islamaumaroc

الحسن الثاني: الخلق الجديد للمغرب الحديث

  حسن السائح

268 العدد

 أبواب التاريخ موصدة لا يفتحها إلا القادرون على حواره والأخذ بناصيته، وحوار التاريخ والأخذ بناصيته علم صعب، لا يقدر على امتلاكه إلا قليل من الأبطال في تاريخ الإنسانية، إن التاريخ للغز محير، لا يستوحيه إلا من يفهم شفرته، ويملك القدرة على فك ألغازه، ولا يستطيع ذلك إلا من عاش التجربة السياسية بكل أبعادها، وتفوق درسا ووعيا لقضايا الإنسان والمجتمع البشري.
إن التاريخ ممتنع عن الانقياد، لأنه وعاء يستبطن جهود بني الإنسان الفكرية ومخططاتهم الإنسانية، لأنه الحياة الكامنة في كل حركة، ولأنه الخلق الجديد المستمر، لذلك فهو لا يعاد ولا يكرر نفسه. فلا يستطيع كل واحد أن يمثل دورا معادا، والتاريخ لا يعاد، وخطأ كبيرأن نظن أنه يعاد، في ملامحه العريضة أو في جزئياته وأحداثه... لا أريد بالتاريخ حركة الزمان العشوائية، ولا أريد به حتمياته التي لا مفر أمة وإنما مجرياته العادية التي تجري سننها على كل مخلوق سوي، وعلى كل مجتمع وكل أمة وإنما أقصد بالتاريخ ذلك التزامن الفعال في حيوية الإنسان الملهم، وتلك الإرادة المبدعة التي تتجلى في الزمان المناسب والمكان الصالح فتعطي لعجلات التاريخ قوة الحركة والدفع إلا الأمام. وكذلك لا أريد بالتاريخ المفاجئات والطفرات، والصدف، فكم للتاريخ من مفاجئات وطفرات وصدف، ولكنها برق خلب تبدو وتختفي دون أن تترك أثرها العميق في المجتمعات والحضارات. أقصد بالتاريخ التخطيط المحكم المبني على التجربة والهادف إلى التطوير.
 أقصد بالتاريخ حسن الإدراك للحدث.وقوة الحدس، والتصور المستقبلي الواضح وتجلية الواقع بكل إمكاناته والقدرة على ربط الأسباب بالمسببات، والحوافز والمحركات بآثارها، وملاحقة الأحداث قبل انفصالها.
 هذا ما أريده بالتاريخ، أريد الإمساك به والتصرف فيه ليتم الخلق والإبداع والانبثاق والظهور وتحرك المجتمعات للبناء الحضاري. هذا ما أريد بالتاريخ وهو أمر صعب، يظن سهلا، وهذه هي عملية التوليد والخلق في فلسفة التاريخ وعلم الحضارات. والذين قدر لهم معرفة أسرار التاريخ والقدرة على التصرف في إبداعه، هم مهندسو الحضارات، وهم القادرون على تحويل مسيرته، يوقفون عجلاته، أو يدفعونها بمهل أو بقوة. حسب المقتضيات الاجتماعية والسياسية التي تضمن النجاح لأعمالهم. 
إن هندسة التاريخ كعلم هندسة المعمار، لها أصولها وخلفياتها، وتفتقر إلى دراية بالماضي وتقدير للحاضر، وتصور دقيق للمستقبل، وعملية معادلات قوى الأمم والشعوب سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
 ويفهم ذلك كله نظريا، وتطبيقا وفكرا، ومعاناة يتحرك التاريخ ويستجيب للمسيرة، إن لحركة التاريخ شروطا أهمها:
 أولا: لا بد من توفير أرضية صلبة ينطلق منها العمل السياسي والاجتماعي أو ما يسمى (بالجيوبوليتيك).
 ثانيا: لا بد من توفر الواقعية السياسية والاجتماعية التي تحدد إمكانيات العمل. فكم من حركة إصلاحية توفرت لها الأرضية. ولكنها كانت خيالية لا تحسب حسابا للإمكانات.
 ثالثا: لا بد من تصور كامل للأهداف والغايات، حتى تنسجم المبادئ والقيم، وتنسجم خطوات التنفيذ مع الأهداف.
