islamaumaroc

من أدب الجهاد في الأندلس: أبو الحسن ابن عياش

  المهدي البرجالي

العدد 266 محرم 1408/ غشت 1987

اكتسى دوما، منصب  كتبا الأشياء ذي الصبغة الرسمية ذي الصبغة الرسمية على عهـد المرابطين والموحديـن ومن أتـى بعدهـم ـ قيمـة اعتبارية مهمة جعلت ـ باستمرار ـ المتولي لهذا المنصب والقائم به ـ  ذا شأن مرموق في حظيرة الحقل الثقافـي  والسياسـي ونحوه، ومقرون بهالـة  تألق موجبة لتقديـر الشخص والمهمة المنوطة به .
وكمـا في عهـود العباسيين وأمويي الأندلس  وغيرهـم، فإن جمعـا غفيـرا من الكتاب المترسلين  من هـذا الطراز، قد ترسبت لهـم في مصادر التراث الأدبي، أصداء واسعة ، أولا، بالنظـر للقيمة البلاغيـة ـ  بحسب الموازين التقييم التقليدي ـ  لما حبروه من رسائـل، وما نظموه  في خلالها  من عقـود الفظ وأسمـاطه، وثانيا، لما تنم عنه المدونـات التي خلفوها ، ومن مقاصد قد يستشف منها شيء مـا، عن بعض الملابسات الدقيقـة للظرف التاريخي، فكرية ونفسية  وخلافهـا، وما  تعكسه اللحظات المتحدث عنها من رؤى للمعنيين تاريخيـا  بالموضوع، ممـا لا تدقق في الإخبار عنه، الروايات التاريخيـة العاديـة؛ ثم إن مثل هـذه النصوص الأدبية ـ  وهـذا من بين دواعي أهميتها أيضا في التحليل والاستجلاء العلمي ـ قـد تفرز من خلالها ثناياهـا ـ ما يفيد ـ ربما في استخلاص لمحات  ما عن شخصية كاتب النـص  نفسـه. واستطلاع بعـض مكونـات عقليته الأدبية، ممـا يجوز أن يستعان به ـ في حـالة أو أخرى ـ بصـدد استبانـة جوانب معينة مـن الصورة التي تعرضها علينا ترجمته.
وقد كان لنـا ـ في موضوع سابق ، نشر بهـذه المجلة، لقاء مع أحـد من أعلام المترسلين ، ممن ولوا منصب الكتابـة الرسمية في العصر المرابطي، وهو أبو عبد الله محمـد أبي الخصال الذي عمـل في خدمة علي بن يوسف تاشفين ككاتب له، وصـاغ في نطاق المهمة التي اضطلـع بها في بلاطهـ رسائل الحقبة، ومما ترى مـن خلاله نماذج تعبيريـة جميلة من حيث ألفاظهـا المنتقاة، ومقاطعها المرصوفة، وقوالبهـا حسنة السبك والتنضيد على منـاخ شتى في ذلك،  ونعرض هـذه المرة ـ في حلقة أخرى من هـذه السلسلة عن أدب الجهاد المغربي في العـدوة، لإسم لم يكـأن بأقل تألقـا  من ابن أبي الخصال، في هـذا الميدان، ميدان الكتابـة الرسمية لولي الأمر، والمـراد أبو الحسن بن عياش، أحـد  نوابغ المترسلين في العصر الموحدي  بالعدوتين، ممـن سجلوا ـ عبر الكلمة الأدبية المتأنقة، أصـداء شتى من حياة ذلك العصر وملابسات الاهتمامات العامـة في محيطه، على أننـا إذا ما آثرنـا ذكر ابن أبي الخصال، فإن المتبادر إلى الذهـن من الإسم بالضرورة، هـو أبو عبد الله محمـد ابن أبي الخصال المومإ إليـه آنفا : أمـا عندما يشار لابن عياش، فإن الحـال يقتضي حينئـذ المعنى بالإسم:  من يكون هؤلاء ـ  وهم غير ولده ـ الذيـن يسلكون بالفعل ـ في سلك هـذا  الانتساب، ويعتزون إليه، لا بحكـم صدفة التشارك الإسمي فقط ، بل في نطاق أهم من ذلك بفعـل آصرة القربى، والتداخـل الأسروي الجامـع؛ وفي سجل التراث العربي، وفي التراث المغربـي بالذات، حالات عـدة من هـذا القبيل،  ونجتزئ في هـذا الصدد ـ تجنبـا لاستطراد لا داعي له ـ بالإلماع إلى الحالة المتمثلـة في الكاتبين ابني عطيـة: أبي جعفـر أحمد بن عطية، الذي كـان أصلا مـن الأندلس (طرطوشة دانية ...) وكتب لعبـد المومـن بن علي، ثـم والده أحمد بـن عطية، الذي عمـال من قبله كاتبا ـ على التوالي ـ لدى علي بـن يوسف بن تاشفيـن ثم لابنه تاشفين( 1 ) عرفت أسرة ابن عطية ـ مـ منظـور الصيت الادبي ـ عبر كاتبين اثنين لا كاتب واحـدإلا أن من عرف في محيـط الكتابة الترسليـة كذلك من أسرة ابن عياش، يفوق هـذا العدد بقدر ملحوظ، كمـا يرى من خلال ما تعرضه الروايات التاريخية في الموضوع.
