islamaumaroc

الاختيار الحسني في معركة الإصلاح.

  زين العابدين الكتاني

268 العدد

 « ... إن التصوف الإسلامي بنقائه وصفائه كفيل أن يسهم الإسهام الكبير في إصلاح أحوال المسلمين». 
                                                                   الحسن الثاني
 مما لا جدال فيه أن الصورة الحقيقية التي تطبع الآفاق المستقبلية للمغرب الجديد، تكمن بالدرجة الأولى إلى اختيارات أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني أعز الله أمره ونصره، والتي ترتكز على العمل، والعمل الإسلامي بالذات، على مختلف الجبهات لتجديد أمر دينها، وتجديد وتنشيط معالم دورتها الحضارية، باعتباره القائد الرائد... الذي يضطلع برسالة مقدسة، ويحمي حمى الملة والدين لأمته ولرسالتها الخالدة في كل مكان... بالحكمة والموعظة الحسنة، والحوار بالتالي هي أحسن، مما أبرز عالمية آفاقه، وبوأته هذه العالمية، فأصبحت ترى في شخصه رمزا للمفكر المسلم الذي يجاهر باعتزازه بالانتساب إلى هذه المدرسة العريقة والتي تنتمي إليها كل مدارس الفكر في العالم، اعترف بذلك أم لم يعترف غيرنا...
                                                      ***
 وهكذا، فلقد دأبت في كل الأحاديث والدراسات التي هيأتها أو شاركت بها في مثل هذه المناسبات الوطنية وخصوصا مناسبة عيد العرش المجيد منذ سنة 1960 إلى الدعوة للكشف عن أبعاد المشرع في اختيار الاحتفال بهذه الذكريات الوطنية بالصورة والاختيار الذي ارتكز عليه وأصبح معمولا به (1).
 ولذلك بقيت أدعو إلى أن هذه المناسبات تدعونا، بل توجب على المواطن الواعي أن يأخذ لحظة تدبير وتقييم لخطوات الاختيار في بلادنا الذي يبني ويتحدى في صمت، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، أو عندما أصبح هذا الاختيار شعارا للعهد الذي يتحدى في خطواته بالواقع والتعقل، وفي هدفه بالحرية والوضوح وفي رسالته بالمواجهة من أجل الخلاص والوحدة.
 والتدبر –كما أرى- ينطلق فقط من الوضوح في التفكير، والإخلاص في الرؤيا، أما التقييم فيعتمد على الرؤيا الواضحة، والصدق في تركيب العملية الحسابية،والمقارنة الزمنية، وإخلاص القصد، ولو من أجل المعارضة أو الملاحظة البناءة... ما دامت قد اختارت التوازن، وكسب الرهان، في عالم يعيه المواطنون على مختلف المواجهات في عمق، وتؤكد بلادنا في كل معركة أنها تنطلق من اختيارها المضبوط، المتواصلة الخطوات مما أصبح محط اهتمام الدول التي تؤمن بالحرية، أو التي لم تجد سبيلا إلى تركيز اختياراتها المنطلقة من نظام الحزب الواحد، أو تبعيتها لأنظمة تخاف من الحرية والمنطلق السليم، فتركب شعارات المعارضة فقط من أجل أن تمس  إحساسات الذين يعيشون حيارى من عنف التطور الذي غالبا ما يتسم ببعض العوامل النفسية، عند بعض المتخلفين نفسيا وراء الأطماع البعيدة عن ركب الجماعة، أو بعض الانتهازيين من أحفاد العملاء والاستغلاليين الذين همهم الوحيد هو استغلال الشعوب، وظروف المراحل الانتقالية التي يعيشونها فيستهدفون بذلك الإساءة للجماعة بصورة أو بأخرى.
                                                      ***
ومن هذه المعطيات نلمس نوع الصراع الذي أصبح يعيش مع نفسه، فأصبح المواطن الآن وفي إطار الإحساس بأهمية الجماعة يجد في هذه المناسبات الوطنية فرصة:
 أ- لمواجهة الخصوم والمتسلطين، ثم لمناقشة معطيات كل الشعارات، والدور الذي يعمل من أجله كل هؤلاء.
