islamaumaroc

من أعلام العلماء على عهد المولى سيد محمد بن عبد الرحمن والمولى الحسن الأول محمد الأمير الشنكيطي.

  حسن جلاب

العدد 263 رجب 1407- مارس 1987

تقديم :
عرف المغرب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر نشاطا علميا متميزا، أذكى جذوته السلطانان مولاي محمد بن عبد الرحمن والمولى الحسن الأول بجهودهما المشهورة في تشجيع العلماء وحثهم على الابتكار والإبداع في كافة مجالات المعرفة، واتجهت همتهما إلى التفتح على العلوم والمعارف الحديثة. فكانا يجهزان البعثات الطلابية ويعدانها للتزود بما كانت تزخر به الدول الأوربية من صناعات وعلوم، ليبقى المغرب كما كان بلد حضارة وتقدم. ولإعداد المغاربة لاستقبال القرن العشرين أحسن استقبال.
وقد نبغ عدد من العلماء والأدباء خلال هذا العصر من مختلف مدن المغرب ومناطقه أمثال : محمد أكنسوس المراكشي، وأحمد بن المواز، وأبو العباس أحمد بن الحاج، ومحمد المدني كنون، وعبد بن محمد العلمي الطبيب الفلكي، وأحمد بن خالد الناصري المؤرخ...
وقد برز من علماء الصحراء وأدبائها : مترجمنا، الذي تخصص له هذه المقالة.

التعريف به :

هو محمد بن عبد الله الحجاجي الجعفري الصحراوي، أصله من شنجيط، قدم في شبابه إلى مراكش، وقضى بها زهاء أربعين سنة، فاستقر بدرب مولاي عبد القادر الجيلالي بحي ضباشي،1 وقد حدد سنة أربعة وخمسين ومائتين وألف تاريخا لذلك في كتابه "مقدمة الارتجال" في حين ذكر صاحب الإعلام أنه قدمها بإشارة من شيخه سيدي قدور العلمي سنة ست وخمسين ومائتين وألف.2
وكان له ابن اسمه عبد الوهاب ظهرت نجابته، وتوفي في محرم من سنة واحد وتسعين ومائتين وألف بمكناس فرثاه بقصيدة مطلعها:
جفنـي همـى بعقيـق الدمـع بـاكيـه     علـى الغريـب الـذي غابـت بواكيـه
قيل في وصف الأمين الصحراوي : صفته أسمر، كث اللحية، ضعيف الجسم، ربعة للطول، معتدل الأعضاء، حسن الثياب، ذو هيبة.3
أخذ عن عمر بن المكي الشرقاوي البوجعدي الذي أجازه إجازة عامة سنة تسع وخمسين ومائتين وألف. وعن محمد بن عبد الودود الحاجي، الذي رثاه بعد وفاته بقصيدة منها :
قـل لمـن غـاب عنـه سيـر سناهـا        لــذكـاء يبـيـد فـهـم البـليـد
لا يشـيـن البـديــع غـض بلـيـد           ليـس يـدري بـديـع شعـر لبيـد
تصدر لتدريس بمدينة مراكش وكان له ولوع بالأدب واطلاع على التاريخ وشغف باللغة.4
وكانت له وجاهة عند السلاطين والولاة، فقد كانت لسيدي محمد بن عبد الرحمن محبة كبيرة فيه مذ كان وليا للعهد، وقربه أثناء حكمه، وكان يصله بالعطايا الوافرة، وكذا الشأن مع ابنه المولى الحسن الذي أجاره على كتابه "مقدمة الارتجال" بذهب كثير.
كما كانت له علاقة حميمة بالوزراء : العربي بن المختار الجامعي، وعلي المسفيوي، وموسى بن أحمد.
وتبدو مكانته فيما لقيه من ترحيب وإجلال خلال رحلاته الطويلة عبر بعض المدن المغربية، فقد كان ولاتها وقوادها يتلقونه بحفاوة بالغة، ويستدعون العلماء والصوفية لمجالسته : فقد نزل في الرباط عند القائد عبد السلام السوسي، ولقي عنده العلامة محمد دينيا، والمكي ابن عمرو الرباطي وغيرهما.
واجتاز إلى سلا لزيارة ضريح أحمد بن عاشر ونزل عند الفقيه العربي بن سعيد.
وفي دكالة حل بدار القائد محمد بن الكامل، ولقي بها العلامة الصوفي عمر بن سودة سنة أربع وثمانين ومائتين وألف.
ونزل بفاس عند صديقه الفقيه الأديب عبد الله بن أحمد باشا المدينة، وكانت مناسبة للتردد على مجالس العلم بالقرويين والتذاكر مع علمائها، من أمثال إدريس بن عبد الهادي العلوي، والكامل الأمراني، وصالح التادلي، ومحمد وعبد الملك العلويين، والعلامة محمد كنون، وأحمد بن سودة، وابن عمه محمد بن عبد الواحد، وجعفر الكتاني، وعبد الله بن إدريس البكراوي، والخطيب علال الفاسي، والفقيه الكاتب محمد الصنهاجي، والفقيه محمد السباعي، والأديب الكاتب عبد الواحد بن المواز.
وفي مكناس اعتنى به الفقيه محمد بن العربي الجامعي، والمقدم الجيلالي الرحالي، والفقيه المختار بن عبد الله بن أحمد. وتلاقى مع قاضي المدينة فضول بن عزوز، وزار شيخه سيدي عبد القادر العلمي الشاعر.
وضاف على أضرحة أولياء المدينة.5
وكانت طريقته – كأغلب الصحراويين – مختارية، إلا أنه بعد حلوله بمراكش أخذ يلازم الزاوية القادرية بضباشي.
وكان له إيمان راسخ بالأولياء، ومحبة فيهم، واعتقاد ببركتهم وزهد عام في الدنيا، يتجلى ذلك في :
- في ولعه في زيارتهم خلال رحلته الطويلة.
- ولجوئه إلى أضرحة مدينة مراكش (وخاصة ضريح الإمام الجزولي) عندما يلم به أي خطب.
- كثرة ما يرويه من أخبار الصوفية، وقطب الزمان...
- انعكس هذا الاهتمام على آثاره : فقد كان أغلب شعره في مدح الرسول وكانت مؤلفاته في الطريقة الصوفية وزيارة الأولياء.
توفي محمد الأمين الصحراوي سنة ست وتسعين ومائتين وألف. ودفن برباط عبد القادر الجيلالي بضباشـي6.