 هذه الشروط الثلاث في حركة تاريخ المغرب بقيادة جلالة الملك نصره الله نجملها في التحليل الآتي:
 أولا: ما هي الأرضية التي يكون منها المنطلق، التي اعتمدها جلالته إنها صلابة الأرض التي تنطلق منها حركة الإصلاح والبناء، والتنمية، فكل إصلاح يجب أن ينطلق من أرض صلبة لا من أرض رخوة(كالمطار تماما بالنسبة للطائرات) وأرضية الشعوب أو مطارها، هي عقيدتها وثقافتها، وإمكاناتها الاقتصادية، وتلاحمها الاجتماعي.
 فكلما كانت عقيدتها قوية ثابتة، وميادنيها واضحة، وثقافتها متمكنة، وكانت إمكاناتها الاقتصادية مضبوطة مؤطرة، وتلاحمها الاجتماعي متماسكا.إلا كانت انطلاقتها متوازنة مع إمكاناتها الفكرية والوجدانية والمادية.
 وبالعكس، عندما تضعف عقيدتها، تهن عزائمها وتتلاشى وحدتها، فلا تثبت في دفاع ولا تصمد في كفاح ولا تقوى على تطور وتقدم. فالعقيدة عامل قوي، وهي النواة لكل حركة تختلف قوة وضعها حسب تماسكها وقوتها، وتتعرض للتلف والتزييف كأي كائن عضوي. وعندما تريد تحديد ومعرفة قوة العقيدة في المغرب، نجدها عقيدة إسلامية، واضحة مشرفة لا اختلاف في فهمها،ولا تأويلات في شرحها، عقيدة موحدة في شريعتها، مدونة بمذهبية الإمام مالك، وعقيدة مستمدة من القرآن والسنة وحفظ علماء الكلام المعتدلين، ليست إديولوجية سطحية ولا فلسفة نخبوية، ولا تجربة متغيرة حسب الظروف، بل عقيدة مثالية وواقعية مثالية بمبادئها وواقعية متسامحة في حركتها ودينميتها. ولذلك فالعقيدة الإسلامية طاقة وقوة للفرد والجماعة.وهذا ما جعل المغرب ذا إرادة صلبة لا تلين ولا تستسلم لخصومه، وأعداء وحدته، ولا للدعايات والطائفيات.
 إن العقيدة الإسلامية واضحة، وإذا كان بعض شبابنا أو قلة نادرة، أخذ يعاني ما يسمى سطحيا (بقضية العقيدة الدينية) فهو في الواقع يعاني الاستلاب، وهو ضحية مشكلة مستوردة لا مشكلة ذاتية وردت إلينا مع ثقافة الغرب الذي يعاني بحق أزمة العقيدة.
إن عقيدة الإسلام واضحة فطرية ولدت مع الإنسان لتحرره من كل أنماط العبودية، وظلت على مدى التاريخ أداة تحرر وانضباط، ووسيلة معرفة وعلم، حقا عانت بلادنا كما عانى العالم الإسلامي موروثات ومفاهيم خاطئة عن الإسلام، شجعها المبشرون، والمستعمرون وغرستها المدارس الاستعمارية في عقلية المواطنين وهي في جملتها موروثة عن ثقافة الحروب الصليبية التي حاولت جهدها إطفاء جذوة العقيدة الإسلامية المتأججة، فنشرت الاتكالية والاستسلامية والخمول والخضوع ولكن سرعان ما ظهرت الحركة السلفية في المشرق والمغرب معا، ولم تلبث أن أعادت للعقيدة الإسلامية نصاعتها وفعاليتها. المحفوظة بعناية الله ورعايته، ومع الأسف لم يفهم كثير من المؤرخين المعاصرين معنى السلفية، وهدف رسالتها في هذه الحقبة، فليس فيها معنى العودة إلى الماضي على حساب الحاضر والمستقبل، وإنما هدفت إلى تحرير الحاضر وبناء المستقبل مستوحى من تراث الماضي والترابط معه، والماضي هو الحجة البالغة على تبيان الطريق المستقيم، وحولت الحركة السلفية الضعف والاستسلام إلى قوة مقاومة، وأذكت شعلة الفكر الإسلامي، وتساءل المسلمون: لماذا تأخروا وتقدم غيرهم؟ هل دينهم مصدر تأخرهم، أم تخليهم عن عقيدتهم السليمة هو مصدر التخلف؟
 وهنا ارتبطت حيوية العقيدة بإحياء التاريخ لأن العقيدة تظهر في التاريخ. وهو وحده الناقد الأمين لطبيعة العقائد: والمفرق بين الجوهر والعرض. وما التاريخ إلا مرآة للحضارات، إن التاريخ شاهد أن الشعوب الإسلامية لم تتحرر بالاقتصاد أو القوة العسكرية وإنما تحررت بعقيدتها وفي المغرب (مثلا) لم يبدأ التاريخ بدخول الفينيقيين إلى المغرب، ولا بدولة القرطاجيين ولا أيام حكم الرومانيين والبيزنطيين، وقد ظل طيلة هذه الحقبة المديدة يستشعر حاجته إلى دولة ولم يستطع مسينسا، ولا يوغرطة ولا يوبا، ولا كسيلة، أن يحققوا للمغرب وحدة أو دولة أو أمة.
