islamaumaroc

عبد الله كنون الباحث الأدبي.

  محمد القاضي

العدد 266 محرم 1408/ غشت 1987

المدخل:
نظم فرع اتحاد كتاب المغرب بمدنية طنجة، بتنسيق مع المكتب المركزي، أياما ثقافية (خلال أيام 17 و 18 و19) من شهر أكتوبر 1986م تكريما للعلامة الأستاذ عبد الله كنون، وذلك تقديرا لعطائه الفكري والأدبي، وقد شارك في هذا التكريم مجموعة من الأساتذة والباحثين بأبحاث وعروض مهمة تناولت جوانب فكرية مهمة عن النشاط الثقافي للأستاذ عبد الله كنون.
ومن بين هؤلاء الدكتور عباس الجراري الذي تناول في عرضه «النبوغ المغربي وتاريخية الأدب العربي بالمغرب».
والدكتور محمد السرغيني الذي حدد «منهج عبد الله كنون في تاريخ الأدب المغربي».
والدكتور محمد عزيز الحبابي الذي تحدث عن عبد الله كنون المعجمي.
والدكتور محمد الكتاني الذي حلل «مفهوم التجديد الإسلامي عند عبد الله كنون».
والدكتور حسن الوراكلي الذي تناول «رؤية البناء والتغيير في فكر عبد الله كنون الإصلاحي».
والدكتور محمد بنشريفة الذي شارك ببحث قيم عن «ابن فركون؛ شاعر الملك يوسف الثالث».
كما شارك الأستاذ الباحث محمد المنوني بموضوع عن: «السلفية المغربية في أعمال الشيخ محمد بن المدني كنون».
أما الأستاذ عبد الكريم غلاب فقد بعث بدراسة عن: « عبد الله كنون الباحث الملتزم».
وألقى إدريس الناقوري بحثه عن «الأصولية الإسلامية في كتابات كنون».
وقد تتبع هذه الأبحاث والعروض جمهور غفير من المثقفين والأساتذة والطلبة.

لماذا تكريم العلامة عبد الله كنون؟
في سنة 1981 كنت قد بعثت إلى مجلة «دعوة الحق» برسالة اقترحت فيها على لجنة تكريم الأستاذ العلامة عبد الله كنون، وذلك بتخصيص عدد من المجلة يكون سجلا لأعماله ومساهماته في الفكر المغربي الحديث، كما أنه لا يخفى على أحد المكانة المتميزة التي يحتلها استأذنا الكبير عبد الله كنون، فعمله غزير وإنتاجه خصب في حق الدراسات الأدبية والإسلامية، حقق دفائن التراث الفكري المغربي، وأنجز دراسات تتسم بالتحري والدقة، وقد يطول بنا الحديث لو أحصينا ما قام به من مجهود جبار في البناء العلمي والثقافي لبلادنا وللعالم الإسلامي. وإذا كان عمر الإنسان يقاس بالعمل الذي يقدمه لغيره فإن الأستاذ عبد الله كنون قدم من الأعمال الكثير، إنه دين في عنق طلاب العلم والمعرفة (1).
إننا بتكريمنا للعلامة عبد الله كنون، إنما نكرم عَلما من أعلام الفكر العربي وأدبا من أدباء العربية ومصلحا كرس حياته من أجل خدمة بلاده ثقافيا ونضاليا، وما تكريمنا له إلا اعترافا بمجهوده وعطاءاته المتنوعة؛ إنه القدوة الذي يجب أن ينهج نهجها الجيل الصاعد.
والأستاذ عبد الله كنون من الأسماء التي ستظل خالدة في دنيا الفكر والأدب، وسوف يخلده إنتاجه في التراث العربي والإسلامي لقرون عدة، فهو علم من أعلام الفكر في العالم الإسلامي وأديب من أدباء العربية وأحد الشخصيات التي لا تعرف فتورا ولا توقفا في أداء رسالتها سواء في المجال الفكري أو الإصلاحي، سلاحه القلم والكلمة، ساهم ويساهم بإنتاجه الفكري الغني في ميادين ثقافية متنوعة. يقول الأستاذ أحمد زياد: «عبد الله كنون باحث مجيد ومؤرخ حصيف وكاتب مبرز وسلفي لامع، وقبل ذلك وطني أصيل يؤثر العمل الصامت في هذا الميدان، وهي خصلة التزم بها طوال جهاده ونضاله الفكري والوطني» (2).
تميز عبد الله كنون بتجربة طويلة اكتسبها خلال اتصالاته المتعددة بالكثير من الأدباء والكتاب والمؤرخين والمستشرقين في المؤتمرات والندوات التي كان يحضرها، زيادة على عضويته في المجامع اللغوية العربية والمنظمات الثقافية الإسلامية والأكاديمية المغربية.
يقتضي الإنصاف منا أن نذكره بالتمجيد والاعتزاز، فقد كان المربي والمرشد والأستاذ والباحث، يفتح قلبه وبيته لكل باحث ودارس ومستفسر، متواضعا تواضع العلماء، حديثه لا يمل. ولعل أحسن ما يمكن أن أستشهد به هنا هو ما وصفه به الدكتور تقي الدين الهلالي: « جمع بين خصال الشيوخ من سعة العلم والأدب وكمال العقل والمروءة وبعد النظر وسداد الرأي والرزانة والحلم والوقار، إلى خلال الشباب من النشاط والحزم وفكاهة الحديث وحسن المحاضرة وطرافة النكتة، مع صحة العقيدة والكرم والشهامة والوطنية الموزونة بميزان الشرع المحمدي المكتسبة من القرآن وسيرة الرسول... فهو من الأدباء الذين يذهبون إلى التجديد المطلق... وله تآليف غزيرة العلم جيدة التأليف حسنة السبك»(3).