شـعــره :

يضم كتابه "المجد الطارف والتالد" أغلب شعره، ويمكن تقسيمه إلى صنفين :
الصنف الأول : قصائد في مدح السلاطين الجليلين وأفراد أسرتهما الكريمة والتنويه بأعمالهما وجهودهما في خدمة الوطن، ونشر العلم والثقافة، ومدح وزراء وخدام دولتيهما، أهمها :
- أرجوزته في نسب العلويين، استهلها بالحديث عن المولى الحسن :
إمامنـا الحسـن الأسـمـى الأحـمـدي     نـجـل الإمـام سـيـدي  محـمــد
نجـل الإمـام عـابـد  الـرحـمــان        نـجـل هـشـام العـفـو والأمــان
نجـل الإمـام سـيـــدي  مـحـمـد         هو ابـن عبـد اللـه الأعلـى الأمجـد
هو ابـن إسمـاعيـل نجـل               المـهتـدى محمـد نـجـل عـلـي الـســـؤدد
نـجـد مـحـمـد و ذا نـجـل              عـلـي زيـن الشمـائـل الشـريـف  الأمثـل
أبـوه يـوسـف أبــو هـذا               المنـيـف مـولانـا الأشـهـر علـي الشـريـف
نجـل الإمـام حـســن بـن              الأسـمـا مـحمــد بـن الـحـسـن الـسـمـا
بـالـقـادم ابــن دعــي بلقـاســم         نجـل محمــد بـن ذي الـمـكــارم
الـحـســن الـمـبـجــــل الأواه          نجـل الشـريـف النـدب عبـد اللــه
ابـن أبــي محمــد بــن  عـرفـة       مـن لـم تـزل أوصـافـه معـرفــة
نجـل الشـريـف الحسـن بـن الحسـن  نجـل أبـي بكـر بـن نجـل الحســن
وهـو علـي والحســن بـن أحـمــد     هو ابـن إسماعيـل ذي العـرف النـدي
أبـوه قـاسـم بـن شـامـي المنيـــة      محمــد مــن نفــس زكـيــــة
هـو ابـن عبـد اللـه نجـل  الحـسـن    مـن بالمثـنـا شـاع بيــن الـزمـن
نجـل الشريـف الحسـن السبـط       الإمـام نجـل علـي زيـن الأئمـة العـظــام
زوج الـبـتـول فـاطــم الـزهــراء     بنـت الـرسـول  نــور كـــل راء
صلـى علـيـه ربـنــا و سـلـمــا        وآلــه وكــل مـن لــه انـتـمـا7