 ولم تستطع المسيحية عند (سانت أوجست) في جبال (الأوراس) الدوناتزم في قومية (دونات) أن تنشر عقيدة، وإنما أذكت الشعور بالحس الديني، والعقيدة الإسلامية وحدها جعلت من المغرب أمة كان مخاضها عصر الولاة، وميلادها عهد الأدارسة، ومن تم وهي تستكمل نموها في عهد المرابطين والموحدين والمرينيين، وعندما سقطت الأندلس، عمل السعديون على الامتداد الطبيعي في جنوب المغرب، وجاء العلويون ليحققوا وحدة البلاد، ومقاومة التيار الأجنبي، الذي أخل بتوازن البحر الأبيض المتوسط ثم جاء محمد الخامس قدس الله روحه ليقضي نهائيا على الاستعمار والاعتداءات الظالمة على إفريقيا والعالم العربي، وبقيت الدولة المغربية صامدة حيث فشلت مختلف الأنظمة في البلاد العربية والإفريقية والأسيوية، لأنها في المغرب اعتمدت عقيدتها وحققت أهدافها وأعربت عن تلاحمها.
 وجاء الحسن الثاني، وقد أعطى التاريخ كل حججه وبراهينه، على أن إخلاص العرش للشعب وتفاني الشعب في العرش. أساس نجاح التجربة المغربية عبر التاريخ. جاء جلالته ليربط قوة الإسلام بحركة التقدم العلمي والتكنولوجي لبناء نهضة المسلمين.إذ أن قوة الغرب تكمن في تقدمه العلمي، والعلم ميراث إسلامي قبل أن يكون ميراثا إنسانيا، وحضارة العلم في أوربا مدينة للمغرب، فجامعات أوربا(السربون، وأكسفورد، وسلامنكا، وميلانو) استمدت معارفها من الأندلس والمغرب، فالعلم وفي الواقع إنما يعود إلى بلاده كما يعود الأسد إلى عرينه.
هذه هي الأرضية الصلبة، وفي هذه الأرضية الصلبة أرضية العقيدة الإسلامية والتمسك بالتراث الإسلامي، تتألف شخصية جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، فهو مؤمن قوي الاعتقاد في الله، قوي الإيمان بالرسالة السماوية، هو عالم مجتهد، ذو عقيدة إسلامية لا تلين وهو في نفس الوقت متشبع بثقافة الغرب بعمق كبير يمكنه من إدراك خطوط التواصل والتباعد بين الثقافتين الغربية والإسلامية. وإذا كان جلالة الملك واعيا للعقيدة الإسلامية وقوتها، فهو أيضا رجل قانون ومؤرخ يربط القانون والاجتماع بتاريخية عميقة، وبهذا العمق الثقافي لا يجد أبوابا مغلقة بين المغرب وأوربا، وبين المشرق والمغرب، ولا حواجز تفصل بين الحضارتين الغربية والشرقية، إن التراث الحضاري واقع يكشفه الذين ينفذون بعمق إلى مختلف الثقافات والحضارات ويبحثون عن الجامع المشترك بين البشرية جمعاء في ميدان الفكر والوجدان، والعلم والفن، وبذلك تنكشف لهم الحقيقة، فلا ترهبهم الإشكاليات الثقافية بقدر ما يجدون التواصل الكامل بينها، إن المعادلة بين التراث، والتفتح الحضاري. قد يطغى فيها الجانب التراثي في بعض الأحيان لأن التراث هو الحصن القوي ضد التيارات الجارفة ولأنه خشبة النجاة حين تعصف رياح التقليد... وليس بعار أن نتمسك بالتراث، مادام ضمانة البقاء والاستمرار. وموقف جلالة الملك من التراث، موقف عبقري فهو قد استنطق التراث، من نحن؟ من نكون؟ ما هي جذورنا الحضارية؟ ما هي رسالتنا؟ إشكاليتنا الحضارية والثقافية؟ في اللغة في الفكر والعمل؟ تساؤلات كثيرة، كانت أجوبتها مزج وخلق عملية صيدلية دقيقة تصنع الجواب والدواء معا وتمزج بين المغرب والوطن العربي الإفريقي الإسلامي المتمسك بحبل تراث الماضي المجيد، والمرتبط بعجلات التطور الحضاري التكنولوجي المعاصر. بالمسيرة الإنسانية.
