islamaumaroc

لولا الأئمة لم تأمن لنا سبل [افتتاحية]

  عبد الكبير العلوي المدغري

268 العدد

في اليوم الثالث من شهر مارس، ومن كل عام، وفي فصل الجمال والصفاء والبهاء، وطلائع أيام الربيع الريان، وفي مواكب العطر والزهور والرياحين. يحتفل الشعب المغربي الشاكر بذكرى عزيزة عليه، أثيرة لديه، هي الذكرى السابعة والعشرون لجلوس صاحب الجلالة والمهابة مولانا أمير المؤمنين الحسن الثاني، حفظه الله وأيده، على أريكة أسلافه المنعمين.
 ففي هذه الذكرى الخالدة تتقوى العزائم، وتستد السواعد، وتتجدد المشاعر، وتنبعث الأفكار هادية ملهمة معترفة بالفضل للجالس على العرش، المحفوف من ذي العرش... لأنها في الواقع ذكرى عرش عظيم، له تاريخ موصول، متماسك الحلقات، كله كفاح ونضال، وجهاد وجلاد، وسعادة ورضى، ويمن وإقبال...
 فلقد شاء الله، أن يكون هذا العيد الوطني السعيد، الذي يعده الشعب المغربي من أقدس أيامه، وأعز أعياده، وأكرم مواسمه، ربيعا للقلوب، ومظهرا للفرح، ومهبطا للسرور، وعنوانا للمسرات والابتهاج، وفرصة ميمونة لتقوية الروابط، وتأكيد العهد، وتمتين الصلة، ومراجعة الأعمال ومحاسبة النفس، وبراءة من التقصير، وعزما أكيدا على الجد والمثابرة، والصبر والمصابرة، ومصدرا للإخاء الصحيح، والرخاء الشامل، والانطلاق من جديد في سبيل الحق والخير والجمال...
كما شاء الله، أيضا أن تتم فرحة هذا الشعب العظيم في هذا الشهر المبارك الميمون الذي هو بداية لفصل الربيع الباسم، والجو الطليق، والطبيعة الأنيقة التي تغرق في النعيم، وتفيض بالبشر والحبور، حيث القلوب تزخر بالعواطف، والصدور تجيش بالأماني، والنفوس تسبح في مرح العافية، وفيض من النعيم المقيم، وكأن هذه المعاني والرموز إشارة والرموز إشارة إلى أن هذه الأمة الفتية الشابة يتجدد شبابها كل عام، وتستجمع قواها كلما طرأ ضعب أو فتور، وتحس بوجودها كل عيد، وذلك بإعلان فرحتها وبهجتها وخفوق قلبها بالحب والإخلاص، فهي تحيا حياة طيبة واعية تضمن لها أن تخطو خطوات تصعد بها إلى معارج المجد، وتقودها إلى سوح النضال، وتبوؤها كراسي الأستاذية، وتنصبها لمنابر الهدى...
 إنه فصل اليقظة والحياة، وعيد البعث والنشور، وموسم الربيع الذي تتراقص على حواشيه الخضر، عرائس المنى، وأطياف الحب والحسن والجمال...
 وكيف لا تعتز هذه الأمة الشاكرة الواعية، وقد وهبها الله ملكا شجاعا ناجح المسعى، ملهما بالصواب، حاز كل مزايا الفضل والخصل، وسجايا البطولة والنبل، كما حباه الله فضائل الرشد والتوفيق والإقبال، وعلمه كيف يسود هذا الشعب الكريم، الذي يحمل له حبا صادقا، وقليا صافيا وولاء مكينا...
 فالعرش المغربي المكين هو الضامن للوحدة، والجامع للفرقة، والملم للشتات، والحافظ للكرامة، والمعين على النهوض، والكافل للاستقرار والاستمرار، إذ هو الروح الذي ينشر على البلاد ظله الرخي، ويحقق الطمأنينة والهدوء الذي يضمن للبلاد وحدتها واستقلالها، ويحقق لها مستقبلا مشرقا واعدا، وكرامة عزيزة، وحياة مستقلة آمنة، مما يترك البلاد، تعيش ولله الحمد، في سعادة، وأمن وأمان، وهو كما قال عبد الله بن المبارك:
 الله يدفــع بالسلطان معضلـة        عـن ديننـا رحمة منـه، ورضوانا
 لولا الأئمـة... لم تأمن لنا سبل      وكـان أضعفنـا، نهبـا لأقوانا...
 لقد وجه ملوك هذه الدولة العلوية الشريفة قافلة الحياة في طريقها القاصد، وسبيلها المرسوم، فجمعوا حولهم القلوب الشاردة على هوى واحد، وألفوا نوافر النفوس بالحب الخالص، وأقاموا قواعد المجتمع على العدل، وخففوا متاعب العيش بالإحسان، وضمنوا وفاء العهد بالذمة، ومهدوا لهذا البلد المسلم سبيل الاستقلال الخالص الصريح، واعتمدوا في تأثيل ملكهم، وإنهاض شعبهم، على الحرص الموصول، والجد النزيه، والإخلاص لله، والعمل على إعلان مجده بإعزاز دينه، وبث فنون المعرفة والعلم والثقافة في ربوع هذا الوطن المحبوب، بما يوائم فطرة الله، ويلائم طبيعة التقدم، ويساير مقتضى الحياة، فقد قدموا لهذا البلد العزيز أجل الخدمات، وأسمى العوارف، وأسنى المبارات والمشاريع...