قصيدته في مدح محمد بن عبد الرحمن خمس فيها قصيدة مطلعها :
ليـس الفـتـى بفـتـى لا يستضـاء بـه   و لا تكــون لـه فـي الأرض آثــار

بعدما أشار عليه السلطان بذلك بواسطة الوزير موسى منها :
يا طلعـة البـدر حسنــا فـي           كواكبـه وطالـع السعـد فـي نـادي مـواكبـه
بسـط البسيطـة وهــب مـن           مواهبـه تجـري ركائبهـا مجـرى سحـائبــه
                          يجود جودا له بالبذل إكثار
إمـامنـا العـلـوي فــي مــراتبــه قـد فـاق للمشتـري الـدري وكـاتبـه
نصـر مـن اللـه فـي لـوا كتـائبـه     وأصبـح الفتـح بعضـا مـن مراكبـه
                          سيف من اله للعـداة بتـار
أحيــا بـألــن بنـيـان  عجـائبـه        منـاثـرا كـان منـهـا للـرجـاء  به
كمـال حسـن فيثـنـي عـن  غرائبـه   لسـان شكـر يبقـي ذكـر  صـاحبـه
                          فكيف يدريـه نظام ونثـار
نعـم الهاشمـي الفتـى مـدي رغائبـه  كفـاه قــد كفتـا فضــلا لـراغبـه
وشفـتـا شـفـتـي راجـي أطـايبـه     وبـالـوفـا وفـتـا ومـن مـذاهـبـه
                          حيـا وحلم وإغضاء وإيثار
آثـاره شـهـدت عـلـى منـاصـبـه  وقـد أضـاء الـورى أضـوا محاربـه
وأنشـدتـنـا الأمـالـي مـن منـاقبـه  ليـس الفتـى بفتـى لا يستـضـاء بـه
                          ولا تكون له في الأرض آثار8
ومما جاء في قصيدة له رثى بها السلطان المولى سيدي محمد بن عبد الرحمن :
حيـت ضـريحـك نسـمـة الـرحمـان     وسقـى ثـراه سحـائـب الـرضـوان
يـا روضـة فـيـك الإمــام               محمــد فتحـت لـك الجنـة  مـن رضــوان
بشـرى ضممـت لميـت الرضـوان     من بحيـاتـه عــاش  فــي رضــوان
إلى أن يقول :
يـوم الخميـس أسـا و مـا يـوم الخميـ    ـس تزلزلـت  لمصـابـه  الثـقـلان
وانهـد ركـن الـديــن بعـد مـؤيــد ديـن   النبــي بسيــف وسـنـــان
و حيـث لـه الجـنـات مـن اثنـائـنـا       خيـرا بشكـر النثـر والقـصـــدان9
ونظم سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف قصيدة في تهنئة مولاي عثمان بقدوم أخيه مولاي الحسن بقصيدة أعجبته غاية الإعجاب منها :
 زارت بطلعـتـهـا الحسـنـاء وسنـنـا      بسـامـة بنضيـد الـدر أسنـانـــا
كأنمـا الشمـس شـيء مـن  محـاسنهـا    والبـدر تحسـبـه رقـا لهـا كـانـا
باللـه يـا طلعـة الإشــراق هل  قمـرا     قـد كنـت أو كنـت قد خلقت إنسانـا
مـولاي سـيـدنا عثـمـان نخبـة أبــ        ـنـاء الهاشمي أسنى الناس  رجحانـا
يهنيــك شهـر صيـامــك وعيـدكـم        مبـارك حزت من مـولاك  رضوانـا
نعـم ويهنيــك إن جـاء البشيــر           بمـا قرت بـه العيـن مـن قـدوم مولانـا
أيــده اللـه قــد لاحــت  بشـائـره          فـي بسـط وجهـك للأنـام إعـلانـا
ذاك الشـريـف الـذي أوطـان معـربنـا    غـدت بـه لغريـب الـدار أوطـانـا
تــاج السلاطيـن من عـرب ومن عجـم   أخـوك مـن خـاره اللـه  سلطـانـا
الحسـن الاســم والأفعــال  سـيـدنـا       مـن فـي سياستـه قد فاق  ساسـانـا10
وله في وصف دار الوزير موسى بن أحمد بروض الزيتون من مراكش :
يــا دار مـولانـا الـوزيـر  الأنـفـس        تفـديـه مـن بـؤس جميـع الأنفـس
يهنـيـك يـا دار الحـجـابـة ســـؤدد         مـن سـاكنـك الفـاضليـن الـروس
دار للـمـجــد أسـسـت ومـكــارم           وفخــار عـز بـالإلـه  مــؤسس
أصبـحت زهـراء الرياض بروضـة الـ    ــالزيتون أو كالشمـس بين الخنـس