 نحن مغاربة وطنيون، ونحن جزء من المغرب العربي الكبير، وجزء من القارة الإفريقية وجزء من الأمة العربية، والأمة الإسلامية، وأخيرا نحن جزء من جميع المتعايشين على الكرة الأرضية في آخر القرن العشرين من دعاة السلام، المغرب جغرافيا نقطة مركزية تتسع الدوائر المحيطة بها إلى دائرة المغارب الثلاثة، والأمة العربية والقارة الإفريقية والعالم الإسلامي. وليس مزج التراث، بالعالم المستقبلي، والتكنولوجيا بالعمل السهل، فللتراث إيجابياته وسلبياته كذلك. والتمسك بالايجابيات يستبعد السلبيات ويستبعد التعصب الطائفي والمذهبي، والتزمت والتحجر، ولهذا فجلالة الملك يتمسك بالتراث عن بصيرة ويمتلك العلم والتكنولوجيا ببصيرة أيضا. يقرأ التاريخ الماضي من خلال الحاضر الشاهد، ويحلل الحاضر من خلال تجربة الماضي، فتاريخنا مجيد يثير الإعجاب وحضارتنا عظيمة لم يستطع خصومنا النيل منها إلا بكلمات حاقدة، قالوا: إنها حضارة الملح قالوا: إن تاريخ المغرب تاريخ فتن وحروب لا تاريخ علم وتنظيم. بل قال حاقدوه: إن القارة الإفريقية بدون تاريخ، وأعطوا على يد هيجل اكبر فلاسفة أوربا تحليلات مبنية على فلسفته في جدلية التاريخ، وعلى يد دارون مبدع مذهب التطور والارتقاء عن التطور، وسوغوا بذلك الاستعمار واستبعاد الشعوب مستعين بأحكام ما أنزل الله بها من سلطان. 
                                                II
 في خضم هذه الأخطاء وهذه المسوغات يقف جلالة الملك الحسن الثاني بدرايته العريقة وفهمه الثاقب وحسه القانوني والتاريخي، وإيمانه الإسلامي المتسامح ليتجاوز الفكر الغربي، ويحقق العودة إلى العقيدة الإسلامية المثلى والتواصل بين الحضارات دون شعور بالنقص، أو بالتناقص أو بتفكيك المركب الحضاري الصلب، أو تركيب المتنافر، لهذا كان وسطيا غير مفرط ولا مفرط، لا يقر غير الشرعية والمشروعية.موفقا بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، بين أوروبا وإفريقيا، وبين الماضي والحاضر، بين التراث والجديد. واعتمد في تحليل الأوضاع وتركيبها على فلسفته في التاريخ فهو ليس خلدونيا ولا هيجيليا حتميا، بل فلسفته وسطية بين الواقعية والمثالية.
 ومن خلال تحليلي لفلسفة جلالة الملك الحسن الثاني في فهم التاريخ، اعتقد أن جلالته في تحليلاته التاريخية وممارساته للخلق السياسي والتوجيه الاجتماعي ليس خلدونيا أي لا يقول بحتمية التاريخ والدورة التاريخية، ولا هيجيليا يرى الحتمية المطلقة للمسيرة التاريخية الهادفة إلى تحقيق المطلق. وإذا جاز لي أن أفارق بين جهابدة علماء التاريخ وبين فلسفة فهو أقرب إلى تفسير ابن حزم للتاريخ من فلاسفة الإسلام وإلى تفسير توينبي لنشأة الحضارات وتطورها بين فلاسفة أوربا فابن حزم يقرر(الوعي التاريخي) فيرى أن تقلبات الزمان، تعطي اليقين للواقع الأخلاقي ويفرق ابن حزم بين فعل الله الخالق في الكون وفعل الإنسان المخلوق، الذي هو العنصر المؤثر في رقي الحضارات أو في اندثرها. فابن حزم يكرك العوامل التي تجعل حركة التاريخ إيجابية يفرق بينها وبين الحركة الإنسانية، الأولى إجبارية اضطرارية، والثانية طبيعية ممكنة في حرية التصرف.
