islamaumaroc

دواء الشاكين وقامع المشككين -5-

  دعوة الحق

30 العدد

نـــورد في هذا الموضوع آراء علماء هذا الشأن ثم نعلق عليها بما يفتح الله به من الاستنتاج: ان سر ابتداء الحياة مشكلة وقف عندها العلماء متحيرين لفقدهم البرهان القاطع، لكن هناك حجج كثيرة لكنها ناقصة وغامضة، وعلى ذلك يجدر بنا أن نعرض لها بالبحث من الوجهة العلمية، ان اصل ابتداء الحياة عجيب لذلك جاءت نتائج بحوث  العلماء فيه مختلفة متباينة بعيدة عن الادراك حتى ان اكابرهم وقفوا امام هذه المعضلة مدهوشين، وذلك ان العالم من حيث هو عالم لا يستطيع أن يصدق خوارق العادة، ولكن من حيث هو إنسان عاقل يرى بنتيجة بحثه وبحوث غيره من العلماء الباحثين من غلس الحياة أي الوقت الذي كانت فيه الحياة بين الوجود والعدم، لم ينكشف وجودها بعد انكشافا تاما، (اشبهت الحياة بالغلس وهو ابتداء ظهور نور الفجر حين تكون المرئيات محتجبة بالظلام، لا يظهر منها الا أشباحها ظهورا ممزوجا بالشك) كانت الحياة حينئد أدق من أن تدرك بالمجهر، يعلم أولئك الباحثون كلهم أن جميع الأشياء المتصفة بالحياة الآن قد تطورت من خلية مكرسكوبية واحدة، ومعنى مكرسكوبية أنها لا ترى بالعين المجردة وانما ترى بالمجهر وهو المكرسكوب ويظهر أن هذه الخلية قد أعطيت قوة لايكاد العقل تصورها، فانها تنمو نموا مطابقا لشكل الحي الذي يراد تكوينه منها، ان الحياة في كل مكان على وجه الأرض، والعلم يعترف بأن الواقع لا يمكن أن يكون غير ذلك، وقد اختلفوا في تعليل ذلك، فبعضهم يعتقد أن الحياة حادث كيميائي نشا عن الماء والزمان، وآخرون يرون النظام في كل مجموعة واسعة من مجموعات الأشياء المتصفة بالحياة وهي تشق طريقها الى الأمام آتية من ذلك المصدر نفسه الى النهاية المقدرة لها، سواء أكانت حلزونا (وهو ببوش باللغة المغربية) أو صائرة انسانا، لا تعود إلى عبور الهوة التي عبرتها من قبل ابدا، أقول أريد أن أقف هنا لاستنباط الحجج مما تقدم فأقول اذا تقرر بإجماع علماء الحياة  ان حياة كل حي أصلها خلية واحدة سواء اكان ذلك صحيحا في الواقع أو لا، ثم وقع تطور كل مجموعة من أنواع الحيوان التي لا تعد ولا تحصى، من تلك الخلية الواحدة التي لا ترى الا بالمجهر الى نهايتها سواء اقدر لها أن تصير بعد نهاية نموها حلزونا أو إنسانا أو غير ذلك، فمن الذي وضع لكل مجموعة منهاجا خاصا يسير عليه لا يتعداه مثقال ذرة؟ أليس هو الله رب العالمين؟ أليست هذه حجة قاهرة لكل عاقل مفكر يسمع نداء عقله ويترك التقليد جانبا ولا يخدع نفسه؟ هذه الحجة القاهرة هي البرهان القاطع على فساد الفرض ان خلق أنواع الحيوان من الاميبا الى الفيل والقريش، وهو حوت عظيم جدا، على اختلاف أشكالها وصفاتها واتحاد مصدرها كلها وليدة مصادفة بلا علم سابق، ولا تدبير مرافق، ولا عناية مهيمنة؟ ان رضيت عقولكم بمثل هذا فنشهدكم ان عقولنا لن ترضى به، بل لا تفهمه  ابدا فاعتقدوه وحدكم، ولكن حذار ان تكذبوا على العلم وتقولوا انه قادكم الى ذلك فقد رأيتم ان العلم من ذلك بريء براءة العقل المفكر منه.
ثم نعود الى كلام المؤلف، قال: دعونا نتقدم الآن إلى البحث في الموضوع بشعور ملؤه الاحترام دون أن نتقيد بالحدود الدينية الضيقة ولا بحدود الباحثين العلمية الجامدة، لنعرف ما هو سبب الحياة ومصدرها ونتصور الحقيقة التي يجب الاعتراف بها، وعند ذلك نحكم على القضية الموضوعة أمامنا حكما تاما، وحينئذ يمكننا أن نعلم هل أنا وأنت كل منا ليس الا مجموعة من ذوات المادة اجتمعت على سبيل المصادفة والاتفاق وتولدت ن المركبات الكيميائية الماء والزمان أم الحقيقة غير ذلك.
انظر في النتيجة الى هذا الشيء الوحيد الذي هو أهم من الأرض نفسها، بل من العالم باسره، بل من كل شيء غيره الا إذا كان هناك بارئ عالم خلقه وأخرجه الى الوجود، هذا الشيء هو قطرة من (البروتوبلازما) ذرة هي أصل الحيوان والنبات،تشتمل على الاكسجين والهدروجين والكاربون والنتروجين شفافة لزجة، قادرة على الحركة، تجذب القوة من الشمس، انها منذ الآن قادرة على استعمال ضوء الشمس تكسر حامض الكاربون في الهواء وتفرق بين الذرات فتاخذ الهيدروجين من الماء وتنتج الكاربون ذرات، وبذلك تصنع غذاءها بنفسها، وهذا العمل من اشد التراكيب الكيميائية استعصاء وعنادا.