ذيلها بمدح الوزير والتنويه بأخلاقه وشيمه :
ذاك المبجـل سيـدي مــوسـى أبــي       عمـران مـن بعنايـة المولـى كسـي
نـدب يـواســي فـي الإلـه  عبيــده        وقد ائتسـي بأبيـه قبـل فـلا يـسـي
حـركـاتـه فـي اللـه مــع سكنـاتـه         بمحاسـن أحسـن بهـا مـن ملـبـس
هـي الشمــائــل لـيــن الطبيـعـة          فكـأنمـا أخـلاقـه مـن  سـنــدس
بتـواضــع وبشـاشــة،  يتـبـســم          وطلاقـة الـوجـه الـوجيـه لجلـس11

وكان ميالا إلى ارتجال الشعر، ومعارضة القصائد، وتخميسها، فقد سبقت الإشارة إلى تخميس بيت (ليس الفتى بفتى لا يستضاء به...) في مدحه للسلطان، وقد عرض عليه محمد الشاهد الفاسي وهما بدار الكاتب الوزير علي المسفيوي بمراكش أن يخمس بيتين من قصيدة سينية، فأجابه على الفور قائلا :
إننــي قـد ضقــت ذرعــا  بـبـذي       أو حـسـود ذي لـســان  أحــوذي
فـأنادي بـأولى الـعـرف الـشـذي      (يا بني الـزهراء والنور الذي ظن موسى أننه قبـس)
قـسـمــا بـاللــه مــن نـاداكــم           أهـل بـيـت عظـمـت أنـــداكـم
وبـنـار أحــرقــت أعـــداءكــم       (لا أوالي الـدهـر مـن عـادكم إنه آخر سطر من عبس)12
وإلى جانب هذا الميل، إلى الارتجال، كان لـه ولع بالصنعة، والاحتفال بالألفاظ فقد نظم قصيدتين طويلتين في لزوم ما يلزم.
أولاهما في المدح النبوي ذيلها بمدح السلطان المولى سيدي محمد بن عبد الرحمن.
والثانية في ختم البخاري13.
وله في هذا الاتجاه أبيات في مدح حاضرة فاس أولها :
قـد حـاز فـاس مـزايـا الخيـر ساكنه    حتـى الأحابـيـش منهــم وزرزايـه14
فـزر أهـالـيـه حـتـى  زرازرهــم      وإن رسمـت اسـم زراري فـزد  زايه
...وقد عرضها على طلبة فاس ومكناس، فعجزوا عن إضافة أبيات لها وإجازتها (من جهة هذا اللزوم في القافية، إذ ليس له مثال من كلام العرب).15