 ومن الحزمية والتوينبية تبدو فلسفة جلالة الملك في فهم التاريخ وتوجيهه، فجلالة الملك حريص على الحفاظ على العقيدة وسلامتها، وهو في نفس الوقت يتحدى المعوقات في الطبيعة ويمن بقدرة الإنسان على الفعل بإدارة الله تعالى. ويضيف إلى فلسفتها رصد المرحلة التاريخية، فليست كل الظروف صالحة للعمل، وعندما تضيع الفرصة (التي يجب ألا تضيع) يعيد التركيب الجديد لها، ويرصدها من زاوية أخرى. فالواقع أن التاريخ تيار متدفق جارف، لا يعرف مبدؤه ولا تعرف نهائيته، وليس في التاريخ نقطة ابتداء، ولا لحظة ابتداء، والمؤرخون يضبطون نقطة انطلاق التيار التاريخي، فالأحداث في تفاعل بين مختلف الآراء والظروف الملائمة وما يعرف بالانبثاق. ولا يملك أحد القدرة على التصرف المطلق غلا الخالق تعالى، والتغيير يقع بدقة متناهية لا تكاد تدرك كما يقول ابن خلدون.(ومن هذه الأرضية، العقيدة والتاريخ والتراث) انطلق تفكير جلالة الحسن الثاني بكل إمكانات المغرب البشرية والاقتصادية، من أرضية بيئة الزمان والمكان والتحديث والفعل. معتمدا على سلامة هذه الأرضية وقوتها.( ولكن الأرضية الصلبة لا تكفي) فالشرط الثاني للتحكم في التاريخ هو(واقعية الفعل).
 لقد وجد جلالة الملك العالم المعاصر محاطا بقوانين وأعراف دولية وتقاليد لا سبيل لتناسبها أو أو تجاهلها. لقد واجه جلالة الملك الحسن الثاني عالم ما بعد الاستقلال، وهو عالم أشد وأصعب من ميراث ما قبل الاستقلال، عالم تغيرت فيه المعالم والحدود والمصطلحات، وتغير فيه الأسلوب الاستعماري ليصبح أكثر دقة وخفاء، ووجد المغرب نفسه مصنفا في العالم الثالث. والعالم الثالث هو في الأمر سجن كبير زجت فيه الشعوب الحديثة عهد بالاستقلال لتعاني التخلف الاقتصادي والاجتماعي، ووجد المغرب نفسه أمام أوربا جديدة وحدتها السوق الأوربية المشتركة تحاول الاستغناء عن العالم الثالث مع احتياجه هو إليها.كما وجد المغرب نفسه أمام مؤامرات الحدود واستنزاف قوى المغرب وكبت التنمية التي يخطط لها، وليس في وسعنا أن نحلل هذه القضايا الثلاث المهمة، فكل واحدة منها تمخضت عنها عشرات القضايا، ولكن القضية الكبرى هي قضية العالم الثالث، هذا التصنيف المصنع أشدها خطورة ومناعة. وفكرة العالم الثالث هي إفراز سياسي لتقسيم العالم إلى شمال وجنوب ولتقسيم اجتماعي اقتصادي (Socio-Economique) الشمال عالم متطور منظم ومصنع والجنوب عالم المواد الخام. الشمال كيف، والجنوب كم، الشمال يملك وسائل التصنيع والتكنولوجيا، والجنوب يستهلك.
ومهما اختلف علماء القانون والسياسة الدولية في تعريف العالم الثالث فالمغرب وجد نفسه مصنفا في العالم الثالث، ومعنى ذلك أنه في وضع معروض عليه أن يكون مرتبطا بمشاكل العالم.
