islamaumaroc

البحث التاريخي بالمغرب واقع وآفاق

  أحمد بوكاري

العدد 266 محرم 1408/ غشت 1987

مدخــل:
ليس المقصود من هـذه المساهمة ؛ أن نؤرخ لطفرة عليمة اعتمدت كمادة أسياسية لها المخطوط والوثيقـة المغربية والتي لهـا علاقة بالتاريخ الوطني في إطـار ما يمكن نعته «بمشروع مدرسة تاريخية وطنية» .. ومـع ذلك يظـل هذا المسعى مطلبا علميتا لا مندوحة عنـه، لأن الدراسات التقويميـة هي وحدهـا الكفيلة بجعل مسيرة الفكر والثقافـة على بنيـة من  أمرهـا؛ كمشروع وهدف، لأن العبرة ليست بكثـرة الضاربين في حقل وفضـاء المعرفة الرحب؛  ولكن أيضـا بوضع علامـات  الطريق، ونقط توقف ، وتقييم لعلمية التراكم في مجـال من  المجالات... في محاولة لتأمين خطوات المستقبل.
مجـال البحث التاريخي:
البحث التاريخي أو التنقيب عن الماضي ووقائعه، مـن الدراسات العلمية والفنية التي تسعى الوسائل لمعرفـة وإحياء تراث الأجيال السالفة؛ ومن جهـة أخرى تقييم هـذه هذه الأحداث والعمل على فهم مسارها، والاهتـداء إلى العناصر الفاعلة والمتفاعلة فيها.
لقد أكـد العلامـة ابن خلدون (المتوفى 808/1406) ومنذ وقت بعيـد على خصوصيات هـذه الثقافة مؤكـدا على أن فن التاريخ في ظاهرة: «لا يزيـد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى...».
وفي باطنه «نظـر وتحقيق وتعليل للكائنـات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيـة الوقائع وأسبابها عميق...».
من هنـا يظهر لنا فعلا مـدى أهمية الباحث المؤرخ ودوره، ليس فقـط ف يجمع المادة التاريخية ـ وهـذا عمل أساسي ـ ولكن أيضا في كتابة وصياغـة وتحليل تلك المعلومات، واستخلاص ما يمكن استخلاصه من الحقائب والنتائج.
من هنا نطـر الإشكالية من وجهتين:
أ ـ إمكانيات المؤرخ ومؤهـلاته الفكرية والذاتية:
ويرتبط بهـذا أيضا أدواته وتقنياتـه أو بتعبير أدق، منهجه في البحث والاستقصـا والمقارنة والمواجهة والتعليل... من هنـا يمكن التمييز بين مؤرخ ومؤرخ، وربما في معالجـة قضية واحدة خلال فترة معينة.                             
مـا هو مؤكد؛ أنه بقدر تعـدد هـذه الذوات والمناهـج، بقدر مـا تصبح المادة التاريخية طليعـة وغزيرة العطاء ؛ وف يكل  الحالات، فإن البحث التاريخية شأنـه في ذلك سائر العلوم والفنون؛ يمثـل مشروعا يتنافس المختصون والمهتمـون في أغنائه وتطويره وإقامـة بنائه، وبقدر تعـدد الأـبحاث ، وتنوع المناهج؛ تـزداد الأضواء الكاشفـة الواجهـات؛ بهدف التوصل إلى فهـم موضوعي لهذا الماضي وتراثه.
ب ـ المادة التاريخية: تشكل المـادة التاريخية حقل ومجال عمل المؤرخ؛ فبقدر تنـوع هـذه المادة وغزارتهـا، تكون فرص المعرفـة التاريخية أفضل... وتمثل هـذه المادة كل مخلفات وشواهـد الماضي، انطلاقـا من المنجزات العمرانية إلى الإنتاج الفكـري في متلف مجالاته الفنية والعلميـة والأدبية، بل  ومختلف التقاييـد والسجلات والمراسلات التي تدخـل في باب الوثيقـة التاريخية... ولا شك أن أهميـة هـذا التراث هي التي تميـز أممـا عريقة في الحضارة، وأخـرى لا تجـد في ماضيها إلا الفوكلور التي أبـدع  المؤرخ وعالـم الاجتماع والانتروبولوجي الأجنبي في استنطاقها وتأويلهـا وفق منظور وثقافـة خارجيـة، وبذلك ليس صدفـة أن تجـد هـذه  الشعوب إنها لا تعرف عن «تاريخها»، أو ماضيها إلا لمـا  سمح لهـا به الآخر.
                                                   * * *
ننتقل إلى محاولـة تطبيق الأفكار السالفـة على واقع البحث التاريخي في بلادنا.
