islamaumaroc

الأزمة الإنسانية

  دعوة الحق

30 العدد

ليس في استطاعة الإنسان -وإن أوغل في سيره بأهوائه ونزواته- أن يعيش بدون مثل، والإنسان المطلوب في هذه الحياة ليس هو الذي تجرد من خصائص إنسانيته الأولى تحت إلحاح نهمه الحيواني الحاد، وإنما هو الإنسان الذي يستطيع تحمل أعباء إنسانيته التي تكمن في بث معنى وجوده، والتي تنساب مع فكرته وروحه وغريزته، وينفعل معها على نسب متميزة متساوقة مع خطه الأفقي الواعي.
تطور الإنسان وتدرج في مدارج الكمال، وقطع مراحل واسعة من إنسانيته -من غير أن يكون لنزوعاته المتمردة أي دخل في تكوينها- ومرت حضارات مختلفة هي من صنع أجياله، وتعاقبت عليه تلك الدورات الحضارية التي لا تقل في مجموعها عن ثمان وعشرين دورة حضارية، وعن عمرها الذي لا يقل عن 16 ألف سنة.
فماذا حدث؟ وماهي الاستفادات التي حصل عليها الإنسان؟ لنذر هذا جانبا.
تكون في محيط هذه التموجات، وفي خضم هذه السنين الطوال أناسي كثير، الإنسان النموذجي، والإنسان الحيواني، والإنسان الخرافي، والإنسان المفكر، والإنسان المتدين، والإنسان الآلي، بيد أنه- وإن امتدت به الأيام وطالت به السنون، واستولت عليه حينا من الدهر ضروب نشاطه وكفاحه وتأملاته- لا يبعد به ذلك عن الاستجابة الفطرية لنوازعه التي ينطوي عليها في قرارة نفسه، من ضرورته إلى الاتصال بالله، وحاجاته إلى فيوض مدده المطرد، الذي يضمن له سيره ونموه وتلاحق خطواته، وتوازن قواه التي أودعها الله فيه.
ولم تكن هذه الاستجابة الروحية - التي هي من وحي إنسانيته - مفروضة على حساب القوى الإنسانية الأخرى، التي لا يمكن بحال قتلها، أو وقف سيرها، وإنما على حساب تقدير الخطوات لهذه القوى كلها كيما تؤدي وظيفتها على صعيد واحد، ومع تفاعل مستمر لضمان سير الخط الإنساني إلى أبعد مداه.
عاش الإنسان -وهو سليل أولئك الأبطال الذين استنزلوا الأحداث من معاقد عزها، وعاشوا في مختلف فترات التاريخ - وأيديهم مبللة بندى الإنسانية يحركون بذلك عجلاتها - وهو يمارس شؤونه، ويستثمر حياته، ويتخذ الخطوات العجيبة ويستوثق من صلابة الطريق الموصلة إلى انتصاره، يعمل جاهدا لينال عيشا رخيا، وسعادة موصولة ومرتبة أسمى.
ولم يفته أن لقى في طريقه حظوظا واسعة في كل ميدان، وامتدت به آماله المتفاوتة بتفاوت الجهود التي كان يقوم إزاء التنحية المستمرة لنفايات إنسانيته.
وقد كانت المكاسب التي أتيحت له -من بين انتقاصه العمراني وتراجعه الزمني في بعض الأحيان- رهينة بقدرته على التحكم في مستواه الوجداني، وتحديده لمناهجه، وتخفيفه من ضغط تياراته، وتوفيقه في الربط بين أجزاء إنسانيته كلها وحفظ التوازن بينها، والعمل على أنها فكرة إنسانية اشترك في تكوينها عدة عناصر مثلما يشترك الشكل والرخام في رسم التمثال، فإذا ما أردنا تغيير شكل التمثال فلا مندوحة لنا عن تحطيم الرخام، ومن أجل ذلك كان من الخير لنا أن نفهم أنه يجب الأخذ بها جميعا، والمزج بينها مزجا متناسبا يحقق الفائدة المرجوة من الجميع.
وكان من فضل الله على الإنسانية أن كانت طريقة الفكرة الإسلامية في بناء الشعوب تعتمد على هذا الأساس، وعلى هذا التوجيه،وإذا جاز لنا أن نرجع بنجاح الإسلام إلى شيء فلن نجد أمامنا ماهو أجدى علينا أكثر من فكرته الأولى قبل أن تخالطها الكهانات المختلفة في نزاهة مقصدها ونبل غرضها ووضوحها وسهولتها ومرونتها، وجمعها الأطراف الإنسانية كلها أولاها على أخراها.
