islamaumaroc

عودة لعودة يوسف بن تاشفين -3- [تعقيب على تعقيب]

  عصمت عبد اللطيف دندش

العدد 266 محرم 1408/ غشت 1987

أثار مقال «عودة يوسف بـن تاشفين» ، في العدد الماضي من مجلة دعوة الحق العديد من التساؤلات والاستفسارات، مما دعاني إلى معاودة البحث بعمق في بعض النقاط التي أثيرت ومع أني وضحت بعضا منها خلال بعض المكالمات الهاتفية أو مباشرة في الكلية فإنـي وجدت أن  تكـون الفائدة عامـة خصوصا بعد أن توصلت برسالة من استأذنا العلامة الدكتور عبد الهادي التازي والتي طرح فيها أكثر من  علامة استفهام، فرأيت أنه من الواجب على أن أعاود  القراءة والبحث حتى استفيـد أكثر من الاستفسارات التي أثيرت، ويستفيد معي من يهمه أمـر هـذا الموضوع.
ونظـرا لضيق الوقت لكتابة مقال آخر مفصل فأكتفي بالإجـابة على بعض التساؤلات، على أن أنشر رسالة يوسف بن تشافين إلى صاحب قلعة بني حمـاد في عدد تال  إن شاء الله، ومحققـة ومعززة بشيء من الدراسـة، وسأقتصر في هـذه السطور على تركيز الضوء على بعض الأحداث التي رآهـا ـ حسب معلومـاتي المتواضعة ـ من الأهيمة بمكان. وأرجو ممن يرى إضافـة شيء إلى هـذا الموضوع أن يدلي بدلوه، حتى تكون الفائدة عامـة، وفوق كـل ذي علم عليم.
من الملاحظ أن يوسف بن تاشفين لم يعبر إلى  الأندلس إلا بعد إلحـاح  متواصل من قبل أمراء وفقهاء الأندلس، وكان رده على وفودهم حتى يوحـد بلاده ويستكمل هذه الوحـدة بفتح سبتة وطنجة( 1).
فالأوضـاع في العدوة لم تكن توحي بالاطمئنان، كما أن  الأوضاع في منطقة البحر المتوسط  عامة لا تبشـر بخير.
وسوف استعرض باختصار بعضا من هذه الأمور، بالإضافة إلى ما سبق أن ذكر في المقال السابق.
إن ترجيح رجوع الأمير يوسف بن تاشفين بعد الزلاقة لأسباب عائلية يكون فيه بعض التحفظ خصوصا بالنسبة للأمير يوسف الذي كان يرى في الجهاد ووحدة البلاد ومحاربـة البدع الهدف الأول.
يبدو لي أن وفاـة ابنه الأمير أبي بكر بمدينـة سبتة كان يشكل خطـورة كبيرة على وجـود المرابطين بها، فلم يكن قـد مضـى على فتحها سوى عامين، ولا أن أمصار الحموديين الأدارسة(2 ) وسقوط البرغواطي والموجودين على الخصوص في منطقة غمـارة، كان يعاودهم الأمل في الرجوع إلى سبتة ...
وهذا  معناه لو نجحوا في قطع خـط الرجعة على الأمير يوسف بن تاشفين، والسيطرة على المجاز«مضيق جبل طارق» وقطع خطوط امتداداته، ومما يعـزز هذا الرأي أنهم وحدوا صفوفهم مرة أخرى عندمـا ظهر أمر الموحدين فانضموا إليهـم لحصار سبتة عـام 537هـ/1142م(3).
أمـا بالنسبة لبني حماد«الإخوة الأعداء» فقد تعددت اعتداءاتهم منـذ بداية حركة المرابطين( 4)، وكـان لا بد لتوحيد المغرب وإصلاح أحـوال القضاء على أمراء زناتة الذين استبد كل واحد منهم بمدينة، ونجح يوسف بن تاشفين في ذلك، ولكـن كان عليه لكي يستتب له الأمر أن يقضي على فلول زناتة التي تجمعت في المغرب الشرقـي، فاستولى على تلمسان، ووهران وجبـال ونشريس وأعمال شلف إلى الجزائر في نهاية عام  474هـ/1081م(5 ) وعندهـا توقف جيوش المرابطين. إذ كان هدف يوسف بن تاشفين القضاء على فلول زناتة أو المقاومة الزناتية، ولم يكن هدفـه التوغل لأكثر من ذلكن أو اصطدام مع أبناء عمومتهم ببني جمـا الصنهاجيين. ولو كان هـدف الاستيلاء على قلعة بن حماد  لأمكنه ذلك، فالبـلاد في هذه الفترة  كانت  ممزقـة أصابها عرب نبي هلال بأضرار جسيمة، لذلك عندمـا توقف المرابطـون بعـد فتح تلمسان ووهران ولم يجاوزوهـا، لم كين خوفا  من فتح ما يليهـا وإنمـا إبقاء على صلات القربى بينهم(6 ).
والغريب أن العلاقـة كانت طيبة بين أبناء العم الزبريين( 7) في إفريقية بعكس العلاقـة مع أبناء عمومتهم الحماديين التي اتسمت في أغلب مراحلها بالتوتر الذي يصل في كثير من الأحيان إلى الحرب، وعلى أية حـال فسوف أتعرض لهذه العلاقـة بالتفصيل من  خلال تحقيق ودراسة رسالة الأمير يوسف بن تاشفين إلى  صاحب قلعة بني حمـاد.
