islamaumaroc

عبقرية العرب في العلوم والآداب والفنون منذ عصر ما قبل الإسلام حتى النهضة -2-

  دعوة الحق

30 العدد

ان الحديث عن الحركة العلمية في العصر العباسي هو محور هذا البحث لأهميتها التاريخية والعلمية، ولكن الباحث سوف يظل يتسائل عن مرحلة النقل والترجمة التي كانت الاعداد الطبيعي لهذه الطفرة العربية في ميادين الفكر والأدب، ومعنى هذا إظهار التغيرات التي لحقت التراث الهيليني منذ خروجه من الوطن الأم الى أن وصل الى يد العرب ثم اجلاء النصيب العربي الحقيقي من هذه الحركة في الترجمة والتعليق. واخشى الا استوفي هذه الدراسة الهامة في هذه الأسطر من مقال صحفي، غير انني سأشير الى الأفكار الأساسية التي قد تقال دون اخلال بالفكرة العامة.
من المعروف في التاريخ ان الاسكندر المقدوني حينما مات اضطهدت الحركة المقدونية في اليونان والحق الاذى بكل من شايع هذا المذهب وكان الفيلسوف ارسطو من أشهر من كانت له علاقة بالقائد اليوناني الفاتح الاسكندر الكبير، فاضطهد هو ومدرسته وأفكاره الفلسفية، ولم يجدوا مأمنا أمينا الا في مدينة الاسكندرية وفيها استطاعت الأفكار الارسططاليسية أن تستمر متخذة لونا جديدا هو اللون الافلاطوني الحديث، وحينما فتح العرب مصر اطلعوا على هذه المدرسة ولكن اتقانهم للغة اليونانية في ذلك الحين لم يكن قويا مما جعل العرب لا يتأثرون كثيرا بتلك الثقافة الهيلينية، ولكن الفلسفة الافلاطونية هذه لم تقبع في الاسطندرية بل شاعت في مختلف البلاد الشرقية من سوريا حتى الهند، فتمركزت أولا في سوريا وتأسست المدرسة الانطاكية وبعدها بقليل  (سنة320) انشئت مدرسة  نصيبين السريانية ومدرسة الرها وتعتبران من أهم المراكز الثقافية اليونانية السريانية قبل الفتوحات العربية، وفي هاتين المدرستين كان كل الاعتناء موجها لفلسفة ارسطو وللفلسفة الافلاطونية الاسكندرية، ولعل هذا هو التعليل الشافي لاقتصار حركة النقل العربية على هذه الفلسفة اليونانية التي سبقت اريسطو، فترجمت كل كتبه تقريبا من اليونانية الى السريانية اولا. ومن سوريا انتقلت تعاليم مدرسة نصيبين والرها الى فارس ثم أقصى الشرق خارج الامبراطورية البيزنطية وظل النساطرة العامل الأول لهذا الانتقال، بل يرى المحققون انهم أول من عربوا الحضارة اليونانية من أصولها السريانية الى العربية أثناء الفتوحات الإسلامية الكبرى، ويلاحظ هنا أن النساطرة لم يكونوا أمناء تماما في هذه الترجمة والسبب في ذلك أن النزاع الديني في ذلك الحين أبان الإمبراطورية البيزنطية كان نشيطا بين النساطرة حول حقيقة المسيح هل هو جسم بشري أو من أصل  الهي أو أن نصفه كان الهيا ونصفه الآخر كان بشريا، هذه الخلافات الدينية المسيحية اختلطت للاسف الشديد بالاصول اليونانية وتداخلت  مع فلسفة ارسطو المترجمة الى العربية، وكذلك أدخلت الصوفية المسيحية الى صلب الفلسفة الهيلينية بل يرى بعضهم أن التراث  اليوناني كاد يضيع في هذه الهرطقات المسيحية البيزنطية.
وهناك مدرسة رابعة شاركت في إحياء الفلسفة الهيلينية وكانت مصدرا رئيسيا في حركة النقل الى اللغة العربية، انها مدرسة جنديسابور أسسها كسرى أنو شروان وجمع فيها  الكتب السريانية واليونانية والهندية وأمر بترجمتها الى اللغة الفارسية الفهلوية، اختصت هذه المدرسة بالبحوث الطبية وكانت المورد الرئيسي للعلماء الاطباء الذين انشأوا مدرسة الطب ببغداد.
وقرب الرها نهضت مدرسة خامسة هي مدرسة "حران" التي أسهمت بقسط واسع في الحركة الفكرية والعلمية عند العرب، هذه المدارس الخمس هي المصادر الأولى والأخيرة التي احتوت على كتب فلاسفة اليونان وعلمائها والتي شاهدت أوليات النقل والترجمة واللغات الفارسية واليونانية والسريانية الى العربية.
