islamaumaroc

محمد الخامس رائد التحرير والتوحيد.

  يوسف الكتاني

268 العدد

  كلما تقدمت الأعوام وتعاقبت الأيام إلا وبان أثر السياسة الحكيمة، والمرامي البعيدة والمبادئ الثابتة، والتخطيط الهادف الذي رسمه محمد الخامس رحمه الله، لتحرير وطنه المغرب وتوحيده، ولدفع إفريقيا والعالمين العربي والإسلامي للثورة  على الاستعمار والتخلص من الاستعباد، من أجل التحرر الكامل، والاستقلال الشامل، والوحدة الجامعة:
 ولذلك ينفرد هذا الملك العظيم من بين ملوك الدولة العلوية وسلاطينها وأمرائها ملكا رائدا وقائدا محررا، جبلت نفسه الأبية وروحه الكريمة على حب الحرية وعشقها، والجهاد من أجلها، والتضحية بكل غال ونفيس في سبيلها، والدعوة إليها بالقول والعمل في السر و العلن، وهو من أجل ذلك لم يكد يتسلم زمام أمور الأمة، ويتخلص من البطانة التي أحاطت به مدة الوصاية محاولة صرفه عن غايته وهدفه، حتى أعلن بوضوح وجلاء عما تجيش به نفسه ويمتلئ به خاطره، من آمال وأماني لتحرير وطنه واستقلال بلاده.
 فقد كان محمد الخامس –رحمه الله- يؤمن ويوقن منذ البداية وقد رأى وشاهد ما آل إليه وطنه، وعلى أية حال أصبحت عليها أمته، من ظلم واستعباد، وفاقة وحرمان، بأن هذا الشعب لا يمكنه أن ينهض من كبوته، أو ينتبه من غفلته، وهو مقيد بأغلال الحماية، مكبل بقيود الاستعمار، ولن يجديه أي إصلاح، ولن يفيده أي ترميم، ولا صلاح لأمته ولا فلاح لها إلا بالحرية، حرية الوطن من الاستعمار، وحرية المواطن من الظلم والاستعباد، وحرية الفكر من الدجل والجهل.
 وإن الدارس المدقق المحقق لحياة هذا الرائد العظيم منذ أن بويع ملكا على المغرب، وسنه لا تتعدى السادسة عشرة، يلاحظ جليا أنه كان من أكبر رواد الحرية ودعاتها، وأنه كان يصدر في كل تصرفاته، ومواقفه وقراراته منذ البدء، كان يصدر عن مبدإ ثابت لا يزيغ عنه ولا يحيد وهو تعلقه بالحرية، وإيمانه الراسخ بها، ودعوته وجهاده الدائم من أجل استقلال شعبه وأمته، بل ومن أجل تحرير المظلومين والمضطهدين والمستعبدين، في كل مكان في العالم أجمع، فلنستمع إليه في أول نطق ملكي له بمجرد مبايعته واعتلائه عرش المغرب، حيث قال مخاطبا أمته سنة 1927:" إن الشعب المغربي ينتظر منا مجهودا مستمرا، لا من أجل تنمية سعادته المادية وحدها، ولكن لنكفل له الانتفاع من تطور فكري، يكون متلائما مع احترام عقيدته، ويستمد منه الوسائل التي تجعله يرتقي درجة عليا في الحضارة بأكثر ما يمكن من السرعة". لقد آمن محمد الخامس منذ أول ممارسته لمهامه، أن الاستعمار يقف حجرة عترة في وجه شعبه، ويضع شتى العراقيل في طريقه، ليبقيه مستعبدا مضطهدا  جاهلا خاملا، ولذلك بدأ يعمل في صمت، ويخطط في هدوء لتحرر الإنسان في بلاده، تحرير عقله وفكره أولا، ثم تحرير عيشه ومجتمعه ثانيا. لقد آمن بأن سبيل التحرر الكامل والاستقلال الشامل هو تحرر الفكر المغربي، من الجهالة والضلالة، وأن تحرر الفرد من الجهل، هو أعظم أنواع التحرر، وأنه أقصر طريق نحو الحرية والاستقلال، وهو من أجل ذلك نادى بفتح المدارس وإنشاء المعاهد، وأغرى شعبه ومواطنيه، بالإقبال على التعلم والتعليم، والجد في التحصيل، كي يعرف المواطنون حقوقهم وواجباتهم، وليكونوا أكثر وعيا وأقوى شكيمة في الدفاع عن أنفسهم وبلادهم، وخوض معركة الجهاد والنضال بوعي وتفهم وإدراك.
