islamaumaroc

الحسن الثاني ملك القيم والأخلاق.

  أحمد مجيد ابن جلون

268 العدد

من مؤهلات جلالة الحسن الثاني، وما أوفرها، ومن خصائصه، وما أبدعها وما أجملها، تشبثه بالمبادئ والقيم، وتعلقه بالأخلاق النبيلة والصفات الرفيعة.
 وأن من تتبع مراحل حياته وأشواط جهاده ليجد فيها، أقوى دليل وأنصح حجة على طموح جلالته الوثاب الذي يرمي إلى أن يبوئ شعبه الشكور المكانة التي يستحقها إيمانه القوي وانقياده إلى الله وعزمه على أن يسير في طريق الخير، امتثالا لما يأمر به ديننا الحنيف.
 لقد منح جلالته شعبه، بمجرد اعتلائه عرش أسلافه المنعمين، دستورا... دستورا مثاليا امتحنته الممارسة فأبرزت صلاحية مبادئه وجدوى اختياراته وانسجام مؤسساته وتأهيله لتحقيق رغبات الأمة وحفاظه على الحقوق الفردية والكرامة البشرية.
 ولم يتكلم الدستور على ما يسمى بلغة العصر بحقوق الإنسان لأن تلك الحقوق من صلب القواعد الإسلامية، ولكنه آثر أن يحدد المبادئ التي تقوم عليها الدولة المغربية، وكلها مبادئ شريفة، تشكل ثورة عارمة على التسلط والطغيان، وتعزز وضعية المواطن المغربي كشخص حر في وطن حر.
 وأن الدستور يؤكد مبدأ المساواة بين أفراد الأمة، عملا بقول الرسول الأكرم: «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى».وتتجلى هذه المساواة من المبادئ الآتية:
- ينص الفصل الرابع على أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، ويجب على الجميع الامتثال له، وليس للقانون اثر رجعي.
- وينص الفصل الخامس على أن جميع المغاربة سواء أمام القانون.
- وينص الفصل الثامن على أن الرجل والمرأة متساويان في التمتع بالحقوق السياسية.
- وينص الفصل الثاني عشر على أنه يمكن جميع المواطنين أن يتقلدوا الوظائف والمناصب العمومية، وهم سواء فيما يرجع للشروط المطلوبة لنيلها.
- وينص الفصل الثالث عشر على أن التربية والشغل حق للمواطنين على السواء.
والدستور يؤكد مبدأ التضامن في السراء والضراء، كما تنص على ذلك الفصول الآتية:
- ينص الفصل السادس عشر على أن المواطنين جميعهم مطالبون بالمساهمة في الدفاع عن الوطن.
- وينص الفصل السابع عشر على أنه يجب الجميع أن يتحملوا، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية التي للقانون وحده الصلاحية لإحداثها وتوزيعها حسب الإجراءات المنصوص عليها في الدستور.
- وينص الفصل الثامن عشر على أنه يجب على الجميع أن يتحملوا متضامنين التكاليف الناتجة عن الكوارث التي تصيب البلاد.
والدستور يفرض مبدأ الحرية في أسمى معانيها، وذلك في الفصول الآتية:
- ينص الفصل التاسع على أن الدستور يضمن لجميع المواطنين:
- حرية التجول وحرية الاستقرار بجميع أنحاء المملكة.
- حرية الرأي وحرية التعبير بجميع أشكاله وحرية الاجتماع.
- حرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة نقابية وسياسية حسب اختيارهم.
ولا يمكن أن يوضع حد لممارسة هذه الحريات إلا بمقتضى القانون.
- وينص الفصل العاشر على أن لا يلقى القبض على أحد ولا يعتقل ولا يعاقب إلا في الأحوال وحسب الإجراءات المنصوص عليها في القانون، والمنزل لا تنتهك حرمته ولا تفتيش ولا تحقيق إلا طبق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون.
 وطبعا، فإن جميع هذه المبادئ جاءت منسجمة مع القوانين التي تحدد كيفية تطبيقها والمساطر التي يتعين احترامها والإجراءات المطلوب تطبيقها.
