيئة وإن كانت جمعا في المعنى، كما قال صاحب المحرر الوجيز، لأن الخطيئة عطف على السيئة قبلها، إذ الخطيئة سيئة والسيئة خطيئة.
لكن حين تضاف الخطيئة إلى الجمع تأتي في القرآن جمعا، وهو ما أغفل الإشارة إليه ابن عطية، نرى ذلك في قوله تعالى: (نغفر لكم خطاياكم). أي أضيفت إلى جمع فجاءت جمعا، لكل واحد منهم خطيئة. نفس الشيء نلاحظه في قوله تعالى (44) (إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا إن كنا أول المومنين).

  
1) انظر دعوة الحق العدد الثالث من السنة الرابعة عشرة ذو الحجة ومحرم الحرام 1391 (يبراير مارس 1971) من الصفحة110 إلى صفحة 90 إلى صفحة 92.وكذا" دعوة الحق" العدد الثامن السنة الخامسة عشر صفر الخير 1973(مارس 1973) من صفحة 146.وكذا "دعوة الحق" العددين الرابع والخامس السنة السادسة عشر صفر الخير 1394(مارس 1974) ابتداء من صفحة 150 وكذا " دعوة الحق" العدد العاشر من السنة السادسة عشر صفر 1315( مارس1975) ابتداء من صفحة 140. 
2) سورة البقرة الآية 58- يلاحظ أن السادة المحققين لم يرقبوا في تحقيقهم الآيات مما يجعل الاستفادة من علمهم صعبة المنال.
3) المحرر الوجيز صفحة231 من الجزء الأول.
4) ترجمته في غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري ج 1 ص 325 الترجمة رقم 1321.
5) ترجمته في معجم الأدباء لياقوت الحموي 3/14 وفي الجزء الرابع صفحة 160 من النجوم الزاهرة وفي معرفة القراء الكبار ج أ ص 279 وفي تذكرة الحفاظ الجزء 3 ص 975 وفي غاية النهاية لابن الجزري ج أ ص 49.
6) الغاية في القراءات العشر صفحة 101.
7) ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي وفي غاية النهاية لابن الجزري ج 1 ص 139.
8) كتاب السبعة في القراءات صفحة 156.
9) ولد بدانية سنة 371هـ ومات سنة 444 هـ انظر التفصيل عنه في الكتاب الذي حققته له " التعريف في اختلاف الرواة عن نافع".
 10) صفحة 73.
11)ترجمته في الإحاطة في أخبار غرناطة 1/194 وفي الصلة لابن بشكوال 1/82 وفي بغية الوعاة للسيوطي 1/338 وفي الديباج لابن فرحون 1/190 وفي غاية النهاية لابن الجزري1/82 وفي شجرة الدر الزكية لمحمد مخلوف 1/132.
12)كتاب الاقناع في القراءات السبع صفحة 598 ج2.
13) ترجمته في معرفة القراء الكبار 316.
14)كتاب الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها ج 1/243.
15)التبصرة في القراءات صفحة 149.
16) ولد سنة 288هـ وتوفي سنة 370هـ.
17) الحجة في علل القراءات السبع ج 2 ص 70.
18)النشر في القراءات العشر ج 1 ص 152.
19) ترجمته في غاية النهاية ج2 ص 363 رقم الترجمة 3817
20) يقصد رواية ابي بكر عن عاصم.
21) غاية النهاية ج2 ص 363.
22) ترجمته في غاية النهاية ج2 ص 378 الترجمة رقم 3864.
23) ترجمته في غاية النهاية ج 1 ص 247 الترجمة رقم 1123.
24) سورة البقرة الآية 61.
25) المحرر الوجيز ج1 ص 240
26 )سورة الأحزاب، الآية 50 وكعادة المحققين لم يشيروا إلى مكانة الآية في السورة تسهيلا على الناس.
27) انظر كتاب الداني" التعريف في اختلاف الرواة عن نافع الذي حققته صفحة 332.
28) سورة يوسف الآية 53.
29) أما المتفقتان بالفتح فيحذف الأولى منهما شأنه شأن أبي عمر والبصري واليزي راوى ابن كثير.
30) وردت في سورة الاحقاف الآية 31 وهي " ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين".
31)وردت الأولى في سورة البقرة الآية 31 والثانية في سورة النساء الآية 22 والثالثة كذلك الآية 24 والرابعة في هود الآية 71 والخامسة في يوسف الآية 53 والسادسة في سورة بني إسرائيل الآية 102 والسابعة في النور الآية 33 والثامنة في الشعراء الآية 187 والتاسعة في السجدة في الآية 5 والعاشرة في الأحزاب الاية32 والحادية عشرة في نفس السورة الآية 55 والثانية عشرة في سبأ الآية 9 والثالثة عشرة في هذه السورة الآية 40 والرابعة عشرة في ص الآية 15 والخامسة عشرة في الزحف الآية 84.
32) سورة البقرة الآية 282.  
33)أي  وافقا عمرو بن العلاء المشار إليه في بيت سابق الذي من أصله إسقاط الهمزة الأولى من المتفقتين بالضم أو الفتح أو الكسر.
34) المحرر الوجيز ج 1 ص 241.
35) سورة البقرة الآية 81.
36) المحرر الوجيز ج 1 ص 275
37) مقطع من آية ذكر مرتين في إبراهيم الآية 34وفي النحل الآية 18 لكن المحققين لم يشيروا إلى مكان وجوده.
38)سورة الكهف الآية 29.
39)سورة التوبة الآية 49.
40)سورة يوسف الآية 66.
41)سورة يونس الآية 22.
42)سورة الكهف الآية 42.
43)سورة الأعراف الآية161.
44) سورة الشعراء الآية 51.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here