islamaumaroc

كلمة حول 20 غشت.

  عبد السلام جبران المسفيوي

العدد 266 محرم 1408/ غشت 1987

بسم الله الرحمن الرحيم.
إن للذكريات أغراضا شفافة في عدة مناسبات ومن أقدسها ذكرى 20 غشت، ولها وحدها أكثر من معنى، وتوحي من جوانبها بأكبر مغزى، إذ هي ذكرى تجسد التلاحم الحاصل بين الشعب المغربي النبيل، وبين العرش العلوي المجيد الجليل. تتجاوب فيها المشاعر وتتخابر فيها الضمائر، وتتحمس فيها من جديد الدوافع والعواطف، ويبدو جليا وسط مرآته الصافية أعظم صور لأنواع التضحيات، وأعظم صور لما تحقق من الرغبات، وأعظم صور لدواعي وحدة الصف في ميدان المواجهات، ذكرى لها وقع كبير في نفوس المواطنين، مرت عليها سنون ولكنها لا تنسى أبدا، إذ هي ذكرى منقوشة على أفئدة الشعب، وماثلة بين أعينه. إن اعتلاج الآمال والآلام وتضاربهما في ذلك اليوم لاعتلاج أليمن وتضارب عظيم؛ إذ هو يوم امتدت فيه الأيدي الأثيمة إلى أعظم المقدسات؛ امتدت بدون خجل ولا حياء إلى جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله، وإلى أسرته الكريمة بما في ذلك آنذاك ولي عهده جلالة الملك الحين الثاني، وقد كان مساعده وعضده الأقوى في سائر ما يدفع عجلة التحرير إلى المسير.
وقد كان غرض المستعمر الغاشم أن ينزع من القلوب فكرة الحرية والاستقلال، ويحول دون المطالب الوطنية المشروعة يبث ألغامه في الطريق. ويضع عوائقه وبوائقه. لكن كانت عاقبته أن باء بالفشل الذريع (وفي طي كل نقمة نعمة)ن كان ذاك أكبر حافز لاندلاع ثورة الملك والشعب، تلك الثورة التي أودت بكثير من المواطنين الأحرار. وكان قائدها الأول وبطلها الأوحد مولانا محمد الخامس رحمه الله، إذ هو الذي أطلق الضوء الأخضر نحو طريقها المسلوك، لإحقاق الحقن وإبطال الباطل، (ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة)، وأوصى شعبه الوفي بأخذ الحذر وملازمة الوعي والتبصر. والاعتصام بالصبر والصمود أمام تلك الاعتداءات حتى يأتي أمر الله، وقد وقف مضحيا بأسرته وراحته وقفة حاسمة في تاريخه الذهبي، فواصل السير حتى حقق الأمنية الغالية التي هي إنقاذ بلاده وشعبه ووطنـه من بين مخال  الاستعمـار، وقد أطلق كلمته المدويـة في الآفاق حيث قال: ( ما ضاع حق وراءه طالب)، فاستمع لها الشعب بأسره، وانشرحت لها الصدور، وانفتحت لها الآذان، فبرهـن على المثاليـة والكمال في الثبات على المبدإ الصادق يتحدى طغيان العتاة المتمردين، حيث قال: أقول لكم كما قال جـدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (والله ولو وضعوا الشمس في يميني، والمقر في يساري لأترك هـذا الأمر مـا تركته حتى يظهره الله أو أموت دونه).
وهكذا همـة الرجال تهدم الجبال فالثقـة بالله، والإيمان بالحق أمران يصنعـان المعجزات، وهكذا قطـع محمد الخامس رحمه الله وبجانبه ولي عهده تلك المراحـل العظيمة التي سجلها التاريخ بمداد الفخر والاعتزاز على صفحات الخلود، كل مرحلـة منها تحتاج إلى بيان ضاف وسطور طوال، وقد تولت الأقلام شرحها في الصحف،  وكتبت عنها الشيء الكثير سارت بهـا الركبان، وطارت بها الألسنـة على أجنحة الأثير في سائر البلدان، مما يضيق عن ذكراهـا في هذا المجال نطاق البيات، نعم ماذا كانت خاتمـة المطاف؟ كانت أن عـاد محمد الخامس من منفاه إلى وطنه العزيز مرفوع الرأس عاليـا معززا مكرما، مفدى بالمهج والنفوس والأرواح، حامـلا بين يديـه راية الحرية والاستقـلال، فشكر الله على إتمـام نعمته عليه قائلا في أول خطبـة خطبها بعد عودته الميمونـة (الحمد الله الذي أذهب عنـا الحزن إن ربنا لغفور شكور) ثم قـال بعد ذلك قولته المشهورة: رجعنـا من الجهاد الأصغر لنجتهد الجهاد الأكبر، فكـا ذلك لبناء صرح المستقبل أول توجيهاته الرشيدة وتخطيطاتـه الحميدة.
الله أكبر جـاء الأجل المحتوم ، فأجاب داعي ربه، فتولى الأمانـة بصدق وإخلاص وعن جدارة واستحقاق  شبله ووراث سره جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، فتقمـص تلك الروح النضالية ، وذلك الاستعداد المستميت، وتقدم فورا  للجهـاد الأكبر المتواصل، يوالي فيه الليل بالنهـار ووراءه شعبه الولي؛ كلما دعتاه لتحقيق المطالب والمكاسب، ولصيانـة الوحدة الترابية أجابـه سريعا، ولباه، وحزم الأمم دائمـا على قدر حـزم قاداتها، وفي تاريخنـا المعاصر (والتاريخ أصدق شاهـد) سلسلة  لا متناهيـة من المنجزات العظام تدل على حـزم قائدنـا الملهم جلالة الملك الحسن الثاني في تسيير شؤون أمتـه والتقدم بها إلى الأمـام ف يكل خطوة يخطوهـا في جميع المياديـن، ومن أهم خطواته الكبرى أن صنع المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء، وأن تابع السير في وحدتهـا، حتى وصل العيون بأجفانها، وجمع بين أطرافهـا، والحق سائر الفروع بأصولهـا، وكشـف بزيـارته النقـاع عـن حقيقة أمـرها، والحقيقة دائمـا تدافع عن نفسها، فالتـأم والجرح،  واجتمـع الشمل، فقطـع دابر القوم الذيـن ظلموا والحمد لله رب العالمين.
أيـد الله ملكه، وخلد في الصالحات ذكره، واقر عينه بولي عهده الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه مولاي رشيـد وسائر أفراد أسرته النبيلـة، وأغدق شآبيب الرحمـة على والده المقدس جـلالة الملك مولانـا محمد الخامس رضي الله عنه، وأنزل  وابل رحماتـه على أرواح شهدائنـا الأبـرار الذيـن سقطـوا  في ميـدان الشـرف في الليل والنهـار إنه على كـل شيء قدير. وبالإجـابة جدير، والسـلام عليكم ورحمته.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here