 ب- ثم مدى صلة هذه الشعارات، وهذا الدور، بأصالة الوطن وإيمانه.
 ج- وما هي مصلحته للخروج من المراحل الانتقالية بما يحيط بها أيضا، وما يضمن له اللحاق بنهضته المنشودة... وهو ما كنت أستهدف بالدعوة إليه وهو التقييم فقط الذي يعتمد على الوضوح والصدق في تركيب العملية الحسابية، والمقارنة الزمنية ومعطياتها، وإخلاص القصد ولو من أجل المعارضة أو الملاحظة البناءة في هذا الجدل... وهذا في الحقيقة والواقع ما يدعو إليه القائد الرائد وهو يخاطب أمة التحدي بقوله:
«إن العمل الذي نحن مقبلون عليه، هو عمل ثوري بكل ما في الكلمة من معنى حقيقي...».(2) 
                                                      ***
ومن هذا المنطلق الواضح نتناول في هذه الدراسة الخاصة «جوانب من معركة الحسن الثاني الإصلاحية» انطلاقا من أول محاضرات ألقاها في بداية عهد الاستقلال.
 وهكذا فلم تكن المحاضرات التي ألقاها صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله وهو وليا للعهد(3) اختيارا من أجل إلقاء محاضرة، أو المشاركة في مناقشة موضوعات معينة، ولكن هذا الاختيار أوضح أهدافه القريبة والبعيدة وجلالته يشارك علماء المغرب بعد ذلك في حلقات الدروس الحسنية بمواضيعها وأسلوب طرحها بالصورة التي يراها تجديدا للفكر المغربي الصاعد، وانطلاقا لبعث التفكير القرآني في المغرب الجديد.
                                                      ***
 وإذا كنت قد اخترت في هذه الدراسة الاختيار الدقيق كجانب من جوانب الانطلاق بالمغرب الجديد، فمرجع ذلك في العمق يرتكز على الأسلوب العلمي المحدد الأهداف، والمرامي والأبعاد... التي استهدفها في خطواته الأولى في كل المجالات على منهج الوسط الذي يحدد من خلالها جوانب من الفلسفة الفكرية الإصلاحية.
ولا يعني هذا الأسلوب أو التحديد أن الأسلوب العلمي كان ينعدم من قبل، ولكن بزوغ العهد الحسني قد اقترن بوضع تخطيط مدقق للخطوات المرسومة التي قطعها المغرب منذ الفرحة الكبرى... في سنة 1956.
وإذا كان هذا الأسلوب أو التحديد قد ارتكز مكرسا كل مجهوداته وأهدافه ومراميه منذ البداية لوضع نقط توازن بين مختلف الاتجاهات وبين أسلوب العمل الذي اختاره العهد الحسني مسبقا لضمان الاستقرار، وتكافؤ الفرص، وخلق المواطن المغربي الحر... الشاعر بالحرية في أوضح صورها، العامل من أجل حماية هذه الحرية وهذا الأسلوب ورعايتها لأنهما الضمان الأساسي للاستمرار من جهة، ولحماية الوحدة المغربية المقدسة من جهة أخرى. في إطار المدرسة المغربية الأصيلة التي تسخر كل الاتجاهات العلمية والفلسفية في إطار هذه المدرسة.
 ولقد اقترن ظهور أسلوب التفكير العلمي في المغرب الجديد بظهور:
- تحديد علمي لكل الخطوات التي أصبح المغرب يخطوها في مختلف المجالات التي تنتظره وهو يعدو راكضا نحو اللحاق بأمجاده... نحو آفاق الغد الأفضل الذي يترأى أمامه، بل والوقوف في صف الدول التي اكتمل خلاصها ونموها للسير إلى الأمام.
