islamaumaroc

الحسن الثاني رائد البعث الإسلامي والإصلاح الديني.

  إدريس العلوي العبدلاوي

268 العدد

 في هذا اليوم بالذات، يوم ثالث مارس الربيعي الأخضر الزاهر الأنضر، المشرق بالبشرى، المعطر بأزكى النفحات والبسمات، الساطع بأحلى الآمال والأمنيات، المبشر بأجمل الأيام وحلول أغلى وأعز الذكريات، في هذا اليوم بالذات يستحضر المغاربة قاطبة أروع وأخلد ذكرى من ذكريات تاريخهم الحافل بالأمجاد والمكرمات، الزاخر بالعطاءات والخيرات ففي مثل هذا اليوم بويع جلالة الملك الحسن الثاني المحبوب، من لدن الأمة جمعاء ملكا على المغرب معتليا بالتجلة والإكبار عرشه الخالد وعرش القلوب، فاختاره الشعب قائدا لمسيراته، ورائدا لملاحمه وبطولاته، وساهرا على مقدساته وحرماته، وراعيا لسيادته وعزته وكرامته، وحافظا لمقوماته وأصالته وبذلك كله كان جلالته الرمز الحي والآية الباهرة، والمعجزة الخالدة التي تجسدت فيها عبقريات المغرب وبطولاته العظيمة في شتى مجالي الحياة وحقب التاريخ.
 ولئن كان احتفال المغرب بذكرى تربع جلالة الحسن الثاني على عرش أسلافه الأبرار في مثل هذا اليوم من كل عام يشخص دائما وعلى مر الحقب والأزمان عرى التلاحم الوثيق بين العرش والشعب ويعرب عن المحبة الصادقة، والولاء الدائم، والوفاء المستمر الذي يكنه شعب المغرب لعاهله العظيم جلالة الحسن الثاني الذي يمثل روح الشعب المغربي لأنه حياته ونبض قلبه ووجوده وفيض وجدانه واستمراره ورمز عزته وكيانه. وما الاحتفال العظيم، والاعتزاز الكبير بهذه الذكرى الوطنية المجيدة الخالدة التي تأتي كل عام جديدة في مغزاها، جديدة فيما تسعى وتهدف إليه من مقاصد نبيلة، وغايات شريفة، ما هذا الاحتفال العظيم في الواقع «إلا تكريم وتتويج لحياة ملك عظيم عبقري يتفانى في محبة شعبه، ويؤثره بالتضحية تلو الأخرى وينزله من قلبه منزلة رفيعة يترجمها قول جلالته في إحدى خطبه:«إن العادة جرت بأن يقال أن الشعوب على دين ملوكها، وانا أقول إن ملك المغرب على دين شعبه».
 إن الله سبحانه وتعالى حينما أراد لهذا الشعب العزة والكرامة، والوحدة والسيادة، والاطمئنان والأمان، والاستمرارية في الاستقرار والتقدم والازدهار أنعم عليه بوجود هذا الملك العظيم جوهرة الدولة العلوية المنيفة،وسلالة الدوحة النبوية الشريفة، ومنحه الحكمة والتبصر، وصدق المنطق ورجاحة العقل وأقدره سبحانه وتعالى على القيام بالرسالة والاضطلاع بالأمانة وتأدية المسؤولية، والنهوض بأعبائها، ضاربا حفظه الله في ذلك كله مثلا ينبض بالحياة في سبيل رقي شعبه، وتقدم أمته وعزة وطنه، بحيث يمكن القول أن عمل جلالته في هذا المجال مع ما يتسم به ذلك العمل من تضحية وتفان وجهاد مخلص لبلوغ الغايات المأمولة هو عمل لا نعدو الحقيقة إذا قلنا أنه عمل عديم النظير على مستوى الزعامة والريادة وقيادة الأمم صوب أهدافها في عالمنا المعاصر.
 وجدير بأمتنا وهي من طنجة إلى الكويرة تتبارى في الاعراب عن مشاعر فرحتها وابتهاجها بهذا الحدث التاريخي العظيم، أن تعتز أيما اعتزاز، وتفتخر كامل الافتخار بهذه الذكرى المجيدة الغالية، وما ترمز إليه من أمجاد وبطولات صنعها ملوك الدولة العلوية الأماجد، وحافظ على أصالتها وأبرع في تجديد معالمها جلالة الحسن الثاني مسايرة لروح العصر، وما يتطلبه تبعا لذلك بناء المغرب الحديث.