إن عددا من دول العالم الثالث كانت ضحية هذا التقسيم حيث فرضت عليها قضايا غير قضاياها، فتكرس فيها التخلف وازدادت المديونية، وتمكن فيها الاستلاب وإن عددا من دول العالم الثالث أصبح حقلا  تجريبيا ومجالا اقتصاديا، ورغم أن العالم الثالث أصبح حقلا تجريبيا ومجالا اقتصاديا، ورغم أن العالم الثالث يعد في الدول الحرة المستقلة الممثلة في هيئة الأمم المتحدة ومختلف المنظمات العالمية ويمد بالقروض والمساعدات فإن  هذا العالم الثلث يواجه مشاكل الأمية والفقر، وفقدان الأطر وتنظيمات البلاد ودستورية الحكم وحركة الأحزاب والنقابات وأساليب إدارية لا تتسم بالفعالية بقدر ما هي تقليد.
 ماذا يعني العالم الثالث؟
إنه عالم هدمه الاستعمار.
 عدة دول أسيوية وإفريقية تباينت أوضاعها واختلفت مشاكلها وتغايرت أهدافها حتى أصبحت  متناقضة المصالح يصعب إقامة وحدة بينها إلا على الحد الأدنى.
 اغتال الاستعمار شخصيتها واستلبها فأصبحت دون مناعة صحية حتى إذا أصابتها الحوائج الطبيعية لم تستطع مقاومة السنين العجاف.
 ففي إفريقيا مثلا استطاعت 51 دولة أن تحصل على استقلالها السياسي، باستثناء ناميبيا وجنوب إفريقيا. وكلها تعاني مشكلات الجوع، والفقر والمرض والتصحر، ومشاكل الاقتصاد المزدوج، أي وجود قطاع اقتصادي متقدم ومتحضر، وقطاع متخلف ومتأخر، داخل الاقتصاد القومي للدولة.القطاع المتقدم يتأثر بالمواد الخام، ويصدر الفائض، والقطاع المتخلف بدائي في فلاحته وصناعته.
 القطاع المتقدم يتأثر بالمشروعات الزراعية الكبرى والمعامل التي تعتمد التكنولوجيا الجديدة المتطورة. والقدرة على تصدر الإنتاج. والقطاع المتخلف يعتمد الصناعات التقليدية والعمل اليدوي، وقلة الرواج الاقتصادي.
وبذلك ينقسم الشعب إلى فئة من الأغنياء وأخرى من الفقراء و(البنك الدولي) لا يساعد إلا بشروط أخصها تشجيع القطاع الأول على حساب القطاع الثاني.
 وبالرغم أن إفريقيا تتوفر على موارد اقتصادية هائلة تتمثل في الأرضي الزراعية الشاسعة، والغابات الكثيفة والأنهار المتدفقة. والثروة المعدنية ففي افريقيا90% من احتياطي الكروم و80% من التيتانوم  و50% من الذهب و 40% من البلاتين و 98%من الماس الصناعي و35% من احتياطي الأورانيوم. بالإضافة إلى البترول والنحاس والحديد والفوسفاط. فإن إفريقيا تعتبر قارة فقيرة.
 ثروة ومجاعة! ياللعجب!
 إن إفريقيا تعاني أثر الاستعمار الذي بنى اقتصاد أوروبا وأمريكا على أنقاضها. فأصبحت تعاني انعدام السيولة النقدية،  وتعاني نهر الأطر، ووسائل الإنتاج والتوجيه المفروض عليها والمعوق لها. وازدادت هذه البلاد عناء في نظام القروض التي انتهجها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي F.M.
وأصبح العالم الثالث، عالم التخلف الاقتصادي وعدم الاستقرار، وفقدان المصداقية، وتكريس التبعية والانحرافات، العقيدية والاستلاب الإيديولوجي، والتطرف الديني، وفي خضم مشاكل العالم الثالث المتنوعة وخيوطه المتشابكة يواجه جلالة الملك الحسن الثاني هذا الواقع المرتبك برباطه جأش، وتخطيط متزن وثقة في الله كاملة. وهذه هي عملية التصور الكامل للأهداف والغايات وهي الشرط الثالث الأساسي الذي يضمن نجاح حركة التاريخ ودخل المغرب في مرحلة الملكية الدستورية والتنظيم البرلماني الدستوري، وحددت الحريات وقوانينها، ونظمت التعددية الحزبية والنقابية وضبطت الحريات وقوانينها، ونمت الأجهزة الدبلوماسية والعسكرية والأمنية، والمؤسسات التربوية والجامعية والعدلية، ولم تكن هذه الميادين حقولا تجريبية بل كانت ذات الأسس السليمة للبناء السليم المستمر للتنمية الاقتصادية والتجارية والفلاحية والثقافية والتربوية.