وعندما أخذ المغرب يبلور أعماله اليومية في التخطيطات العلمية والتصميمات التي تضمن نجاح الخطوات التي يتطلبها مستقبل البلاد، وتحقيق رغباتها في تجاوز مراحل النمو والقضاء على التخلف نهائيا، تأكيدا للمراقب والمترقب مدى صلاحية اتجاه الاختيار الجديد، وقدرته على تحقيق الرغبات الشعبية في كثير من المجالات... باعتبار الشعب المغربي كما قال صاحب الجلالة:« شعبا قوي الإحساس، كثير النشاط، شديد الاهتمام بالمشاكل التي تواجهه، والصعاب التي تعترضه، ولأنه شعب يقظ ذو ماض مجيد، تواق إلى بعث أمجاده وأحياء عظمته، وتشييد صرح النهضة الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق تقدم صناعي وتقني يضمن لأبنائه السعادة وزيادة المجد والفخار »(4).
 ونفس هذا التفكير الواضح هو الذي يبرز الأسلوب الذي يميز العهد الحسني في النواحي الأساسية وهي:
-  بلورة التفكير العلمي ويتجلى ذلك في: استمرار تتميم مرافق الجامعة المغربية، والبحث عن أسلوب الدراسة المختار... الذي يضمن تحقيق التخطيطات الواضحة في مختلف المجالات.
- خلق التعليم  الفلاحي...باعتبار الفلاحة  كما قال جلالة الملك هي ثروتنا الوطنية الأولى، والتي أكثرية سكان مملكتنا يقتاتون منها، ويجب أن يستهدف التعليم في جملة ما يستهدف تكوين الطفل المغربي تكوينا يجعله وثيق الصلة بشؤون الفلاحة، وأن تحظى الفلاحة بالعناية في جميع مراحله، وأن ترمي البرامج والمناهج إلى تحقيق هذه الغاية(5).
وهذا ليس اتجاها حكوميا بل اختبار شعبي صميم، وأمنية كل الذين ينتظرون تحقيق المعجزة الاجتماعية في هذا البلد الكريم.
- حماية التفكير المغربي وخلق أسلوب للتفكير المعاصر، واستهدف هذا العمل خلق آفاق جديدة خصوصا عندما أكد رائد المغرب لشعبه" ...إن السر فيما بلغه من رشد ما يتحلى به من حسن تصرف، ليرجع إلى ما لديننا الإسلامي من تأثير طيب على نفوس أبنائه...
 أما التجربة الرائدة التي طاولنا بها غيرنا من الأمم فهي مشاركة جلالة الحسن الثاني العملية في خلق هذا التخطيط بصفة مباشرة وعلنية وذلك في الدروس والحلقات التي شارك بها في:
 -إحياء سنة الدروس الحسنية (6) في كل سنة في المغرب، هو في الحقيقة إحياء وتنظيم لسنة سنها ملوكنا السابقون لغاية ليس من السهولة وضعها في مركز الدروس العادية أو ضمن حركة الوعظ والإرشاد، لأن هذه الدروس كانت في أغلب الحقب التي نشطت فيها بمثابة منبه وحافز، ونداء يوجهه ملوك الأمة المغربية العلماء في ظروف وأحوال نحن أحوج ما نكون فيها إلى هذا المنبه، وهذا الحافز، وهذا النداء لتطوير الفكر وإخراجه من قوقعة التقليد والانهزامية، ولذا نجد أمير المؤمنين يتدخل باسم العلم والفكر والمعاصرة ليلقى إلى علماء المغرب بتجربة وبنظريات هامة كانت بالأمس القريب مبعث كثير من المشاكل للذين حاولوا الخروج بالفكر المغربي من انعزالييته وقعوده في نطاق المذهبية الضيقة، والعبث الفكري التقليدي، فأشار جلالته إلى:
أ-  مشكلة زيادة الإيمان ونقصانه، وهو موضوع من الموضوعات الحساسة الشائكة التي ظل علماء الأمة الإسلامية يتحاشون الخوض فيها بالرغم من أن هذا الموضوع يشير إلى كثير من الموضوعات المتجددة في الفكر المسلم، وهكذا  فإذا  كان رأي " الإيمان يزيد وينقص" قد وضع كثيرا من علامات الاستفهام عند البعض ولو أن هذا الرأي يتجه اتجاه مذهب الأشعرية والماتوريدية (7) ويتصل بمذهب الإمام النعمان من جانب آخر فإن جلالة الملك الحسن الثاني أكد ما يلي:
«لا أعتقد شخصيا أن جوهر الإيمان يزيد وينقص».