 وهكذا أوجد جلالته بإيمانه الراسخ، وعبقريته الفذة وتضحيته الصامدة، وعمله الصالح وقيادته الرشيدة شعبا جديدا ومغربا جديدا هو شعب ومغرب الحسن الثاني في عهده الفاخر الزاهر وكلاهما شاهد بنفسه عن سر تلك المحبة العميقة المتبادلة، وذلك الرباط الوثيق الذي يجعله ملتحما بالعرش ومتعلقا به أقوى ما يكون التعلق والالتحام والوفاء، ومؤمنا به أشد ما يكون الأيمان.
«وكيف لا نحتفل بهذه الذكرى التي تعد بحق تعبيرا صادقا على الحب والوفاء لقائد المسيرة وموحد التراب الوطني جلالة الملك الشهم الحسن الثاني الجالس على عرش الأفئدة والقلوب، أن الاحتفال بهذه الذكرى المجيدة كلما شرفت دين في عنق الشعب الوفي، للعرش الوفي، الشعب الذي يقرر الخدمات المثلى والنهضات الفكرية والأدبية والعلمية والصحية والاقتصادية والسياسية الحكيمة التي تتوالى وتتصل حلقاتها بجهود هذا الملك المفدى رمز السيادة المغربية والسلطان القائد للشرف والسمو والعزة والكرامة».
كيف لا نحتفل بعيد العرش وصاحب العرش.
«وللعرش في المغرب قوة رسوخ وتمكن في القلوب والعقول ذلك أن المغاربة منذ أن وعوا الحياة السياسية واهتدوا إلى نظام لكيانهم اقتنعوا أن الملكية الدستورية هي الأصلح والأقوى والأبقى، وكانت ملكيتنا دستورية حتى قبل أن يظهر النظام الدستوري في العالم لأن الإسلام ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم بشكل يجعل النظام السياسي متوازنا ومنضبطا وقائما على أساس راسخ لا يتزعزع، فمنذ قرون عديدة وبالضبط منذ منتصف القرن الثاني للهجرة أدرك المغاربة أن النظام الملكي هو الملائم لطبيعتهم والمنسب لمناخهم الاجتماعي والحضاري، والمتفق وأهواءهم وأمزجتهم وطبائعهم، والمستجيب لرغباتهم ومطامحهم وآمالهم لذلك وجد شعبنا في الملكية ذاتيته واطمأن إلى صلاحية الاختيار، واستقامة الطريق، ونجاعة النظام وقوته وقدرته على تحقيق تطلعاتهم في الحياة الحرة الكريمة.
للعرش قوة رسوخ وتمكن من القلوب والعقول فالمغاربة آمنوا وأدركوا ووعوا وتعاطفوا وتجاوبوا وانسجموا مع النظام الملكي من عهد الأدارسة، ومرورا بالمرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والوطاسيين وانتهاء بعهد الدولة العلوية التي مضى اليوم على إنشائها زهاء ثلاثة قرون ونصف القرن، وقد سعى الشعب إليها وشجعها وأقامها هو بنفسه نظاما وكيانا له.
العرش في المغرب عقيدة واتجاه، ويقين والتزام وتعاقد اجتماعي موصول الأسباب راسخ الجذور ضارب في أعماق الواقع لقد تعلق المغاربة بالعرش تعلقا روحيا ووجدانيا وفكريا وجاءت البيعة الشعبية الشاملة لهذا العرش لتثبت حقيقة النظام وطبيعة العلاقة بينه وبين الشعب. هذه القاعدة المتميزة المطبوعة بطابع البقاء والاستمرار والتواصل تجعل الملكية المغربية نظاما عزيز المنال بل عديمه على الإطلاق لذلك كانت ملكية المغرب نسيج وحدها بخصوصياتها ومميزاتها وانفرادها بين أنظمة الحكم في العالم كله».  
"فتاريخ بلادنا عبارة عن أسر حاكمة تنسجم مع الشعب وتتقدم لقيادته، والدفاع عن الدين وعن الوطن وحماية استقلالهما وما دام الملك والأسرة قائمين بواجبهما سائرين في صفوف الشعب لتحقيق أهدافه، والذب عن كيانه، فإن الشعب يخلص لهما ويخوض معهما كل المعارك التي يخوضونها، ذلك ما كان عليه حالنا منذ العصور الأولى للتاريخ، ويكفي أن نستحضر الدول الإسلامية الواحدة بعد الأخرى لنعلم صحة ما نقول». 
ويعطي جلالة الملك لرابطة البيعة بعدها الديني فيقول:« إن روابطنا وأسس تعاملنا ليست تلك الأسس المصطنعة التي خلقها التاريخ صدفة بل هي قبل كل شيء ترابط وتعامل مبني على أعز ما هو في أنفسنا، وأقدس ما في أرواحنا وهو الإيمان بالله وبرسوله». 
