islamaumaroc

الاحتفال بعيد العرش ركيزة أساسية للحفاظ على الوحدة الوطنية

  حمداتي ماء العينين

العدد 263 رجب 1407- مارس 1987

عندما تولى جلالة المغفور لـه محمد الخامس طيب الله ثراه عرش أسلافه المنعمين سنة 1927، وجد المغرب مقسما إلى جهات استحدثتها المصالح الاستعمارية، ليسهل عليها التحكم في شتى قدرات هذا الوطن، الذي ظل ذرعا قويا عرقل زحف الاستعمار الأوربي من الشمال إلى الجنوب.
فالإرساليات المسيحية ما استطاعت أن تصل إلى أي مكان من القارة الإفريقية، إلا ووجدت أمامها مئذنة، أو زاوية مغربية، أو مجموعة من التجار المسلمين، كلهم أو جلهم ن أصل مغربي، ربحه الأول وغايتهم القصوى تنحصر في نشر الإسلام وتلقين كتاب الله العزيز، إضافة إلى نقل ألوان من الحضارة المغربية، تاركة بصمات من الفن المعماري المغربي، تتفاعل مع التطور المرحلي الذي أخذت القارة تشهده، بفضل التعامل مع المغرب المسلم فكرا وحضارة ومعتقدا، فلا غرابة إذن إذا شكل الحضور المغربي في أكثر من واجهة حاجزا بين التسللات الأوربية، وبين ابتلاع القارة السمراء بسهولة ويسر.
إن كل من وضع أمامه واقع ذلك المجهود لن يستغرب من كون الاهتمامات الدولية ركزت على المغرب أكثر من غيره، ابتداء من القرن السادس عشر، وحتى اللحظة التي تمت فيها تصفية آخر جيب من جيوب المقاومة الوطنية في الشمال والجنوب.
ولا يستغرب المرء بعد ذلك إذا رأى المغرب موزعا إلى شرائح إدارية تمزقه، لتنتزع من مواطنيه ما أمكن من التمسك بالوحدة الوطنية، حتى تتم تنشئة أجيال ربتهم المدارس الاستعمارية على الشعور بذاتية ضيقة ينزوي أصحابها في إقليمية تم إخضاعها لخدمة أهداف تعاكش مصالح أهلها، بطريقة يمكن تدليسها عليهم.
ويدل على هذا الهدف المسميات التي أدخلت قاموس السياسة المغربية مع مطلع الثلاثينات من هذا القرن، والتي تظهر غاية المستعمر القصوى، الرامية إلى غرس ما أمكن من بذور الشقاق والتنافر بين مختلف فصائل الشعب المغربي من طنجة إلى الكويرة، ويمكن ضرب مثل على ذلك من خلال المسميات التالية :
- نظام الحمايات الأجنبية.
- نظام طنجة.
- المنطقة الخليفية.
- الحماية الفرنسية في الوسط.
- الحماية الإسبانية في طرفاية.
- منطقة نفوذ في الساقية الحمراء.
- منطقة مستعمرة في وادي الذهب.
- منطقة شرقية ألحقت بفرنسا الجزائرية.
وغني عن التوضيح ما يمكن أن ينجم عن هذا الوضع الإداري من تناقضات بين مختلف الجهات، وما يتولد عنه من أحقاد تدفن المصالح الاستعمارية جراثيم بذورها من حين لآخر.
فنظام الحمايات الأجنبية أوجد طبقة من سماسرة الضمير، أجروا أنفسهم لخدمة المصالح الأجنبية على حساب أمن بلدهم واستقلاله سياسيا وماليا، فعن طريق تدخل القضاء الأجنبي ليحد من سيادة المحاكم المغربية، وبعمالتهم انفجر نزيف اقتصادي امتص كل الموجودات المالية بالمغرب.
وهذا الإجراء الذي وقع قبل عقد الحماية، تبعه إجراء آخر استخدم كمحاولة لفصل فئة أخرى من المواطنين عن وطنها، وجعلها أداة في يد الدول الأجنبية، وهذه المرة اختير لهذا الهدف سكان مدينة بكاملها هي مدينة طنجة.