قيل أن الإيمان يزيد وينقص، ربما الذي يزيد وينقص هو التعبير عن الإيمان وما يشكل مظاهر الإيمان من عبادات وأخلاق.
 ولذا نرى من هذا التحليل أن أمير المِؤمنين قد أخذ  برأي مختلف المذاهب فخط بذلك اتجاها وسطا…يمكن أن نطلق عليه الرأي الحسني (8) … باعتباره جمع في رأيه مختلف الآراء، وأضاف إليها شيئا جديدا هو التحليل الذي أتى به.
ب- ثم أشار صاحب الجلالة إلى موضوع ( القبض في الصلاة) (9) وهو من الموضوعات التي كان الخوض فيه محرما، بل كان سلاحا عند بعض العلماء … يواجهون به كل حركة تجديدية تهدف إلى إحياء السنن أو إلى تطوير الفكر العلمي بالمغرب وإذا كانت قد استمرت هذه المعركة زمنا ليس بالقصير فقد جاء رأي جلالة الحسن الثاني في رمضان عام 1968 ليؤكد هذا الرأي الهام الذي وضع به تخطيطا مدققا للنقاش والتفكير العلمي الفقهي فأوضح ذلك نصره الله بقوله:
«لقد حاولت أن أعرف معنى القبض، فقال البعض: ألا يعبث المرء بيده عند صلاته، كذا أظن لا: فالنبي صلى الله عليه وسلم كجميع الأنبياء والرسل كانت لهم معرفة دقيقة بالرياضات، فكانوا يصومون ويواصلون الصيام، وكانوا يمشون كثيرا على أرجلهم، كانوا يعتزلون الناس والنساء فترات طويلة فكان عندهم شيء من العلم بما يسمى " باليوكا"(11)
ورياضة "اليوكا" تقتضي أول ما تقتضي بأنه إذا كان الإنسان يفكر وكان دمه يدور مع روحه، فهو بمثابة أسلاك كهربائية، فمتى شد على أعضائه كلها لم يضع شيء من تلك الطاقة الكهربائية التي تلقى على الأرض فيضيع ضوءها وتضيع قوتها، ولا يكون ذلك الدوران الروحي والمادي في القلب يخلق التخشع، والذي يجعل الإنسان يصبر على البرد ويصبر على التعب، ولا نعرف قيمة هذا التحليل الذي يهم القبض في الصلاة إلا إذا كنا نعلم أن المغرب هو البلد المسلم الوحيد الذي لا يقبض فيه المصلي في صلاته تأثرا برأي مذهبي(12) غير متفق عليه لأنه يخالف السنة.
وقد قامت محاولات متعددة لتعميم سنة القبض في الصلاة …ولكن عددا من العلماء يقفون في وجه هذه الدعوة حتى الآن.
ولقد وقعت على عهد السلطان مولاي عبد العزيز معركة لتعميم القبض اضطر جلالة السلطان يومئذ إلى إصدار ظهير يعتبر انتصارا لأصحاب دعوة القبض.
ج- وفي مجال الحديث عن إعجاز القرآن تناول أمير المؤمنين في حديثه تفسير الأميين(13) فقال:
ينقسم الأمي إلى قسمين:
- الأمي من ناحية العقل والكتابة والقراءة.
- والأمي من ناحية عدم تطبيق تلك القراءة والكتابة في سيرته وفي معاملاته وفي مبادلاته، وفي بيعه وشرائه، وفي زواجه وطلاقه.