وإذا كان أساس البيعة دينين، فإن الدين أهم عنصر من عناصره.
«ولا شك أن البيعة راجعة إلى أهمية نصب الخليفة الذي يتحقق بوجوده المحافظة على مقاصد الشريعة الضرورية.
ونظرا لما للسلطان من مقام كبير في حفظ النظام، واستقرار الأحوال، وإشاعة الأمن والطمأنينة حض علماء أهل السنة على لزوم الطاعة على العامة، وعلى حظر الخروج عن الإمام ولو زاغ».
«فالبيعة رباط بين الحاكمين والمحكومين تجعل الطرفين معا يتعاونان على البر والتقوى، ومنع الإثم والعدوان وهذا هو المراد من استخلاف الله للإنسان في الأرض فكل عمل يهدف إلى هذه الغاية هو عمل لله، وما يكون لله يدوم ويتصل.
ويضيف المقال قائلا: ونحن إذا نستقبل هذه المناسبة السعيدة نرى كيف استقام هذا الأمر وتمهد وتوطد وطوى مرحلة ربع قرن كامل مليء بالأعمال والإنجازات التي جعلت من المغرب دولة عصرية عريقة... قديمة حديثة، تبني مستقبلها بإيمان وطموح وتعزز مركزها الدولي على الصعيد العالمي بسياستها الرشيدة، ونظرتها البعيدة، فنعلم أن ذلك من بركة البيعة الشرعية وتلاحم القاعدة والقمة بحكم الرباط القوي المتين على العمل النافع، والسعي الناجع، والقول الذي يعضه الفعل النية الحسنة التي لا يثمر شيء بدونها وبذلك الرباط المبارك أمكن للطرفين تحقيق مستلزمات البيعة في الماضي وبه سيتمكنان من تحقيق هذه المستلزمات في المستقبل بحول الله».
وهكذا فكلنا نعيش بيعتنا لأمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني بارك الله في عمره، فعلينا أن نبقى أوفياء للعهد بصدق. وأن نشد من أزره ونلتف من حوله وننصر حكمه بما أوتينا من قوة وجهد، فإطاعته ونصرته من إطاعة الله ورسوله ونصرتها. وذلك لأنه حامي الوطن والدين، ورافع لولاء الإسلام والمدافع الأمين عن حقوق العرب والمسلمين، فهو ينهج نهج جده رسول الله صلى الله عليه وسلم في سياسته الداخلية والخارجية في مبادئ واضحة مبنية على الحق والعدل والسلام.
تعانق فينا العرش والشعب دائما      على البر والتقوى ومعجزة العصــر
إذا ذكر المجد الأصيل بأهلــه         فنحن بفضل العرش أجدر بالذكـــر
كفاني اعتزازا بالمليك ومجــده        فقد رفع الله العزيز به قــــــدري
مدحتك حيا في علاك مبايعـــا        على الصدق والإخلاص في السر والجهر 
فإذا كان أساس البيعة ديني، وإذا كان العرش العلوي المجيد ميثاق ديني وروحي وعقائدي. وإذا كان هذا العرش العظيم مطبوع بطابع الخلافة الإسلامية القائمة على رباط البيعة المقدس وإذا كان الاحتفال بعيد العرش كما يقول جلالة الملك حفظه الله وقوله خير من يجسد ذلك المغزى العميق لمفهوم الاحتفال بعيد العرش. «إن عيدنا الوطني الذي نحتفل به، ليس عيد ذكرى جلوسنا على عرش أسلافنا المقدسين فحسب، وإنما هو عيد نحيى باحتفالنا له أصدق وأخلص تحية تلك القيم السامية الثابتة المستقرة في أعماق كياننا، ونخلد ذكريات وأمجاد تلاحقت على امتداد ماضينا وتألفت صفحاتها في عرض تاريخنا الطويل».
وإذا كان هذا الاحتفال العظيم بالعرش يأتي كل ذكرى عيد العرش قويا جديدا رائعا. فإنما هو في الحقيقة احتفال وتمجيد بصاحب العرش جلالة الملك الحسن الثاني المجدد حفظه الله ونصره الذي أسدى لهذه الأمة كل خير في دينها ودنياها وبوأها مقاما كريما بين الأمم والشعوب. وتمجيد للتاريخ الحافل بالمفاخر والمكارم تاريخ دولة ملوكنا العلويين الأشاوس الأماجد الذين بذلوا الجهود المضنية في سبيل تحقيق وحدة البلاد والحفاظ على سيادتها، وتجديد ما رث من حبل الدين وحماية الكيان وضمان الاستقرار والأمان، يقول جلالة الملك حفظه الله: «إذا كان سلفنا الصالح قد قاموا بالدور الحضاري الذي ألقاه الإسلام على عواتقهم أحسن قيام حسبما أدركوه وتصوروه وعلى النحو الرائع الذي أبدعوه وابتكروه، فإن ذلك يدفعنا إلى مواصلة نفس الدور لكن على نحو جديد، ونمط فريد يتناسب مع معطيات هذا العصر».   