                                                               * * *
كانت الفترة بين أواخـر عهد المرابطين، وأوائـل الموحدين؛ الإطار الزمني الذي حصـل في أثنائه ـ على ما يظهر ـ نزوح أوائل من نزح من عشيرة ابن عيـاش من العدوة الأندلسية، واستقرارهـم في العـدوة هذه على أن  التفاصيل الدقيقـة لقصة هـذا النزوح، وهل شمل  أفراد العشيرة دفعـة واحدة، أم تم بالتعاقب على فترات متوالية ـ كل هـذا لا تتوفر حولـه الأضواء الكافيـة في حدود ما نلم به، إلا أن ما يعلم ـ على أي حـال ـ هو أن الأجواء غير المستقـرة بالأندلس، والتي نجمت عن الصبغـة الانتقالية للفترة ما بين عصـر لمتونة، وعهـد بني عبد المومن، ومـا لزم عن ذلك ـ في جملة مـا لزم ـ من غموض الأحوال، وحدة انعكاساتهـا النفسية والاجتماعية والسياسيـة في العدوة، إنمـا كان شأـنه أن يحدو أندلسيين كابن عيـاش ومن لف لفه ـ إلى الهجـرة للمغرب حيـث تتوافر حوافز إغراء متعددة ـ مقارنة بالأندلس  ـ ساعتئذ ـ على توطنه والسكـون إليه .
وفيمـا يلحظ في علاقـة هذه الأسرة بالمغرب:
1) تماثـل الانشغالات المهنية لأفرادهـا في المحيـط المغربي، بعد اندماجهـا فيه،  وقـد تمحورن نشاطات هؤلاء ـ بصدد مـا ذكر ـ في مزاولة وظيفـة الكتابة الرسمية للدولـة وأنجزوا في ذلك أعمالا دلت على طول باعها في هـذا الباب.
2) ما يلوح ـ استنتاجـا من مراجعـة عدد من المصادر ـ وليس كل المصادر ـ من أن المرحلـة الأساسية في شهـرة المجموعة من هـذه الزاوية أي زاويـة الترسل ـ إنمـا كان منطلقهـا ـ كلا أو جـزءا ـ من المغرب، ولو كـأن ذلك لا يحول دون احتمال أن كان لهم أو لبعضهم ذكر أدبي من هـذا النوع، لكنه أكثـر محدوديـة وانحصارا قبل استيطانهم هنا.
3) ارتبـاط عمل المجموعة ـ في هـذا الخصوص ـ أو من يعرف من أفرادها على الأقل ـ بخدمـة البلاط الموحدي، في استغراق لمعظـم حقبة دولـة بني عبد المومن، بدأ بزمن عبد المومن بن علي ومرورا بعهـود أبي يعقوب يوسـف بن عبد المومن، ثم أبي يوسف يعقوب المنصور ، ومحمد الناصر، ويوسف المنتصر، إلى مشارف خاتمة الموحدين.
ولقد كـانت مأتى بني عيـاش إلى المغرب مـن غير مـا جهة من الأندلس، على الرغـم مما يظن من أن انتمـاءهم الأسري متقارب؛ فبعضهم كـان من قرطبة، ومنهـا كان مقدمه إلى المغرب، (أبو الحسن بن عياش) ومورد انتمـاء أصل بعضهم الآخـر إلى «برشانة» من أعمـال «المرية» (أبو عبد الله محمـد بن عياش).
وعن علاقـة هؤلاء بمخدوميهم الموحديـن ، فإن أبا الحسن بن عياش، الذي اشرنا إليه، والذي سيتركـز عليه بصفـة خاصة في هـذا الحديث، قد كـان في طليعة  من برز مـن هذه الجماعة في مضمـار خدمة الدولة، وقـد كتب لعبد المومن بن علي أولا ـ ثم ولي ـ فيمـا بعد ـ الكتابة لأبي يعقوب يوسف بن عبد المومـن؛ ولمـا كان عهد أبي يوسف، يعقوب المنصور، استكتب من بين عياش هؤلاء ،  محمـد بن عبد العزيز بن عياش، كما استكتبـه أيضا خلف  يعقوب المصور، أي محمـد الناصر، وممـن كتب للمنصور أيضا من هـذا الرعيل، ثم لولـده محمد الناصر، أبو عبد الله محمـد بن  عبد العزيز بن عبد الرحمـن بن عبد الله بن عياش، وكـأن هـذا من بين المع شخصيـات جيله فصاحـة وبلاغـة ومعرفة باللغة والأدب، وقـد أورد عنه صاحب «التكملة» ابن عبـد الملك قوله إنـه « كان كاتبا بارعـا فصيحـا مشرفا على علوم اللسان، حافظـا للغات والآداب كبير المقدار، حسن الخلـق كريم الطبـاع، دفاعـا مجاهـدا كثير الاعتنـاء بطلبة العلم، والسعــي الجميل لهم ...».
وفي معرض حديث المراكشي في «المعجب» عن أبي عبد الله ها، أورد عنه قولـه علة هـذا المحو؛ «تركتـه حيـا، حين ارتحلت عن البلاد سنـة 614، ثـم اتصلت بي وفاتـه في شهور سنة 619، وأنـا بالبلاد المصرية...»(2 ).