فإذا نحن أطلقنا لفظة الأمي فيمكن أن تكون بمعنى الجاهل الذي لا يقرأ ولا يكتب، ويمكن أن يكون الأمي أيضا ذلك الرجل الذي يعرف القراءة والكتابة، ولكنه لا يطبقها حسب الشريعة والأخلاق، فعلى هذا التأويل يمكن تفسير قول الله تعال: (هو الذي بعث في الأميين رسولا) بأن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم هي في الحقيقة رسالة للناس كافة.
د- وفي الحديث الذي يليه «حديث سنة 1968» (14) تحدث جلالة الحسن الثاني عن الساعة فقال:
 " للساعة معنيان: المعنى الميتافيزيقي حينما تقوم الساعة، والساعة معروفة ومع الأسف العامة في بلاد الإسلام والشعوب في بلادنا السائرة نحو النمو، الساعة عندهم هي أن تفنى الأرض ومن عليها، والحالة هذه إنما هي ساعة، ساعات لكل بلد ساعة، ولكن نظام ساعة، ولكل قارة ساعة، ولكل حضارة ساعة حتى إذا أسند الأمر إلى غير أهله...
وإذا أسند الأمر في بلد أو في قارة ما أما في مجموعة بشرية ما إلى غير أهله فانتظر الساعة، وما هي هذه الساعة؟
 إن التاريخ قد علمنا أن الشعوب يمكنها أن تتغلب على عدة مصاعب ومتاعب، يمكنها بالأخص أن تتغلب على الصعاب والعراقيل المادية حيث أن الإنسان خلق في هذه الأرض ليكافح مستمرا وجهادا غير منقطع، ولكن حينما ترى هذه الدول وهاته النظم نفسها أمام، مشاكل عقائدية، أو مشاكل مذهبية، أو مشاكل خلقية، وحينما ترى أن التاريخ قد علمنا أن الشعوب يمكنها أن تتغلب على عدة مصاعب ومتاعب، يمكنها بالأخص أن تتغلب على الصعاب والعراقيل المادية حيث أن الإنسان خلق في هذه الأرض ليكافح مستمرا وجهادا غير منقطع، ولكن حينما ترى هذه الدول وهاته النظم نفسها أمام مشاكل عقائدية، أو مشاكل خلقية، وحينما ترى الاعوجاج في سلوكها، والبدع في معتقداتها، والفسوق في أخلاقها، ولا تريد أن تحارب هذا الاعوجاج ولا تريد أن تقوم تلك الأخلاق، هناك تقوم ساعتها...ولماذا؟
لأن الفاسد لا يقاومه إلا الطهر، ولا يقاوم الفاسقين غلا ذوو الأخلاق، ولا يقاوم الفاسقين إلا المخلصون، ولا يقاوم المبتدعين إلا السنيون القائمون بالقسط.
هـ- ويلتقي صاحب الجلالة نصره الله مع شعبه في مناسبة جديدة هي مناسبة تدشين حملة الكتاتيب القرآنية(15) التي دعى إليها جلالته فيقول في الحديث عن الديانة الإسلامية.
" إن الديانة الإسلامية ديانة متوازنة مطابقة كل المطابقات لقضايا ومشاكل القرن العشرين، فهي من جهة تريد أن تكرم ابن آدم، وتريد أن تكرمه من الناحية المادية حتى لا يكون عبئا على المجتمع الذي يعيش فيه،وتريد أن تكرمه من ناحية القوة حيث أن المؤمن القوي خير وأفضل عند الله من المؤمن الضعيف".
                                                      ***
وإذا ما حاولنا أن نستخلص لحد الآن من مجموع هذه الدروس الحسنية، الاتجاه الذي يهدف إليه أعزه الله وهو تجديد التفكير المسلم في المغرب وإصلاحه من فكر موروث إلى فكر واقعي مبني على الأسس والمقومات المقدسة ليلائم فكر أمة القرآن، ويصور واقعها وحقيقتها في عالم تتضارب فيه حياتهم وواقع الظروف التي يعيشونها، في عالم اليوم الذي أصبح البون فيه شاسع بين تفكير الأمة الإسلامية، وواقع التطور الفكري والعلمي والعالمي... مما يجعل شعوبنا مادة سائغة للاتجاهات والمذاهب المنحرفة التي تستهدف تحويل الاتجاه الإنساني، وتقسم ما يسمى بالعالم الثالث إلى معسكرين يرتكزان على الاستغلال والاستعمار واقتحامه بلغة القوة والسلاح...نتيجة صراع صليبي خطير...مبيت وموروث يبدو من الأحداث أننا لم نعد نحسب له حسابه في سلوكنا اليومي، وفي اتجاهاتنا السياسية والدبلوماسية تحت شعار التعايش ...وروح الدبلوماسية المتزنة التي طوقت العالم الإسلامي بالخصوص.