لقد كتب الله العرش العلوي المجيد الرسوخ والتمكين والاستقرار والاستمرار، لأنه عرش قائم على أساس البيعة والبيعة ميثاق ديني وروحي وعقائدي لذلك كان من مقومات ثبوت هذا العرش التمسك بالكتاب والسنة ومن أهداف رسالته الخالدة المحافظة على الشريعة الإسلامية وتثبيت دعائمها، ونشر تعاليمها وقيمها السامية على مر الحقب والعصور.
ويكفي دليلا على ذلك، عناية ملوك الدولة العلوية المباركة ورجالاتها بالكتاب والسنة تعلما وتعليما وعملا حيث لم يكتب لدولة من دول المغرب غيرها من طول العمر واذعان أهل المغرب وتعلقهم وإخلاصهم مثل ما كتب لها.
«فقد قام ملوكها العظماء بجمع الكلمة، وضم الشمل والاجتماع على كلمة واحدة، وعنايتهم بالعلم وخصوصا علوم الكتاب والسنة كنار على علم، ولم يكن ذلك فيهم خاصا بالملوك وحدهم بل كان رؤساؤهم وفضلاؤهم يتنافسون فيه، ويعمرون به مجالسهم، ولضيق المقام وعدم الخروج عن الموضوع كثيرا أخص بالذكر منهم أربعة،  سيدي محمد بن عبد الله، مولاي سليمان بن محمد، والإمام المنقد محرر المغرب ومخلصه محمد الخامس، وخليفته جلالة الملك الحسن الثاني رحم الله سلفه وبارك في عمره وبلغه الآمال، ووفقه لصالح الأعمال، وأقر عينه بولي عهده سيدي محمد». 
                                                      ***
لذلك يلاحظ الدارس لحياة هذا الملك العظيم أن عبقريته تستمد مددها وسندها وقوتها من الوحي،  الكتاب والسن، ولذلك تراه يتجه في كل ما يصدر عنه من قول أو عمل أو تخطيط إلى غاية واحدة ومقصد واحد هو توحيد القلوب، وتنوير العقول وتوحيد السبل للبعث الإسلامي المحترم، إيمانا منه بأن الثقافة العربية والحضارة الإسلامية التي درجت عليها أمتنا ما هي إلا تعبير عن أسلوب حياتنا ونوع اختيارنا وتنظيم لقوة وحدتنا وشدة ارتباطنا، وتمكين لحاضرنا وتخطيط لمستقبلنا على أساس الإيمان والعلم والعقل والتدبير.
 من هذا المنطلق الواضح الراجح يتبين الباحث الدارس لمراحل حياة جلالة الملك الحسن الثاني منذ نشأته وتطوره إلى بداية تحمل مسؤولياته كولي للعهد، وكأمير للمؤمنين الذي تقلد الأمانة كخير خلف لخير سلف بعد وفاة والده رحمه الله وقدس روحه، يتبين الخط المستقيم والنهج الواضح الذي تابع جلالته السير فيه، والذي اختطه قادة المغرب وملوكه منذ البدء وأحياه وجدد معالمه أجداده الكرام منذ عهد المولى إسماعيل إلى عهد محمد الخامس رحمه الله.
 يقول جلالته في أول خطاب وجهه إلى شعبه الوفي إثر توليته الملك في 3 مارس 1961.
 «وإنني أعاهد الله وأعاهدكم على أن أضطلع بمسؤولياتي وأؤدي واجبي طبق مبادئ الإسلام وقيمه السامية وتقاليدنا القومية العريقة، ومقتضيات مصلحة الوطن العليا، كما أعاهد الله وأعاهدكم على أن أدافع عن حوزة الوطن واستقلاله وسيادته، وأحرص على وحدته وإعلاء شأنه بين الدول».    