ولما تلاحقت الأحداث، وتكالبت الدول الغازية على وطن صمد زهاء ألف سنة في وجه جميع المحاولات الرامية إلى استبعاده، والحد من تحكم العقيدة الإسلامية في أبنائه، وعن طريق تماسك صفوف الدول الغازية في مواجهة جبهة داخلية دب فيها الوهن، وأصبحت تقاسي من تنكر بعض أبنائها، استطاعت المصالح الأجنبية أن تتوصل مؤقتا إلى فرض عقد الحماية على المغرب، لتجعل منه لتمزيق الوحدة الوطنية المغربية، حتى يجد المغاربة أنفسهم بعد الاستقلال ومساحة أرضهم تشكل الأقلية بين أراضي دول المغرب العربي باستثناء تونس، والحال أنه كان يتوفر على أكبر مساحة داخل المجموعة العربية.
ثم أخذت مصالح الاستعمار من مختلف الجنسيات تبث التفرقة، وتدس الدسائس، وتنمي الأحقاد، وتوجه كل شريحة إدارية إلى التفكير في استحداث نواميس اجتماعية خاصة بها، تجعلها متميزة اجتماعيا عن باقي جهات الوطن الأخرى.
وفي خضم هذا التباعد الإداري الرامي إلى نسف ما أمكن من التماسك الوطني روحيا وسياسيا، أدرك المغاربة أن الملك الموحد الشجاع، هو محمد الخامس طيب الله ثراه، وعندها بادروا بإعلان سنة الاحتفال بعيد العرش مجسدين بذلك تمسك جميع المواطنين ببيعتهم الشرعية لإمام المسلمين، وتلك هي الشعيرة الوحيدة التي بقيت بأيديهم آنذاك من شعائر الوحدة الوطنية.
ومن خلال هذا الإجراء الذي طغى جانبه الديني في بادئ الأمر على وسائل الاستخبارات الاستعمارية، توصل المغاربة بفضله من وجود فرصة موحدة تمكنهم من الاجتماعات واللقاءات، وتدارس الأوضاع المحيطة بهم ليقيموا نتيجة نضال سنة، وليعدوا برنامج سنة أخرى.
ومن ذلك التاريخ أصبح عيد العرش المناسبة الوحيدة التي تجمع شمل الأمة وتتيح لها الفرص لبذل مزيد من التضحية من أجل الانعتاق والتحرر.
ومن هنا تبدو أهمية الاحتفال بعيد العرش السعيد، إذ يترجم كفاح أمة، وفرصتها الوحيدة التي مكنتها من الحفاظ على وحدتها ولم شعث أقاليمها رغم الحواجز المصطنعة ووسائل الاستخبارات المدسوسة.
ولعب عيد العرش من بداية الثلاثينات دورا حاسما في الدفع بعجلة الكفاح الوطني إلى المستوى الذي يجعل المغرب مستقلا استقلالا حقيقيا ينمي المواهب، ويستثمر الكفايات، ويحقق المعجزات.
لقد ظل القصر الملكي خلال الثلاثينات والأربعينات مركز اجتماعات الوطنيين، ومصدر توجيهاتهم، بحث كلما استفحل الخلاف بين مصالح المقيم العام، وجماعة من الوطنيين المغاربة، كان محمد الخامس طيب الله ثراه، يحول بين الوطنيين، وبين أية جهة تحاول مسهم بسوء، ولا غرابة إذا وجد المؤرخون الأمر يكتسي لونا آخر، ويعرف ديناميكية جديدة، عندما أصبح المنظر الحقيقي للكفاح الوطني، هو ذلك الأمير الشاب المشبع بثقافة عصره، والمميز بمواهب ما تأتت لأحد من قبله، جمع بين العلوم الإسلامية والقانونية، وصهرته الحضارتان الإسلامية والأوربية ليكون آية إعجازهما، ووسيلة افتخارهما عندما يراد التدليل بعظمة عطائهما للإنسانية، إنه ولي العهد آنذاك، جلالة الملك الحسن الثاني اليوم، فبفضل مؤازرته لوالده، وبعد نظره، وشجاعة مواقفه، وحسن إدراكه لأبعاد أمر عصره، استعاد المغرب دوره في قيادة كفاح القارة الإفريقية، التي كانت آنذاك تغط في نوم عميق حجب بواسطته عنها الاستعمار الأوربي أي أفق يمكن أن ترى منه أبعاد مستقبلها، فإذا استثنينا مصر التي لا ينكر دورها في العمل من أجل استقلال الدول الإفريقية، وجد المغرب نفسه في ساحة يعمل فيها وحده، وهو مطالب بأن يخوض نضالا مسلحا يمكنه من استرجاع سيادته ووحدة جميع أراضيه، كما أنه مطالب أخلاقيا بأن يوجه جيرانه للعمل من أجل الحصول على استقلالهم، وتكريس ذلك الاستقلال لوحدة جميع شعوب القارة الإفريقية، حتى تستثمر خيراتها لصالح كل أبنائها، وحتى تستعيد مكانته اللائقة بها.