وإذا كانت هذه المعطيات وجدت انعكاسات مهمة داخل البلاد وخارجها...وحركت آفاق الشباب العلمية، ودفعتهم إلى التفكير في ماضيهم وفي واقعهم على ضوء المقاييس الجديدة... فإن جلالة الحسن الثاني قد أدرك النتائج التي تركها الدرس الأول فانطلق جلالته بالخصوص لإلقاء درسه الثاني الذي أوضح فيه آفاق الفكر المغربي الإصلاحي المقبل...
وفي نطاق هذه الآفاق تناول جلالته موضوعات أكثر دقة وأخطر موضوع (المعجزات) وإذا كان موضوع المعجزات هو " قميص عثمان" عند سائر علماء الأديان الذين نصبوا أنفسهم حراسا لحفاظ على توريث الفكر الخاص وتعقيمه فإن جلالته قد حلل موضوع بالنسبة للأديان الكتابية، وأوضح مركز كل منا سواء بالنسبة لظروف الأبناء، أو بالنسبة لقيمة المعجزة من حيث هي معجزة خالدة، وذلك ما يستهدف وهو يقول:« إعجاز القرآن هو المعجزة الدائمة».(16)
ويدخل التحليل الحسني في الموضوع عندما يقول:"...ومعجزة القرآن تجعل من المستحيل علينا أن نترجم القرآن بنصه وفصه ومعانيه وبلاغته إلى لغات أخرى..."
والحقيقة أنه نستطيع لحد الآن أن نؤكد أن معطيات هذه الدروس تكون في مجموعها آفاق المستقبل الدقيقة التي ينوي جلالته بعثها في المغرب الجديد... لأن «الدعوة الإسلامية» يقول نصره الله: التي أطاحت بالأوضاع المدخولة، وقومت الاعوجاج والزيغ، واستأصلت الفساد وقوضت أركان الطغيان، كان لها الدوي الذي تجاوز حدود الجزيرة العربية على ما حولها، والأثر البليغ الذي سرى في شعوب الشعوب ومن نفس هذا المنطلق، ومن هذا الاتجاه وفي إطار ديننا الإسلامي السمح سنصوغ كل عمل وكل إصلاح، لأن المكاسب الدنيوية ليست غاية في حد ذاتها، لأنها مكاسب محدودة، أما المكاسب الروحية فليست لها حدود لأنها هي الوجود.
                                                      ***
ومن هنا من هذا الاختيار الواضح المعالم والآفاق التي تدعونا للعمل، وهي التي سنعمل على ضوئها ونجرب، وأن نستعمل كوسيلة لتوحيد الصفوف، واتخاذ الجهود وسيلة سماوية مقدسة إلا وهي حبل الله المتين، ذلك الحبل الذي يصل الأرض بالسماء، والذي يصل قلب كل مسلم بقلب كل المسلمين في العالم بأسره والبقاع الإسلامية.
وحتى لا يقع ارتباك في المفهوم الحسني الجديد، وحتى لا يتضارب مع الاتجاهات المعاصرة الغازية بالخصوص أوضح حفظه الله:
أولا: أهداف الدعوة الجديدة من جهة باعتبارها دعوة تزعج كثيرا من الاتجاهات والأشخاص.