 لذلك نجد جلالته حفظه الله وأمد في عمره بصفته أمير المؤمنين وحامي الملة والدين، منذ أن قلده الله أمر هذه الأمة واستخلفه على أرضه وهو لا يألو جهدا في تدعيم وإرساء قواعد الدين الحنيف بين طبقات رعيته، وذلك بإنشاء المدارس والمعاهد والكتاتيب القرآنية وتعميمها في المدن والقرى والعمل على نشر الدعوة السلفية في ربوع مملكته السعيدة وإحياء سيرة السلف الصالح، وإحياء التراث الفكري والإسلامي وتطبيق الهدي النبوي، ولم يكن ليقبل الانحرافات والاجتهادات المريبة بل يعمل على محاربة ما شاع من أفكار خارجة عن الدين وجعل الدين أساس كل تربية وعدة كل عمل، ولهذا رأيناه حفظه الله يبني المساجد ويكثر منها ويحض على توفير الوعاظ الذين يبصرون الناس بأمور دينهم ويبلغونهم أحكام شريعة الله كما يأمر حفظه الله بتجديد المجالس العلمية وانتشارها وترؤسها. وتوجيه أعضائها عند تعيينهم وكذا رؤسائها إلى ما ينبغي لهم عمله وفق الخطة السديدة المحكمة التي أمر جلالته بالتزامها. وقد كان حفظه الله في توجيهاته وتنبيهاته مجددا ورائدا يدعو إلى اشعار الرؤساء والأعضاء إلى أنه ينبغي لهم أن يبادروا إلى القيام بما أسند إليهم من عمل ومهام ولكن بأسلوب العصر وحركته وتطوره وظروفه حتى لا تصاب المجالس بالجمود والركود يقول جلالته:
 «فعلى مجالسنا العلمية أن لا تبقى منحصرة في نواقض الوضوء وموجبات الغسل، عليها أن تواجه الغزو الخارجي والغزو المادي وحتى تعرف بالإسلام وخصاله وفضائله وتساهله أقول: تساهله لأن الدين يسر وليس بعسر ولن يشاد أحدكم هذا الدين إلا غلبه، فبشروا ولا تنفروا، وافتحوا قلوبكم لكل سائل وافتحوا أدمغتكم حتى تجلسوا معه على مستواه الاجتماعي والفكري والسني».   
                                                       ***
 كما نرى جلالته يحث على التشبث بقيم الإسلام والدعوة إليها في كل مجال ومقال، فلا تكاد تخلو خطبة من خطبة أو تدخل من تدخلاته، أو حديث من أحاديثه أو تصريح من تصريحاته من توجيه إلهي من القرآن الكريم أو تذكير بسنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بالاستدلال بحديث نبوي، أو أثر من آثار الخلفاء والعلماء تذكيرا بها وبعثا للعزائم للعمل بما جاء فيها، كما يحرص حفظه الله على أن يبدأ كلامه بالحمد لله والصلاة على رسول الله الأكرم، ويختمه بآية أو آيات من كتاب الله الحكيم. وتتجلى أيضا أعماله الجليلة الخالدة التي تبعث على الفخر والاعتزاز، في تحصين الإسلام والذوذ عن حياضه ورفع رايته وإعلاء شأنه، في الحفاظ على مكانة القرآن الكريم بين المغاربة تلك المكانة المتجلية الواضحة في طبع المصحف الحسني الشريف طباعة رائعة، وتقديمه هدية إلى كل مسلم برسالة ملكية يطالعها القارئ في بداية المصحف الكريم. كما أمر حفظه الله بالإكثار من الكتاتيب القرآنية في مدن المغرب وقراه، وتأسيس دار لتجويد القرآن والقراءات السبع، وتخصيص جائزة كبرى سنوية تحمل اسمه الكريم لتشجيع الشباب والأطفال على حفظ كتاب الله العزيز، «وإحياء مدارس تحفيظ القرآن بالروايات في دار زهير قرب طنجة وزاوية سيدي الزوين قرب مراكش وغيرهما، تلك المدارس التي كانت لولا همته وعنايته مشرفة على الدثور والاضمحلال»« وكذا إرساله المتين من الحجاج كل سنة على نفقته إلى الديار المقدسة، وكسوة أضرحة الرجال المشهورين بالعلم والصلاح والجهاد، ونفحة اليتامى والأيامى والمقلين من ذوي البيوت النبيهة بالهبات والعطايا بالحرمين الشريفين، وبيت المقدس والعتبات المقدسة بالعراق وأمثال ذلك شرقا وغربا».  