لم يبق هذا سرا مكتوما عن الناس -لو كان رائدهم الحق والإنصاف- وإذا جاز لهم أن يشكوا في شيء فغير جائز لهم هنا أن يشكوا في حقيقة أصبحت ملء سمع العالم وبصره، ضمت كثيرا من رقع المعمور في كنفها من غير قسوة ولا إكراه.
ومهما يبلغ المتجنون من البراعة في صياغة تجنيهم، فلن يستطيعوا أن يخلعوا عليه ثوب البحث العلمي النزيه، بالغا ما بلغوا من كثرة وبالغا ما بلغ الإسلام من قلة.
وقد كان سوء حال المسلمين، واختلاط قيم الإسلام عليهم، وعدم تمثيلهم الإسلام تمثيلا صحيحا، والدفاع عنه بالباطل مما أملى على الناس ضراوتهم بخصومته، والنيل منه والكيد له وأمدهم بمدد لا ينضب له معين، بالإضافة إلى سوء القصد وعدم تخطي حدود الغرض والهوى الذي يمتص خصوبة الحقيقة ويهدر كرامتها ويهدم مقرراتها.
وهكذا اشترك أولياء الإسلام وأعداؤه على السواء في نسف تعاليمه من نفوسهم وابعادها عن نطاقهم والحيلولة بينها وبين مطاليب الحياة عامة، وجعلها في خدمة أغراض أخرى بعيدة عن طابع الإسلام وعن لحنه وذوقه.
ومع هذا كله ليس في هذا ما يحمل على الظن بوقف عمل الإسلام في تثبيث دعائم الوحدة الإنسانية التي يعمل من أجلها - والتي هي حقيقة عملية في كل شيء إلا في روح الإنسان وضميره - بل كل ما حدث أنه تكون من  المجموع مناهل تاريخية جسيمة الأثر تعرف الناس منها حقيقة الإسلام وعلى وثائقه الرائعة، وعلى قيمة الشبه التي تنسب إليه وعلى قيمة النعوت التي تضاف إليه وتلصق به.
وقد كان لأصحاب المطالب الكبرى في الإصلاح الإسلامي الأثر الكبير في إحياء شعور الإسلام الحقيقي وفي تصويره للناس على النحو الذي أراده الله له ليكون كامنا في أعماقهم وممتدا مع حياتهم، ومقوما لما مال من شؤونهم.
والنتيجة الحتمية التي تستطيع الاطمئنان إليها أن المجتمعات الإسلامية التي اقتحمت عليها مناطقها ضروب من النشاط السياسي والاجتماعي والفكري والحضاري، وأصيبت بانتكاسات، وتسربت اليها مفاهيم جديدة تحت إطارات مختلفة -ولا بد لها أن تعيش داخل قيم جديدة- لن تقوى على مغالبة هذه التيارات كلها إلا بتصحيح أوضاعها الخاطئة من وحي قيمها ومقوماتها، ومن إلهامات مبادئها الحقيقية، وإلا بتصفية متناقضات حياتها الاجتماعية والروحية والسياسية وبالأخلاص لفكرتها القومية، وتقوية كيانها داخل حلقاتها الأولى التي أفرغها لها التاريخ، وصاغتها لها الأجيال، وباركها الإسلام.
وستظل في مفترق الطرق مشلولة الحركة، ومحرومة من الإحساس بكل تطور حقيقي -رغم هذه الحركات المتنوعة المظاهر والأغراض- إذا هي لم تحاول استخلاص العبرة النافعة من بين ثنايا تاريخها الطويل، وواقعها الاجتماعي الذي تعيش فيه وتراثها الروحي الذي تنهل منه.
هذه صورة من صور الأزمة الإنسانية التي كانت مصادرة الدين واستيصاله تماما من مفهوم الحياة الاجتماعية المعاصرة مصدر نشاطها، وبداية انطلاقها.
وليس لنا من غرض في هذا الإلماع أن نستوفي ما كتب عن الإسلام من قضاء جائر وحيف ظاهر ولا أن ندلل على مدى ما حققه من انتصارات في جميع الميادين وعلى عدم إصابته بما تصاب به بعض الحركات التاريخية عادة - في مثل انطلاقاته وفتوحاته ومساوماته من طرف أعدائه - من منافسة ووقعية وتحلل، فإننا نجد أنفسنا في حل من ذلك كله ما دام الناس يجدون أنفسهم - في مخلف الأوقات - بحاجة - إما عن حسن قصد وإما عن سوء نية وحقد - إلى التعرف على صدق جهوده، ومقاييسه،  وتقدير خطواته، ومفتقرين إلى تحديد نتائجه عند قياسها بنتائج حركات أخرى.
وإنما الشيء الذي لا غنى لنا عنه أن نتفهم ما تمخضت عنه الأحداث ونتعمق في الفروق الواضحة بين تلك الحركات الإنسانية، ومدى فعلها وتصرفاتها في الحضارات المختلفة، وردود فعلها التي تمشي باستمرار مع المد الحضاري.
