islamaumaroc

أبى قال لي

  إيليوث روزفيلت

268 العدد

انعقد بالمغرب مؤتمر « أنفا» الدولي بمدينة الدار البيضاء من 14 إلى 24 يناير من عام 1943.
 وقد حدث هذا المؤتمر الدولي الهام في فترة حاسمة من تاريخ البشرية في العصر الحديث، جمع الرئيس الأمريكي روزفيلت، والمستر ونستون تشرشل رئيس الحكومة البريطانية آنذاك، وكان المغرب تحت الحماية الفرنسية، وقد قام المغفور له مولانا محمد الخامس الأمين على السيادة الوطنية، بدور رائع هام في إسماع كلمة المغرب...
وقد أقام الرئيس الأمريكي حفل عشاء على شرف جلالة الملك مولانا محمد الخامس طيب الله ثراه ليلة 22 يناير من نفس السنة، وقد جعل محمد الخامس من هذا الحفل مناسبة لجلسة عمل سياسية للمطالبة باستقلال المغرب والاعتراف من الحلفاء بتصفية الاستعمار الأجنبي بشكل عام.
وهذه وثيقة هامة من كتاب: «أبي قال لي» لمؤلفه إيليوث روزفيلت ابن الرئيس الأمريكي الذي يحكي فيه ذكريات والده كما سمعها منه، عن هذه الليلة التاريخية...


يكتب إيليوث على لسان والده.
في هذه الليلة... كان السلطان ضيفنا. وحينما وصل كان محفوفا بابنه الفتى، وهو ولي العهد المنتظر (يقصد الملك الحسن الثاني) يتبعهما الصدر الأعظم (رئيس الحكومة المغربية على ذلك العهد) ورئيس التشريفات، وكلهم كانوا يرفلون في جلاليب بيضاء حريرية وفضفاضة... وحينما بدأ العشاء كان السلطان على يمين والدي وتشرشل على يساره. وأخذ والدي يتحدث إلى السلطان بحيوية حول ثراء المصادر الطبيعية للمغرب والإمكانيات الواسعة للتنمية التي يمكن تحقيقها في هذا القطر. وكان هما الاثنان يشعران بالبهجة والحبور من هذا الحديث، وبما أنهما يتحدثان الفرنسية بسهولة، الشيء الذي لا يمكن أن نقوله عن تشرشل، فقد كان باستطاعتهما التعمق في مختلف القضايا: رفع مستوى العيش للسكان المغاربة، ومن أجل ذلك، ضرورة الحفاظ داخل البلاد على جزء مهم من هذه الثروات.
وصرح السلطان عن رغبته العميقة في أن يجد العون بمختلف أوجهه للقيام بالمجهودات الهادفة لتجهيز بلاده بالمؤسسات الصحية العصرية وإتاحة فرص التعليم العام.
 وهنا عبر والدي عن رأيه بكون تحقيق مثل هذا العمل ينبغي على السلطان أن لا يتيح الفرصة للمصالح الأجنبية حتى لا تستطيع عن طريق نظام التنازلات حرمان بلاده من خيراتها.
 وحاول تشرشل تغيير الموضوع، لكن السلطان أخذ من جديد بخيط المحادثات واضعا السؤال لمعرفة العواقب التي ينبغي استخلاصها من نصيحة والدي فيما يرجع للحكومة الفرنسية المقبلة.
وبينما كان والدي يلعب بشوكته دون اكتراث لاحظ أن الحالة ستتغير جذريا بعد الحرب خاصة فيما يرجع للاستعمار.
عندئذ سعل تشرشل وحاول، مرة أخرى، تغيير مجرى الحديث، إلا أن السلطان وجه السؤال لوالدي حول ما يعنيه ب« التغيير الجذري» فقدم والدي ملاحظة حول العلائق التي كان يقيمها فيما بينهم الرأسماليون الفرنسيون والبريطانيون قبل الحرب وكيف أنها تتجدد تلقائيا، لأن هدفها هو امتصاص خيرات المستعمرات وتحدث أيضا عن إمكانية اكتشاف احتياطات بترولية بالمغرب.
وألح السلطان على هذه القضية مصرحا بتأييده لاستغلال سائر مصادر الثروة الطبيعية مضيفا بأنه لا ينبغي أن تخرج المداخيل المحصل عليها من البلاد، ثم أطرق رأسه بأسى، وتأسف بأنه لا يوجد إلا عدد ضئيل من المهندسين والعلماء بين مواطنيه، وهذا ما يجعل تحقيق مثل هذه المشاريع مستحيلا دون عون.
وأخذ تشرشل يتحرك بانفعال فوق كرسيه وعليه علامات الانزعاج، فألمح والدي هامسا بأن بالمستطاع أن يتم تكوين علماء ومهندسين بالمغرب بفضل برنامج للتبادل الجامعي مع الولايات المتحدة مثلا، وكانت إشارة من السلطان تعني الموافقة، وحالت أصول «الاتيكيت» أن يسجل في اللحظة عناوين الجامعات ذات الاختصاص.
وتابع والدي شرح فكرته وهو يداعب كأس الماء. وقال بأن بإمكان السلطان أن يطلب بسهولة مساعدة الشركات التجارية الأمريكية التي تستطيع عن طريق مبالغ جزافية أو بنسب مئوية أن تنجز برنامجا لاستغلال الثروات، وأكد أن من شأن هذه التركيبة أن تتيح لحكومة المغرب ذات السيادة مراقبة على مستوى واسع لمصادر ثروة البلاد وتتمتع بجزء كبير من أرباحها وأن تتمكن آجلا أو عاجلا من وضع يدها على اقتصاد البلاد. وأبدى تشرشل تذمره وتظاهر وكأنه لا يسمع الحديث. 
لقد كان عشاء ممتعا قضى فيه سائر الضيوف، باستثناء واحد فقط- (يقصد تشرشل)- ساعة شيقة جدا. وحينما غادرنا الموائد، أكد السلطان لوالدي بأنه ما أن تضع الحرب أوزارها بشكل نهائي، حتى يطلب مساعدة الولايات المتحدة لتوفير ظروف أفضل لمستقبل المغرب، وكانت عيناه تشعان فرحا. وقال: «بأنه عهد جديد لبلدي».
وخرج السلطان من قاعة الأكل يتبعه الوزير الأول البريطاني وهو يعض على سيجارة بغطرسة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here