وقد تـوالت السلسلـة في خلال ذلك ، فكتب للناصر الموحدي أيضا أبو الحسـن علي بن عياش بن عبد الملك بن عياش، ، كما كتب هـذا للمستنصر كذلك.
وممـن كتب للمستنصر أيضا ثم لخلفه المامـون، أحمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عياش، الذي كـان ـ أنبئ عنه ـ  مـن ذوي الأهلية وحسن الاقتدار فيمـا كان مضطلعا به من مهام الكتابة( 3).
ونخلص بعد هـذا إلى حيث تخصص القول على وجه تحديـد، حـول أبي الحسن بن عياش كاتب عبد المومن بن علي كمـا أسلفنـا ثم كاتب أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن في مرحلـة لاحقة، ومسـوغ هـذا التخصيص، أن فترة الجهـاد  الموحدي  بالأندلس، التي تدور حولها مضامين النمـاذج النثرية التي سنعرض لها، هي ـ في نطـاق أساسي ـ فترة أبي يعقوب يوسف بن عبد المومـن بالذات، (560 ـ 580هـ) وقد  كان المبرز خلال الفترة في مضمـار الكتابة للبـلاط الموحدي هو أبو الحسن بن عياش ومن ثم، فإن ما سوف نستعرضه من هـذه النماذج هـو لهذا الكاتب عينه،  الـذي تنبئ مخلفاتـه عن درجة من التمكن في صناعـة النثر الفني، والمعيـة في تنسيق مراكباتـه، ولوذعيـة ونباه’ في إخراج الصور البلاغيـة ونمنمـة حواشيها على غرار أجمـل الصيغ المألوفة عنـد فحوله.
وليـس لدينا ـ في حدود ما يتوفر  من اطلاع ـ صورة كاملة عن الرجـل،  منة خـلال الظروف الأندلسية التي عاشهـا منـذ بدايته الأولى. ودقائـق المعرفـة بتسلسل أحواله عبر ذلـك، وجملة من العوامـل التي أثرت في حقل قدراته، وإنضــاج تكوينه المعرفي إلى أن استوى عوده ـ ككاتـب ـ على  نحو ما ترسمه لنـا مأثوراته؛ واتصالا بهذا، فلا يبدو واضحـا بالقدر اللازم أكـان لأبي الحسن بن عياش ـ  وهو لا يزال بالأندلس قبل أن يفد منها الى المغرب ـ عز م مسبق إلى القيـام بهذه الانتقالـة المهمة في حياته، علما بأن مسار تأرجح ذو ي الشأن الأدبي والعلمي  بيـن المغرب والأندلس كان ـ  باستمرار ـ مسارا عاديا معهودا ـ تحت تأثيـر دينامكية التواصل الفكري والحياتين الـذي ظل قائما ـ تحت رعاية المغرب ـ بين العدوتيـن؛ ومهما يكن ، فالذي هـو واضح  من خلال بعض الإفادات المتاحة، هـو أنه كان لاتجاهـات الأحداث بالأندلس دخـل أو ربما بعـض الدخل فيها نشأ لدى ابن عياش من حوافـز حملته على الهجـرة من قرطبة مدينتـه، إلى غيرها، لكي يحط في خاتمـة المطاف عصا التسيار بالمغرب؛ فكمـا أومأنا غليـه في فقـرة سالفة، فإن الأوضاع الأندلسية المعرضـة باستمرار ـ نتيجة لمكا كان، أصـلا ـ من هشاشـة تماسك مجتمع العـدوة ـ إلى الاهتزاز تحت أي تأثير سلبي ـ كانت قـد دخلت فعلا في نفق جديـد منة التفجيرات عنـد بداية نهاية المرابطكيـن الذين كان إليهـم مرجع استقرار شبـه الجزيرة مثلمـا كان عليهم حماتيها؛ وكانت قرطبـة ـ حيث يقيم ابن عياش ـ قد شملها من الارتجاجات التي شهدها الظرف  مات شمل سواهـا من المناطق الأندلسية الأخرى؛ فقد انعكست على الحاضرة الأندلسية الكبرى ـ سياسيـا ونفسيا ـ وغيوم الوضع المتقلقـل الناجم عن انبعاث الطائفيـة الأندلسية من جهة ، وعن دورات الصراع المرابطي الموحدي من جهة ثانية؛ ثم غشـى المدينة بعد ذلك ما غشيهـا ربما بعد رحيل ابن عياش من هـول الحصار المطبق، الذي أحـاطها به الإفرنج في استغلالهم لسانحـة الارتباك الأندلسي العام في تلك  الظروف؛ وقـد  كادت  قرطبـة أن تقع تحت طائلة المحاصريـن لها، لولا  أن أمدها عبد المومن بن علي بن جـدة موحديـة، توصلت إلى تفكيك طوق الحصـار عنها.