أما على صعيد الـدول النصرانيـة، ففي هـذه الفترة كانت البابوية قـد استعادت نفودها القديمة وبسطـت  سيطرتها على ملوك أوربا وشعوبها، وصارت تحـرض على المسلمين وتعـد لحرب صليبيـة طويلة المدى، فوجهت ملـوك أوربا إلى المشـرق للاستيلاء على بيـت المقدس وغيره من مـدن وحصون المسلمين(8 ) .
ووكلت البابويـة لملوك إسبانيـا مهمة طرد المسلمين من شبه الجزيرة الإيبرية وإنهـاء حكم الإسلام بها، وساعدتهـا الظروف على  نجاح مهمتها، بسبب الفرقـة والتطاحـن والتنافس بين  زعماء لا يقدرون المسؤولية ولا يفيقون لهذا المخـطط سواء في الغرب الإسلامي أو المشرق،  فالذي لم تنجح فيـه عسكريـا، نجحت فيه سياسيـا عن طريق« فرق تسد» أو عـن طريق الصداقة الوهميـة الشريفة لهذا الفريق أو ذاك وتهاوت المدن والقـلاع الإسلامية  واحدة تلو الأخرى ولا نجـد في تعقيب المؤرخين وغيرهم ممن لا حـول لهم ولا قوة غير عبارة« أعادها الله»  وهم يعلمون حق العلـم أنها لم تعد، لأن الحق سبحانه لا يعيـد النعمة إلا لمن يستطيع الذود عنها، والحفاظ عليهـا.
وقويت في هـذه الفترة أيضا جمهوريـات جنوب إيطـاليا مثل جنوة  والنبدقيـة ويبزا وغيرهـا، واستطاعت أنت  تعزز بسلطانها التجـاري والبحري فنازعت المسلمين السيـادة البحرية في البحر المتوسط،  وأتاحـت فرقة المسلمين في  جزيرة صقليـة الفرصة لتدخل النورمان الذين كانوا قـد  استولوا على بعض المناطـق في جنوب إيطاليا واستقروا فيها، فاستدعاهم بعض المنتزيـن في مدن صقيلة، فاستولـى  النورمان على مدنها الواحـدة تلو الأخرى حتى تم لهم الاستيلاء على كل الجزيـرة عام 484هـ/ 1091م منتهزيـن  الصراع بين الحضارتين وأبناء عمومتهم الزيريين(9).
وتوزعت الصداقة المزيفـة لنصارى البحر المتوسط بين أبناء العم أصحاب القلعة،  وأصحاب المهدية، البابوية وجنوة وبيـزا وأمـال في ناحية بني حماد بينمـا أظهر روجـار النورماندي الذي تم لـه الاستيلاء على صقليـة المودة للأمير تميم بن المعـز، إذا كـأن روجار يعمل حسابا للعلاقـة التي  بين المرابطيـن وأمراء إفريقيـة، فلم يستطـع الاستيلاء على المهديـة إلا عـام 543هـ/1148م بعد سقوط المرابطيـــــــــن(10 ).
ويبدو  موقف  روجـر تجاه الأمير تميم بن المعـز عندمـا هاجمت أساطيل جنوة وبيزا وأما لفي المهديـة وزويلـة سنة 480هـ/1087م لتحطيم القوة البحريـة للزيريين في غياب تميم بن المعز عنهمـا، ولم يشترك النورمـان في هـذا الهجوم ورفـض روجار المساعـدة التي عرضوهـا عليه حتى يستطيعوا النجـاح في مهمتهم،  فلما رفض حرصـا على علاقـته بالأمير تميم اضطر المسيحيون الغزاة للانسحاب مقابل فديـة قدرها  مائة ألف دينار.(11)
ويذكر ابن الأثير( 12 ) أن روجار رفض مهاجمـة إفريقية حتى« لا يقـول تميم غدرت بين ونقضت عهدي، وتنقطـع الوصلة والأسفـار بيننا، وإفريقيـة باقية لنا، حتى وجدنـا قوة أخذناها، وأمـا إفريقيـة فبيني وبين أهلهـا إيمان وعهود».
وبعد هـذا الغرض المختصر لوضعيـة المنطقة قبيل الزلاقـة وبعدها بشهور، أتساءل هل الأمير يوسف بن تاشفين الرجل المحنك الذكي كان يجهل هذه الأوضاع؟، أعتقد أنه كان يعلـم بكافة هذه الظروف، ولاشك أنـه كان يرصد  حركـة المدن التجارية التي تهدد البحريـة الإسلامية، وتنوي الإجهاز على أسطول الزيرييـن وإلحاق ضربة قاسية به.
فعـذرا أستاذي الجليل لست معك  في أنها أسباب عاطفية عائليـة، فأمير المسلمين يوسف بن تشافين، خرج مع المرابطيـن قصد الجهاد، ومصالح الجماعة الإسلاميـة فـوق العواطف الشخصيـة،  ومعذرة لعك حضوري اللقاء حـول المصـادر العربية لتاريخ إفريقية، فلا شك أنه تقصير مني كان يمكنني أن أستفيـد منه.
أمـا الإخوة الذيـن تساءلوا عن فائدة الخريطـة( 13) الملحقة بالمقال فلبيـان المدن التي كانت خاضعة للمرابطين في السودان والتي ذكرت في سياق المقال.
وأخيرا أرجو أن أكون وفقت لتوضيح بعض ما أثيـر من تساؤلات على أن استكمل هـذا الموضوع في عـدد قادم إن شاء الله.

