islamaumaroc

قوميتنا المحاربة

  دعوة الحق

30 العدد

... كأن الأقدار أبت الا أن تجعل من بلادنا مرمى لسهام الاستعمار، وهدفا لنباله المسمومة، منذ مطلع القرن التاسع عشر الى يوم الناس هذا، لتمتحن صلابة هذه القومية، في احدى مواقعها الحساسة، ولتبلو مدى ما لدى أبناء هذه البلاد من طاقة على النضال، وصبر واحتمال في مجال النزال...
لقد استهدفتها الغارة الصليبية منذ اللحظة الأولى التي آذنت فيها  شمس النهضة الاسلامية بالغروب، وأمست حالة العالم العربي والاسلامي تنذر بالضعف والتدهور. واتخذت منها قاعدة للاغارة بعد ذلك على جارتيها، قبل أن تولي وجهها نحو البلاد العربية الشقيقة في منطقة الشرق، وما أن سقطت بلادنا مضرجة في دمائها بعد صراع عنيف، وجهاد طويل دام قرابة ربع قرن، حتى انفتح الباب على مصراعيه امام الغزو الأوربي لبقية العالم العربي.
واذا كان باب الجزائر هو أول باب طرقه الغزاة المعتدون على أرضنا في عهد الغفلة والتخاذل والوهن، فإن هذا الباب هو نفسه الذي سيخرج منه-الى غير رجعة- أولئك الغزاة البغاة، وسيخرجون قريبا مشيعين بما يليق بأمثالهم من ضروب المقت والازدراء، بعد أن تحيق بهم الهزيمة، ويحل بساحتهم البوار والاندحار.
ومعلوم بالبداهة أن الغزو الصليبي لبلاد العرب في المشرق أو في المغرب، كان يستهدف –أول ما يستهدف- ابادة  قوميتنا، والقضاء على تراثنا، بما في ذلك من دين ولغة  وتاريخ وتقاليد مميزة، ولكن عناصر القوة والمناعة التي توفرت لدى هذه القومية، والروح الانسانية النبيلة التي قامت عليها في مقاصدها العامة، جعلتها تثبت –على مدى القرون- في وجه هذا الغزو العاتي، وتقف في الميدان متحدية له، دون أن ينال منها كبير منال،  ومن غير أن يزحزحها عن محور وجودها قيد انملة، بل ظلت هذه القومية الخالدة –رغم فترات ضعف انتابتها- تشع بأنوارها على العالم، فتضيء جوانبه المظلمة بادران المادة والأنانية، وتبعث فيه روح الامل والاخاء الانساني بين فترة وأخرى، رغم تكالب الغزاة البغاة من سفاكي دماء الشعوب واعداء الانسانية، وستبقى قوميتنا راسخة القدم، ممتدة الجذور في أعماق هذا الوجود، تضيء بنورها واشعاعها، رغم المناوئين والمناهضين من المستعمرين (ويأبى الله الا أن يتم نوره ولو كره الكافرون).
بعد  هذه الإشارة العابرة الى هذا الموضوع المتشعب الجوانب، الذي يضيق المقام عن الالمام بجميع أطرافه، أريد أن أتناول في هذه الكلمة الوجيزة جانبا منه، في احد ميادينه التي واجهت فيه قوميتنا العربية هجوما شديدا، ظل وما فتئ متواصلا الى الآن وما زالت بنت الكنيسة البكر (فرنسا) تتزعم هذاالهجوم العنصري الظالم، في أرض الجزائر بالذات، أكثر من أي مكان آخر، بيد أنه كلما اشتد تكالب الاستعمار الفرنسي، وتوالت حملاته على قوميتنا العربية في الجزائر، كلما أبدت هذه القومية المناضلة من ضروب المقاومة، وأظهرت من أنواع القوة والثبات، المتمثل في أبناء الجزائر، ما أذهل الاعداء، وحير عقولهم وقضى على مساعيهم بالخيبة والفشل.