 ففيما يتعلق بالحريات الفردية والجماعية جاءت ظهائر 15 نونبر 1958 لتنسق حقوق المواطن في هذا الميدان وتعزز إمكاناته بضمانات يطول شرحها في هذه العجالة، تلك الضمانات التي تعطيه أفسح مجال للعمل النافع والمبادرات الإيجابية. وعلى سبيل المثال، فإن مما يثلج الصدر أن المغرب من بين البلدان القلائل عبر العالم الذين يمكن فيهم للمواطن أن ينشر مجلة أو جريدة جديدة لمجرد تقديم تصريح بذلك للنيابة العامة: فلا يحتاج إلى سابق إذن ولا إلى تقديم كفالة مالية قبل النشر. وإذا صدرت جريدة جديدة فلا يمكن منعها إلا عن طريق القضاء.
 أما فيما يخص الحريات الفردية والعائلية، فهي مصانة بكيفية دقيقة. وقد جاء قانون المسطرة الجنائية ليحافظ على هذه الحريات ضد كل مساس محتمل. وهذه بعض الأمثلة عن ذلك:
 فلا يمكن متابعة أي شخص إلا استنادا إلى مسطرة خاصة تحتاط بكيفية وجيهة حتى لا تتعرض كرامة المواطنين إلى ما يمس بها، ولا يمكن اعتقاله إلا طبق شروط تخضع كل إجراء قضائي إلى مراقبة صارمة من طرف الهيئات القضائية العليا. ولا يمكن محاكمته إلا باتباع إجراءات يؤدي الإخلال بها إلى بطلان المحاكمة. أما تفتيش المنازل فهو منظم بكيفية لا تترك إمكانية لأي تعسف.ويمنع بتاتا دخول منزل الغير، ولو من طرف الشرطة، ما بين التاسعة ليلا والسادسة صباحا.
 هذا من حيث الشكل. أما من حيث الجوهر، فإن القانون يفرض أن يعتبر كل متهم بريئا إلى أن تثبت إدانته، وطبعا، فإن هذه القاعدة تفرض حقوقا أخرى يطول شرحها.
 ومنذ أن تقلد جلالة الحسن الثاني مقاليد الحكم، ومنذ أن منح شعبه الوفي الدستور المثالي الذي نعيش تحت ظله واتباعا لمقتضياته مافتئ جلالته حفظه الله يخطط ويوجه استنادا إلى تقاليدنا العريقة وعملا بالأوامر والنواهي المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله.
في كل واجهة من الوجهات وعلى كل المستويات عاش المغرب تلك الملحمة الخالدة التي عززت أركانه ونسجت خيوط نظامه وأوعزت بالعمل الؤوب خدمة للصالح العام وتوثيقا للروابط المتينة المكونة لتضامن الأفراد فيما بينهم وللعروة الوثقى الموجودة بين الأمة وعاهلها تلك العروة التي لا تزداد إلا متانة لأنها تجد سر قوتها في مجهود دؤوب ومسترسل لملك صالح وفي تعلق مثالي لشعب ملكي بغريزته مسلم بمعتقداته متشبث بعرشه استنادا إلى طبيعته وتقاليده وإيمانه الراسخ وشغفه بملكه.
إن منجزات جلالة الملك الحسن الثاني أثناء أكثر من ربع قرن تكون تحديا لكل تعداد وكنزا استفاد منه جميع أفراد الأمة المغربية في تكوينهم وصحتهم ومستوى حياتهم وضمان مستقبلهم. وقد يكاد يكون العرض مستحيلا لو حاول المرء أن يتصدى إلى كل القوانين التي وضعت والمشاريع التي أنجزت والمنشآت التي أسست وأبدعت والهياكل التي نصبت والمبادرات الوجيهة التي اتخذت والحقيقة التي أصبح المغرب يتوفر عليها بفضل الجهاد المقدس الذي خاضه جلالة الحسن الثاني بإباء وغيرة وتجرد.
