islamaumaroc

حقوق التأليف

  عبد العزيز بنعبد الله

العدد 266 محرم 1408/ غشت 1987

من المظاهر التي تتسم بها الحضارة - المعاصرة - تعدد المذاهب والنحل والأنظمة السياسية والاجتماعية، وتتجاذب الإنسانية معطيات متناقضة تنطلق إما من تقليد جامد، وإما من رغبة صادقة للوصول إلى الحقيقة، ومن حسن الحظ أن الكثير ممن تذكيهم هذه الرغبة يشكلون نخبة فكرية في عصرنا الحاضر تنتجع التحرر من الخرافات والأساطير، لا تحفزها مادة ولا يستهويها أي عامل من العوامل المغرية التي هي ميزة العصر، فهذه النخبة الصالحة هي إذن في بحث دائب عن هذه الحقيقة التي أصبح العالم المعاصر يتناءى عنها بقدر ما يوغل في جواذب الحضارة التي تطغى اليوم على العالم بمقوماتها الآلية ومجالي تطوراتها التكنولوجية.
إننا نريد اليوم أن نتوجه إلى هذه النخبة الواعية لنجري معها حوارا يرتكز على العقلانية مثل ما يتمحور حول الروحانية في توازنهما الخلاق الذي هو قوام الإنسان منذ كان، وسأحاول أن يكون هذا الحوار حيا حرا مجردا من الكليشيات الجوفاء، ينطلق من التحليل الدقيق والاستدلال الجليل في غير ما مواربة أو ديماغوجية، فيجب أن يكون نابض تحليلنا الهادف فكرا حرا متوازنا مع خصائص العلم المعاصر الذي ما فتئت معطياته تنبثق وتتفتح في جلاء بفضل ازدواجية جوهره المادي والروحي .
يجب أن ينصب حوارنا على تحليل الظواهر المادية بقدر ما ينصب على استنباط الحواجز النفسانية، لأن قوام الإنسان منذ كان يتشكل في بنية مزدوجة تتفاعل في نسق مبدع .
يجب أن نحلل مضامين الطبيعة بقدرما نحلل المحتويات الحضارية والفكرية التي تستهدف تلك السعادة في جوانبها التي ما فتئ رجالات الفكر يبحثون عنها ويرسمون النظريات تلو النظريات لبلوغها.
ولنا اليقين بأن مستوى المعارف الإنسانية - مهما تكن نقوصه وفراغاته - قد بلغ درجة تسمح لنا بأن نستخلص من دراسة مقارنة رصينة أرضية مكينة لحوارنا تتجلى في ازدواجية - ربما لم تتوازن بعد عناصرها لدى البعض - وهي العقلانية والروحانية، فالعلم الحديث بدأ هو نفسه يتشرب هذه السمة الثنائية التي يكمن فيها سر الكمال والجمال في التوازن الأصيل للإنسانية، وهنا يجدر بنا أن لا ننساق كثيرا مع التيارات المعاصرة التي تنطلق من العلوم الاستباقية وهي علوم تحاول أن تبرز في قالب روائي حقائق علمية ربما لم يتهيأ الفكر البشري لتقبلها، غير أننا في حوارنا هذا نضرب صفحا عن المجلات الاستباقية وعن كل ما يدخل في نطاق الأساطير -حتى ما وسم بطابع علمي- لنقتصر في جدلنا الحي على مسلمات تكنولوجية وعلمية نحللها قبل النظر إلى الفكر الإسلامي في الموضوع، وذلك حتى لا يتأثر المحاور بفكرة مسبقة، فهذا العلم الحق النابع من التجربة الصادقة هو الذي سيحدونا اليوم إلى العمل على ضمان التساوق الجلي بين العناصر التي تشكل كيان كل منا كإنسان ينهج نهجا وسطا بين العناصر المتناقضة ولو ظاهريا.
ولهذا يمكن القول بأن حوارنا لن يخص النخبة التي ولدت وترعرت في ظل التقاليد الإسلامية، بل يستهدف كل إنسان في أية بقعة من بقاع الأرض يواجه مشكلا يتشخص في مستوى ومسار ماجريات القرن العشرين، والأمر يهم العالم الآسيوي الإفريقي بالدرجة الأولى دون أن يغفل باقي أصناف البشرية التي تبحث جادة عن الحقيقة بإخلاص ودون موارية.