                                                      ***
 وتعزيزا لاهتمام جلالته الدائم بكتاب الله احتفاله رسميا بذكرى نزول القرآن، ومرور أربعة عشر قرنا على نزوله بحضور علماء من المغرب والمشرق(1387)(1967)، وترؤسه رسميا لهذا الاحتفال العظيم في تاريخ المسلمين (وما يرمي إليه من وصل الحاضر بالماضي، والإعلان لشعوب الأرض أن المغاربة والمسلمين يصرون على أن تبقى هذه الصلة وتتحكم وإن تتمكن العقيدة الإسلامية، والقيم المثلى من نفوس المسلمين وتنبيههم إلى عظمة الحدث الذي فرق بين عهدين وفصل بين عصرين وأقام بنيان الدنيا على أساس جديد). وقد أكد جلالته في خطابه الكريم بتلك المناسبة، حقيقة رسالة الإسلام وما حققت، من نتائج رائعة لأمته، وليست هناك دولة في العالم الإسلامي تهتم بشؤون القرآن الكريم وحفظه وترتيله كما هو الحال في المملكة المغربية وهذه وراثة الأبناء عن الآباء عن الأجداد، وهي عادة يحبها الله ورسوله والمؤمنون.
                                                      ***
وتبعا لذلك اعتنى جلالته بميدان التعليم الإسلامي الأصيل، مجددا ما اندثر منه، ونظم جامعة القرويين التي تعد حصنا للغة العربية والحضارة الإسلامية، وأنشأ دار الحديث الحسنية على تقوى من الله ورضوان وشرفها باسمه الكريم شعورا من جلالته بالدور العظيم والرائد الذي يجب أن تقوم به كمثيلتها جامعة القرويين لتكون عاملا من عوامل التقدم العلمي في بلادنا ومنارا يهتدي به المسلمون في كافة أرجاء العالم الإسلامي مما جعلها وجه المغرب المشرق وعنوان حضارته ومظهر كماله.
                                                      ***
ومن أعماله الإسلامية الجليلة الخالدة قراره التاريخي العظيم بتنظيم مسيرة خضراء سلمية قوامها ثلاثمائة وخمسون ألف متطوع ومتطوعة تتوجه إلى صحرائنا السلبية لتلغي الحدود الوهمية ولتصلي صلاة الشكر والحمد لله على ما أنعم ومنح ولتربط الماضي بالحاضر، مسيرة سلمية لا تحمل سلاحا ولا عتادا ولا تريد ظلما ولا عدوانا وإنما سلاحها كتاب الله الكريم، وهدفها وحدة المغرب، وجمع الشمل، وصلة الرحم.
وإن مسيرة سلمية روحها الإيمان، وسلاحها القرآن، وهدفها توحيد الصف والكلمة وجمع شمل الأقارب والأحبة وإرجاع الحق إلى نصابه، يخطط لها ويقودها ملك رائد عظيم، وقائد محنك حكيم، ويحوطها شعب مؤمن قوي صامد كفيل أن ينصرها الله ويحميها، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.
لقد كانت المسيرة الخضراء هجرة إلى الله ورسوله، وكانت أروع خطوات الحسن الثاني وأنجحها، طلع بها على الدنيا بأسلوب جديد في التعامل والتحرير اقتبسه من الكتاب والسنة وحقق به ما لم تستطعه الجيوش، وكان في هذا رائدا وموجها ومنقذا. وكان قراره هذا اختيارا فريدا وسلاحا جديدا، وخطة حكيمة.
                                                      ***
والمتتبع لجهود مولانا أمير المؤمنين في هذا السبيل باعتباره الرجل المؤمن، ورائد الإصلاح الديني يقف مندهشا عاجزا عن الحصر والتعداد.« ومع ذلك تبقى الدروس الحسنية التي اخترعها وأطرها تأطيرا خاصا في مقدمة السمات التي تبرز دوره كمصلح ديني حيث يستقطب لها خيرة العلماء من كل حدب وصوب، ويختار الموضوعات الدقيقة والجيدة التي تترك أحسن الانطباعات في نفسية المواطنين عموما، ورجال الفكر والمعرفة بوجه خاص. وهذه الدروس لا يكتفي بها في جوانب القصر، بل يعم نفعها الكل سواء عن طريق الإذاعة أو التلفاز أو عن طريق النشر في كتب أو مجلات، وستبقى من مفاخر جلالته التي لا يمكن للدارس أن يغفل عنها حين يدرس شخصيته العظيمة».
«وقد تتوج هذه الدروس الحسنية بالدرر الغالية التي يلقيها جلالته عند شرحه لحديث من الأحاديث النبوية أو تفسيره لآية من الآيات القرآنية فيبدع حفظه الله غاية الإبداع ويشهد له العلماء الأجلاء من المشرق والمغرب بغزارة علمه وسمو إدراكه، وتضلعه في تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على ضوء أحداث العصر».
كما يحرص جلالته على إحياء الليالي الدينية كليلة القدر المباركة وليلة عيد المولد النبوي الشريف، وكلما حلت مناسبة كريمة تدعو إلى ذلك.