 وقد خاطب شعبه وأمته في إحدى المواسم الثقافية بقوله:
 " لقد اتفق العقل والدين على أهمية المعرفية لتقدم البشرية وتطورها، إذ أن الإنسان لا يكون – في نظرهما- كاملا إلا إذا زالت عن بصيرته غشاوة الجهل، المانعة من التمييز بين ما يضر وما ينفع، فاستفاد من موهبة التفكير الحي بها عن باقي المخلوقات، ما يجعله قادرا على أن يغمر بالسعادة هذه الأكوان التي سخرها الله له".
 ولذلك بدأ بنفسه وبأسرته، فعلم أبناءه الأمراء والأميرات على السواء، وثقف عقولهم وحرر أفكارهم كأحسن ما تكون الثقافة، ورباهم تربية إسلامية صحيحة كأحسن ما تكون التربية، وجعلهم مثالا حسنا ونموذجا رائعا يحتذى بهم الشباب من أبناء وطنه، وأخذ يؤسس المعاهد وينشئ المدارس من ماله الخاص، ويدعو الشعب إلى التسابق إلى بنائها وتأسيسها والإقبال عليها، ويسميها باسمه وبأسماء الأمراء والأميرات، ويدشنها تارة بنفسه وأخرى بواسطة أنجاله، فقامت في طول البلاد وعرضها مؤسسات تعليمية، ومعاهد عظيمة كانت أساسا للوعي الشامل والنور الساطع الذي عم أرجاء الوطن، وكانت سببا ونتيجة لما جناه الوطن من خير وتقدم وانتصار.
 وقد اغتنم محمد الخامس فرصة زيارته التاريخية لطنجة سنة 1947، فقدم أبناءه الأمراء والأميرات للشعب والعالم أجمع كخطباء ودعاة للحرية والجهاد، وما زالت خطب الأمير مولاي الحسن، وخطب الأميرة عائشة باللغات الثلاث شاهدا حيا، ومثالا يقتدى قائما على مر التاريخ والأجيال.
 لقد رمى محمد الخامس من تعليم الأميرات وتقديمهن إلى الشعب في مجال الخطابة والتعليم والرعاية الصحية والشؤون الاجتماعية وغيرها، لتقتدي بهن الفتاة المغربية والأسر الوطنية في تعليم بناتها وتثقيفهن، ودفعهن في مجال الحياة ليشاركن في معركة الحرية والكفاح وبناء الاستقلال، علما منه- رحمه الله- بأن العنصر النسوي نصف المجتمع، ولا صلاح لأي مجتمع بدون تعليم المرأة وتهذيبها وتثقيفها، وبذلك سجل ريادته لتحرير المرأة في وطنه وتعليمها.