1) ابن أبي زرع: روض القرطاس، ص 142، ط دار المنصور 1973، ابن بسام : الذخيرة، قســـــــــــم 2، م2،(653 ـ656) تحقيق د. إحسان عباس، د. حسن محمود: قيام دولة المرابطين( 261 ـ 264) وعن فتح سبتة، ذكر ابن أبي زرع أنها فتحت في ربيع الأول 477هـ  يوليه 1084(روض القرطاس ، ص 144) بينمـا ذكر ابن خلدون: العبر، ص  436 أنها فتحت عام 476 (ط بيروت 1959) بن بسام: م س ( 660ـ 663).
 2 )  عنة بني حمود، أنظر المراكشي: المعجب، ص.ص 43ـ69، ابن خلدون: م.س. ص.ص 455 ـ 460، الحميدي ، جـذوة المتقبس، ص.ص 21ـ24.
 3) يقول ابن خلدون: « ولما نجم المهدي بالمغرب واستفحل أمر الموحدين بعد مهلكه تنقل خليفتـه عبد الموزمن في بلادهم في غزواته الكبرى لفتح المغرب سنتي سبع وثلاثيـن وما بعدها قبل استيلائه على مراكش فوحدوا صفوفهم واتبعوا أمره ونازلوا سبتة في عساكره،  وامتنعت عليهم وتولى كبـر امتناعاتهـا قاضيهم الطائر الذكر رئيسهـم لذلك العهد يدينه وأبوته وعمله ومنصبه، ثم افتتحت بعد فتح مراكش سنة إحدى وأربعين ، فكان لغمـارة هؤلاء السابقة التي رعيت لهم سائر ايام الدولة ، ابن خلدون : م.س.ص 458.  
4) بعد فتح فاس عام 453هـ /1061م هاجم بلقين بن محمـد بن حماد فاس، أنظر ابن الخطيب أعمال الإعلام، ص3، تحقيق د. أحمد مختار العبادي، وإبراهيم  الكتاني،  ص 87.
ابن خلدون م.س.ص: 355 ـ 377.
 5) ابن أبي زرع، م.س. ص  143.
 6 ) د. حسن  محمود: قيام دولة المرابطين، 205.
7 ) بعد انتصار يوسف بن تشافين في الزلاقة أرسل كتبا إلى بلاد المغرب وإلى تميم بن المعز صاحب إفريقية ، ولم يرسل إلى الناصر بن علناس صاحب قلعة بني حماد.
ابن أبي زرع: م. س. ص 149.
 8 ) عن الحروب الصليبيـة، أنظر د. سعيد عاشور: الحروب الصليبية.
 9)  عن صقليـة ، أنظر د. تقي الدين عارف الدوري: صقليـة علاقتها بدول البحر المتوسط، العراق 1980.
 10 ) ن . م.
 11 ) ابن خلدون، م . س ، ص 328.
 12 ) ابن الأثير: الكامل، ص8، ص 185.
  13) الخريطـة نصدرها كتابنـا« دور المرابطين في نشر الإسلام في غرب إفريقيا، وهو تحت الطبع، واصل الكتـاب رسالة ماجستير قدمت لمعهد البحوث الدراسات الإفريقية،  جامعة القاهرة عام 1974.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here