فتح العرب سوريا سنة 638 ميلادية واستقر الامويون في دكشق ولم يتعرضوا للنساطرة بل تركوهم يتابعون نشاطهم الفلسفي العقائدي... وكذلك الأمر ابان الدولة العباسية حيث نجد اللغة السريانية محترمة الجانب حتى ان الطبيب حنين بن اسحاق ظل يؤلف باللغة السريانية، ولكن في عهد هارون الرشيد والمأمون بل وحتى في عهد المنصور من قبل نجد أن حركة الترجمة بدأت تأخذ مجراها من اللغات السابقة الى العربية وبلغت هذه الترجمات ذروتها في القرن الثالث والرابع الهجري، وقد خصص الخليفة المأمون قسما كبيرا من مدرسة "دار الحكمة" الشهيرة للترجمة فحسب وكان يشرف عليها وعلى المترجمين الطبيب النصراني يوحنا بن ما سويه، كان عمل هذه المدرسة جبارا حقا اذ أنها لم تكتف بترجمة ما لديها من كتب بل كانت ترسل إلى أنحاء العالم الإسلامي من يتعقب المخطوطات ويبحث عنها لنقلها من بعد ذلك الى العربية، وقد لمع في مدرسة دار الحكمة اسم المترجم الكبير حنين بن اسحاق وابنه اسحاق.
ذكرت في أول هذا البحث ان الفلسفة النصرانية امتزجت بالفلسفة الارسططاليسية واختلطت بها وكادت الاصول اليونانية تضيع لتداخلها مع تعاليق وشروح النساطرة ورجال الكنيسة البيزنطية، وفضل العرب على الحضارة الهيلينية كان عظيما اذ هم أول من غربلوا بين مختلف المخطوطات اللتي كانت تقع بين ايديهم باظهار الدخيل عليها واعادوا  هذه النصوص مصفاة مما الحق بها زورا، ويكفي العرب أنهم قاموا بهذا العمل الهائل ليخلد اسمهم في التاريخ كما يعترف بذلك جل المستشرقين النزهاء، ومع ذلك لا يمكن لنا أن نقول أن هذه الترجمات العربية هي طبقا لأصل لأصولها اليونانية فالعرب لم يترجموا أولا هذه المخطوطات اليونانية مباشرة بل نقلوها عن طريق التجمات الأخرى السريانية والفهلوية والعبرية، ومهما بلغت عبقرية العرب العقلية فلا قبل لهم أن يصحوا كل الأغلاط ولهذا نجد الكثير من فلاسفة المسلمين ينسب كتابا إلى غير صاحبه أو يفهم نصا يونانيا فهما معوجا لامتزاج هذه النصوص كما قلت بالفلسفة الافلاطونية الحديثة الاسكندرية اولا ثم لاختلاطها بالفلسفة الصوفية المسيحية، ونحن نعرف اليوم أن عبارات أرسطو نفسها كثيرا ما كانت تستعصي على فهم اليونانيين أنفسهم اليوم، رغم كل هذا استطاع العرب أن يحافظوا على جوهر العقلية اليونانية وانتقلت التراجم العربية إلى أوربا التي لم تتعرف على الفكر اليوناني الا من خلال هذه التراجم العربية نفسها.
ان عمل العرب في هذا المجال يدل على فضيلتين أساسيتين: فضيلة عقلية تعكس مقدرة العرب على تفهم هذه الفلسفة الهيلينية الغربية على الذهن العربي المسلم والارتفاع الى مستواها التصوري حتى استطاعوا بعد ذلك أن يصصحوا الكثير منها فلم يكونوا سلبيين التقاطيين كما يظن البعض، والفضيلة الثانية أخلاقية هي مثال النزواهة العلمية والنموذج الحي لنحريهم الحقيقة كيفما كان لونها فلم يحرفوا كما حرف غيرهم ولم ينسبوا الى أنفسهم ما ليس لهم ولم يدلسوا فعرضوا هذه الأصول اليونانية كما هي والتي كثيرا ما كنت تتعارض  مع طبيعتهم ومعتقدهم ورغم ذلك كان روح البحث العلمي المجرد هدفهم الأسمى.