 ولقد ترسم صاحب الجلالة خطى أجداده الكرام، وسار على نهج سلفي قويم في جميع المجالات، وشتى الميادين... يذكي خمود جيله بحرارة دمه، ويضيء وميض وطنه بوميض روحه، ويعمل على تنشئة الجيل المغربي الطموح، نشأة إسلامية صحيحة، قوامها خلق صحيح، ورأي جميع، ودين متين...
***
 لقد مرت سبعة وعشرون سنة، من أيام الله، قضاها بطل التحدي والوحدة والتحرير في التشييد والبناء، والغرس والنماء، والكفاح والنضال، والجهاد والجلاد، يسوس أمة ذكية القلب، ويقود شعبا يقظ الفؤاد بالعدل والصراحة، والحرية والسماحة، وما زال حفظه الله يشفع نشاطا بنشاط، ويبذل جهودا إثر جهود بدافع بدافع من نفسه وحافز من شعوره، وباعث من وطنيته التي تملأ شعاب القلب بالإعجاب والإكبار...
 فلقد أعطى حفظه الله لهذا الشعب، الذي أخلد غليه بالثقة، وألقى في يده المقاليد، ذوب قلبه، وعصارة تفكيره،ونظارة وجوده،وقد ألفنا من جلالته حفظه الله أن يصدع بالنصح المحض، والتوجيه الحسن والهداية الرشيدة، في ظلال الحكم الصالح، والديموقراطية الواعية التي يزينها قانون قائم، وعدل شامل، وإحسان ونصفة ومساواة... فهو يتجاوب ويستجيب، كلما دعا داع إلى ذلك... 
 فسبعة وعشرون سنة، كم هي حافلة بالبطولات والملاحم، ومليئة بدلائل التوفيق، وآيات الرضى، قضاها سيد البلاد يدافع وينافح، ويناضل ويكافح... والعالم حوله يجري ويلهث، ويخمد وينفث، وكلما بدا مشكل عظيم أمره، إلا ذللـه، وكلما أنبت الزمان قناة ، إلا خضد شوكتها، واستأصل شأفتها، وتغلب في الأخير... لأن الله ألان له أعطاف الشدائد، وهكذا كان ناجحا في سياسته في الداخل والخارج، فالله قد وهبه من دلائل الفوز والزعامة ما جعله مناط أمته، ومعقد رجائها، ومناط ثقتها ومبعث وجودها وعدة مستقبلها...
 وما زال حفظه الله ورعاه ينفق، في سبيل القضايا الوطنية والمقدسات، المال الكثير في سعة، ويحمل سلاح المجاهدين المخلصين، ويخوض المعامع في صبر وأناة، ويخطو إلى الأمام في إيمان ويقين وثبات، ويبذل كل غال ورخيص في سبيل المبدأ وتأكيد الحضور وإثبات الذات، يكنفه التوفيق والرشد، وتلاحظه عين العناية والرعاية، وحق لنا أن ننشد فيه ما يقول الشاعر أحمد شوقي في هذا المعنى:
***
 خطونـا للجهـاد، خطـى فساحا  وهـادانا، ولم نلــق السلاحــا،
بذلنــا في سبيـل الله طوعـــا  دم الشهــداء، والمــال المتاحـا
***
ولئن كان هذا الشعب المغربي في هذا العيد السعيد، يحتفل بيومه الأغر، وذكراه الغالية، فإنه أيضا، يقف وقفة المحاسب لنفسه، والمراقب لضميره ويلتفت إلى ماضيه... كم قدم له من أعمال؟ وكم بذل له من نفيس؟ إذ قد يبلغ، بمناسبة هذه الذكرى ذروة العسر في محاسبة النفس، وموازنة الأعمال، ومراقبة الضمير، كما يبلغ ذروة الخشية والخوف من التقصير والإهمال في الإحساس بالمسؤولية، فإما أن تبتسم في طريقه مضاحك الفوز، ويسفر الأمل عن وجه الرضى، ويكون،إذ ذاك؛ قد حقق مكاسب ضامنة، وخطا خطوات ثابتة مطمئنة... وإما أن تكون الأخرى فيعقل النشاط، ويضاعف القوى، ويغذ السير، ويرصد الأهب، ليدرأ ما ييعترضه من أذى، يقيه شر العثرات، ويجنبه المزالق والهفوات.
وللحسن الثاني، حفظه الله على كل القضايا، في الداخل والخارج يد تواسي في الشدة وقلب يخفف في المصيبة، ومبادرة ذكية ينتزعها من صميم الأحداث، وهو المشهود له بالذياذ عن الحمى، والدفاع عن الكرامة والمحافظة على المقدسات...
يقف بجانب الشعوب المكروبة المناضلة، والأمم المكافحة الباسلة ضد الظلم والفساد والطغيان، ولاسيما في النضال، ومقارعة الأحتلال، وخوض المعارك العادلة الشاملة على جميع المستويات،
والعمل على ضم الشمل، حتى لا يكتفي، كغيره من الناس بالقول والكلام والصياح والصراخ، ولعله هو ذاك الذي عناه الشاعر العربي سلامة ابن جندل بقوله:
 كنــا إذا مـا أتانـا صـارخ فزع  كان الصـراخ لـه، قـرع الظنابيب
                                                ***
 حفظ الله مولانا الإمام وأدام عليه أرضية الصحة والعافية، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وحفظه في ولي عهده المحبوب، زين الشباب، الأمير الأمجد، طلعة الخير والسعد سيدي محمد، وصنوه الرشيد، الأمير السعيد مولى رشيد، وباقي الأمراء والأميرات والأسرة العلوية الشريفة وشعبه العظيم. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here