وفي جهود العرش العلوي المجيد التي تلت استقلال المغرب مباشرة بقيادة جلالة المغفور لـه محمد الخامس ووارث سره جلالة الملك المعظم الحسن الثاني نصره الله خير دليل على توجهات عمل المغرب آنذاك، فلقد قام محمد الخامس طيب الله ثراه، بوضع التصورات الأولى للطريقة التي يمكن أن ينقذ بها شعبه وأرضه، من نير العبودية والاستعمار شكلا وجوهرا، كما كان واضحا من خلال تقصي مواقفه التاريخية أنه كان هادفا إلى جعل تحرير المغرب ما هو إلا مرحلة أولى من مراحل تحرير مختلف أراضي وشعوب القارة الإفريقية، وكمنطلق لإنقاذ مختلف شعوب وأراضي دول العالم الثالث، ليتم التوازن الفكري والحضاري لعالم أصبح ضحية تجاذب مختلف التيارات العاتية، يترجم هذا الواقع موقف جلالته من قضية الصراع الذي كاد يعصف باستقلال الكونغو في حرب إقليم كاتانكا، ووقفته الشجاعة تجاه عملية القرصنة التي ذهبت ضحيتها حرية زعماء الثورة الجزائرية، إذ ورغم الظروف الصعبة التي كان يمر بها المغرب، وهو يجتاز مرحلة ما بعد الاستقلال وما شابهها من محاولات لعرقلة سير أمور الدولة، لم تكن أيادي دهاقنة الاستعمار منها ببعيدة، برغم ذلك وقف جلالة المغفور لـه محمد الخامس طيب الله ثراه، وولي عهده آنذاك جلالة الملك المعظم الحسن الثاني تلك الوقفة الشجاعة التي جعلت المستعمر يدرك أن الثورة الجزائرية ليست وحدها، وأن المغرب الذي عرف المستعمر صلابة مقاتليه وشجاعة نظامه ووطنيته، يضع كل ثقله في مساندة من يسعى لاستقلال جارته الشعب العربي بالجزائر.
وإن كان لم ينطل على كثير من المغاربة أن أبو مدين وجناحه غلب عليهم الحسد والحقد، ول يستطيعوا إخفاءهما حتى في الفترة التي كانوا يوجدون بها تحت حماية عمالة وجدة، قاعدة المغرب الشرقي، المهم في الأمر هنا هو أن محمد الخامس طيب الله ثراه، وبمساندة ولي عهده آنذاك جلالة الملك الحسن الثاني قد جعلا تحرير القارة الإفريقية هدفا فوق كل اعتبار، ومن هذا المنطلق تبين لـه أنه لا طريقة لجمع الكلمة وتوحيد الرؤية الإفريقية تجاه مشاكل العصر المتنامية، إلا بقيام نوع من العلاقات الجماعية يسمو على الاتصالات الثنائية بين الدول لتنصهر فيه كل الاهتمامات، والتطلعات الإفريقية، فيسهل بالتالي حمايتها من التناحر والحرب والتشذرم، فاهتدى العرش العلوي المجيد إلى الدعوة إلى قيام وحدة ما بين الأقطار الإفريقية، فيدرالية، أو كونفدرالية، أو اتحاد إقليمي يقوم على أساس تنسيق المواقف، ودراسة العلاقات الإفريقية، ثم علاقات الأفارقة ببقية التكتلات الدولية، والمنظمات العالمية أو الجهوية، وفعلا توصل جلالة المغفور لـه محمد الخامس هو وولي عهده إلى إقناع جل رؤساء الدول المستقلة آنذاك إلى عقد مؤتمر بالمغرب، يصدر ميثاقا تأسيسيا ينظم طريقة علاقات الدول الإفريقية في إطار نوع من الوحدة.