كان لهذه الترجمات العربية اثر كبير على النهضة الأوربية وعلى العرب أنفسهم فقد بدأ العربي البسيط التفكير قبلا يتفلسف وينظر إلى الأمور نظرة العقل والمنطق بعد أن كانت العواطف والعادات المسلمة بها تأخذ الجانب الأكبر من حياته، وجدت هذه الأفكار الجديدة استحسان العرب الذين سرعان ما نقلوها الى مجال الدين والأدب (البلاغة والنقد والشعر) وعلوم اللسان، أصبح منطق  ارسطو هو المقياس القويم بعد التنزيل الحكيم حتى أدت هذه النظرة الجديدة إلى زندقة وإلحاد بعضهم، ولا يعاب على العرب هذا التأثير الجديد لأنه دليل على سرعة الفهم وإدراك معضلات الفلسفة العقلية الصوفية التي تسبح في التجديد والتصور الذهني البحث ولا بد من هذه المرحلة في الإدراك دون الخلق في كل حادث حضاري جديد، وفي هذا المعنى يقول الدكتور ابراهيم مدكور:"وقد أدى هؤلاء النقلة (للفكر العربي) إلى جانب عملهم الرئيسي (كنقلة) خدمة جليلة، فرغبتهم في نشر المعرفة حملتهم على تصنيف مؤلفات عديدة في موضوعات مختلفة من طب وطبيعيات وكيمياء وفلك ورياضيات وفلسفة، وهذه المؤلفات أو المداخل وفقا للتسمية الوضعية التي أطلقها عليها اصحابها نشرت الشعاعة الأولى للدراسات العقلية في العالم الإسلامي، وهي عبارة عن ملخصات تعطي القارئ فكرة مجملة عن العلوم المعروفة آنذاك، ويكون اكثرها عملا يساعد على تعميم العلم ونشره عقبته دراسات التخصص والأبحاث العميقة التي سيقوم بها المسلمون أنفسهم في مدارسهم المختلفة.
ويجب ألا ننسى ان سماحة الإسلام والمسلمين كانت المعين الأول على تفتح وانبثاق هذه العقلية الجديدة، ولم نقرأ في التاريخ أن الخلفاء والمسلمين كانوا يضطهدون هؤلاء النقلة والمترجمين بل تركوا لهم كل الحرية في نشر  فلسفات وعلوم قد توصف من أكثر جوانبها بمعارضتها للعقيدة السمحاء معارضة جذرية ومع ذلك كان الأدباء وفلاسفة العرب يصرحون ببعضها دون أن يلحقهم الأذى، ولكن تميزت فرقة المذهب الحنبلي بمعارضتها الشديدة لهذه الأفكار اليونانية الغريبة فكانوا ينظرون إلى هذه العلوم الدخيلة نظرة ريب وتخوف ولا سيما منها المنطق الصوري الارسططاليسي وقد قالوا في حقه: "من تمنطق تزندق" ونجد الفيلسوف العربي الغزالي يؤلف البحوث العديدة في علم المنطق دون أن يعطي لها اسم علم المنطق بل سماها بـ "محك النظر" و "معيار العلم" أو "القسطاس المستقيم".
انتهت هذه المرحلة الأولى من الترجمة والنقل وكما يرى المحققون فقد كانت فترة طبيعية ولا يجوز عقلا رمي العرب بالعقم العقلي في هذا الطور الذي يسبق دوما طور الخلق والإبداع، كان العرب يترجمون ويطلعون على الفكر اليوناني الذي هو في الحقيقة عصارة الفلسفات  والعلوم الشرقية مضافا إليها اصالة حكماء اليونان، كان العرب يهضمون ما يقرأون ويتعمقون كل ما كتبه غيرهم، وما كادت هذه المرحلة تنتهي حتى برزت الى الوجود الشخصية العربية الناضجة، ومن المؤسف ان نقادا لامعين كرينان رموا العقلية العربية  بالتقليد وابعدوا عنها صفة الابتكار ولنا أن نسألهم: اين هي الحضارة التي ابدعت ولم تنقل وأين هي الحضارة التي خرج كل علمائها من أصل واحد، حيث أن بعض النقاد يرون انه وان كان ولابد أن للعرب فلاسفة وحكماء أصحاب أفكار أصيلة فهم من أصل غير عربي. اننا نعرف اليوم مثلا أن الفلسفة والعلوم اليونانية أغلبها مأخوذ من فلسفة وحكمة الهند والصين وفارس وفلسطين وان أكثر  علماء اليونان من أصل شرقي كذلك. وما قيل عن حضارة اليونان يقال عن كل الحضارات القديمة والجديدة، فمنذ عهد قريب فقط كان الرأي شائعا بأن حضارة مصر هي أم الحضارات وسار هذا الظن  سشير النظريات العلمية لكن ما كادت حفريات حضارة ما بين النهرين تظهر للوجود حتى وجد العلماء أن الكثير من الحضارة المصرية مجلوب من العراق. وهذا بطبيعة الحال لا ينقص ولا يحط من قيمة الحضارة المصرية وانما نقول مستندين إلى أمثلة تاريخية عديدة ان حضارة أي أمة تعتمد أولا على ما سبقها من الحضارات ثم تضيف إليها فيما بعد لبناتها الذاتية،  وكذلك الأمر في الحضارة العربية فقد احتكت بحضارة اليونان، وما كادت تشعر بوجودها حتى انطلقت متحررة نحوالبناء الاصيل.
وسوف اتبع هذا البحث بقسم  ثالث حول العلوم عند العرب من طب وكيمياء وطبيعيات وفلك ورياضيات لاظهار مشاركة العرب الحقيقية وما يرجع إليهم دون غيرهم من نظريات صادقة وابتكارات خالدة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here