وفي خضم هـذا الوضع لم يعد ابن عياش ـ على ما يبدو ـ يستكين إلى البقاء في مدينته المغمورة في خضم التقلبـات وبارحها في اتجاه له نحو اقاصـي الغرب الأندلسي،  حيث توجـد إشبيليـة التقي  أناخ بها، وقد كانت ـ ساعتها قد أصبحت بين ايدي الموحدين، وفي هـذا أي انضواء إشبيليـة تحت النفوذ الموحدي، ما سنـى لابن عياش طمأنينـة كان ينشدهـا، ومنعرجـا مهما في الحياة كان ينتظره، لقـد الفي في الحضارة المتألقـة ـ تقليديـا ـ للادب والفـن والمناخ المواتي لحسن تقدير مواهبـه، فإذا به ـ وقـد تدرج في تعريف النافذيـن خلال الظرف إليه، حتى بلـغ الشأو الذي أهالـه لأن يكتب لولد الخليفة الموحدي، أي أبي حفـص  بن عبد المومن،( 4) وقـد توثقت صلته به، فاستبقـاه في خدمتـه سواء بالأندلس، أو بالمغرب الأوسـط حينمـا ارتحل إليه، انفتح  المجـال المغربي بهذه الصورة  التي لعبت المصادفـة  دروهـا ـ أمام أبي الحسن بن عياش بعـد أن اصطنع العهد الموحدي هـذا الأديب الأندلسي،  وأوسع لـه في مجال الحظوة في حظيرته، فنال ابن عيـاش  في سياق ذلك من حسـن الاحدوثة ، وبعهد الصيت، ممـا كان من آثاره انتهت له الأسباب لكي  يستكتبه عبد المومـن بن علي نفسه، بدلا مـن  ابنى عطية، الذي كان متوليا لهذه المأموريـة من قبل، ومن ثم اتخذت سيرة أبي الحسن سبيلهـا إلى حيث غدا ـ خصوصا في عهد أبي يعقـوب يوسف بن عبد المومن بن علي ـ واحدا من المـع الكتاب الذين تألقوا في العصر الموحدي حتى وفاتـه سنة 568(5 ) وكان مـن بينهم ـ كمـا يعلم ـ  عدد من المعروفين بابن عياش، وقـد استعرضنـا معظمهم في ما سلف، والملحوظ في هذا الصدد، أن أكثـر أو جميع ما تصدر من بين عياش هؤلاء في خدمـة الدولـة الموحدية، إنمـا كان تصدرهم في خلال فترات لاحقة للفـترة التي سمـا فيها صيت أبي الحسن وبلغ  الشأو الذي بلغـه، فهل كان هـذا الأخير هـو القدوة لهم في الخط الذي سلكوه على احتمـال أن تكون المنزلة التي نالهـا باعث تشجيع لهم أو لبعضهم على الأقل، على الوفـادة إلى المغرب، والتمـاس فرص فيـه لم تتوفـر بالأندلس لتحقيق ارتقاء وظيفـي اجتماعي في حظيرة البيئـة المغربية؟ على أي حـال، فالامر هنا يتعلق بمجـرد افتراض وكفى، طالما لا تتوفـر معلومات مدققة عن ظروف نشـأة وتطور علاقـة بني عياش في عمومهم ـ بالمغرب ، وعن الإطـار الذي استوعب وقائـع هذه العلاقـة والمسار الذي انسلكت فيهن ومهمـا يكن فإن الحقبة التاريخية التي تفحت في منضوياتهـا لأبي الحسن بن عياش آفـاق رحبة كـهذه للإعراب عن جـودة  مواهبه البلاغيـة،  وحسن كفايته في هـذا المضمار، كانت، أي هـذه الحقبة، من منظـور آخر حقبة ذات أهمية قصوى ـ تاريخيـا ـ باعتبارها ـ من جهة ـ إحـدى المنعطفات الكبرى في وقائـع المغرب القديم( استكمـال مقومات تأسيس الدولة الموحدية ثم باعتبـار هذه الحقبة ـ من جهة ثانية،  أنها كانت علامة متميزة على طريق استناف المغرب ـ بعد وهن الفترة الانتقالية بين المرابطين والموحدين ـ لمهمته التاريخية في حماية الأندلس، ولم شعثها الشتيت، وموالاة التلاقح الفكري والحضاري معها، على  منحى أوسع، وأكثر ثراء، وفي هذا أو بالأصح في بعضه كان قلم أبي الحسن ابن عياش ككاتب لعبد المومن بن علي، ثم لخلفه أبي يعقوب يوسف ـ شاهدا (بريئا طبعا) على بعض ما حفل به الأفق المغربي الأندلسي من مشاغل واهتمامات في هذا الباب، وما تداخل فيه من ملابسات مختلفة، ونركز القول فيما يلي على ما يتصل من هذه الاهتمامات بالشؤون الأندلسية|، وقد  كانت هذه الشؤون ذات ثقل قيمي تقليدي في جانب أساسي  من سياسة المغرب الجهوية ضمن نطاق البحر الأبيض المتوسط، وكان لها من ثمة تفاؤلات جد عميقة مع  مجمل مجريات التاريخ  هنا  وهناك عبر طرفي بحر الزقاق.
                                                            * * *
كان  تسنم أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن بن علي لسدة الحكم على رأس المغرب الموحدي (سنة 560هجرية) يعني بالنسبة لعلاقة المغرب بالأندلس، مزيدا من الارتكاز لأسس هـذه العلاقة، وتضاعف ترسخها، وذلك بما هو مترتب عن الامر من ازدياد حجم التبعات الواقعة على كاهل المغرب بصدد الدفاع عن العدوى ، وتوطيد مناعتها السيكولوجية السياسية في مواجهة القوى المضادة ومـا يتصل بالحال من توالي تطور وتنوع ارتباطات هذه العدوة بالأخرى وتداخلها على مستويات  مختلفة.