اننا اذا قلنا ان فرنسا عدوة تقليدية للاسلام والعروبة حيثما كانا وأينما وجدا، فلا أظن أنه يوجد من يشك أو يماري في هذا القول من ابناء العروبة والإسلام، والترايخ خير شهيد على ذلك، فقد كان (لويس التاسع) ملك فرنسا هو الذي قاد الحملة الصليبية الشهيرة ضد العرب المسلمين في القرن السابع الهجري، وهو الذي تولى اثارة كوامن الضغينة والحقد العنصري في صدور الصليبيين يومئد، حتى هبوا عن بكرة ابيهم، ليذبحوا عشرات الآلاف من المسلمين في ديارهم.
والحرب الاجرامية التي تشنها فرنسا اليوم على الشعب الجزائري العربي المسلم، لم تكن في حقيقتها الا امتدادا لتلك العداوة التقليدية، ومظهرا من مظاهرها الصليبية، ولو ان في مقدور فرنسا اليوم ان تعيد نفس التاريخ في تجنيد أوربا كلها، وحشد قواها العسكرية ضد الامة العربية لما توانت لحظة في الأمر، على أن ذلك لم يمنعها من مواصلة سعيها لتأليب دول الغرب ضد الأمة، وجر تلك الدول الغربية الأروبية إلى مؤازرتها سياسيا وعسكريا في الميدان الجزائري أولا، وفي الميدان العربي  بصفة عامة، ذلك لأن الساسة الفرنسيين ما زالوا يعيشون في أحلام عظمة الامبراطورية الفرنسية المنهارة ... دون أن يدركوا بأن تشبثهم بهذه الأحلام يجعلهم متأخرين بمراحل عن زمنهم، ويتركهم متخلفين عن مسايرة مواكب التطور والتحرر التي تحدو الامم والشعوب المستعمرة في سيرها نحو ادراك حريتها، واستعادة اعتبارها ووجودها، بين مجموعة الامم الحرة الناهضة.
والواقع أن فرنسا بانتهاجها لسياسة حربية عدوانية ازاء الشعوب، انما تحاول عبثا ان تغير مجرى التاريخ، وأن تعاكس تيار  التطورالبشري، وهي لا تعدو بهذا العناد الاحمق...ان تكون كناطح        صخرة يوما ليوهنها ... انها لم تتعظ بالأحداث .. التي مرت بها، وتركتها امثولة بين الدول والشعوب، وما انفكت تتحين الفرص على بلاد العرب شرقا وغربا، مباشرة أو بواسطة، فبالأمس القريب كانت هذه الدول في طليعة من دبروا مؤامرة العدوان الثلاثي الدنيئة في قناة السويس، وقاموا بالتحريض على مهاجمة شعب عربي آمن في ارضه ، مطمئن في داره، ووقوفها دوما بجانب دويلة اسرائيل المصطنعة، لمناهضة حقوق العرب الشرعية في بلادهم، دليل كاف على مدى ما تضمره من حقد وبغض وعداوة لقوميتنا العربية، وعلى مقدار ما بذلت وتبذل من جهود لمحو هذه القومية، والاعفاء على اثارها وتراثها في أرض الجزائر المجاهدة.
فماذا يجدبها التآمر على حقوق العرب في المشرق؟
وماذا يفيدها العداء حيال بلاد العرب في المغرب؟
لن تزيد فرنسا على ان تجني على نفسها بنفسها، ويكفيها أنها أصبحت في نظر الشعوب الفتية المتطلعة للحرية والسلم، في مستوى واحد مع اسرائيل المنتحلة، ودولة جنوب افريقيا الرجعية، هذا الثالوث الشاذ، الذي  اضحت سياسة قادته الخرقاء تهدد السلام والامن في العالم الافريقي الاسيوي، ولن تجني أيضا غير عداوة ابناء المغرب العربي واحتقارهم، عندما تحاول من جديد الاعتداء على الجزءين المستقلين من وطنهم المغربي الكبير، في الوقت الذي كان ينتظر منها أن تكف عن غيها، وتؤوب الى رشدها، وتغلب جانب العقل على جانب الهوى والتعصب الاعمى، الذي ما برح يدفعها –قديما وحديثا- لاقتراف ابشع الجراث ضد الانسانية في القطر الجزائري.