إننا نقف حيارى في مجال العلم والحياة بين العالم الرياضي وعالم ما وراء المادة؟ بين جوهر النفس والروح من جهة، والجانب المنطقي العقلاني من جهة أخرى؟ لنبدأ تساؤلنا عن دور الدين في بلورة المثالية الرفيعة التي تستمد قوتها وحيويتها من معادلة إنسانية رصينة هي العقل والروح، تلك تساؤلات تنطوي على غوامض يحاول العلماء الكشف عن ألغازها في تؤدة واتزان دون لجج ولا صخب، كل في نطاق وسائله واهتماماته، ولا شك أن الفكرة التوليفية بين المناقضات ستنجلي رويدا رويدا من خلال الحوار النزيه.
                                                         * * *
إن تاريخ الإسلام هو في الحقيقة تاريخ حضارة وتاريخ فلسفة وتاريخ فكرة، والمقومات الأساسية في هذه السيرورة هي نفس مقومات المثالية الإنسانية، لا في عقلانياتها وروحانياتها فحسب، بل أيضا وخاصة في اختياراتها الاجتماعية والاقتصادية.
فإذا حاولنا تحليل عناصر هذا الثالوث فمعنى ذلك أنه يجب أن نرسم إطارا بنيويا لمجموعة بشرية تمتد أبعادها على صعيد عالمي، وتظل سمتها الذاتية هي معطيات صميمية لكيان إنساني في أصالته يبز القوام الاجتماعية فيه أي عامل آخر. إذ أساس وجود الإسلام كامن في ضرورة إقامة مجتمع تتزاوج فيه الإنتاجية ماديا وروحيا.
فمفهوم الأصالة الإسلامية إذن مرتبط ارتباطا وثيقا بفكرة سامية ملحة هي الطموح إلى خلق توازن يضمن للمسلم الحق أن ينبثق كيانه في نطاق الإنسانية الحق.
فلذلك ينبغي أن يتجاوز تاريخ الإسلام وتاريخ الفكر الإسلامي الإطار الوصفي أو الحكائي للأمة الإسلامية، لينصب على دراسة نقدية للنصوص تستهدف إقامة كيان هذه الأمة بقطع النظر عما اعتورها من ضروب الشطط والانحرافات، ذلك أن ما نلحظه اليوم في مجتمعنا من انحصار وانكفاء يرجع إلى وجود نوع من التناقض، إذا لم نقل الارتداد عن الأصالة المتمثلة في الإسلام المجرد عن الأوهام، والذي وصف ابن تيمية حدوده وجانبياته ومركباته في رسالته «موافقة العقل الصريح للشرع الصحيح»، وذلك قبل أن يضع الفيلسوف كانط بقرون رسالته البديعة حول «العقل الصريح أي الخالص - (D.Raison Pure ).
إلا أن الإسلام رغم ما خلخل كيانه من نزعات ونزوات قد طبع هيكلية المجتمع حيث اضطلع بدور هام في دعم التركيب البنيوي والترسيس الجوهري للدولة، وكل ما لوحظ في حاضر العالم الإسلامي من نكوص عائد بالدرجة الأولى إلى سلاسة النص الإسلامي للإيغال في التأويل إلى حد إفراغه من محتواه والانسياح في مهاترات تارة أو تعقيدات تارة أخرى.
فإذا حاولنا الرجوع إلى أي نص من النصوص القرآنية أو الحديثية أو الأصولية الفقهية، فإننا سنلمس في تأويلاتها وتوجيهاتها الكثير من صنوف الإسراف أو التجاوزات سلبا أو إيجابا بسبب خلل ما، كانعدام روح النقد وعدم تحقيق المناط - كما يقول الأصوليون - للتأهل لتجميع أطراف الموضوع في نظرة شمولية مقارنة، وحتى في وصفنا لبعض مظاهر تراثنا نتأرجح نظرا لقلة التوثيق بين نقيضين الأسطورة المموهة البراقة أو الجحود الأجوف والإنكار الأعمى.
 إن الموضوعية فضيلة مثلى لدى المؤرخ، ولكن ليس معنى هذه الموضوعية الاتجاه الالتزامي الذي يتقيد بفكرة معينة أو يعمل في غياب عنصر النقد البناء، بل معناه فقط الاستمداد الدقيق من الواقع معززا عند الاقتضاء بتأويلات نابعة من معطيات قائمة أو مسلمات ليست محل نزاع، وفي هذا المجال نحاول إقصاء العامل الشخصي في تقدير الأشياء وتقييمها نظرا لما يتسبب فيه أحيانا من تحريف ربما كان نزيها خاليا من أغراض، ولكن احتواءه لآراء مسبقة يعرضه لشيء غير قليل من التحيز.