                                                      ***
وسعيا من جلالته حفظه الله في تكثيف هذه الجهود الإسلامية وإحياء التراث والفكر الإسلاميين، وتطويرا للحياة الفكرية وإغناء للبحث والاستقصاء، والدراسة في ميادين الفقه والعلوم والفكر والثقافة والمعرفة. تم تأسيس «أكاديمية المملكة المغربية»تحت شعار «حمل الأمانة الربانية الملقاة على عاتق الإنسان».
                                                      ***
وعقد ندوة «الإمام مالك» وندوة« القاضي عياض» وندوة« البيعة والخلافة في الإسلام» وندوة «الطرق الصوفية» وتأتي أول ندوة للطرق الصوفية بالمغرب. «دورة التجانية» ليضيف الملك المصلح في خضم الصراع بين السلفية الحق والتصوف موقفا يشير فيه بكل وضوح إلى جانب جديد وهو الحكم الواعي في الخطاب الذي بعث به للندوة بتاريخ 23 دجنبر 1985. ويقول جلالته من خلاله في درره الخالدة:« إن التصوف الإسلامي بنقائه وصفائه واقتباسه من مشكاة النبوة وجذوتها كفيل إذا سلك به أهله العارفون المسالك الصحيحة السليمة أن يسهم الإسهام الكبير في إصلاح أحوال المسلمين بإرساخ الإيمان بالله في قلوبهم، وتعميق الشعور بالوحدة وتمتين عرى الأخاء في نفوسهم ودفعهم إلى التعاون على البر والتقوى والتناصر والتآزر على الحق لتبقى كلمة الله هي العليا ولتكون العزة لله ولرسوله. وتستعيد الأمة الإسلامية سالف مجدها، وسابق سؤددها وتقوم بدورها في إصلاح أحوال العالم وإسعاد البشرية».
                                                      ***
ومن جهوده الطيبة المباركة أعزه الله في سبيل تحقيق الوحدة الإسلامية أنه لم يعمل ويخطط للبعث الإسلامي في وطنه الصغير فحسب، بل دعا له وطبقه وحدد معالمه كوسيلة وطريق لإحياء أمته الإسلامية، وبعث وجودها وكيانها، ولقد سجل التاريخ بمزيد الفخر والإعجاب دعوته الكريمة لعقد أول مؤتمر للقمة الإسلامية بمدينة الرباط إثر العدوان الصهيوني على المسجد الأقصى.
«هذا المؤتمر الذي كان أول لبنة لقيام صحوة إسلامية تعيد للمسلمين قوة رباطهم، ويشتغلون في إطار التعاون والتنسيق والتشاور، والذي نشأت على إثره المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، لتكون ذلك الجدار الذي طلب جلالة الملك تشييده ليجتمع حوله المسلمون، يحتمون به، ويمدون بعده جسور التعاون والتفاهم، وعلاقات المودة والصفاء. يقول جلالته حفظه الله «إنني أرى ولله الحمد أن تلك الشعلة التي شارك في نشرها كل أعضاء المؤتمر ابتداء من سنة 1969، لم تنطفئ بل زادت قوة وانتشارا في العالم ولنا اليقين بأن هذه السنة ستكون إنشاء الله سنة فتح وسلام وبركة على الأسرة الإسلامية وعلى الأسرة العربية، ويقينا أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بما يحتويان عليه من أخلاق للمدنية، وأخلاق للدولة وللجماعة البشرية وللمواطنين. وأن السنة المحمدية هي الإصلاح الطبيعي لحياتنا وتعايشنا مع العالم  لأن الإسلام دين الجميع وعالمي، ولأن الدعوة المحمدية لكل الشعوب في الحياة ولكل الأحيان... ».
                                                      ***
ونحن نستعرض جهود جلالة الملك الحسن الثاني في سبيل الدعوة إلى توحيد المسلمين، وجمع شملهم، وتذكيرهم بتاريخهم المجيد، وبحضارتهم العظيمة التي كانت رحمة للعالمين. نتذكر رسالته الملكية الإسلامية التاريخية الكريمة التي وجهها جلالته إلى شعبه الوفي... وإلى عموم المسلمين بمناسبة حلول القرن الخامس عشر الهجري. والتي يمكن أن نسميها رسالة القرن. لما احتوت عليه من نصائح وإرشادات في صميم الحياة الإسلامية العلمية، اعتبارا بالحالة المتدهورة للمسلمين. وانطلاقا من حديث «الدين النصيحة». مهيبا بهم أن يواجهوا بحزم وعزم التحديات والأزمات، وأن يبذلوا في سبيل نصر ملتهم والدفاع عن أمتهم أكبر الجهود وأعظم التضحيات.