عندمـا يتكلم باحث في تاريخ المغرب عن هـذا التاريخ وإشكـالاته، فإنـه في الحقيقـة يعرض خلاصة تجربته في هـذا الميدان؛ مهمـا كانت التجربة متواضعة... وتعدد هـذه التجارب وتنوعها، هو الذي سيفضي في نهايـة المطاف إلى مشروع مدرسـة تاريخية وطنيـة متكاملـة وشاملة لكل قضايا الثقافـة التاريخية في بلادنـا... بيد أن من هموم المؤرخ الآتيـة جملة قضايـا يمكن طرحهـا من خلال المحاور التالية:
1 ـ عبء الإرث الأجنبي أو مـا يعبر عنه ب «الكولونيالي»:
أشرت سالفا إلى سهولـة المشروع الاستعمـاري ثقافيـا في البلدان الفقيرة حضاريـا؛ إلا أن الموقف يختلف بالنسبة للشعوب المثقلـة بماض زاخر، خاصة إذا كـان هذا الماضي عاش تجربة المساهمـة في إغنـاء تاريخ البشرية كما هو الشأن بالنسبة  لحضارتنا العربية المغربية... لقد استغل المفكر الأمبريالي الفراغ العلمي والفكـري في هذه البلاد، ليتصرف في ذلك التراث وفق نزواته وخدمـة  لأغراضه وأهدافه ... إيمانا منه بحقيقـة مفادهـا؛ إن الاستسلام العسكري والسياسي إذا كـان بالأمر الهين أحيانا؛ فإن الاستسلام الحضـاري يتطلب مجهودا أكبـر ووقتـا أطول.
لقد عمـل هؤلاء على فهم هـذا التراث ودراسته في محاولة لرصـد حركية وديناميكيـة المجتمع الفكري الذي أفرز هـذا المجهود الحضاري ... لأنه بهـذا العمل يسهـل استقطـاب هذه  الشعوب ماديـا ومعنويا إتماما لحلقـة الهمينة في مفهومهـا  الشامل.
لقـد كان الفكر «الكولونيالي» متيقنـا كل اليقيـن ـ أو على الأقل هـذا ما يحدث بأن التأثير الحضاري أطـول بقـاء من التأثير العسكري... ذلك أنـه إذا قدر لـه يوما أن يخرج من   الباب، فإنـه مطمئـن إلى النوافـذ العديدة التي فتحهـا في صرح هذا التراث.
إن المسؤولية التي يتحملها المفكر في هذه البلدان؛ والمؤرخ أحـد ركائـز وتصفية أجوائه مما لحق به من تشويه ودس؛ وف ينفس الوقت الاستفـادة من  الخبرة العلميـة التي تكونت للآخـر، لأنها الوسيلة الناجعة لفرز ما هـو موضوعي وعلمي وما هـو مقصود لأغراض وأهداف غير  معلنة.
إن مختلف مظاهـر الاستلاب أو الاستعراب التي تشهدهـا الساحة الفكرية في أفقهـا الواسع؛ تجعل كل طرح القضايا الحيوية محكـوم عليه سابقا بالفنـاء العاجل أو المؤجـل ما دام يقع خارج التاريخ بمفهومه الإيجابي المتطور.
2 ـ آفاق البحث العلمي:
أشيـر في البداية إلى دور المعاهد والكليات الجامعية، التي لها علاقة بالتاريخ والحضـارة؛ وعلى رأسهـا كلية الآداب بالرباط، والتي كانت في الأصـل معهدا للدراسات الاستعمارية... وفي عهد الاستقلال تحولت إلى أول مؤسسـة جامعية تعليمية وطنية، كـان لها فضل تعرف الشباب المغربي، شباب الاستقـلال على قسم هام من تاريخنـا الوطني والقومي... لقد سهرت هـذه المؤسسة بالدرجة الأول على تكويـن الأطر التعليمية، التي كـان عليها أن تخلف المؤطـر الأجنبي؛ أي تحمل مسؤوليـة تدعيـم استقلالنـا العلمي من خلال عمليتي التعريب والمغربة، لمساندة الاستقلال السياسي والاقتصادي.
إن تقييم تجربـة ما يزيـد على ربع قرن في مجال الدراسات  التاريخية ببلادنـا لا يتسع إليها المقـام ولا المقال؛  سيما وأنها تدخـل في الوقت الراهن مرحلة جد حاسمـة ستتكثف أبعادها وخصائصهـا في السنوات القليلة المقبلة، إلا أن  هـذا لا يمنع من تسجيل بعض النقط والملاحظات التقييمية.
أ ـ طبيعة التكوين الجامعي في مرحلته الأولى؛ والـذي تيمز بالسرعـة والعمومية وعدم وضوح الرؤيـا العلمية؛ وهـذا بالطبع كان من تبعات الفترة التاريخية وخصوصيتهـا.
ب ـ ضعف التأطير والتخصصات في ميدان التاريخ أو العلوم المساعـدة له؛ بحيث أن الأمر لا يعدو أن يكون محض اجتهادات شخصية اختل فيهـا الترجمـات عن المؤرخين  والمفكرين الأجانب الحيز الأكبر.
ج ـ ضعف الاهتمام بالتاريخ الوطنـي إلا في مجالات جـد ضيقة..