ورغم مركبات العظمة التي تحكمت في توجهات وأعمال بعض قادة إفريقيا آنذاك "كما هو الشأن اليوم" فإن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والدكتور نيكروما، وسيكتوري وموديبوكينا، كلهم لم تستقطبهم فكرة تجمعهم تحت سقف بناية واحدة قبل مبادرة جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، في ذلك المؤتمر الرامي إلى تصفية الاستعمار بجميع أشكاله، ونبذ العنصرية وحماية استقلال دول القارة، وبناء وحدة دولها، وجلاء قوة الاحتلال، ومناهضة التدخل في شؤون دول إفريقية الداخلية.
وبعد مرور 26 سنة على هذا النداء الذي وجه للجميع، وبمحضر 6 من أبرز الزعماء الذين عرفهم التاريخ الإفريقي، يجد الإفريقي نفسه مضطرا للسؤال عن مصير هذا النداء الذي تكلم به جلالة محمد الخامس باسم كل رجل وامرأة وطفل إفريقي، لأنه جسد الطموحات الإفريقية.
وبقطع النظر عن الانحرافات التي عرفتها تلك المنظمة بعد ذلك، فإن التاريخ سيبقى شاهدا للمغرب، أنه أول من نظم مؤتمرا إفريقيا لدول القارة المستقلة عبر التاريخ.
لاشك أن المناسبات تكبر بحسب مكانة أصحابها، لذلك فإن عيد العرش إذا كان يعتبر مناسبة يستعيد فيها المغرب أمجاده، ويتذكر ملاحمه، ومفاخره، فإن الكاتب والشاعر، وغيرهما من رجال الفكر، يقف عاجزا عن معرفة الصورة التي يمكن أن يعطيها جلالة الملك الحسن الثاني القائد العظيم، والمخطط الملهم، والعالم العامل والسياسي المتبصر، والملك الشجاع، والداعية المخلص.
لقد جمع شتات أمة، وبنى نهضة شعب.
علم وكافح وبنى وشيد.
إن عصرنا اليوم رغم تضارب مصالح أهله وتشعب علاقات دولة، لا ينسى له أنه أبرز أعظم قائد عرفته الأمة الإسلامية بعد الرسول (صلع) وخلفائه الراشدين، ألا وهو جلالة الملك الحسن الثاني باني السدود ومشيد الجامعات، وموحد البلاد، والساعي إلى توحيد صفوف المسلمين وموجه الأفارقة إلى ما فيه مصلحتهم، والداعي إلى السلم في عظمة تقهر كل وسائل الدمار.
إن كل ما كتب عن الملك العظيم الحسن الثاني ما زال دون مستوى عظمته، فتنوع مظاهر نبوغ شخصيته علما وسلوكا، وممارسة لأخلاقيات حضارية جسدتها جرأة في الإقدام على أصعب المواقف ليجني منها شعبه أعظم النتائج تبرز إجماع شعبنا على إعطاء احتفالات عيد العرش مظهره المتميز.
فاحتفالنا بعيد العرش مناسبة نستعيد فيها صورا من ملاحم بطولات شعبنا، ومرآة تعكس من خلالها لأجيالنا عظمة القائد وعدالة الملك، وعبقرية الموجه.
إنها استعراض لنضالات شعب، وبطولات عظماء، وحكمة مسؤول يترجم احتفاؤنا بعيد عرشه تعلقنا بشخصه، وتفانينا في محبته، إنه عظيم جمع الشمل ووحد الأرض، وأزاح الجهل، واستل شوكة الفقر، وحطم أحلام التوسعيين، وألجم مد المتهورين، فليس بدعا أن يتنامى حبه في أعماق شعبه، ليسمو احتفال أمته بعيد عرشه كل سنة عن تلك التي سبقتها، فالعطاء آخذ في التنوع، ومتميز بالعظمة، ومطبوع باستخراج أحسن النتائج من أعماق المستحيل.
