islamaumaroc

مولاي الحسن الأول في جهاده الأكبر.

  عبد الله العمراني

268 العدد

اخترت الحديث عن هذا العاهل العظيم لعدة عوامل أهمها أنه كان في عهده آخر سلطان قوي مستقل في إفريقية الشمالية، ولعل هذه الصفة هي التي ألبت على المغرب الدول الأوربية المستعمرة، وجعلتها تنظر إليه شزرا، وتتطلع إلى نشر نفوذها عليه بفارغ الصبر، وبشره متزايد، مما جر على العاهل الكريم مصاعب وتعقيدات شتى، جعلته طيلة مدة ملكه(1290-1311هـ) يبذل كامل جهوده المتواصلة، وخالص جهاده الأكبر، لتفادي شرور تلك المصاعب، وتيسير هذه التعقيدات، حتى لا يتسع الخرق على الراقع، فتنال تلك الدول مبتغاها، أو يخسر المغرب استقلاله، وغير خاف أن هذا الموقف الأوروبي الغريب كان يستهدف في الدرجة الأولى استثمار ثروات البلاد، واستغلال ما تحتله من موقع استراتيجي ممتاز.
 لكن، ما السبب الذي جعل المغرب محط أنظار الأوربيين، ومركز تفكيرهم ومطامحهم المتزايدة؟ أكانت تحركهم في ذلك المجال منافسة وأنانية غير نبيلة؟ أم كانوا يتجادلون في شؤون هذا القطر ووضعيته حبا في الجدال لا غير؟ يعتقد بعض الباحثين أن العزلة العقيم هي التي رمت المغرب في أحضان مطامح ومطامع أجنبية كشف عنها مكتشفون متحمسون، ورحالة مغامرون، وأبانت عنها بعثات دبلوماسية ترددت على المغرب في انتظام، وناقشها برلمانات ومجالس وزارية أوربية مهتمة بكل ما له علاقة بالمغرب... كل ذلك خلق ما سمي (المسألة المغربية)، قياسا على ( المسألة المشرقية) التي عنوا بها الدولة العثمانية في الشرق، التي أطلقوا عليها أيضا اسم (الرجل المريض).
 ويعتقد البعض أن مسببات العزلة المغربية ظواهر أو عناصر جغرافية تتمثل في البحر الأبيض المتوسط في الشمال، وبحر الظلمات(المحيط الأطلسي) في الغرب، وسلاسل جبال الأطلس وجبال الريف في الداخل، ورمال الصحراء الشاسعة في الجنوب، فهذه الظواهر أو العناصر هي التي عاقت المغرب في نظرهم، ولعدة قرون، عن الاندماج والدخول في حرم العالم المتحضر المعاصر، وحالت بينه وبين التقدم العلمي، فأصبح مطوقا معزولا، وكأنه يعيش في قلعة محصنة فريدة. ثم إن هذه العزلة جعلت المغرب يرتاب، لا في الأجانب فحسب، بل حتى في التعاليم والمبادئ والمذاهب التي يعتنقونها ويدعون إليها.
ونحن من جهتنا لا نعتقد أن هذه العناصر الجغرافية كانت السبب في انعزال المغرب عما حوله من بلدان العالم المتحضر، لأن تلك العناصر الجغرافية قديمة قدم المغرب، ولم تحل في الماضي دون اجتياز أمواج البحار العاتية، أو اختراق رمال الصحراء الرمضاء، أو سلوك الجبال العالية، ليمد حدوده الشمالية إلى شمالي شبه الجزيرة الإيبرية، والجنوبية إلى دواخل القارة السمراء، والشرقية إلى حدود ليبيا. ولكن سر العزلة -في رأينا- يكمن فيما يمكن أن نسميه عقدة الخوف من التسرب الأجنبي، ذلك التسرب الذي بدأ في وقت مبكر، وتعزز في سنة 1830م عندما غزت فرنسا القطر الجزائري المجاور، وعدته إحدى مقاطعتها الوطنية، وفي سنة1880م حينما حط المستعمرون الفرنسيون رحالهم في رحاب القطر المستقل الوحيد في شمال إفريقية - كالثور الأبلق، يشار إليه بالبنان، بل صار بؤرة تركزت حولها أشعة الشهية والغيرة والمنافسة المكشوفة غير البريئة.
 اعتلى مولاي الحسن الأول عرش آبائه المنعمين، فوجد المملكة تعاني من مصاعب ومشكلات أعقد من ذنب الضب، وكانت هذه المشكلات وليدة اثنتين:
1-العزلة غير الطبيعية التي فرضها المغاربة على أنفسهم بدافع التطهر والتزمت، وبحجة تفادي التسرب الأجنبي.
2- المطامح الأوربية التي كانت تصبو إلى جعل المغرب ضمن دائرة نفوذها واستغلالها واستعمارها.
ولكن مولاي الحسن الأول، المتحلي بالشهامة والشجاعة والحنكة السياسية وطول الأناة قبل التحدي بصدر رحب، كما قبل المبايعة وتحمل مسؤولياتها عن طيب خاطر، وتصدى لمواجهة المصاعب وترويضها وتذليلها والتغلب عليها، سواء كانت نابعة من المطامع الأجنبية أو الصادرة عن العزلة التي فرضها المغاربة على أنفسهم، فشرع يخطط لجهاده الأكبر، وينفذ مشاريعه بنجاح ملحوظ.
