islamaumaroc

ملامح شخصية متعددة الجوانب

  قاسم الزهيري

268 العدد

" المجال رحب الحدود، ذو سعة يغري بالكتابة في جلالة الحسن الثاني نصره الله" كما جاء في خطاب لسيادة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية طالبا الإسهام في العدد الخاص من مجلة " دعوة الحق" الغراء بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء جلالته عرش أسلافه الأكرمين. فعلا، لأن المجال رحب متسع، فهو صعب المأخذ والمعالجة ومن صنف السهل الممتنع عن الكاتب الطي يعجز عن احتوائه. كل جانب منها يبلغ الذروة في التألق بحيث يعسر إيثار بعضها عن بعض.
 إن العهد بالملوك المغاربة من أقدم العصور يملكون ويحكمون، ويعقدون، ويبرمون في كل القضايا الإسلامية التي تعود إلى الحياة العامة؛ وهو شأن ملوك الدولة العلوية أيضا.إلا أن كل واحد يتميز عن الآخر: فهذا باني ومؤسس الدولة، والثاني موطن دعائمها، والآخر مصلح مجدد، وذلك عالم ورع، والخامس مدافع عن حوزة الوطن ووحدته. من المولى الرشيد والمولى إسماعيل إلى المولى الحسن مرورا بسيدي محمد الثالث والمولى سليمان، كل واحد من هؤلاء الملوك كان ينفرد بخصائص تميزه عن الآخر إلى أن جاء السيد محمد الخامس رحمه الله فكان نسيج وحده في مكارم، ومع ذلك اشتهر ببطل التحرير.
 وها نحن أولاء ننعم باليوم بولاية وارث أفضاله جلالة الحسن الثاني أدام الله بقاءه. و"من حسن حظ المغرب أن تولى على عرشه ملكان ذكيان. فالملك الحسن الثاني يعد من الملوك الأذكياء- كما قال السيد فرانسوا ميتران- وذكاء الحسن الثاني فريد في نوعيته. فهو رجل قادر على مواجهة جميع الحالات.يحكم بلاده منذ فترة طويلة في  ظروف لم تكن سهلة على الدوام".
 يحدونا حب الاستطلاع أن نتساءل، وجلالته متعه الله بدوام العافية في ذروة النشاط والعز، بماذا يمتاز العهد الحسني وبماذا سيخلد محاولين أن نستشف المستقبل. نشاهد أعمال جلالته بارزة في كل مجال، ممتازة في كل ميدان ، لا يخلو من بصماته مرفق الحياة الوطنية، لقد درجنا على وصف جلالته بموحد البلاد ومحرر ما تبقى من أقاليمنا المغتصبة ومخطط المسيرة الخضراء. لكن له إلى هذا وذاك جولات في كل حلبة. براعته تتجلى أوضح ما تتجلى في السياسة والحكم اللذين يمسكهما بحنكة الربان الحصيف، ويوجههما توجيه النوتي المحنك، ذكر موريس دريون السكرتير الدائم للأكاديمية الفرنسية أن اليونانيين القدامى كانوا يطلقون أهم " الفن الملكي" على تسيير دقة السياسة والحكم، وأكد أنه لم يشاهد من بين رؤساء الدول الذين عرف الكثير منهم في حياته الطويلة كجلالة الحسن الثاني مصداقا لهذه الحقيقة .
سبع وعشرون سنوات قبلها في عهد والده قضاها جلالته في بناء أركان الدولة وتعمير البلاد والنهوض بالشعب أدبيا واجتماعيا لاستدراك ما فات واللحاق بركب الأمم العصرية. فأسس نظاما يستند إلى ملكية دستورية ترعى تعددية الاتجاهات والتيارات السياسية وتفرق بين السلطات وتضمن الحريات العامة وحقوق الفرد والجماعة، وأرسى قواعد الحكومة على أسس ثابتة محددا مسؤوليتها بكامل الدقة.
 وانكب جلالة الحسن الثاني على تنظيم الإدارة من أعلى الهرم إلى أسفل القاعدة فسن قوانين تكفل سير أجهزتها بمرونة وانسجام محددا اختصاصات أعوان السلطة على اختلاف درجاتهم والجماعات على اختلاف مستوياتها فأصبح كل يعرف حدود مسؤولياته وواجباته. وفي نفس الحين نضم القضاء ووحده وفق المطامح التي طالما أعرب  عنها الشعب في عهد الحماية حين كان يظم من اختلاط السلطات وما كان يترتب عنه من جور وعسف وهضم للحقوق . فغدا الجهاز القضائي متكاملا مستوفي الشروط.