لقد تعلق المغاربة بجلالته وهو أمير صغير، تفاؤلا بحب الدوحة التي انحدر منها، ثم أصبح حبهم لشخصه ينمو ويتأصل، وهم يلاحظون علامات النبوغ تصاحب شخصيته في كل طور من أطوار شبابه، وما إن بلغ سن الرشد، وأخذ زمام المعركة والده المنعم حتى بدأ الكل يدرك أن شبل الأطلس، سيكون أعظم ملك عرفه التاريخ...
وإذا كان جلالة الملك محمد الخامس اعتلى عرش أسلافه المنعمين، والمغرب مقسم إلى تلك الشرائح التي تمت الإشارة إليها أعلاه، فإن جلالة الحسن الثاني اعتلى العرش والمغرب مكبل بنتائج تلك المؤثرات، فلقد وجد القواعد الأجنبية لازالت جاثمة فوق التراب الغربي، ومدينة سيدي إيفني تحت النفوذ الإسباني، والصحراء المغربية تحاك المؤامرات لابتلاعها وفصلها عن وطنها المغرب إلى الأبد، إضافة إلى مشاكل الوضع في موريتانيا، والصحراء الشرقية، وما جر كل ذلك من حمل حاد المغرب، وخصومه الذين لا مبرر لهم في أسباب معاكسة هذا البلد، إلا إذ أدركنا أنهم غاظهم ما توفر عليه من رصيد حضاري خلد شعبه وعرشه في طليعة عظماء المسلمين، ذلك الرصيد الذي طواه الزمن في سجلاته الخالدة، وبخل على أعدائنا اليوم من أن يحسب لهم تاريخيا أي حساب، كل ذلك حملهم على مناهضة المغرب في كل شيء.
هذا هو الحال الذي وجد عليه جلالة الملك الرقعة الوطنية، إضافة إلى اختلاف وجهات نظر كثير من القوات الحية حول المستقبل الذي يحلم كل واحد أن يرى عليه وطنه، وما إن تسلم جلالته مقاليد الحكم حتى جعل حدا لوجود القواعد الأجنبية فوق سائر الجزء المستقل من تراب مملكته السعيدة، وبعد حوار مضن، وجهاد عبقري لا يعرف الملل استرجع مدينة سيدي إيفني.
وليفتح باب تعايش أفضل لكل دول المغرب العربي، اعترف بالوضع القائم في القطر الموريتاني الشقيق حتى يكون التشاور والوفاق هما وسيلتي وحدة نمت بتعاليم الإسلام، وحمتها إرادة سكان تم تفاعلهم الحضاري بطريقة أكثر صلابة من أن تذهب ضحية رسم الحدود المستجدة رعيا لمصالح الدول الكبرى فوق أراضي الدول التي حصلت على استقلالها حديثا.
وليستعيد المغرب مكانته الإسلامية دعا إلى عقد أو قمة إسلامية جمعت كل قادة الدول الإسلامية، وإذا أصبح لمحمد الخامس طيب الله ثراه، أجر وميزة العمل على عقد أول قمة عرفها تاريخ القارة الإفريقية، فلقد أصبح لجلالة وارث سره الملك العظيم الحسن الثاني أجر وميزة عقد أول مؤتمر إسلامي جمع بعد دولة الرسول عليه الصلاة والسلام وخلفائه الراشدين كل أهل الحل والعقد في الأمة الإسلامية، كما قام جلالته بدور فاعل في توجيه القادة العرب إلى نبذ خلافاتهم وتوحيد صفوفهم.