عبد الله كنون... الباحث الأدبي:
سجل التاريخ الأدبي المغربي للأستاذ عبد الله كنون حضورا متميزا ونشيطا، فهو الباحث الذي لا يمل والأديب الفاحص المتمكن من أدواته، لا يغفل حديثا أدبيا أو تاريخيا أو اجتماعيا يتعلق بالمغرب أو العالم العربي والإسلامي دون أن يلم به إلماما، ملتزما بمبادئه وصريحا في آرائه. يقول عنه الدكتور الراجي التهامي الهاشمي: « المتأمل في نتاج عبد الله كنون يلاحظ زيادة على هذا وذاك أنه التزم خطة منذ بدأ يكتب ما حاد عنها رغم كثرة ما كتب، ورغم المدة الطويلة التي قضاها منعكفا على التأليف، خطة لا يدوم عليها إلا من أوتي عزم المصلحين وقوة المؤمنين ويقين المهتدين»(4).
ولعل أهم ما أنجزه عبد الله كنون في ميدان البحث الأدبي كتابه: « النبوغ المغربي في الأدب العربي» و «أحاديث عن الأدب المغربي الحديث»، وهما معا يشكلان تاريخا للأدب المغربي قديمه وحديثه، وقد نوه الكثير من الأدباء والباحثين بالكتاب الأول « النبوغ المغربي في الأدب العربي» أمثال طه حسين وشكيب أرسلان وكارل بروكلمان ونيقولا زيادة وغيرهم، كما حظي الكتاب الثاني باهتمام الباحثين والدارسين والمهتمين بالأدب المغربي الحديث في المغرب والمشرق، وكان الدافع إلى تأليف الكتاب الأول هو ما لاحظه المؤلف من جهل وإهمال المؤرخين والباحثين العرب للأدب المغربي وتاريخه، فنفض عنه الغبار وأثبت وجوده لأولئك الذين شككوا في أن يكون لهذا البلد أدب كباقي الدول العربية الأخرى، ويقول في هذا المضمار: «ظلت الآداب المغربية منسية طيلة الثلاثة عشر قرنا الماضية، وكان هناك عاملان يتعاونان على بقائها مغمورة لا تلفت نظر أحد ولا تستثير اهتمام باحث... أولهما: انصراف المؤرخين المغاربة سواء منهم مؤرخو السياسة ومؤرخو العلم عن تسجيل الناحية الأدبية من تاريخ الفكر المغربي وإعطائها ما تستحقه من العناية والدرس والتمحيص! بل وتعمد إغفالها وغمطها وهضمها... وثانيهما: اختلاط تاريخ أدب المغرب والأندلس وتعود الناس على نسبة كل فضل وعبقرية للجزيرة، بداعي النبوغ العظيم الذي أبداه أهلها في العلوم والآداب... وعلى كل حال فلقد عرف أبناء المغرب أخيرا هذا الأمر وأخذت الأقلام المثقفة تعالجه من شتى النواحي، وصدرت بحوث مهمة في هذه القضية(5) .
لقد بذل الأستاذ عبد الله كنون مجهودا كبيرا في جمع ودراسة النصوص الأدبية وتصنيفها والتعليق عليها وإثبات مصدرها شعرية كانت أم نثرية، ويجب أن نتصور الفترة التاريخية التي ألف فيها الكتاب والصعوبات التي اعترضت الكاتب، وهي فترة صعبة ومنغلقة وقد حددها الدكتور عباس الجراري فيما يلي: « كتاب النبوغ المغربي لا يمكن أن نتحدث عنه إلا لنقر بأنه فريد في بابه، وأنه سبق إلى طرق باب من أبواب التأليف لم تكن معهودة أو معروفة عند المغاربة، الأدب والتأريخ للأدب جديد بالنسبة لاهتمامات المغاربة، ليس لأنهم لم يكتبوا الأدب، بل لأنه مشتت ومفرق في كتب كثيرة ومظان متنوعة، إنه في كتب التراجم والطبقات والتاريخ والرحلات والنوازل والفقه، وأن يأتي عالم متمكن وأن يضع يده على هذه المصادر ليخرج منها شيئا يكون نواة كتاب النبوغ، فعمل جليل له قيمته وله أهميته، ذلك أن الحديث عن الأدب في حد ذاته في فترة تأليف كتاب النبوغ لم يكن درسا أو موضوعا يهتم به كبقية العلوم المتدارسة في المساجد، بل كان هناك من العلماء من يحارب درس بعض العلوم ومن بينها الأدب... أما أن يؤلف كتاب في الأدب يجمع أطرافه قبل خمسين سنة فيعد حدثا يؤرخ له في مسيرة فكر المغرب»(6).