أقول اين المتبجحون بحرية الفكر والعصرية الرامين غيرهم اذا كان مثقفا بالجمود والرجعية وإن كان غير مثقف بالجهل مطلقا  أو بالجهل والعلوم العصرية؟ هل عندهم حل لهذه المعضلة غير ما  رآه المؤلف ويراه معه جميع المؤنين بما وراء المادة على أي دين كانوا؟ اما اللباس الاوربي والجلوس في الحانات ودور اللهو والميسر وهجر المساجد والرطانة باللغات الأعجمية لغة الاستعمار والاستعباد التي تذكر بالذل والتبعية والخنوع وهجر لغة القرآن  والعز والسيادة وما أشبه ذلك من أنواع السفاهة فانه سهل لا يحتاج إلى عناء وهو من صفات القردة التي يتنزه عنها الانسان الحقيقي.
نعود الى كلام المؤلف قال في صفة الذرة التي نشأ منها الانسان والحيوان والنبات: هذه القطيرة الشفافة التي هي في الدقة كالهباء أو كإحدى ذرات البخار المتصاعد من الماء الذي يغلي تشتمل على جرثومة الحياة كلها وعندها القوة والقدرة على توزيع الحياة على كل شيء حي، كبيرا كان أم صغيرا، وتجعل ذلك المخلوق متناسبا مع بيئته في كل مكان يمكن أن توجد فيه الحياة من قعر المحيط الى أعالي الجو، فالزمان والبيئة هيئا كل شيء حي لملائمة الأحوال المختلفة التي لا نهاية لها ولما تطورت هذه الأشياء الحية الى أفرادها تنازلت عن بعض قابليتها للامتداد لتصير الى ما خصص لها من شكل وتثبت فيه، فاقدة القوة التي ترجع بها الى الوراء، ولكنها ربحت عوضا عن تلك القوة أحسن منها، وهو النظام المطابق لأحوال تكوين المخلوق الذي يراد تكوينه منها.
نعم ان قوة هذه القطيرة من البروتوبلازما وما احتوت عليه كانت ولا تزال أعظم من جميع النبات الذي يكسو وجه الارض واعظم من جميع الحيوان الذي يتنفس نفس الحياة، لأن الحياة كلها جاءت منها، وبدونها لم يوجد شيء حي وكل ما ذكرناه أعلاه يسير مع العلم خطوة بخطوة، وكن العلم متردد في أن يخطو الخطوة الاخيرة ويضيف ما يلي: ان الانسان جاء من هذا الطريق  الى الأرض مولودا انجبه العالم الذي هو ينبوع الحياة، سيدا على جميع الحيوان الاعجم، مصنوعا من المادة، مركبا من أجزاء عديدة، له دماغ مهيأ بالقصد ومقدر له أن يتلقى قبسة من العقل الأعلى، وتلك القبسة هي التي نسميها النفس.
وبعد ذكر ما تقدم قال المصنف: يجب أن نبدأ من الأرض لما كانت كلها صحراء ليس فيها إلا ما بقي بعد برودتها من الجلاميد، ما حسر الماء عن الارض وانكشفت ووقعت الفيوض الجافة من أنواع الطوفان التي لا ياتي عليها الوصف، سبب ذلك انفلاق الصخور الضخام التي كانت تغطي وجه الأرض، فنشات عنها صخور ثانوية ورمال وانواع من الأحجار. وهنا أطال المؤلف القول في وصف اجزاء الأرض في أول ظهورها مما لا يهمنا تفصيله، ثم قال يمكن أن تكون البحوث التي أجريت في الأرض قد افضت الى انكشاف سر وجود الحياة على الأرض ويمكن أن يكون سرها لا يزال لغزا غير محلول، زعم بعضهم ان اصل الحياة جرثومة جاءت على شكل ذرة من كوكب آخر ووصلت سالمة الى الأرض لم تصب بتلف بعدما بقيت سابحة في الفضاء أمدا طويلا لا يدرك له حد، وذلك غير صحيح لأن مثل هذه الجرثومة  لا يمكن أن تعيش مع شدة البرد في  الفضاء الذي هو في درجة الصفر، ولو عاشت لقتلتها الاشعة الكونية الشديدة الاحراق فان عاشت مع ذلك كله فلعلها وجدت قعر البحر المحيط هو المكان اللائق بها حيث الأحوال كانت ملائمة لنشأتها، وبصرف النظر عن ذلك كله نرجع الى الوراء الى حيث بدانا، فنقول: كيف كان بدء الحياة في ذلك الكوكب الذي جاءت منه الحياة؟ ثم نقف موقف المنع فنقول: لا البيئة بالغة ما بلغت في الملاءمة للحياة ولا التراكيب الكيميائية أو الطبيعية الواقعة على سبيل المصادفة، تستطيع أن تخرج الحياة الى الوجود.
قال كاتب هذا المقال وقد وصلنا الى الحد المناسب لينشر في هذا الجزء من دعوة الحق فموعدنا اجزء التالي ان شاء الله.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here