إن عبقرية الحسن الثاني الملك العظيم أسمى من أن يحيط بجوانبها مقال، أو كتاب، أو قصيدة، ولعل طموحاته لشعبه تبرز من خلال ما قاله في خطاب العرش لسنة 1964 ولم يمض على توليه عرش أسلافه سوى ثلاث سنوات، كانت باكورة إنجازاتها إزاحة القواعد الأجنبية كما تم صد العدوان الجزائري على "حامي بيضا"، وتمتيع البلاد بدستور يضم سيرها كدولة  عصرية ويصون قيمها كأمة إسلامية، وقد يترجم ذلك الخطاب الآمال الجسيمة التي بدأت تلوح في أفق طموحات ملك شاب جمع أصالة الماضي وعبقرية وجدة الحاضر، فقال جلالته يوم 3 مارس 1964 :
"والله شهيد على أنني كما قال جدي عليه الصلاة والسلام : اللهم إني لا أسألك نفسي ولا فاطمة ابنتي وإني أسألك أمتي.
والله على ما أقول شهيد ووكيل، اللهم إني لا أسألك نفسي ولا مريم ابنتي، وإني أسألك شعبي، أسألك أن يستقيم، وأسألك لجميع المسؤولين من جميع الإطارات والمستويات أن يخدموا بلادهم ويحبونها ويرأفوا عليها ويحيطوها بقلوبهم من جميع الأخطار التي تهددها".
إن هذه الجملة من ذلك الخطاب الذي جمع صنوف البديع، واستقطب أحسن الكلام واستعرض جميع المشاكل، وسن أحسن الحلول للتغلب عليها، ليجعلنا نقول بأن جلالة الحسن الثاني لم تخلق مواهبه لنفسه، وإنما خلقت تكريسا لخدمة شعبه، الذي لا يريده شعبا مسلما خاملا، ولا شعبا راقيا منحلا، وإنما يريد أن يكون الشعب المغربي والدولة المغربية ذلك الشعب المسلم الحر الديمقراطي الراقي، الذي يتمسك بتعاليم الإسلام جوهرا، ويتسامى عن الأفكار المتحجرة التي جعلت البعض يقوقع الإسلام في دائرة الخمول، والاكتفاء بتأدية الشعائر بعيد عن الأهداف العليا للإسلام التي تدعو للعمل وتنبذ الكسل والانحراف والتزمت، فقال جلالته في نفس ذلك الخطاب :
"وإن في تعاليم الإسلام الحنيف، وهدي القرآن الكريم ما يملأ النفوس فضيلة والمحجة نورا، فلنخلص العمل لربنا، ولنتمسك بتعاليم ديننا، وتقاليد قوميتنا تتحقق لنا الآمال وتثمر الأعمال وتحالفنا السعادة في الحال والمآل".
هذه النظرة الإسلامية التي أراد جلالته أن يطبع بها عمل شعبه وسلوك دولته.
فهو يسأل الله لشعبه قبل نفسه، وقبل أبنائه، ولكن في ذلك الابتهال إلى الله لا ينسى واجبه كملم عصري يسعى لتطوير دولته، وتثقيفها.
يسأل الله أن يستقيم الشعب، لأن ظلم الشعوب وخروج أبنائها عن الاستقامة السياسية والدينية مؤذن يزاولها، وتواكلها وخراب قيمها، ونسف أخلاقها، قال أمير الشعراء أحمد شوقي :
وإنمــا الأمــم الأخــلاق ما بقيـت     وإن هـم ذهبـت أخـلاقهـم ذهبــوا    
فإذا استقام المسؤولون حسب التوجيه الملكي السامي سيستقيم الشعب حتما، لأن المواطن إذا قدم على مسؤول مؤمنا بأن حاجته لن تقضى على حساب آخر، لا على حساب وقته، ولا على حساب ماله، وحتى معنويته، فسيشيع الاطمئنان وتركن نفوس الجميع إلى الهدوء، واحترام مرافق الدولة، ليمنحها الجميع ثقتهم، وليصنفوها فيما لم تستطع أن تحقق من حاجاتهم.