وهكذا يتضح لنا أن الاسباب التي تدفع الاستعمار الفرنسي للمحافظة على وجوده في الجزائر، وامعانه في سفك الدماء البريئة من أجل الابقاء على ذلك الوجود البغيض، ليست فقط اسبابا سياسية او  اقتصادية، بل انها فوق ذلك أسباب عنصرية... ترمي إلى بتر هذا القطر العربي من جسم أقطار العروبة واخضاعه للفرنسية والتجنيس والتغريب، ليصبح جزءا لا يتجزأ من الوطن الأم ... وقد استعمل الاستعمار، لتحقيق غرضه الخسيس كل ما وسعه من ألوان العسف والبغي، المنافية لا بسط المبادئ الاخلاقية والعدالة البشرية، فشن حملاته القذرة على الدين اللغة والأخلاق، وحارب –بلا هوادة- الثقافة العربية الاسلامية في جميع مظاهرها، ومختلف   ميادينها ولكن سعيه ذهب سدى، ولم يصل في هذا المجال في الماضي، كما لم يصل اليوم إلى ما يريد... والفضل يرجع إلى تغلغل روح المقاومة، التي فطر عليها شعبنا المؤمن، فأصبحت جزءا من طبيعته، وواجبا أساسيا من واجباته، وفرضا محتوما من الفروض التي عليه أن يؤديها نحو امته ووطنه.
والآن لنلتفت قليلا نحو ما ضينا الجزائري مع الاحتلال الأجنبي، لنتبين بعض الخطط الاستعمارية التي اختطها نظام الاحتلال بغية افناء الشخصية الجزائرية، وازالة معالم الثقافة القومية.
حينما احتلت فرنسا الجزائر، وجدت فيها شعبا عريقا، يحتفظ بكل مقومات الأمم والشعوب، وخصائها الروحية والمعنوية والسياسية والاقتصادية ويمتاز بكل الميزات التي تجعل منه دولة تامة الأجهزة والنظم الادارية المستقلة، كغيرها من دول ذلك العصر، بل ان الأمر الذي يتفق عليه جميع المؤرخين المنصفين، وحتى من الفرنسيين أنفسهم، هو ان الجزائر قبل الاحتلال كانت تتمتع بحياة اقتصادية مزدهرة جدا، ومستوى ثقافي يفوق متوى كثير  من الأمم المعاصرة لها يومئذ، بالإضافة إلى قوتها البحرية التي اشتهرت بها، فجعلت طائفة من الدول تخطب ودها، وتنشد صداقتها، وتلتمس منها حماية سفنها، نظرا لنظام القرصنة الذي كان يسود يومذاك مقابل ضريبة معينة تؤديها لحكومة الجزائر، الى غير ذلك مما يشير الى القوة الأدبية والمادية التي كان يقوم عليها صرح الدولة الجزائرية العربية المسلمة فما هي –إذن- قيمة المزاعم الاستعمارية الفرنسية التي حاولت –كعادتها- ان تفترى على التاريخ الصادق، وأن تلبس الحق لباس الباطل، مدعية انها وجدت الجزائر عديمة الشخصية، لا كيان لها ولا وحدة تجمع أهلها، فخلقتها من عدم، وبعثتها من موت، وحملت اليها رسالة (المدنية والنور...).
هكذا يزعم اقطاب المدرسة الاستعمارية، وهكذا يمعنون في الدعاية الزائفة، والتضليل المكشوف، تبريرا لاعتدائهم على سيادة وطننا، وسلبه حريته واستقلاله بوحشية وشراسة لا مثيل لهما.