 أما توجهات البلاد في الميدان الخارجي، فقد حرص جلالة الملك على أن يكون الدستور متضمنا لانتماءاتها العربية والإسلامية والإفريقية، مع النص على أنها جزء من المغرب العربي الكبير وتأكيد إرادتها في السعي لصيانة السلم و الأمن العالميين على الدوام،وحقق جلالته ما يضمن استمرار هذه الانتماءات بصيانة الكيان الوطني والسعي لتحرير ما تبقة من أجزائه وإنشاء جيش قوي يحرس الثغور ويذوذ عن الحمى ويرد غارات الخصوم والمتربصين، جيش عتيد كامل العدة والعدد تحت قيادته العليا ورعايته المباشرة.
ومع حرص جلالته على اتباع سياسة عدم الانحياز بمديد الصداقة والتعامل لكل الدول على اختلاف أنظمتها السياسية والاجتماعية، لا يدخر جلالته وسعا في التفتح على الدول الديموقراطية والسعي للتعاون معها في شتى المجالات، كما يفتح نوافذ بلاده لجميع التيارات متيحا لها الاستفادة مما تحمله.
وفي الميدان الاقتصادي من زراعة وصناعة وتجارة، تحققته في عهد جلالة الحسن الثاني منجزات مهمة على طريق النماء والازدهار وفي مقدمتها السدود التي تجلب الماء والخضرة والرواء، وواكبتها من جهة أخرى منشآت اجتماعية لا سيما في ميدان التعليم وتكوين الأطر والمتخرجين في جميع التخصصات من معاهد والجامعات المنتشرة في كافة أنحاء المملكة.
في جميع هذه المجالات وفي غيرها تبرز أعمال جلالة العاهل الكريم جلية واضحة" مما أتاح له أن يقوم على رأس بلاده بدور المحرك والدافع في جميع المجالات الاقتصادية والعلمية والثقافية... وأتاح له أن يقوم بدور الموائم بين التراث والمعاصرة... وباختصار فإن الحسن الثاني عكس أشعة دماغه المتمرس على شتى المعارف والمتجه نحو الوحدة المتعالية عكسها على كل هذه المجالات" على حد تعبير السيد موريس دريون، أو بعبارة أخرى فإن مغرب اليوم يحمل بصمات الحسن الثاني في كل ميدان من الميادين، وقد حلل هذا الكاتب شخصية الحسن الثاني في كلمة جامعة نقتطف منها الفقرات الآتية:
" القانون العام والقانون الخاص والقانون المقارن، التاريخ الوطني والتاريخ العام، علم اللاهوت لا الإسلام وحسب وإنما ديانات أهل الكتاب الأخرى، الشعر والآداب والفلسفة، فن الحرب والجغرافية استراتيجية، الطب بجميع مظاهره، الموسيقى والفن التصويري، علم الزراعة، علم طبقات الأرض، الهندسة، الصناعة، استكشافات التكنولوجيا وتطبيقاتها: لا يوجد نشاط إنساني أو إنتاج أو عمل من أعمال الفكر لا يثير في الملك الحسن الثاني حب الاستطلاع، أو يستطيع فكره المرن أن يستوعب مبادئه، بل كثيرا ما يستوعب تفاصيله.
" وذلك ما يتيح له أن يكون على قدم المساواة مع العلماء والفلاسفة والفنانين والخبراء، وأن تكون له معهم مساجلات في العمق.  
"وما يسمح له كذلك أن يقود دبلوماسية ;رائعة، دبلوماسية على مستوى عالمي تعتمد على صادق الحدس والتأمل، والإبداع والحكمة، وتتميز بالكلمة والإشارة والنفس الطويل في الوقت، مما لم تأخذ به كثير من الأمم، وسوف يكون نموذجا يدرس في المستقبل".
هذه شهادة من مئات الشهادات التي أدلى بها عن دراية ومعرفة وطول اختبار كبار مفكري وساسة العالم في حق جلالة الحسن الثاني مما يجعل احتواء شخصيته الفذة في إطار محدد من الصعوبة بمكان، فلقد اجتمع في جلالته ما تفرق في غيره من أكابر ملوك الدولة العلوية، ومن حسن طالع المغرب أن يكون زمام أمره في هذه الظروف العصبية في العالم وخاصة في العالم العربي بيد عاهل عظيم يرجع له الفضل فيما تتمتع به البلاد من أمن واستقرار، أطال الله بقائه ومتعه بالعافية والهناء والتوفيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here