هناك عـدة معطيـات إيجابية مستجدة غيرت وتعمـل على تغيير وتجاوز ما كـأن سائدا خلال الفترة الأولى؛ والتي يمكن القول إنهـا استمرت حتى منتصف السبعينات بعض هـذه العلامات نبرزهـا من خلال النقط الآتية:
ـ إن استيفـاء الحاجـة للأطر المتوسطة؛ طرح ضـرورة وضم أهداف واضحة لبرامـج العلمية في المعاهـد والكليات؛ وبالتالي يطـرح قضية أولويـات البحث العلمي بحدة بالغة.
ـ تجاوز النظرة الأولية للتاريـخ التي تقوم على الانتقائية؛  واعتمـاد منهج نقدي ـ سواء تعلق الأمر بمناقشـة الأطروحات والفرضية التي وجهت البحث التاريخي منـذ مطلع القرن؛ أو من خلال تعاملها مع المخطوطـات ومختلف المصادر الوطنية.
ـ تبلور هـذه المعطيات والمؤشرات من خـلال مجموعة  من المنشورات أو الأطروحـات التي يوجـد معظمها في خزانات  الكليات دون نشر؛ والتي رغم قلة عددهـا، إلا أنها تحمل بوادر عهد  جديـد سيؤكـد في المستقبل القريب.
2 ـ من المعلوم أن فترة الحماية شهدت عمليات تنقيب وجمع للعديـد من المخطوطات والوثائق؛ وأن قسما لا يتسهان به مـن  هـذا التراث يوجـد خارج البلاد؛ سيما وأن موقع بلادنـا على الخريطـة الجغرافية وحضوره على الساحة التاريخيـة؛ يجعل منه  بلدا مشاركـا لبلدان أخرى في قسـم هام من التراث؛ وهـذا ما  أظهـرته مثلا أعمـال. هـ. دوكاستري عـن المصادر الدفينـة في  التاريـخ المغربي.                              
وبعـد الاستقلال بذلت محاولات جـادة وهامـة لجمع تراثنـا التاريخي وتسهيل الاستفادة منه،من ذلك جائـزة الحسن الثاني للمخطوطـات والوثائق والتي ساهمت في الكشف عـن العديد من الدفائن والنوادر.
ومن ثم يطـرح مشكل المكتبات الوطنية بشكل ملح؛ ممـا يستوجب إحداث جهاز مختص من الأساتذة والفنيين والمهندسين ف يميـدان الإعلاميات وعلم التوثيق للسهـر على تنظيم  الخزانات تنظيمـا ينسجم مع متطلبات ومكتشفات  العصر، من ذلك تسهيل عمليات التصوير والاستنتـاج وإنتاج  الأفلام الوثائقية والتي يجـب أن تتزود بها سائـر المكتبات  والخزانـات الجامعية في مختلف المـدن الكبرى التي توجـد بها معاهـد وكليات مختصة.
إن الدراسات الببليوغرافيـة التي صدرن في الآونـة الأخيرة توضح  فعـلا ما تزخر به مكتباتنا من دفائن كَمّـا وكيفا؛ مما يستوجب وضـع برنامج علمي وعملـي في إطار معهـد أو مركز وطني للمخطوطات والوثائق.
إن المعروف من هـذه  الخزانـات يتمثل في المكتبات المشهورة مثل خزانـة القرويين والخزانـة  العامة بالرباط، والخزانة الملكية الحسنية بالرباط أيضا؛ وخزانـة ابن يوسف بمراكش وخزانات أخـرى في كل من  مكنـاس  وتطوان وسلا، بالإضافة إلى عـدة مكتبات خاصة وعائليـة مثل خزانات الأسر الصوفية المرابطية والأسـر المخزنية، وهـي خزانات يكـاد يكون انتشارها يغطي كـل التراث الوطني مدنـه وبواديه، جباله وصحرائه كتأكيـد على ما عرفته الحياة العلميـة عبر التاريخ من إشعاع وشمول على اعتبار أن ثقافتنـا الإسلامية العربية لعبت دوار بارزا في لحم عناصر المجتمع وتجاوز معطيـات التجزئة والانشقاق.
وكخلاصـة لما سبق يمكن القول:
إن نهضتنا الثقافيـة والعلمية. والتي منهـا ميدان التاريخ أصبحت واقعا ملموسا؛ وأن ما يشوب ساحتنا الفكرية من تشويش وضبابية أحيانا؛ لا يمكن أن نجد له تفسيرا وتعليلا إلا من خلال موقعين:
ـ موقع الفكر والفكر العربي عموما كامتداد لواقع حضاري وثقافي له أبعاد إنسانية تضرب في عمق الماضي السحيق.
ـ موقع التعامل مع الطفرة الحضارية المعاصرة بين الانجذاب والمحافظة على الخصوصية والهوية.
ومن ثم يصبح كل اهتمام بإحياء الماضي وتفهم عناصره جزءا لا يتجزأ من مشروعنا في اتجاه المستقبل ...هذا المستقبل الذي نشارك العالم المعاصر مخاوفه منه، بالإضافة إلى هاجسنا الخاص المتمثل في ضرورة الحضور الفعلي فيه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here