 وبالإدراك الثاقب والتصور الكامل استطاع جلالته بتخطيط محكم وصبر وأناة وسير لقضايا العصر ومشاكله، أن يجعل من المغرب ورشة عمل! عمران متزايد، وسدود أمام كل الأنهار، ومدارس تشيد في كل مدينة وقرية وجامعات في كل إقليم، ومؤسسات للعدالة والأمن والاستقرار.
  وهذه هي الصحوة المغربية، هي امتداد للصحوة الإسلامية وهي أوجها. هي صحوة العقل والشعور، والمسؤولية، ووراء القائد المخطط الباني سار المغاربة فخرجوا من الحجر حجر الضب الذي دخل فيه الآخرون، وما استطاعو الخروج منه وخرج المغاربة من التقليد إلى المبادرة والإبداع، خرجوا إلى المعاصرة والتصنيع والثورة الفلاحية.
 الصحوة الإسلامية عندنا هي السير في المنهج الإسلامي الصحيح على أساس تفاعل القيم الروحية مع الأوضاع الواقعية فلإسلام ليس تجريدا ونظريات، وتلهفا على سلفية عصور الازدهار  دون عمل مستوحى من واقعية العصر.
 وتلكم هي الصحوة الإسلامية التي بعثها المجدد، هي إحياء لمعاني الدين السمح في النفوس المسلمة والإقبال عليها لترقية الالتزام بأحكام الإسلام، فالدين الإسلامي منفتح على كل جديد مثمر، متسامح مع كل دين سماوي، متعاون مع كل الشعوب والأمم، وبهذا المفهوم العميق للصحوة الإسلامية، والإدراك السليم لفلسفة الإسلام مما يملأ الفراغ الروحي، والخواء المادي الذي أحدثه الاستعمار ويصلح الشرخ في جدار الشخصية المغربية، ويعطي للعالم الثالث مفهوما جديدا قيادي وهذا لم يقع في جهات أخرى من العالم.
 فبعضنا انساق وراء الليبرالية لاهتا مستنزفا، وبعضنا انجذب للإيديولوجيات الماركسية، فلا أتباع الليبراليين نجحوا لأنهم أصبحوا امتدادا لغيرهم. ولا أتباع الماركسية نجحوا لأن الماركسبة تحولت إلى قوالب فكرية جامدة  لم تحقق صورتها المثالية في عالمها ولا في مدنباتها، واضطرت للتراجع من مثاليتها. وكانت العودة إلى الإسلام الحق. لا إلى إسلام الحدود.فقبل الجزاء والعقاب تكون التربية وكفالة الحقوق والحريات، لم يكن الإسلام قط هو العقاب، ولم يكن الإسلام قانون عقوبات وجنايات، هي في الواقع لا تعتبر في الإسلام إلا سياجا له.
 والمرحلة الأساسية الأولى هي إشاعة التربية الإسلامية والعدالة الاجتماعية، كما أن الإسلام  لن يستقر مطمئنا إلا إذا تساندت الدول الإسلامية وإلا إذا اجتمع المسلمون جميعا على مقاومة التحديات، ومواكبة التطور العلمي، وتحقيق النماء الاقتصادي، والتضامن الأخوي  بذلك تسترد القوة الإسلامية كإدارة صلبة مصممة على أن يعود للإسلام دوره القيادي في الحضارة المعاصرة حتى يكون لخطابه تأثير الفعل لا ترديد القول، وليصبح العالم الإسلامي على المسرح العالمي كوحدة متفاعلة مع الأحداث مؤثرة فيه، ومتفتحة، ومسهمة في البناء.
 وبعد فلمن يفتح التاريخ أبوابه؟
لعل السؤال الذي بدأنا به المقال وجد جوابه.
 فالتاريخ يفتح أبوابه للأبطال النادرين الذين قلما يجود بهم التاريخ. والحسن الثاني شخصية فذة عالمية، ولذلك فتح بابه للحسن الثاني نصره الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here