 ولما كان هدف محمد الخامس تحرير بلاده تحريرا شموليا فكريا واجتماعيا وسياسيا، فقد تابع نضاله وجهاده وعمل من أجل ذلك سواء ضد المستعمر أو مع من يرى ويلمس فيه مساعدته من أجل غايته وهدفه، ولذلك كان يغتنم الفرص ويتحين المناسبات بكل الوسائل. للخروج ببلاده من حالة الحجر  والاستعباد إلى حياة الحرية والكرامة، ولم ييأس أبدا وهو يناضل ويجاهد عندما يقابل من طرف أعدائه بالجحود والأعراض والمناورات، بل كان يتابع سيره في ثبات الصالحين وصبر المؤمنين. وهكذا نراه سنة1943 يغتنم فرصة اجتماعية بالأقطاب في مؤتمر" أنفا" التاريخي، ويحدث ضيفيه عن أماله وأمال بلاده، وحقها في الحرية والاستقلال لتصبح مثل بقية الدول الحرة الديموقراطية، ويعلن لهم عدم رضاه وعدم رضى شعبه عن حالة الذل والعبودية التي كان عليها، ولم يزل كذلك مع مضيفه يقنعهم ويدافع عن حق بلاده، حتى حصل منهم على وعد بالوقوف إلى جانبه وتحقيق مطمحه، ولم تكن عريضة المطالبة بالاستقلال سنة1944 إلا ترجمة لآماله وآمال أمته، وإعلانا مكتوبا لما عبر عنه للأقطاب في مؤتمر" أنفا" التاريخي.
 ثم جاءت رحلته التاريخية إلى طنجة سنة1947 لتكون امتدادا لعمله العظيم من أجل الحرية والاستقلال، وتركيزا له، وإعلانا للعالم أجمع في خطابه التاريخي الذي هز كيان الأمة وأكد أهدافها، وكان له صداه في الداخل والخارج.
 كما كانت رحلته المنظمة إلى فرنسا عقب ذلك سنة 1950، لمفاوضة رئيسها وقادتها، وتأكيد حق بلاده في الحرية والكرامة، وأصراره على حملها على الرضوخ إلى مطالب الأمة، ورغبتها الأكيدة في العيش الكريم تحت ظلال الحكم الديموقراطي، وقد سجل موقفه هذا في خطاب العرش بقوله:
 " ولم يكن قط هدفنا من المحادثات السياسية التي أجريناها بفرنسا، أن نظفر لتقوية سلطتنا لغاية شخصية، وإنما قصدنا بمساعينا وجهودنا صالح البلاد ورقيها وتقدمها، ولم يغب عنا لحظة واحدة أن أفضل حكم ينبغي أن تعيش في ظله بلاد تتمتع بسيادتها وتمارس شؤونها بنفسها، هو الحكم الديموقراطي الذي تقوم عليه الدول المعاصرة والذي يوافق مبادئ ديننا الحر، ويضمن للأفراد والجماعات حياة الطمأنينة والاستقرار. وإننا على مبدئنا ثابتين، وفي تحقيقه جادين، إيمانا منا بأن هذا النظام هو الذي يكفل لرعايانا ما يمكن من حرية وعدل وكرامة".
 لقد كان في ميسور محمد الخامس أن يساير الوضع، ويرضى بالسلطان المزيف، والأبهة الفارغة، ويخلد إلى الراحة والدعة، ويتمتع بالطيبات من الحياة، ولكن نفسه الأبية التواقة إلى الكرامة، المتعلقة بالحرية، الطامحة دوما إلى الأعلى والأسمى والأنفس، أبت عليه ذلك، فاثر المصالح القومية على المصالح الشخصية، وفضل العناد والجهاد في سبيل حقوق بلاده وكرامتها، وآثر النفي والسجن على البذخ والنعيم، وقد كان موقفه الثابت وصموده الرائع. هو الذي وحد الحركة الوطنية وراءه، وجمع صفوف الأمة وشتاتها، وبعث فيها القوة والعزة، والشجاعة والحماسة، للوقوف صفا واحدا متراصا في وجه عدوها ومستعمرها، والقضاء على كيد الكائدين، وطمع الطامعين وشك المتشككين، وظل كذلك مخلصا للكفاح الوطني، وفيا للمثل العليا، متشبثا بمبدإ الحرية وروحها، داعيا شعبه إلى الاستمرار في النضال والكفاح، متمسكا بالصبر والثبات إلى أن يحقق الله النصر قائلا:
 " فلنجد إذن في العمل، ولنتابع في يقين وثبات المطالبة، جاهرين بتمكيننا من حقوقنا المشروعة، الجلية البينة، فإذا كان ضياع الحق في سموت أهله عنه، فما ضاع حق ورائه طالب".