جاء كتاب النبوغ ليملأ فراغا استمر قرونا، فكانت الحاجة ماسة إليه، وخصوصا في الفترة التي ظهر فيها، وهي مرحلة الاستعمار وما تشكل هذه المرحلة من صعوبات ومواجهات بين المغاربة والاستعمار الفرنسي – الاسباني، فحقق بذلك مؤلفه أمنية طالما تطلع إليها رجال الفكر والأدب في المغرب وهي الحضور الثقافي والأدبي للمغرب في الساحة العربية. «ولولا النفس الطويل الذي يتميز به الأستاذ الباحث والمنقب لما أمكن التوصل إلى تلك الحصيلة التي ألفت كتاب « النبوغ المغربي» وما كان غير الأستاذ عبد الله أن يقدر على الاضطلاع بمثل تلك المهمة الشاقة(7).
وأصبح كتاب النبوغ المغربي مصدرا معرفيا مهما للباحثين والمهتمين والدارسين للأدب المغربي وتاريخه، ولا أظن أنه يوجد من هؤلاء من لم يقرأه أو يطلع عليه كله أو على بعض فصوله، بل واعتمده الكثير منهم في أبحاثهم ودراساتهم مستشهدين بنصوصه ومقتبسين من فصوله. وقد اعترف بأهميته العلامة شكيب أرسلان حيث قال: « من لم يطلع على هذا الكتاب لا يحق له أن يدعي في تاريخ المغرب الأدبي علما ولا أن يصدر على حركته الفكرية حكما... إن من لم يقرأ كتاب "النبوغ المغربي في الأدب العربي" فليس على طائل من تاريخ المغرب العلمي والأدبي والسياسي»(8).
أما كتابه الثاني « أحاديث عن الأدب المغربي الحديث» فقد كان تكملة للعمل الأول، وهو عبارة عن محاضرات ألقاها المؤلف على طلبة قسم الدراسات الأدبية واللغوية في معهد الدراسات العربية العالية لجامعة الدول العربية بالقاهرة؛ وبطلب من بعض الشخصيات الأدبية المرموقة التي ترأست إدارة المعهد كشفيق غربال وطه حسين وعبد الرحمن البزاز، وتحمل الأستاذ عبد الله كنون المشاق من أجل جمع مادة هذا الكتاب لأن جلها لم يكن مدونا أو منشورا في كتب يعتمد عليها نظرا لقلة وسائل النشر وتيسيرها، ونظرا لظروف الاستعمار الصعبة، ويعترف المؤلف بذلك قائلا: « قبلت القيام بالمهمة، ولم يسعني إلا النزول عند رغبة هؤلاء الأفاضل... ولا أخفي أنني من أول وهلة اعتزمت أن لا أتصل بأحد لا بالكتابة ولا بالشخص، تخففا من المتاعب وتجنبا لضياع الوقت الذي غالبا ما يكون بغير طائل، وأن أكتفي بما عندي من مواد ومراجع أكثرها من الجرائد والمجلات التي صدرت في المغرب منذ بداية هذا القرن، وفعلا فقد نفضت ما لا يقل عن عشرة آلاف صحيفة وانتقيت منها ما يلزمني لهذا العمل ثم صنفته كما يجب وراعيت الإكثار من النصوص والنماذج لأني رأيت بعضها إذا طالت المدة سوف يدخل في خبر كان، ولأني أيضا أردت أن أقول بالحجة وأحكم بالدليل» (9).
 وبهذا يكون الأستاذ عبد الله كنون قد كتب للمغرب تاريخا أدبيا قديمه وحديثه، إضافة إلى كتب متنوعة أخرى جمع فيها مقالات أدبية ودراسات متنوعة: كواحة الفكر - والتعاشيب - وأزهار برية - والعصف والريحان - وخل وبقل - وأشذاء وأنذاء - إضافة إلى سلسلة "ذكريات مشاهير رجال المغرب" التي صدر منها أربعين عددا - وكتاب « أمراؤنا الشعراء» و« أدب الفقهاء» و «القاضي عياض بين العلم والأدب» و« لسان الدين بن الخطيب الكاتب الساخر» و« من أدبنا الشعبي»، ومجموعة من التحقيقات التراثية، وكتب إسلامية، وديوانين شعريين « لوحات شعرية» و« إيقاعات الهموم» وبذلك استحق ما وصفه به الدكتور زكي المحاسني: « أديب المغرب وعلامة العرب والإسلام في القرن العشرين»(10).
 أو ما قاله فيه العلامة محمد المختار السوسي:
ما قام بالأدب العالي وبالدين * إلا يراعة عبد الله كنون(11)