ولربما لا يكون من العسير علينا حينئذ أن نضع أيدنا على حظوظ واسعة، وعلى وثائق هامة، قد استنفدت ما لديها من جهد، في تقويم هذه الحركات تقويما صحيحا، وربط ما بينها من صلات، وأبانت عن كثير من أسباب انتصارها وفشلها، والتي ترجع في جملتها إلى تخلي الفرد الإنساني - عندما تتلاحق عليه عوامل فشله - عن مهمته الخلاقة في الحياة وعن مثله الأعلى، وابتعاده عن الروح الانشائية، ومساهمته في الصمت عن التحديات التي تنهال عليه.
وقديما تأله الأباطرة والفراعنة - لا لشيء تجدد في مفهوم الإنسان ولكن لأنهم وجدوا أمامهم سلالات بشرية تافهة، وقصاصات إنسانية متناثرة هنا وهناك تخدمهم بلا وعي، وتجري في مرضاتهم إلى أبعد الحدود، فكانوا بدل أن يكونوا من القوات المتحركة الزاحفة في مجتمعاتهم من ضحاياها الأقدمين، وقد كان من النتائج السيئة لذلك أن تحللت هذه المجتمعات، وطوى بساطها الذي كان منشورا على مهاد التاريخ واختفت آثارها إلى غير رجعة. 
والوقع أن العالم منذ أقدم العصور تضطرم جوانبه في خصومة متصلة الضرام بين أمرين جوهريين لحياته: هما حرية الفرد ونظام الجماعة.
أيساند مبدأ حرية الفرد، أم يساند نظام الجماعة، وأيهما ينال حظوظه الموفورة من اهتماماته الأولى، وإلى أي حد؟.
وقد يذهب الناس بعيدا في استثمار هذين المبدأين لغير صالح الإنسانية، ولطالما شبت الحروب والثورات بين الشعوب في مختلف العصور تحت ستار الدفاع عن حرية الفرد، وآونة أخرى تحت الاستظلال بلواء الحفاظ على نظام الجماعة، وحماية السلم العالمي، وهي لا تريد من ذلك إلا بسط سيطرتها وتوسيع رقعتها، واحتكار الشعوب لفائدتها، واستخلافها في أرضها إذا اقتضى الحال، مستعملة في ذلك أكثر مما يلزم من المهارة الفائقة في العرض والتوجيه، فكيف يوفق بين هذين المبدأين، ومن أين لنا أن نظفر بحل عادل تلتقي عنده مآخذهما، ويضمن تكافلهما، بعدما تخلت الأديان عن الميدان، وبعدما نزل الناس على حكم (أن الحق يكمن في القوة) وبعدما استمروا في اتجاه خط اللصوصيات الدولية، ولم يغيروا من نظرتهم إلى الأشياء لما يرد على الناس اعتبارهم ويصون عليهم كرامتهم لا في قليلها ولا في كثيرها.
 وقد يفضي بنا البحث عن خير أداة للتوفيق في هذا الموقف - بعد الاختبار الطويل وبعد المقارنات والموازنات - إلى أنه يجب علينا أن لا نتخطى حدود مقررات الإسلام، فإنه كعلاج لمواقف الإنسانية، وكحراسة لكل مرحلة من مراحل حياتها - كان له - في فكرته وفي نظامه وفي قضائه وتشريعه المجال الواسع والتوفيق كله في تقريب مسافات الخلف بين ما يبدو من متناقضات الظواهر الاجتماعية والنفسية وغيرهما، إذ إنه كان ولا يزال يمتاز بطابع جماعي في جميع تصرفاته ويطالع الناس في جميع الفرص بامتداده الواسع - مع مطالب الزمن ومع مطالب الفرد ومطالب الجماعة، وقد يجد الإنسان نفسه حينئذ أمام حقيقة راسخة من حقائق الإنسانية العليا يجب الصراع من أجلها والوقوف في وجه أعدائها والتثبت فيما نسب إليها.
وإني أكتفي هاهنا بمثل واحد من مثل الإسلام الحية - كتدعيم لحقوق الأفراد وحماية نظام الجماعة باعتبرها جزءا من كل لا يتجزأ - وهو يرجع إلى القاعدة الاجتماعية القانونية التي لم يهتد إليها القانون الوضعي إلا في العصر الحديث وهي المعروفة بـ (نظرية سوء استعمال الحق) والتي أقرها الإسلام في عهوده الأولى ونفذها على يد خليفة رسول الله عمر بن الخطاب مستوحيا إياها من روح الشريعة الإسلامية ومن خصائصها الخالدة قبل أن يشعر بالحاجة إليها التشريع الغربي، فقد كان للضحاك بن خليفة الأنصاري أرض لا يصل إليها الماء إلا إذا مر ببستان لمحمد بن مسلمة فأبى محمد هذا أن يدع الماء يمر بأرضه فأتى الضحاك عمر بن الخطاب وشكا إليه الأمر، فقال عمر لابن مسلمة: أعليك فيه ضرر؟ فقال: لا، فقال له: فوالله لو لم أجد له ممرا إلا على بطنك لأمررته عليك؟ وكان أن نفذ ما قضى به وكان في هذا خير لهما معا وكان فيه الخير لجميع الأجيال أيضا وتقرير لحق من حقوق الإنسان هو في حاجة إليه في كل عصر، ولذلك نظائر في التشريع الإسلامي أجدني في غنى عن استيعابها.