الصنف الثاني : قصائد في المدح النبوي والتوسل بأولياء المشرق والمغرب، فقد تضافرت أسباب وشروط جعلت الأدب العلوي يطبع بهذا الطابع الديني التوسلي.
فمن مطولاته في مدح الرسول والتوسل به، قصيدة في حوالي مائة وأربعين بيتا، نظمها سنة تسع وثمانين ومائتين وألف، منها :
قـد بـان مـذ بـان أعمامـي وأخوالـي        عنـي تقلـب أعمـالـي وأحـوالـي
أبيـت ليـلــي مسهـد الجفـون و قـد          نبـى بي الوطـن النائـي عن أهـال
ولـم أذق لـذة الكـرى من الكـرب الـ        تـي يـذيـب بهـا بلبالهـا بـالـي
إلى أن يقول :
هـو المخلـص فـي دنـيـا وآخــرة           مـن العـذاب ومـن ذنـب وبلبـال
المصطفـى قبضـة الـرحمـن وصفوته     في كـل حضـرة إطـلاق و تمثـال
المصطفــى الــدرة الـتـي هـي لا          هـوت الجمـال و ناسـوت الإيصال
واستعرض بعد ذلك المعجزات والأوصاف والشمائل النبوية... وختمها بالتوسل :
فاذكـر عبيـدكـم الأميـن بيـن يـدي         مـولاي يمحـو لآثامـي وأثقـالـي
أقـول يـا سيـد الأرسـال أنـت لهـا         فمـا سـواك لهـا يا خيـر إرسـال
يـا رب هـب لي شكر المصطفى كرما    ما تـم الفعـل مـن بـرور أقـوال16
وقال عند قبر الرسول قصيدة مطلعها :
أهـاج الهـوى طيـف الخريـدة للنهى       فبات النهـى مثل المـزرج إذ دهـى
مما قاله منها في مدح الرسول :
ألا يـا رسـول اللـه يا خير مـن أتى       نوالــه راج فـوق وجنـاء بمتهـى
ويـا خيـر من قيلـت عليـه قصائـد        و يا خير من أعطـى الجزيـل لمـده
أتيتــك مـن بعـد لنـيـل مـآربـي           قطعت لها الإسهـاب في كـل مهمـه
عسـاي أنـال الـفـوز طـه بمدحكـم        وأنظر يوم الحشر في وجهـك البهـي17
ومن أطول قصائده وأحسنها القصيدة المنفرجية التي تقع في زهاء ثلاثين وأربعمائة بيت، قال بأنه يجد لقراءتها بركة، فأهدى نسخة منها للسلطان أولها :
صـل يـا رب علـى نـور  الـهـدى        كاشـف الكـرب ومفتـاح الـفـرج
وسـلام فـاح بالمـســـك عـلــى  قبـر     مســك ضمـه سامـي الأرج
قـف علـى ربـع حمـى الحـي  وعج      أيهـا البـرق المجـاري و انـعـرج18
إلخ....
وقال في الفرح بالمولد النبوي مطولة نكتفي بذكر مطلعها :
أهـلا وسهـلا بشهـر سيـد الـرسـل        روح الوجـود وعـن العـالـم الأزل19
ومن تخميساته المبتكرة في مدح الرسول :
بـشــرى بطـالــع الـســـرور              بشــرى بسـيــد الـبــــدور
بشـــرى أتــى شهــر الـبـرور            فـتــــــوح خـيـــره درور
                          بالنفحـات الهمـل
يــا مـــولـــد أبـــرزهــا                  ديــن الإلـــــه وازدهــــا
وســـرنـــا بـــه  ازدهـــا                بــوده لــمـــــا دهــــا
                    في فضله والفضل20
ومن لزومياته في ختم صحيح البخاري، المذيلة بمدح المولى محمد بن عبد الرحمن :
حـذا حـاذي حـديــث مـن حــذام       فدمعـي مـرسـل قد سـح دامــي
فيـا حــاذي أدر بـيـن الـنـدامــا        حديثهـم الـذي عـنـدي  مـــدام
قال منها في مدح المولى محمد :
شـريـف بـن شـريـف مـن شريـف    تسلسـل مجـده العـالـي الـتــام