 1 ) انظر نفس الرسالة في مجلة «دعوة الحق» عدد 3، س 22، ص 108.
 2 ) انظر «الملحق الثقافي» لجريدة العلم عدد 796، سنة 76، ص1.
 3 ) ذكريات مشاهير رجال المغرب، عدد 16، مقدمة.
 4 ) انظر مجلة «دعوة الحق» عدد 9/10 ( مزدوج) 15 ماي 1973.
 5 ) انظر مقدمة كتاب « المنتخب من شعر ابن زاكور » دار المعارف مصر، ص 9/6.
 6 ) العرض الذي شارك به الدكتور« عباس الجراري» في الحفل التكريمي، انظر « الملحق الثقافي لجريدة العلم» عدد 799، ص 31.
 7 ) أحمد زياد/ كتابه « لمحات من تاريخ الحركة الفكرية بالمغرب ... وقصص أخرى» دار الكتاب، الدار البيضاء، ص 134.
 8 ) أنظر مقدمة كتاب «النبوغ المغربي في الأدب العربي»، الطبعة الثالثة، ص 23.
 9 ) كتاب « أحاديث عن الأدب المغربي الحديث» عبد الله كنون، ص 14.
 10 ) أنظر مجلة « دعوة الحق» عدد5، سنة 11، ص 65.
 11 ) ذكريات مشاهير رجال المغرب عدد 10،( المقدمة).


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here