هذا تصوير سريع لشرور هذه الأزمة الإنسانية التي اكتست عدة صور والتي تشكلت لها مواكب في ضمير الإنسان وفي روحه وفي معنى وجوده كله يوم وجد نفسه وجها لوجه أمام سيل من المشاكل وتكونت من أجل ذلك عقد مستعصية في حياته العامة وفقد معها المثل الأعلى حتى الذي أصبح معها سلس الزمام لكل قائد، وطيء الدهر لكل راكب في حين أنه هو المتصرف بأجياله وتاريخه وجميع نتاجه في كل ما يعرض له.
وكان بإمكانه أن ينام ليله رخيا ويعيش هنيا ممتد الآمال فيما لو ترك لرغبة أو رغبتين أن تحكماه وأن تصرفا شؤونه، أما والأشباح المخيفة والقوى المجهولة المختفية وراء أكمة العلم والفن والتقدم والفراغ الواسع وبطالة الضمير والقلق المزمن ورتابة الأشكال المملة تخالطه في صميمه وأصبحت أداة لتعطيل مواهبه (وردة إنسانية خطيرة) فقد يقرر لها كامل الحق أن تقيم إنسانا تافها جديدا على حساب الإنسان القديم.
وقد عملت الحضارة الحديثة في سبيل إضعاف الطاقة الإنسانية، وفي تحويل مجراها، وتعقيد مشاكلها والإيقاع بها - بما لها من مفاهيم ووسائل - ما يبدو كل شيء أمامها قاتما ، وغير مجد عليها في تحديد خطها الإنساني الأصيل.
وكيفما كانت لهفة الناس وشوقهم وإعجابهم بها بالغا ما بلغ، وكيفما كانت سيطرة هذه المفاهيم الجديدة التي تواجههم وتأخدهم في تقلبهم، وكيفما كان فهم الناس لها واستفادتهم منها فقد تستحكم عليهم حلقاتها في النهاية، فلا يجدون معها في الأرض مقعدا ولا في السماء مصعدا، ويستولي عليهم من ذلك قلق عام يكون لهم من أنفسهم هزائم متلاحقة وذيولا من الخيبة في جميع الميادين.
وعلى صيحة هذه الأزمات، وجلجلاتها المدوية بدأ يستيقظ الضمير الإنساني، فأحس بالمرارة التي يعيش فيها، وبعنف هذه التجربة التي يمر بها من هذا المد الحضاري، وأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيه من جهد وعلى ما بذله من عناء ودماء متدفقة وعرق متصبب لقاء سلسلة من الأحلام أو الآلام.
وقد استجابت لنداء هذا الضمير الإنساني طلائع متحررة واعية، همست في أذن عشاق الحضارة الغربية في ظروف مختلفة، فنكتفي بالاستماع إلى صوت (توينبي): أن الفرصة الوحيدة لإنقاذ الحضارة الغربية بأسرها، هي في بعث الروح الديني بأوسع معانيه، إذ أن هذه الروح هي ينبوع الفعالية الفردية، والأفراد هم أسس الحضارات.
ولنستمع أيضا إلى (غوته) وهو يشيد بتعاليم الإسلام، ويعترف بتفوقه في صياغة أجيال بشرية استقامت لها الدنيا، ومهدت لها السبيل، قائلا: إن هذه التعاليم لن تفشل أبدا، فجميع رسائلنا لا تستطيع، ولا يستطيع أحد أن يصل إلى أبعد أو أحسن منها.
هذا هو الإسلام في نظر خصومه.
وكل الدلائل تدل على أنه إذا كان هناك شيء يصيب المسلمين في صميمهم فهو من هذه الجوانب الروحية الغامضة التي أساءت إليهم أفظع الإساءات.
ولا خلاص لهم من حيرتهم ولا مخرج لهم من قلقهم وأزماتهم التي يتخبطون فيها إلا بملء الفراغ الذي أحدثته ترقيعات التقدمية، وبإهالة التراب على فجواتها العميقة، وبتحطيم قنوات الفساد العريض الذي لا يعدم أنصارا ومروجين.

                

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here