ثانيا: وضع خطوط هذه الأهداف فقال: (17)...كنا دعونا إلى جمع شمل المسلمين حتى ينتصر بهم العرب، وحتى ينتفع منهم العرب الذي يقف ما يقرب من ثمانين مليون منهم أمام مشكلة فلسطين لأننا إذا عززنا جانبنا بالمسلمين كافة بعبقرياتهم المختلفة، بتعاملهم الأولى، بصدقاتهم، بأحلافهم، بطاقاتهم، أصبح بجانب العرب نصف مليار من هذا المعمور، لذا ودون أن يرمي نداؤنا إلى أي عمل سياسيي وعسكري، أو ما يشابه حلفا، أو غير حلف، أو ما يدخل فيما يعتبره مناورة أو عملية أو ما أشبه ذلك (18).
ثم في سنة 1985 تأتي خطوة جديدة في هذا المسار، حيث تعقد أول ندوة(19) للطرق الصوفية بالمغرب «دورة التجانية» ليضيف الملك المصلح في هذا الملتقى وفي خضم الصراع بين السلفية الحق والتصوف فيبرز من خلاله موقفا يشير فيه بكل وضوح إلى جانب جديد وهو الحكم الواعي في الخطاب الذي بعث به للندوة 23/12/85 فاس) حيث أوضح حفظه الله في خطابه للمؤتمر المحاور الثلاثة التي حددها التصوف الإسلامي وهي:
أولا:« واقتناعا منا بالدور الذي تستطيع الطرق الصوفية أن تضطلع به في إصلاح النفوس أصدرنا تعليماتنا إلى وزيرنا في الأوقاف والشؤون الإسلامية قصد الإعداد لانعقاد ندوة مفتوحة للطرق الصوفية ببلادنا... ».
ثانيا: ويقول: إن التصوف الإسلامي بنقائه وصفائه واقتباسه من مشكاة النبوة وجذوتها، كفيل إذا سلك به أهله العارفون المسالك الصحيحة السليمة أن يسهم الإسهام الكبير في إصلاح أحول المسلمين بإرساخ الإيمان بالله في قلوبهم وتعميق الشعور بالوحدة، وتمتين عرى الأخاء والمودة في نفوسهم، ودفعهم إلى التعاون على البر والتقوى والتناصر والتآزر على الحق لتبقى كلمة الله هي العليا ولتكون العزة لله.ولرسوله، وتستعيد الأمة الإسلامية سالفا مجدها، وسابق سؤددها وتقوم بدورها في إصلاح أحوال العالم وإسعاد البشرية.
ثالثا: ثم يضيف قائلا: إذا كان عامة المسلمين وخاصتهم من العلماء العارفين على تعاقب العصور والأجيال قد اهتموا بالتصوف منبعا وسلوكا، وتشيعوا به قولا وعملا حتى أكسبهم من القوة والصلاح، فإنهم اليوم في أمس الحاجة إلى هذا الاهتمام، والتعرف إلى فضائل التصوف ومزاياه، والاستمداد من الطاقة الإيمانية، والأسرار الربانية الكامنة في المبادئ الصوفية لعلاج ما آلت إليه أحوال المسلمين أفرادا وجماعات من فتور في المبادئ والقيم الروحية الخالدة، واغترار بالتيارات الفكرية المادية واندفاع وراء سرابها الكاذب، وبريقها الخادع، ووقوع في إشراك الخلاف والنزاع والصراع ومهاوي الفرقة والشتات والإعراض عن الاعتصام بحبل الله المتين".
                                                      ***
ويبرز حفظه الله في فرصة أخرى موقفا آخر على جانب كبير من الأهمية والوضوح حيث يعلن أن "على مجالسنا العلمية أن لا تبقى منحصرة في نواقض الوضوء وموجبات الغسل، عليها أن تواجه الغزو الخارجي والمادي، وحتى تعرف بالإسلام وخصائصه وخصاله وفضائله وتساهله..."(20).
وهكذا، وإذا كانت المعركة متواصلة الحلقات من أجل جعل هذه المعركة الإصلاحية، فإن هذه المبادرة الجديدة التي توازي ثورة فكرية صامتة منطلقة في الساحة العامة، فإن الواجب يفرض على الأوفياء، الملتزمين الانطلاق لأداء الواجب الذي حددته ورقة العمل لأن الوقت دقيق والزمان لا يرحم.