توطيد الوحدة الوطنية: أول شيء قام به مولاي الحسن الأول هو تمتين دعائم الوحدة الوطنية، وتوفير الأمن للبلاد والعباد، وقمع بوادر الفتنة والتمرد أينما لاحت. وقد نجح العاهل الكريم في قمع ثورات انبعثت على أيدي رؤوس فتنة غررت بهم كبرياؤهم فحالت دون مبايعتهم، أو زين لهم الشيطان روح العصيان فحال دون مطاوعتهم للحق، ورضوخهم لواجب المواطنة، وواجب الشرع الحنيف الآمر بإطاعة الله والرسول وأولي الأمر.
 تفقد أحوال البلاد: لتحقيق هذا الغرض قام مولاي الحسن الأول بعدة رحلات متتالية تجشم فيها -نسبيا- وعثاء السفر الطويل العريض، فزار أقاليم مملكته من أدناها إلى أقصاها متفقدا أحوالها، ومزودا إياها بما تحتاج إليه من مؤسسات الدفاع من أبراج ومعاقل وحصون، ومن مؤسسات اجتماعية نافعة، ومحييا صلة الوصل والود والولاء التي تجمعه ورعاياه الأوفياء، ويكنه له الأشراف والعلماء والمرابطون والوجهاء، ومشجعا للجميع على التيقظ والتحرز والاحتياط المتواصل.
ومن رحلاته الجليلة تلك التي قام بها إلى الشمال أواخر سنة 1306 وأوائل السنة التالية، ولا يزال أبناء الشمال يذكرونها بكامل الفخر والاعتزاز، ويحتفلون بحلول ذكراها المئوية الأولى.
 تعزيز الاقتصاد الوطني: ومن ذلك التعزيز، إصدار عملة حسنية فضية وبرونزية بأعداد كبيرة تفي بحاجات المواطنين، وتنافس بعض العملات الأجنبية التي كانت تروج في الأسواق المالية إلى جانب العملة الوطنية. ومما تجدر ملاحظته في هذا الصدد أن العملة الحسنية ظلت تروج بالشمال إلى قيام الحرب العالمية الثانية، حينئذ جمعت من شمال المملكة، واستعيض عنها بالعملة الورقية والبرونزية من البسيطة الاسبانية.
 ومن أوجه تعزيز الاقتصاد الوطني البحث عن المعادن، وفعلا تم اكتشاف معادن في عدة نواح من المغرب، ولكن الكثير منها لم يتم استغلاله أو تصنيعه لعدة عوامل أهمها عدم توافر الخبرة الوطنية، وعدم توافر المال. وبما أن الدول والشركات الأجنبية كانتا تتكفلان بالقرض والتمويل والإنجاز، فإن العاهل ورجال دولته توجسوا خيفة منهما.
 تنظيم شؤون الدفاع: مما شغل بال مولاي الحسن الأول العمل على زيادة تحصين البلاد، وتحديث أسلحة الدفاع، وتحسين تداريب الجيش، لتبقى هيبة البلاد محفوظة مصونة في الداخل والخارج، ومما يدخل في نطاق تحسين الدفاع إنشاء مصنع حربي بفاس لتوفير السلاح والذخيرة للجند، ثم بعث بعثات عسكرية إلى بعض الدول الأوربية بقصد تخريج ضباط ومهندسين عسكريين أكفاء.
 بعث البعثات العلمية: من أهم وجوه الإصلاح التي قام بها مولاي الحسن الأول، إرساله البعثات العلمية إلى بعض دول أوربا، بغية الاغتراف من ينابيع العلم الحديث، وتخريج طلبة مغاربة أكفاء في مختلف العلوم والفنون، والاستغناء - ولو بعض الشيء- عن خدمات الأجانب التي تكلف الخزينة العامة الشيء الكثير، وكانت هذه البعثات العلمية  تفي بالأغراض المطلوبة منها لو توافرت لها شروط:
1- استكمال التثقيف العام الذي يسبق التخصص، قبل أن تتوجه إلى استكمال دراساتها العليا في أوروبا.
2- المكوث في أوروبا مدة أطول، حتى تستكمل دراستها وتنال شهادتها العليا المطلوبة.
3- ضمان مستقبل أعضاء البعثات الناجحين العائدين، بتوفير وظائف مناسبة لتخصصاتهم، فبتوافر هذه الشروط كان يمكن للبلاد أن تنتفع بجهود العائدين وخدماتهم على وجه مرض.
سن الرشد: وتتم مشاريع مولاي الحسن الأول من عمرها الواحدة والعشرين، وهي سن الرشد لدى الأفراد، وكان من الممكن - في هذه السن- أن توتي المشاريع أكلها الطيب، ولكن الأجل المحتوم حال دون ذلك، إذ فاجأته المنية وهو في رحلته ما قبل الأخيرة للتوجه إلى رحلته الخالدة إلى العالم الآخر، عالم الطهر والخلاص من أعباء الدنيا الكنود، نور الله ضريحه وقدس روحه، وأسكنه فسيح جناته، وأطال عمر حفيده وسميه مولاي الحسن الثاني، ونصره وأيده وسدد خطاه، وحفظه وحفظ قرة عينه وولي عهده سمو الأمير مولاي محمد، وصنوه مولاي رشيد، وسائر الأمراء بما حفظ به الذكر الحكيم، إنه سميع الدعاء قريب مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here