                                                            * * *
 إن الروح توازي المادة كمكمل لقوام الإنسان، فهما يكونان معادلة متناسقة توفق في الظاهر بين قوتين متعارضتين إلا أن تكامل هذه العناصر التي وسمت دائما بالتضاد والتناقض قد تم وتكشف عن تواكبها وتطابقها من خلال الدراسات العلمية المعاصرة، فما هي الأدلة الملموسة على سمو هذه الحقيقة التي هي وحدها الكفيلة بضمان الطمأنينة والسعادة والانسجام للإنسانية؟.
فلنفترض أن هذه الحقيقة هي الدين وأن هذا الدين هو الإسلام في مفهومه الإبراهيمي الحنيفي الشامل ولنبحث عما يدعم هذا الافتراض من حجج وبراهين!
فما هو الإسلام إذن؟
قبل أن نعطي تعريفا صحيحا للإسلام يجب أن نتجرد عن كل حكم أو تقدير سابق للتجربة العلمية أو للدلالة المنطقية الرصينة تفاديا للوقوع في اتجاه خاطئ، وقد يجدر بنا بادئ ذي بدء أن لا نرى الإسلام من خلال المسلمين لأن هذه المماثلة كانت منبع الكثير من المناقضات، بل يجب أن نبقى موضوعيين وأن نعمل على تحليل مضامين الإسلام وما احتوته من عقيدة ومبادئ ومحركات حيوية وديناميكية، ثم نرتقي بعد هذا التحليل الأولي إلى المنابع الصافية التي استقى منها مفكرو الإسلام القدامى أمثال ابن حنبل وابن تيمية أو رجال الإصلاح المحدثين أمثال عبده والأفغاني ورشيد رضا وغيرهم من دعاة السلفية، فتلك هي الطريقة الأوفق والأجدر بإلقاء الضوء الكاشف على حقيقة الإسلام في أبعاده الحية التي تواجه تحديات العصر، وهنالك يمكن أن نلمس مدى عمق وسعة وعبقرية هذا الدين على مستوى العالم.
وهنالك فكرة مسبقة أخرى تقوم حاجزا بين دعاة السلفية ومن يوسمون بالروح التقليدية أو يوصمون أحيانا بالرجعية، وتتساوق هذه الفكرة مع رأي مسبق آخر يفرض التعارض المبدئي بين الإسلام وأي تجديد أو عصرنة يتسم بطابع غربي، إلا أن المنطق الذي يفرض نفسه على الفعل وعلى الممارسة المباشرة هو أن الحقيقة واحدة مهما تختلف أحجامها ومنظورياتها، ولذلك اصطبغت قوة الإسلام عند انبثاق نوره كطابع إنساني في أنظاره واختياراته، ذلك أن للخلق الإنساني مقومات قارة لا تتغير بتغير التخوم والحدود، وتحتفظ هذه القيم الخلقية رغم إقليمية السمات وجهوية المراسيم التي من شأنها أن تحد من ميزاتها الإنسانية المثالية، فلهذا تضامن الإسلام مع الديانات المنزلة، بل اعتبر نفسه عنصرا مكملا لها في إطار الثالوث الإبراهيمي الحنيف الهادف إلى إقامة عالم جديد يكون في التراث الإنساني المتواصل عبر العصور وهو قوام وأس كل حضارة معاصرة.
وإن أهمية وحدة الفكر الأصيلة والتبادل المطرد بين الحضارات والديانات المختلفة لهي التي أوحت إلى الزعيم الهندي والفيلسوف المسلم محمد إقبال مقولته ضمن (المحاضرات الست) حول تجديد بناء الفكر الديني في الإسلام: « إن أبرز ظاهرة في التاريخ المعاصر لهذه السرعة الفائقة التي تحرك بها العالم الإسلامي روحيا نحو الغرب فليس في هذه الحركة ما يعاب، لأن الثقافة الأوربية في مجلاها الفكري ليست سوى تطور لاحق لأهم مراحل ثقافة الإسلام... فليس من العجب إذن أن يطالب الجيل المسلم الشاب اليوم في آسيا أو إفريقيا توجيها جديدا لما لديه من إيمان».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here