ومن الاستقامة التي دعا إليها أيده الله ونصره نزاهة الضمير، وسلامة الطوية، وتسيير مرافق الدولة بعيدا عن الحساسيات الشخصية جهويا أو سلاليا، أو حزبيا، فكل من استخدم الإدارة بعيدا عن الاستقامة، فقد خالف أمر الله عند قوله : <<يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم >> فصاحب أمرنا نحن المغاربة جلالة الملك الحسن الثاني، أدى الأمانة وبلغ ما تدعو إليه رسالة جده، واستنكر المنكر ووضح الحق ورسم طريق العدل، تحدى التصرفات الطائشة بقوة القائد المدرك لعدالة موقفه، والقانوني الواعي بشرعية ملفه، وذلك في قضية استرجاع صحرائنا من براثين الاستعمار ظن أنه وضع اللمسات الأخيرة على لعبة ابتلاعها إلى الأبد، وكم حاول غلاته جر المغرب إلى مواجهة، تجعل المنطقة تغرق في حرب، سرعان ما يجد الكبار أنها بين طرف عربي ومسلم، وبين صليبي مسيحي، فينجذبون كما هي العادة إلى مناصرة الأخير على الأول، وخلق كل المبررات التي تذهب بقداسة الحق في خضم فورة الباطل.
وتحدي جلالة الحسن الثاني من منطلق القوة الفكرية والشجاعة الحربية التي تكيف وسائل الدمار مع أسلوب الإقناع، حتى تم التوصل إلى الحق المغربي مع تجنب المواطنين أفدح الخسائر، وإن كانوا على استعداد لبذل كل تضحية من أجل استرجاع الحق، إلا أن هذر الإمكانيات في أنهار الدم ميزة من مميزات المتوحشين، ومن خلال التحدي العبقري النادر والذي لم يتوفر في هذا القرن على الإطلاق لقائد أو ملك على المستوى الذي حيي به جلالة الملك الحسن الثاني، فإنه تحدى أيضا مخاتلات الجزائر ومراوغاتها مع الجيش الإسباني من أجل تقاسم المصالح في الصحراء وتفويت سيادة المغرب اللاصقة بكل حبة رمل من رمالها، بمحاولة جره إلى مواجهة عسكرية تستخدم فيها قوات الطرفين، بعد أن فشلت حججهم القانونية أمام محكمة العدل الدولية، ففاجأهم بمعجزة الزمن السياسية المسيرة الخضراء، التي ستبقى معلمة نادرة في تاريخ كفاح الشعوب، وتخطيط العباقرة وتوجيهات الملوك، وقيادة الأبطال.
وبهذا فإن جلالة الملك الحسن الثاني أعظم من وصف القلم، وأجل من حجم العبارات، فكلما مضت السنون وتجددت الذكريات إلا وبدت في مفاخره مستجدات تتحدى الزمن حاملة قصة تاريخ أمة وعظمة قائد، وكفاح شعب يسعى لإدراك المثل لعليا، فتأتي المنجزات حاملة شموخ الإنجاز وبعد الطموح، تجسد مسيرة أمة استطاعت بفضل عبقرية المخطط والموجه، أن تصل إلى أكبر من حجمها في مجرى الأحداث الدولية في عالم أصبحت مكانة الدول فيه تقاس بحسب الرصيد المادي الذي جادت به الأرض أو تحصل من لمجهود الصناعي، إلا أن رصيد المغرب تجلى فوق كل ذلك أنه فكر جلالة الملك الثاني، فرغم ما نثر في طريقة مسيرة نهضته العمرانية والحضارية والديمقراطية من أشواك، وما زرع في درب نضاله من ألغام، فإن الإنجاز أتى وفق الآمال.
وها هي استعراضات المنجزات بمناسبة عيد العرش، وها هو التلاحم الشعبي يعكس الدول الذي لعبه احتفال الأمة بعيد توليه قائدها، تلك الملاحم التي خاضتها وانتصرت فيها بقيادة عرش منحته أريكة حب في أعماق القلوب، وبادلها بذلك جهدا لا يعرف الملل وعزما لا يعرف الكلل، حتى تمت الوحدة وتحققت الديمقراطية، وصينت العقيدة، وقوم التفكير، وحورب الجهل والفقر والمرض، بدل محاربة الإخوة، فليدم جلالة الملك أعظم ملك عرفه التاريخ، ولتدم الوحدة الوطنية، يشكل عيد العرش التذكير بمفاخرها والتباهي بمنجزاتها، في ظل أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني محفوفا بولي عهده الأمير الجليل سيدي محمد وصنوه السعيد مولاي رشيد وجميع أفراد أسرته الكريمة بفضل الله وعونه، إنه سميع مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here