وقد كانت ثمة اعتباران هامان فرض مثل هذا التركيز على صعيد الصلات  المغربية الأندلسية في هذه الفترة بالذات غداة صيرورة الأمر إلى ابن عبد المومن بن علي أبي يعقوب يوسف الموحدي.
أولا: منطق الظرف التاريخي نفسه، وقد  كان المنطق هذا محكوما بدواعي الإلحاح على المشاكل الأندلسية بالنظر من  ناحية، إلى الحتميات الدائمة، دينية وأخلاقية وحضارية وغيرها والتي ما انفكت تطرح على المغرب في العموم، عبر متعاقب العصور، ضرورة احتضانها لهموم العدوة وكفالته لها، ومن  ناحية أحرى لاتصال موضوع أمن الأندلس، بأمـن عامة منطقة غربي الأبيض المتوسط إلى أواسطه بالنسبـة للضفة الجنوبية من الحبر، مع الوضع في الاعتبار، أن المغرب بالذات، كان هو الذي يقع على كاهله تولي أمـر هذا الأمن والسهر عليه. والأخـذ بزمام العوامل المتداخلة، التي تكمن في خلفياته.
وحيث إن العمل المغربي من أجـل الأندلس كان أثناء الفترة المتحدث عنها على عتبة مرحلة جديدة يقودها الموحدون، استئنافا منهم لمجرى المهمة المغربية بالعدوة خلال المرابطيـن، فإنه  كان من الطبيعي أن يتعزز أكثر زخم  حوافز التجارب مع  الحتميات والضرورات التي ذكرنا، ولن ينبعث ـ بحكم ذلك في النطاق المغربي ـ عزم  متجدد وأشد فاعلية، لتطويق الإشكالات الأندلسية ذات الأوجه المتعددة، وحالة عقدها، وقد انطلقت في وقت مبكر من العصر الموحدي ( عبد المومن بن علي بالذات) المبادرات التمهيدية لاستعادة مدلول هـذا التكامل الإجمالي للأمن على مستوى منطقة المتوسط الغربي آنئذ، فكـأن من ذلك ما أنجزه الخلفية الموحدي ـ بعد توطيد ركائز الدولة ـ من زحزحة الحضور الافرنجي بالمغرب الأدنى، وتخليص منطقة المغرب العربي بذلك من جانوم كان قد أنـاخ عليها بكلكله أمدا طويلا، وأعنتها أيما إعتاب  تحت وطأته، وقد كان تحصين عبد المومن بن علي بجبل الفتح (جبل طارق) سنة  555 هجرية، وتشييده  مدينة مجهزة فيه لتكون قاعدة عسكرية ومواصلاتية مـع الاندلس، كان ذلك واقعا في نطاق هـذا التركيز الاستراتيجي على العدوة الذي بدأ يأخذ ـ موحديا ـ مجراه بهذه الصورة  ونحوها، ليتخذ بالتالي الشكل الكثيف، الذي كان لا بد أن يتخذه في عهد أبي يعقوب يوسف.
2) علاوة على هـذا الجانب العام، المندرج في إطار التداخلات التقليدية ـ على صعيد التاريخ ـ  بين المغرب والاندلس، مما كان يتحتم معه ـ عند المنعطف الموحدي ـ  التركيز ـ مجـددا على المسؤولية المغربية عن العـدوة، كان هناك أيضـا  ـ فيما يبدو ـ  داع  من دواعي  هـذا التركيز لكنه منبثـق عن حيثيـة خاصة ؛ ويتعلق الأمر بالصـلات الشخصيـة الحميمية، التي  كانت لأبي يعقـوب نفسه بالأندلس، ومن أنة كـان واليا ـ من قبـل والده عـلى إشبيلية(6 ) ومطوقـاـ ضمن القيـادة  الموحدية آنئـذ ـ بقسط من المسؤوليـة العامة عن الوضع الإسلامـي بالعدوة؛ وقد  احتفظ أبو يعقوب نتيجة لأهمية حصيلـة اطلاعـه آنذاك على الأحول الأندلسية، واحتكاكه ـ ميدانيـا ـ بحقائق وملابسات هـذه الأحوال ـ  احتفظ ـ بعد أن آل أمر الدولـة الموحدية إليه ـ بحوافز قوية على الأخـذ أخذا لا هوادة فيـه بناصيـة الشأن الأندلسي، الالتزام ـ أكثر ما يمكن ت به، على أن كان منتهاه هو نفسـه على أرض العدوة تحديدا (580هـ).
لقد كـان ارتباط أبي يعقوب بالأندلس على هـذا النحو ـ ارتباطا مستقى من جـذور مبدئية تقليدية انحدرت إليه من سلفه عبد المومـن ومن قبله من المرابطين،  وكان منة معززات هـذا الارتباط المبدئي الارتباط الفك،ـر والعاطفي الذي يبدو أنه كـان ذا صلة بما صرفـه الخليفة الموحـدي من جهود ذات صبغـة حضارية، خاصـة في إشبيلية( 7 ) التي كانت بيئتها ـ خـلال الفترة التي أمضاها في هذه الحاضرة كوال ـ مجالا ملائما لـه بالتجاوب مع النوازع الثقافيـة التي يمكن القول إنها كانت من بيـن  أقوى نوازعه الذاتية وآثارها  لديه( 8).