(والتي أجمع الملاحظون في الداخل والخارج على أهميتها القصوى باعتبارها منهج عمل طرحه العاهل الكريم في الوقت المناسب إسهاما منه حفظه الله في إيجاد حلول لمشاكل العصر وتقديم دلائل للأمة لتكون لها عونا للخروج من طور التخلف والتيه والضياع).
ونتذكر الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المؤتمر العالمي للإعلام الإسلامي.
ونتذكر الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المؤتمر الدولي الرابع للسيرة النبوية المنعقد«بإسلام أباد بباكستان» يوم 23 نونبر 1985 «ويرى جلالة الملك أن نجعل في مقدمة المهام التي يجب أن نبذل من أجلها الجهود، إعطاء  مدلول البعث الإسلامي صورته الحقيقة بترشيد الصحوة وتوجيهها ورعايتها وفق ما تقتضيه مصالح الأمة، وفي إطار مقاصد الشريعة التي يتعين الاستمساك بها والخضوع لمنابعها الصافية التي هي الكتاب والسنة النبوية »ويقول جلالته: «لقد كان المسلمون سادة هذا العالم يوم كانوا يدركون حقيقة الإسلام، ويتبعون سنة رسولهم المصطفى عليه السلام وينهجون في حياتهم كلها نفح سيرته، فازدهرت دنياهم، وامتد سلطان دينهم إلى آفاق المعمور إشعاعا وإرشادا وتعميما لمبادئ الخير والحق والسلام».
                                                      ***
ونشير أيضا إلى التظاهرة التي حدثت أخيرا والتي كانت فريدة في تاريخ عالمنا الإسلامي وفي السجل الذهبي لمآثر جلالة الحسن الثاني المدهشة، وعبقريته المستنيرة المنيرة وهي مبادرة دعوة جلالته لتنظيم أول ملتقى إسلامي عالمي هام لخطباء الجمعة، شارك فيه العلماء والخطباء من كل أطراف المعمور هذا الملتقى الذي كلل الله سبحانه وتعالى أعماله بالنجاح والتوفيق لأن كل لقاء صالح الإسلام والمسلمين وللصالح العام لا تكون نتيجته إلا خيرا وخيرا عميقا. ولأن كل ما يدعو إليه جلالة الحسن الثاني نصره الله وما يأمر به لا تكون ثمرته إلا محمودة طيبة.
                                                      ***
إن جلالة الملك الحسن الثاني نادرة زمنه في الدفاع عن رسالة جده محمد سيد المرسلين صلوات الله عليه( ولا غرابة في ذلك فإن ما أعطاه الله من علم وعبقرية وذكاء خارق، وإطلاع واسع، وتوفيق من الله في كل أمر يقدم عليه كل هذه النعوث وغيرها مما يتحلى به جلالته من صفات العظمة والكمال، أهله أعزه الله لمواجهة ما عانى ويعاني منه الإسلام والمسلمون فكان دام علاه المنقذ الأكبر، والمثل الأعلى ).
ومهما قيل ويقال: فيبقى جلالة الملك الحسن الثاني أحد القادة العظماء، والوجوه اللامعة يشرف التاريخ الفكري والحضاري والديني والسياسي بالحديث عنه. ولماذا لا يخلد في التاريخ وهو الشخصية المتميزة في كل ميدان بشهادة كل المفكرين من سائر أقطار الدنيا.
لقد ورث عن أجداده حفظه الله العبقرية والبطولة والشهامة وعهده الزاهر مليء بالأعمال الجليلة والمنجزات العظيمة والمشاريع المثمرة، والمبادرات الأصيلة.
وإن الشعب المغربي وهو يومن بأن مجد ملكه مجد لشعبه جدير بتاريخه في الماضي، وخليق بتاريخه في المستقبل.
وإنني لسعيد كل السعادة، فخور كل الافتخار، أن أتشرف وأكون من بين المهنئين والمفصحين عن الولاء والإخلاص لمولانا أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني، رائد البعث الإسلامي والإصلاح الديني.
وخير ما أريد أن أجعله مسك الختام، درة من درره الغالية حفظه الله إذ يقول جلالته:«هنيئا لنا جميعا شعبي العزيز بهذا العيد السعيد الذي أصبح علما بارزا في مرابع أفراحنا ومسراتنا، وهيأ الله لبلادنا بتوفيقه وتيسيره أسباب التقلب المتواصل في نعماء رخاء العيش، وطمأنينة القلوب».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here