 وكلما اشتد سعار المستعمرين وزاد إذا هم وظلمهم للشعب وقائده، ازداد هذا القائد العظيم ثباتا على المبدإ وتعلقا بالغاية، لا يخفيه توعد أو وعيد، ولا يثنى عزيمته بطش ولا تهديد، ولا تغريه مساومة عن حق بلاده ورغبتها في العيش الكريم، حتى إذا هدد بالعزل والنفي والتشريد والتعذيب، اثر حياة النفي عزيزا كريما على حياة البذخ والنعيم في ظل العبودية والظلم، وكان موقفه هذا هو الوقود الذي ألهب حماس الشعب من أجل الحرية، والفتيل الذي فجر الموقف ضد الاستعمار، فغدت الأمة كلها بعد نفيه، جيشا واحدا وصفا واحدا ويدا واحدة، تناضل وتقاتل في ثبات وصبر وراء رمزها القومي ورائدها التحرري، ولم يفت في عضدها حديد ولا نار ولا تهديد أو تقتيل، حتى حقق الله للشعب ما كان ينشده،وللرائد ما كان يناضل ويجاهد من أجله، واضطر الاستعمار  مرغما مكرها إلى النزول عند رغبة الأمة، والرضوخ إلى إرادة الرائد العظيم، فكان محمد الخامس ومن ورائه شعبه المتشبث به الذي أرغم الاستعمار على التخلي عن الحماية، والإقرار باستقلال البلاد، والاعتراف بحريتها وسيادتها. وإليه وإلى خلفه العظيم يرجع الفضل في توحيد الشمال والجنوب، واسترجاع بقية المناطق المغتصبة تباعا بعد ذلك، وهو الذي أقنع الرئيس إزنهاور بدهائه وحكمته عند ما زار المغرب سنة، 1959، بالموافقة على إجلاء القواعد الجوية الأمريكية عن بلادنا، وعندما عاد إلى وطنه منصورا مظفرا، لم تبطره النعمة ولم يرض بما حصل عليه المغرب، بل كانت آماله عراضا ومراميه بعيدة، فقد كان هدف الاستقلال عنده يعني ثروة اجتماعية واسعة تشمل طبقات الأمة جميعا، لتحرر المواطنين من آلام البؤس وظلام الجهل، وترفع مستوى العمال والفلاحين، وترفع عنهم كابوس الحرمان، وإلا كان الاستقلال مشلولا ناقصا.
 وهاهو في أوائل الاستقلال سنة1956 يخاطب مواطنيه وينبههم ويحدد لهم هدف الاستقلال، ليتبينوه ويعملوا من أجله إذ قال:
 " يجب أن يفهم من الاستقلال أنه توطئة لثورة اجتماعية واسعة النطاق، تتناول جميع طبقات الأمة، وتعني بصفة خاصة برفع مستوى الطبقة العاملة التي تكون السواد الأعظم، وتفسح المجال أمام المكتوين بنيران البؤس والحرمان، ليتذوقوا عيشة راضية، ويحيوا حياة مطمئنة، ولا نرتاب في أن الاستقلال الذي لا تعقبه هذه الثورة هو استقلال أشل، بعيد كل البعد عن أن يؤدى ما أراده منه أبناء الشعب، وما علقوا عليه من آمال...".