على أنه بصرف النظـر عن  هذيـن الاعتباريـن المذكورين بصفتهمـا لأسهمتا في مزيـد التركيز على الصلات المغربية الأندلسية غداة بدايـة عهد أبي يعقوب كخلف لوالده على رأس دولـة بني عبد المومن فإن تزايـد الضغط  العسكري والسياسي المسيحي على الأندلس في خـلال الظرف والمؤثرات النفسية الثقيلـة المنبثقة عنه، كل ذلك لم يكـن من شأنه في العموم، أن يترك للمغرب خيـارا آخر، إلا خيار المبادرة إلى تعديـل ميزان القوى الذي منـي باحتلالات جديـة، بقدر كبير في الساحـة الأندلسية، والتصدي لمد الإفرنج من شتى جهات العدوة، غربـا وشمالا وشرقا، وهـو المد الذي كـان ينذر بتفاقم هـذه الاختلالات أكثـر، إذا لم تقع مجابهته بالكيفيــة الملائمة.
لقد كـان أبو يعقوب، وهو الذي لم يكـن حديث الإلمام بتعقيبـات الأندلس، يستوعب على  نحو لا تنقصـه الدقة والشمول ـ أبعاد الوضع الإسلامي بشبه الجزيرة، وما يلـزم عنـد اضطلاع  المغرب بتقويمه ـ من جهـود مركزة على المستوى الجهادي  والسياسي والتنظيم وما إليه، ومن ثم كان التفكيـر الموحدي متوجها في غضون ذلك الظرف  ـ إلى إعـداد الأمور على منحى بعيد النفس، للقيام بمواجهـة جد كبيرة، تتسم بسعة الاستيعـاب وشموله أقصى ما يمكن ، وتستغرق من  الوقت حيزا غير محسوب، طالمـا دعت إلى ذلك مقتضيات العمل الذي كـان الحال يتطلبه بهذا الصدد، وهو توجه منطقـي في التصور والاستنتاج، كانت تتوفر له معللات  مختلفة، إذا روئيت من منظـور التحركـات الإفرنجية آنئـذ على الساحة الأندلسية ، وما كانت تترامـى عليه تلك التحركـات من جبهات عريضة، وما  تحدثه على مسلمـي العدوة من ضغوط كثيفـة.
وعلى ضوء هـذه الملاحظة يمكن تقدير مدلول الحركـة الواسعة التي قام بها أبو يعقوب لاستقدام جموع الأعراب الذيـن كانوا يروجـون في باديـة المغرب الأدنى وما  إليـه وذلك بقصـد إشراكهم في العمل الجهادي بالأندلس، والإفـادة بذلك، من إسهامـهم  كقوة مـدد مهمة،  وقـد دأب الإفرنج بشبه الجزيـرة خلال حقب متعددة، مـن جهتهم، عن التآزر في جهدهـم القتالي بأعـداد وفيرة من المحاربيـن الواردين على العـدوة من أنحاء شتى من أوربا، لقد كانت حركـة الاستنفـار تلك، ذات مدى بعيـد فيما تستغــرقه من طول وقت وجهد، لإمكانية التوصـل من خلالها إلى إصابـة الأهداف الاستراتيجيـة المبتغاة آنئذ.
بيد أن وثيـرة الضغط الإفرنجي في الأندلس، كانت أسرع وأشـد إلحاحا من أن تترك مجالا للتريـث والتأني الطويل النفس، إلى حيـن إتمام تنظيم الحملـة الشاملة الجـاري إعدادهـا في ذلك الحين، وتحريكهـا بعد ذلك نحو الهدف، لقد كـان فكا الكلابـة يضيقان في أثناء الفترة حـول الأندلس الإسلامية أكان ذلك  من الغـرب في الواجهة الواقعـة تحت ضغط البرتغال، أو مـن الشمال المعرض لضغوط قستالة، أو مـن الشرق المواجه للضغـط الآتي مـن طوائفيـه « ابـن مردنيش ـ وقد كانت في أخرياتها  ـ ومن معه من قوى إفرنجيـة. وقـد شهد غربي الأندلس، تطورا مثيرا في دوامـة الصراع  الدائر ـ ساعتها ـ تمثـل في محاصرة البرتغال بقيادة « هنريكيـز» لحضارة بطليوس ذات الأهمية  في المنطقـة وإلحاحهم ـ عسكريـا ـ عليها، إلى حين توصلهم لقسـر مسلميها على اللواذ بالقصبة، واستصراخ أبي يعقـوب،  وهي حال بـدا حـادا معها ـ في نطاق الإستراتيجية الموحديـة ـ حجم الفارق بين ضرورة الاستعداد المتأني للحملة الشاملـة كما  كـان يعد لها أبو يعقوب،  وبين الضرورة الأخرى التي فرضها تطور الصراع في الساحـة  الأندلسية،  والقاضية باستعجـال التحرك الموحدي ـ علي أي وجـه ـ  من أجل وقف مضاعفات الانحسـار المرحلي في قدرة الوجود الإسلامي بالعدوة على المجابهـة ساعتئذ، إن لم يكـن لحسم العوامـل حسما سريعا، التي أدت إلى حصول هـذا الانحسار من أساسه، لقـد كان داعي البـت في الاختيارات المطروحة ـ هكذا ـ على أبي يعقوب ـ واقعـا  في الصميم مما كان يتحتـم أن ترتكز عليه الإستراتيجية الموحدية ـ خلال الظرف ـ من معادلات وتوزانات دقيقة.