إمـامـتـه مكـمـلـة شــروطـــا          بشـرع نبينــا و علـى التـمــام
ليهنيــك اختـتــامـك  للبـخــاري       بشهـر الصـوم يـا حسـن  اختتـام21
ومن غرر لزومياته، قصيدة في مدح الرسول، استهلها بالغزل وذيلها بمدح السلطان المذكور، منها :
ركـائـب الشـوق للحجـاز  أجـراهـا      أناشـد الركـب باسـم اللـه  مجراها
والـركـب قـد يممـت نجـدا  ركائبـه      تنهـل صغـرى دموعـه و  كبراهـا
فبـاب طيبـة دار المصطفـى العربــي    خيــر البريـة أولاهـا و أخـراهـا
هـو النبـي الحجـازي الـذي افتخـرت    بجاهـه مصـر الحمـرا وحمـراهـا
فخـر النبيئيـن تــاج المرسلين و مـن    بالزهد لم يـرض بيضاهـا وصفراهـا
هـو الإمـام أميـر المـؤمنيــن  لنـا        رحمـا من اللـه قـد عمـت بشراهـا
تـاج السلاطيـن في الإسـلام  أجدرهـم   طـرا بأمــداح قصـدان وأطـراهـا
ضـاء المسـاجـد في قـرى وفي مـدن    تزهـو وتـزهـر بالقـرآن قـراهــا
جـارى لأسلافـه الأشـراف فـي سيـر    شريفـة نـاف خيـره حين جــاراهـا22
وإلى جانب الأمداح النبوية للأمين الصحراوي قصائد في مدح الأولياء، من المشرق والمغرب، فقد قال في التوسل بالشيخ عبد القادر الجيلاني مؤسس الطريقة القادرية :
لـذ بالمغيـث مـن الـزمـان الـفـان        بالغـوث فـي عـلـم وفـي عـرفـان
العـارف القطـب ابـن طــه              أحمـد  الطـاهـر العـلامــة الــربـــان
الـركـن الأعظـم عنـد كـل عظيمـة     و ملمـة مــن عـالـم الـحـدثــان
فـإذا رمتـك مـن الحـوادث نـكـبـة      شـاب الرضـيـع بشـرهـا  الفـتـان
فكـل الأمـور إلـى الإلــه و أهـلـه      واحمـد لـه بالهيـكـل الصـمــد أن
شيـخ الـهـدى مـن للجهالـة قد جلـى    مولانـا عبـد القــادر الجيــلانــي
وقد وصله عليها السلطان المولى عبد الرحمن والقائد عبد الله الجيجي صلة نسبة.23
وله في مدح المولى إدريس تاج مدينة فاس قصيدتان، مما جاء في الأولى :
مـولانـا إدريـس مـن للغـرب مفتـاح    ومـن لكـل فتـوح الخيـر فـتـــاح
مـولانـا إدريـس مـن لاحـت بشائـره    بسـره، والـورى يـسـره بـاحـــو24
ومما ورد في الثانية :
زر قبـر نـور بنـور اللـه مـحـروس    وروضـة من ريـاض القـدس مغروس
زره وحــط بــه الأوزار تـفـز          بمـا أملتـه فـالإمــــداد مـبـجــوس25
وكانت لـه صحبة خاصة برجالات مراكش كما أسلفنا، يزورهم كثيرا، ولاسيما الجزولي والغزواني ومنهـم، وله فيهم قصيدة طويلة تشتمل على حوالي ثمانين بيتا مطلعها :
كرامـات أهل اللـه في المسنـد الثبـت  عن اللـه والرسـل الكرام على البـت26 
بهذه القصائد والمعارضات الشعرية يعد محمد الأمين الصحراوي الشنجيطي أحد شعراء القرن التاسع عشر من أمثال محمد بن إدريس، وابنه إدريس بن محمد العمراوي، وأكنوس... وغيرهم من رواد النهضة الشعرية الحديثة. إلا أن شاعرنا لقي من الإهمال والنسيان ما جعل الباحثين والكتاب يغفلون ذكره، ويهضمون حقه.27 
وقد كان من أهداف هذه المقالة التعريف به ووضعه في مكانه المناسب، على أن نعود في فرصة مقبلة إلى تحليل شعره الغزير ودراسته على انفراد، وقد سمحنا لنفسنا بالإكثار من الأمثلة وإطالتها مادام هذا الشعر ينشر في أغلبه لأول مرة.