 ولم يكن مفهومه لحرية البلاد واستقلالها مفهوما ضيقا، يقف عند جلاء المستعمرين عن بعض المناطق دون بعض، بل ظل دائما يعلن ويصرح وينادي بأن الحرية تعني بالنسبة إليه استقلال كل أجزاء الوطن، وتوحيدها في إطار المغرب الموحد القوي،كما كان دائما وطوال تاريخه.
 وقد أكد موقفه هذا أمام رئيس جمهورية فرنسا، عندما بدأت المفاوضات بين الوفدين المغربي والفرنسي سنة1956 حيث قال:
 " ونريد أن نصرح علانية أنه لا توجد بالنسبة إلينا أية حرية جديرة بهذا الإسم ومقبولة، إلا في دائرة وحدة التراب القومي، وعدم قبول أية تجزئة فيه". 
 كما كانت الحرية عنده تعني حرية الفرد وتمتعه بجميع حقوقه، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، وليست هي حرية الحاكم وحده، بل لابد أن تشمل الأفراد والجماعات على السواء، ليتمتعوا بحقوقهم سواسية، كما نادى بذلك في خطاب العرش في السنة الثانية والثلاثين لجلوسه قال:" أما في الميدان الداخلي فقد كانت السياسة التي رسمناها نحن وحكومتنا، تستهدف دائما ضمان العدل للمواطنين، وتمتيعهم بكل الحريات، وإشراكهم في حمل المسؤوليات، وتشييد مجتمع راق يعيش أفراده متضامنين، ويعملون متعاونين، وينعمون بعدالة اجتماعية، ومستوى مادي ومعنوي رفيع تتفتح به مواهبهم".
 ولم يقف حبه للحرية وجهاده من أجلها عند حدود بلاده، بل شملت الأشقاء والجيران، وكذا القارة السمراء بأكملها، ولذلك أعلن مرارا وتكرارا أنه يعتبر أن بقاء الجزائر مستعبدة مقيدة تهديد لحريتنا واستقلالنا، لأن حريتها من حريتنا، واستقلالنا لا يتم إلا باستقلالها، بل يذهب أبعد من ذلك ويعتبر قضية تحرير الجزائر قضية حياة أو موت بالنسبة للمغرب، وإن استقلالها هو الضمانة الكبرى لحرية واستقلال المغرب العربي وإفريقيا، وفي ذلك يقول في يوم التضامن مع الشعب الجزائري الشقيق في أكتوبر1960:
 "بل نحن في هذا الطور الحاسم من كفاح الجزائر مضمون العزم على مواصلة التأييد لجهادها، والدفاع عن قضيتها في كل مكان، ولو كلفنا ذلك أغلى التضحيات، لأن قضية تحرر الجزائر قضية حياة أو موت بالنسبة لنا، إذ هو الضمانة الكبرى لاستقلال بلدنا، ووحدة المغرب العربي، وحرية القارة الإفريقية جمعاء".
وكم تحمل-رحمه الله- هو وشعبه من أنواع المعاناة ومكائد الاستعمار، وكم تعرضت له بلاده من المخاطر والمساومات، كل ذلك من أجل أن يترك قضية الجزائر ويتخلى عن المجاهدين، ولكنه أبى وأصر على موقفه الخالد، إلى أن تحقق النصر للشعب الجزائري الشقيق.