والملك الرائد قد عرف كيف ينطلق بالاختيار أو كيف يختار، عندما يركز فلسفته في الاختيار على:
1- ضرورة إبقاء المغرب في حظيرته الإسلامية.
2- الكرع من الحضارة الجديدة والأخذ منها بما يناسب روح الإسلام والتقاليد المغربية العريقة.
وهذا الاختيار محدد بعزم وحزم مما يفرض على الاختيار المغربي أن يحافظ على روحه ما دام لا يمكن أن يكون لهذا الاختيار المزدوج اختيارا آخر.
                                                      ***
وإذا كانت هذه المواقف قد أتت متتابعة بضبط وتوقيت مدروس، فإن الصرخة الأولى التي انطلقت كانت في البدء... وهي تعلن:
"... وإني أهيب بك شعبي المؤمن الصادق الإيمان الراسخ العقيدة أن توالي سيرك، وتواصل سعيك مسترشدا بهدى القرآن، متمسكا بتعاليم الفرقان، متدبرا بآياته، ممتثلا لأوامره ونواهيه، فإن في إيماننا بالله، وتمسكنا بما أوحي به إلى نبيه ورسوله المصطفى المختار، وحفاظنا على الدين الإسلامي الحنيف، وما يدعو إليه، ويحض عليه من العمل بالمبادئ المثلى، والحرص على القيم العليا، وسلوك المحجة البيضاء، ما يكفل لنا الفوز، وحسن المصير، وأن الله على نصرنا لقديـــــــــــــــر..."(21).  
ومن هنا، من هذا الاختيار، أو من خلال هذه الجوانب فإن قائدنا الرائد لم يكن في هذه المعارك إلا ابن لعصره وزمانه بكل أبعاد العصر الوطنية والقومية والإسلامية وبكل أبعاد الزمن الإنسانية والعالمية والبشرية.

                                                       
1) انظر مجموعة مجلة دعوة الحق وجريدة الأنباء اليومية بالخصوص.
2)انظر مجلة (دعوة الحق) عدد: مارس 1984 (الاختيار الحسني)          
3) أ - البطالة أسبابها وعلاجها) في أبريل 1957.
ب- (الضمير الاجتماعي) في ابريل 1957 
ج- (اتجاه المغرب الحياد)في ابريل 1957.                             
  د- الديموقراطية التي تحكم الشعب في مايو 1957.
4) انظر خطاب العرش لسنة 1963
5) نفس المصدر 
6) أصدرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية كتابا جمعت فيه الدروس الحسنية التي القيت في رمضان 1967 باسم: الدروس الحسنية وتابعت نشر هذه السلسلة.
7) مذهبان إسلاميان                                            
8) أبو حنيفة
9) انظر دورية( انبعاث أمة) السنوية(ص 978 سنة 1968)
10) نفس المصدر                                           
11) رياضة بدنية فكرية
12) انظر دورية( انبعاث أمة) السنوية( ص 285 سنة 1966)
13) (انبعاث  أمة ) ص: 294 سنة 1967.
14 ) دورية (انبعاث أمة) (ص.366 سنة1968)
15) خطاب جلالة الملك بمناسبة تدشين عملية الكتاتيب القرآنية (مجلة اللقاء) ع: نونبر ص: 294 سنة1986.
16) انظر دورية (انبعاث امة) السنوية(ص 294 سنة 1967).
17)انظر كتاب: (الدبلوماسية المغربية في عشر سنوات ) الصادر عن وزارة الخارجية.   
18) نفس المصدر
19)انعقدت بفاس: 10/16-3-1406موافق 23/29-12-1985.
20) من خطاب جلالة الملك الذي يوضح فيه أهداف ومقاصد المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الإقليمية بالمملكة في رمضان 1401هـ غشت 1951م.
21) انظر دورية (انبعاث أمة)ع:13.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here