مـؤلفـاتـه :
ذكر له صاحب "دليل مؤرخ المغرب الأقصى"28 المؤلفات التالية :
- النهج المختار، والكوثر المدرار، في مناقب الشيخ وأشياخه الأبرار.
وهو في التعريف بالشيخ المختار الكنتي، شيخ الطريقة المختارية الكنتية.
- مقدمة الارتجال في مشاهير سبعة رجال، كان بمثابة مقدمة لكتاب الارتجال.
- الارتجال في مناقب ومشاهير سبعة رجال، ومن اشتهر في مراكش أو دخلها من مشاهير صلحاء الرجال.
- المجد الطارف والتالد على أسئلة الناصري سيدي أحد بن خالد.
رد فيه على أسئلة بعث بها إليها المؤرخ في رسالة تحت عنوان : "رسالة في تحقيق أمر سبعة رجال دفناء مراكش".29
- ونسب لـه محمد بن محمد المؤقت المراكشي كتاب تحت عنوان : "تأليف في ضجيعي أب العباس السبتي" 30
والملاحظ أن كل من مؤلفاته تدور حول موضوع التصوف ومناقب الأولياء، وهو الموضوع الذي استأثر باهتمام الشعراء والكتاب والمؤلفين على السواء في هذا العصر.
ووصلنا تأليفان فقط من مؤلفات الصحراوي هما :
1-  مقدمة الارتجال في مشاهير سبعة رجال31 :
عزم محمد الأمين الصحراوي على تأليف كتاب في مناقب سبعة رجال مراكش والتعريف بمن اشتهر فيها أو دخلها من مشاهير صلحاء الرجال، إلا أن الظروف لم تسعفه، فاكتفى بكتابة مقدمة الكتاب، ويوجد ضمن مخطوطات الخزانة الحسنية بالرباط.32
يقع في أزيد من ثمانين ومائتي صفحة. أله سنة اثنتين وتسعين ومائتين وألف، وكان ذلك بطلب من أحد أصدقائه (قد طلب مني من لا يسعني إلا مساعدته لا مخالفته... مجموعا في وفيات رجال هذه الحضرة المراكشية... فامتثلت أمره).
ويبدو من العنوان الذي وضعه لمؤلفه، أنه لم يكن الاكتفاء بذكر سبعة رجال، وإنما التعريف بكل من دخلها من الإعلام (... سواء كان مقامهم فيها أو في غيرها)33.
وهذا ومطمح كبير يتطلب تنفيذه المجلدات، ولعل هذا ما يفسر طول مقدماته.
وقد تمكن عباس بن إبراهيم المراكشي من تنفيذ بعض هذا المشروع فيما بعد في كتابه : الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام.
وقال المؤلف عن مقدمات كتابه (وقد قدمت أمام المقصود مقدمات تتضمن فوائد لا غنى عنها : في فضل العلم وأهله، وبعض ما فتح الله علي من فنونه... وختمت المقدمات بمقدمة هي خاتمة مسك المقدمات ي نسب سيد البشر وبعض سيرته وخلفائه ومن دخل المغرب من الصحابة... وبدأت قبل شروعي في تراجم الأولياء بتاج مرق أولياء المغرب المولى إدريس).
وهذه المقدمات هي :
- الأولى، في بيان معنى التاريخ.
- الثاني، في السبب الباعث على التأليف.
- الثالثة، في ذكر الآيات والأخبار والآثار والأشعار الواردة في فضل العلم والتعليم.