 وكما حقق محمد الخامس الحرية والاستقلال لبلاده وشعبه، وساهم بقوة وإصرار في تحرير و استقلال جيرانه وأشقائه، أراد أن تشع شمس الحرية على قارتنا الإفريقية أيضا، وأن تشمل أرجاءها روح الثورة والكرامة والعزة، حتى تتحرر شعوبها من الظلم والاستعباد، ومن أجل ذلك أخذ يعمل ويعلن منذ سنوات الاستقلال الأولى للمغرب، بأن استقلالنا سيظل ناقصا ومهددا إلى أن تتحرر إفريقيا كلها، ويخرج الاستعمار منها إلى الأبد، وقد أكد أن كفاح المغرب مستمر ونضاله دائم، ولن يهدأ له بال أو ينعم بحياة حتى تستكمل إفريقيا حريتها ويتم استقلالها:" والمغرب قطر إفريقي تفرض عليه روابط الجوار، وتداخل المنافع، وتشابه الأهداف، أن يهتم بأحوال جاراته الإفريقية، ويعمل بكل ما يطبق لتحقيق تحررها" وما فتئ-رحمه الله- يتصل برؤساء إفريقيا وقادتها وزعمائها، من أجل توحيد الخطط لرسم سياسة إفريقية مشتركة متحررة، كما سعى بالغ السعي لوضع ميثاق إفريقي، وجمع الدول الإفريقية المستقلة تحت لواء منظمة واحدة، تدافع عن كيان إفريقيا، وتوحد صفوفها، وتبلور عملها، وتفرض كلمتها، وهيبتها في الميدان الدولي.
وما زال على دأبه وعمله وكفاحه حتى حقق الله له غايته، وبلغه أمنيته، فانعقد في رحاب المملكة أول مؤتمر إفريقي سنة 1960 عرف " بمؤتمر الدار البيضاء" والذي وضع الميثاق الإفريقي، وساهم في تحرير بقية شعوبها، ورسم المناهج الواضحة لإفريقيا الجديدة المستقلة المتحررة وكان الأساس القوي الذي قامت عليه منظمة الوحدة الإفريقية، وما زال شعوب إفريقيا وقادتها إلى اليوم يدينون له بهذا العمل العظيم، ويعتبرون ما وصلت إليه إفريقيا اليوم نتيجة من نتائج كفاحه ونضاله.
وقد سجل خطابه الافتتاحي لمؤتمر الدار البيضاء آماله الكبيرة وأمانيه في تحرير إفريقيا واستقلالها، وإحلالها المكانة اللائقة بها كفارة فتية قوية حيث قال:
 " إذا كانت الأقدار أتاحت للدول الإفريقية المجتمعة في هذا المؤتمر السبق إلى الاستقلال والحرية فإنه دين عليها أن تخطط المساعدة إلى الشعوب الإفريقية الأخرى، حتى تتمتع بنفس الحرية والاستقلال،وحتم عليها أن تخط من الآن المناهج الواضحة التي ينبغي لإفريقيا الجديدة أن تسلكها، والسياسة التي يحسن أن تتبعها، فلا ينبغي أن تعالج مواضع هذا المؤتمر على أساس الاعتبارات الخاصة بالدول المشاركة فيه فحسب، بل على الاعتبارات العامة والمصالح العليا لإفريقيا".
 وبعد، فقد كان محمد الخامس محررا عظيما وزعيما رائدا، لا بالنسبة للمغرب فحسب. أو لإفريقيا وحدها، بل للعالم أجمع، فقد كان رائد التحرر والاستقلال لبلاده، وكان رائد تحرير المرأة فيهان ورائد تحرر الشعب من الجهل والخوف والحاجة، وكان رائد توحيد وطنه وبنائه.
 كما كان رائدا إفريقيا عظيما، كافح من أجل جمع شمل شعوبها وتوحيدها، وتأسيس أول منظمة فيها، ووضع أول ميثاق إفريقي لاستكمال تحريرها وتوحيد صفوفها. كما كان رائدا من أعظم رواد الحرية في هذا العصر، وما زالت قراراته ومواقفه وأقواله وأفعاله في هذا المجال، شاهدا ثابتا وأية قائمة. فإذا اعتبره الشعب المغربي أباه وزعيمه وقائده وبانى استقلاله، والمهندس الأعظم لتحريره، ورمره القومي الخالد، فقد كان مصيبا وموقفا، وما عليه اليوم إلا أن يتابع طريقه وسيرته، ويبقى مخلصا ثابتا على مبادئه وأفكاره، وإخلاصه ومبايعته لخلفه العظيم الحسن الثاني نصره الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here