إلا أن القاسم المشترك بين جميع ما خطط وأنجز هو التزام الفضيلة في كل مبادرة ودعوة جلالة الحسن الثاني إلى التشبث بالقيم والعمل طبق ما تقتضيه الأخلاق وتقره المبادئ، فكلما أقدم جلالته على تحقيق أي هدف إلا ووضع الفكرة والإنجاز في إطار خلقي لا يقبل بالمروءة بديلا، وكلما دعا إلى اتخاذ موقف إلا وعلله بما يفرضه الضمير النقي وتوحي به الأوامر الإلهية.
وهكذا فعندما أمر أدام الله نصره بانطلاق المسيرة الخضراء كان سلاح المشاركين هو القرآن، وكلما ألقى خطابا أمام مجلس النواب إلا وركزه على آية قرآنية وكلما خاطب شعبه الوفي إلا وكانت خاتمة خطابه آية من كتاب الله العزيز.
وكلما صدر قانون في أي ميدان أو اتجاه إلا وكانت أسبابه ودوافعه خلقية. ولم يسبق أن صودق على مشروع لمجرد المصالح المادية الظرفية. وكلما أبدى جلالة الحسن الثاني رأيا على المستوى الدولي إلا وطبعته تلك الروح الحسنية المسلمة.
وبفضل هذا الاتجاه القويم الذي أعطاه عاهل المغرب المفدى للوجهة التي اختارها لشعبه أصبح المغرب قبلة الباحثين على الحلول الرشيدة ومرفأ ذوي النيات القويمة ومنطلق الانتفاضات الخلقية السليمة.
فلا غرابة في أن تينع الثقافة وتزدهر ولا غرابة في أن يتهافت الشباب على الخزانات والمساجد ولا غرابة في أن يكون المغرب منطلق (مخطط فاس) ولا غرابة كذلك في أن يكون جلالة الحسن الثاني رئيس لجنة القدس.
لقد قام الرئيس حسني مبارك أخيرا بزيارة للمغرب وألقى خطابا بحضرة أمير المؤمنين أكد فيه على الخصوص: «شكري لك أخي صاحب الجلالة، حبي وتقديري لك وللشعب المغربي العظيم، وأتمنى لنا في الأمة العربية والإفريقية، وبزعامتك أيها الأخ والصديق العزيز، أن يوفقنا الله دائما إلى ما فيه خير هذه الأمة».
وقبل ذلك اجتمعت لجنة القدس (بيفرن)، وألقى أثناء اجتماعها جلالة الحسن الثاني ذلك الخطاب القيم الذي أكد فيه، حفظه الله، متوجها إلى الولايات المتحدة «استشهد جنودنا وجنودكم بالآلاف وبمئات الآلاف لتحرير البشرية. وهنا لايمكن لحليفك بالأمس إلا أن يستغرب تنكرك للمبادئ التي من أجلها مات أبناؤك ولا سيما أن الجنود المغاربة حينما ذهبوا للحرب الدامية لم يذهبوا كجنود دولة مستعمرة لم يذهبوا كمرتزقة أبدا بل ذهبوا بعد نداءات متكررة من جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه والذي كان آنذاك السلطان سيدي محمد ابن يوسف الذي أمر أن تقرأ على المنابر رسالة ملكية يأمر فيها الرجال المغاربة أن يحاربوا بجانب الحلفاء للدفاع عن الحرية وللدفاع عن الكرامة البشرية...». 
وقد رد الرئيس ريجان على هذا الخطاب الملكي السامي برسالة شفوية جاء فيها على الخصوص: «لقد عبرتم أثناء الخطاب الذي ألقيتموه في اجتماع لجنة القدس المنعقد في الخامس من يناير عن أفكار بليغة تذكر بالتعاون التاريخي المغربي الأمريكي في ميدان الدفاع عن الحرية والكرامة البشرية.وأن هذه المبادئ السامية ستنير دوما طريقنا في البحث عن السلم والاستقرار».
إن جلالة الملك الحسن الثاني، وهو ملك الحوار والمناقشة البناءة والبحث عن أنجع السبل لجعل حد للمشاكل مهما كانت مستعصية، يتصدى دوما إلى جميع المشاكل استنادا إلى أسمى المبادئ وأغلى القيم والسلام ختام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here