فلننظر –إذن- ماذا صنعته فرنسا في الجزائر، وأي (خير ...) جاءت به معها الى الشعب الجزائري بعد أن استطاعت أن تتغلب على مقاومته المسلحة، التي امتدت سبعة عشر عاما بقيادة الامير عبد القادر، بسبب انعدام التكافؤ في العدة والعدد ..؟
صحيح ان الاستعمار كان منطقيا مع نفسه، ومتمشيا مع خطته ومقاصده، حينما استهدف بغزوه ابادة الشخصية الجزائرية، ومحو كل اثر لها روحيا ومعنويا، حتى يتسنى له أن ينجز مهمته التدميرية من أقرب طريق ولكن هل استطاع فعلا أن يحقق أهدافه في القضاء على شخصية الشعب ومحق قوميته؟
للجواب على هذا السؤال بصدق وأمانة يجب الاعتراف بأن الاستعمار قد نال مآربه في المجال الاقتصادي، اعتمادا على أساليب القهر والجور، التي كان يسلطها –بقساوة- على الشعب الاعزل، فيجرده بمقتضاها من أرضيه وثرواته، ويقصيه عن المناطق الخصبة، ليتوجه نحو الصحاري القاحلة، تاركا وراءه أراضيه الطيبة، ومزارعه النامية، وجناته الفيحاء، ينعم بها الدخلاء، ويستولي عليها شذاذ الافاق من الفرنسيين والمتفرنسين الذين رافقوا الاحتلال، أو الذين جلبهم بعد ان استقرت اقدامه في البلاد.
وقد كان يحصل -على الأخص- تجريد الجزائريين من أراضيهم، كلما قامت ثورة مسلحة في وجه المحتل الغاصب، مما افضى –مع استمرار الزمن- الى أن تغدو تسعة أعشار الأرض الجزائرية في أيدي المحتلين ... وبهذا اسلمت (المدينة) الفرنسية شعبا كاملا للجوع والفقر وما ينتج عن الجوع والفقر ... من مآسي وفظائع...
أجل، هكذا اسلمت  فرنسا (المتمدنة ...) شعبنا للجوع والفقر، لتجرده من الشعور بالكرامة والعزة -كما  جردته من الأرض- ولتقتلع من ضميره ما يعتز به من دين ولغة وتاريخ، وما يتشبث به من قومية، فيؤول به الأمر الى الزوال والاضمحلال ... لكن ان استطاع المحتل ان يستحوذ بالقوة على ثروة الشعب المادية، فانه عجز كل العجز –وبالقوة أيضا-  عن أن يسلبه ثروته ويحوله عن الاتجاه الطبيعي الذي رسمه له ماضيه التاريخي الحافل بالامجاد، ومآثر الاجداد.
وآخرا وليس اخيرا رأت فرنسا مشاريعها الاستعمارية تنهار أمام أعينها، وتبوء بالخسران المبين، فلا سياسة التفرقة العنصرية أجدتها، ولا وسيلة شراء الضمائر، التي درجت عليها أفادتها، ولا الالتجاء الى مثل مذبحة (الثامن ماي) اغنت عنها من ثورة الشعب وعقدة العزم على أن يخوض غمار معركة التحرير، صيانة لكيانه الروحي، وحفاظا على وجوده الحسي والمعنوي،  وتشبثا بمبادئ قوميته العربية المقدسة، التي قدم من أجلها أغلى التضحيات.
وكما تحدث قوميتنا الغزو الصليبي، والاحتلال الأجنبي، ونازلته في الجزائر فظفرت به، وردته خاسرا على أعقابه، لأن من ورائها مائة مليون من العرب، يدينون بأمجادها، ويحلونها محل القداسة من نفوسهم، ولا يضنون عليها بأعز وانفس ما لديهم، فان ثورتنا التحريرية المباركة، ستحظى قريبا بالغلبة، وتفوز بانصر –بإذن الله- لأن من ورائها كل شعوب القومية العربية المتحفزة، تبارك خطواتها، وتهلل لانتصاراتها. وتشيد بذكر مجاهديها الابطال، وتقاسمهم النضال في كل مجال.
كلا لن يمنعوا الجزائر من الاستقلال، وفي أرضها ابطال شيوخ وشباب ونساء واطفال، احرار ابناء حرار، وثوار "سنواصل زحفنا المقدس الى النصر، صفا وراء صف كالجبال".

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here