وبالفعل، فقـد أفضت القيادة الموحديـة إلى ما كان عليها أن تختاره، ومبنى ذلك الأخـذ بأسلوب المزاوجـة بين الحملة الجزئية المستعجلة، وبين الحملة التالية لهـا، الأكثر شمولية، والأوفر استيعابا، وبين لمقتضيـات ونتائج الإعداد الطويل المدى ، المتريثة ترتيباته.
                                                         * * *
 في هـذا المناخ المعقم بالحوافـز الجهاديـة الجياشـة والذي بلورتـه معطيات المنعطف الموحدي في ماضي المغرب كان للأدب ـ كالحال في عهـد المرابطين ـ سوقه النافقـة التي راجت في خلالها معروضات شتى مما صاغته القرائح المغربية والأندلسية، مستقيـة إياه من طبيعة  ومحمـولات السياق التاريخي الذي كانت تعيشه المنطقـة حينئـذ وتتكيف مساراتها بتطوراته، وكمـا أسلفنـا، فإن أبا الحسـن ابن عياش ـ الذي واكب بفكره وبمعايشتـه الموصولـة تيارات هـذا السياق أثناء شطر من عهد عبد المومـن بن علي،  وعهـد أبي يعقوب خلفه ـ قد كان له  من أدبـه، شأنه ف يذلك شأن عـدد من أعيان عصره ـ مجال واسع لاستلهام اللحظـة التاريخية الماثلة، والمشاركة ـ عبر فنوات التعبير الأدبي، في تسجيـل المواقف والرؤى والتوجهات العامة، المرتبطـة بالأمر، ومن المألوف فيمـا هو متأت م، أشتات الإفادات الـواردة حول ابن عيـاش في المصادر التي تتضمن شيئـا عنه، أن الرجل كـان في أساس أمره ناثرا وضليعـا في أسلوبه على منوال النثـر الفني فيمـا كان يدبجـه، وسنرى ـ بحول لله فيمـا سنسوقه من نثريـات لهذا الكاتب في  خـلال الحلقة القادمـة من هـذا الموضوع ـ نماذج ذات  دلالـة بليغة، على مبلغ مات كـأن من ضلاعتـه في فنه هـذا وحسن تمكنه فيه، إلا أن الـذي نود التوقف عنده قليـلا في هـذا الموطـن من الحديث، هو مـا يتعلق بالشعر في توجهـات الرجـل الأدبية، ومـا إذا كـأن له في هـذا المقام، موقع يعتـد به، على غرار الموقـع الذي يعرف له من خلال مخلفاته في مجـال النثــر؟.
لا نرى في الواقـع ـ تبعا لما يتوفـر لنا ـ  ما يساعد على الجزم ـ نفيـا  أو إثباتا ـ بشيء نهائي بهذا  الخصوص، غير أن ما لا يلفت النظر ـ في هذه النقطـة بالذات، وهو ما أورده ـ على سبيل المثال ـ بعض المؤرخين المعاصرين من شعر ذكر عنه المؤرخ المشار إليه ( 9) أنه من نظم أبي الحسن ابن عياش، وإن وضعه لهذا الشعر كان تنفيذا لرغبة مخدومه أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن، ضمن نطاق التأهب للحملة التي كان الخليفة الموحدي يهيئها لوقف تردي الأوضاع ساعتها بالأندلس الإسلامية، ومحاولة إعادة الأمور إلى نصابها لصالح مسلمي العدوة.
ويتعلق الأمر بأبيات حماسية، يزيد عددها أو ينقص حسب الروايات، ويتصل موضوعها بما سلفت الإشارة إليه من كون أبي يعقوب يوسف عمد ـ بين يدي الحملة التي كان يعتزم القيام بها باتجاه الأندلس ـ إلى استنفار قبائل العرب المنبثة بإفريقيا (المغرب الأدنى) كي يشاركوا بجموعهم في تعزيز الطاقة الجهادية الموحدية، التي كان يتم ساعتئذ حشدها في هذا النطاق، وقد ذكر في هذا السياق أن أبا يعقوب يوسف، الذي بعث برسالة استنفار إلى هؤلاء العرب (بنو هلال إلخ...) قد اشفع رسالته بشعر حماسي يتصل بالموضوع، وهو من صياغة ابن طفيل، الفيلسوف، والطبيب، والأديب كذلك. ثم أعقب ذلك برسالة أخرى مصحوبة بلامية، كانت استنهاضية هي أيضا من نظم أبي الحسن بن عياش ورد فيها:
أقيموا إلى العلياء  عوج  لرواحـد     * وقودوا  إلى الهيجاء جرد الصواهل
وقوموا  لنصر  الدين  قومة  ثـائر    * وشدوا  على  الأعداء  شدة  صايل
فما  العز  إلا  ظهر  أجرد  سابـح    * يفوت  الصبا  في  شده  المتواصل
وأبيـض  مأثـور  كأن  فرنــده         * على  الماء  منسوج  وليس   بسائل
وأسروا  بني  قيس  إلى  نيل  غاية   * من  المجد  تجني عند برد الأصائل
تعالوا  فقد  شدت  إلى  العـزو نية    * عواقبها  مقصورة  على  الأوائـل 
والأبيات ـ كما يرى ـ رصينة السبك والصياغة، وقد أوردها المراكشي في «المعجب» بإضافة أبيات أخرى منها هذه:       
هي  الغزوة  الغراء  والموعد الذي   * تنجز  من  بعد  المـدى المتطاول
بها  تفتح  الدنيا  بها  تفتح  المنـى    * بها  ينصف  التحقيق  من كل باطل
أهبنا  بكم   للخير  والله  حسبنــا     * وحسبكمـو  والله  اعدل عادل (10 )
إلا أن ما يسترعي النظر فيما ورد عن هذا الأمر في «المعجب» أن «المراكشي» لم يومأ إلى علاقة الأبيات بابن عياش،  علاوة على ما ساقه من أن الذي بعث بها إلى القبائل العربية بالمغرب الأدنى، هو عبد المومن بن علي وإن كان هذا لا ينتفي به احتمال أن يكون قد وقع الترويج لهذه الأبيات في عهدي عبد المومن وخلفه كليهما، خصوصا وأن المناسبة التي دعت إلى وضع هذا الشعر (مناسبة الرغبة في استنهاض القبائل العربية للجهاد) كانت هي نفس المناسبة التي حصلت في عهد عبد المومن، وتكررت في أثناء ولاية أبي يعقوب ابنهن ثم عن ابن عياش المعني بنسبة الأبيات إليه كان كاتبا لولي الأمر أثناء العهدين معا، على التتابع، وقد يستأنس بهذا الاعتبار في التوفيق بين ما ورد في المصدرين على أساس أن يكون ابن عياش قد نظم الأبيات في عهد عبد المومن ثم تكرر استعمالها في عهد أبي يعقوب.
مهما يكن فإن قاعدة مصاحبتنا لأبي الحسن بن عياش، أساسها النثر لا القريض: ذلك أن مجال المهمة الوظيفية للرجل بالمغرب، والتي أفرزت ـ على ما نعلم ـ أهم إنتاجه الفكري بهذه العدوى، قد ارتبط ـ أساسا بالصفة التي له ككاتب، لا كشاعر، ومن ثم فإن ما ستستعرضه من آثاره، سيكون عبارة عن رسائل وليس قصائد، وهي رسائل تعكس من مجريات تاريخ العدوتين خلال الحقبة خاصة ما يهم واقع الجهاد، الشئ الكثير، فإلى بقية الحديث بحول الله.                            
 

 1) الاستقصـا (ج2، ص 16) طبعة البيضاء.
 2) المراكشي، المعجب، ص 263.
 3 ) ع. عنان عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس ، ص 698، ط1.
 4 ) عبد الله عنان، عصر المرابطين والموحدين، ج2، ص 138.
 5 ) نفس المصدر.
 6 ) انتزع الموحدون حضارة إشبيلية من بقايا المرابطين سنة  541هـ في سياق الحملة الموحدية العامة،  التي تم بموجبها ـ أيام عبد المومن ـ اجتناب مخلفات النفوذ المرابطي من عمـوم شبه الجزيرة، وعقب ذلك  عقد عبد المومـن لابنه أبي يعقوب على المدينة وبعد وفـاة عبد المومن وصـيرورة أمر الدولة  الموحديـة إلى أبي يعقوب اسنـد هذا الأخير ولايـة إشبيلية إلى أخيه.
 7 ) يورد صاحب الاستقصا في هـذا قوله، نقلا عن المصادر التي قد يكون  اعتمدهـا، ومعلوماتها بهذا الصدد مفصلة أكثر  عقد أبو يعقوب يوسف الجسر على وادي إشبيلية بالقوارب، وبنى قصبتهـا الداخلية وبنى السلاليق للسور ، وبنى سور  باب جوهـر، وبنى الرصفتان المندرجـة بصفتي الوادي وجلب الماء من قلعة جابر حتى أدخله إشبيليـة،  وأنفق أموالا لاتحصى(ج2، ص 135) طبعة الدار البيضاء.
 8 ) يقول المراكشي في « المعجب» بهذا الخصوص عن أبي يعقوب : « كان أعرف الناس كيف تكلمت العرب وأحفظهم بأيامهـا ومآثرها، وجميع أخبارها في الجاهلية والإسلام، صرف عنايته إلى ذلك أيام كونه  بإشبيليـة واليا عليها في حياة أبيـه ولقي بها رجالا من أهـل علم اللغة والنحو  والقرآن، منهم الأستـاذ اللغوي المتقن أبو إسحاق  إبراهيم بن عبد الملك المعروف عندهم بابن ملكون، فأخـذ عنهم جميع ذلك وبرع  في كثير منه»  ( ص 237، طبعة القاهرة، 1368 ـ 1949).
 9 )عبد الله عنان: عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس (ج2، ص 61).
 10 ) المعجب ص 225.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here