والمقدمة الثانية هي أهم المقدمات لأنها تلقي الأضواء على حياة المؤلف، وعلاقته بالسلاطين المولى محمد وابنه المولى الحسن وبوزرائهما وعلماء دولتهما، وجولاته داخل المغرب، واتصالاته برجالاته، ورحلته إلى الحج عبر مصر، واتصاله بعلماء المشرق مما لا يوجد في غير هذا الكتاب.
أما البواعث على التأليف في هذا الموضوع، فهي :
1- ما كان يسمعه منذ صغره عن بعض أفراد أسرته من ذكر لسبعة رجال مراكش وأخبارهم، فاهتم في كبره بموضوعهم.
2- الإكثار من ذكر الصالحين وأهل الخير ورواية طرف من أحوالهم.
3- أن ينتفع به أفراد الأمة المحمدية.
4- التفكر والاعتبار بأحوال السلف الصالح، واتفاقهم على الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.
5- في فضل التواليف والكتب، وذكر طرف من فوائدها.
كتب هذه المقدمات في حوالي السنة. ذلك أنه ذكر سنة ثلاثة وتسعين ومائتين وألف في بداية الفصل الأول منها، وعرض على الناس في مستهل سنة أربع وتسعين ومائتين وألف.
وكان الناصري من العلماء الذين قرظوا الكتاب، وطرح أسئلة حول سبعة رجال، طلب منه الإجابة عنها في مؤلفه "الارتجال" أو تخصيص مؤلف لذلك، ففضل الأمين الصحراوي الاقتراح الثاني، وخصص كتابه "المجد الطارف والتالد" للجواب. 
ويبدو أن ما كان يعتزم قوله في الارتجال د وجد في "المجد الطارف" فأصبح إتمامه من النوافل، هذا مع العلم أن الزمن الفاصل بين الفراغ من تأليف "المجد الطارف" ووفاة الصحراوي كان قصيرا، ولا يكفي لتنفيذ مشروع كالذي وضعه المؤلف، والذي سينجزه عباس بن إبراهيم المراكشي في عدة عقود.
قدم الصحراوي هذا الكتاب للمولى الحسن الأول فأجازه عليه بذهب كثير، وزعه المؤلف على الفقراء والمحتاجين لما اشتهر به من زهد في الدنيا، وإعرض عن متاعها. وقرظه من علماء العصر :
- عبد الرحمن الشرقي.
- القاضي محمد الدخي الأزموري.
- والمؤرخ أحمد بن خالد الناصري.

2- المجد الطارف والتالد على أسئلة الناصري أحمد بن خالد34.
ألفه كما هو واضح من العنوان في الرد على أسئلة المؤرخ أحمد بن خالد الناصري التي وجهها إليه بعد اطلاعه على مقدمة الارتجال. وقد أشار المؤلف إلى ذلك في مقدمة الكتاب، فقال :
(قد طلب منا محبنا الأخ في الله تعالى المؤرخ المشارك أبو العباس سيدي أحمد بن خالد الناصري السلوي، أن نطلعه على بعض ما ألفناه من مقدمة كتاب الارتجال... وحين اطلع عليه... كتب على هامش المقدمة ما نصه : "الحمد لله... أسعد الله بمنه أوقات حبنا وسيدنا الفقيه العلامة المشارك المتفنن أبي عبد الله سيدي محمد الأمين... هذا وإني قد وقفت على ما بعث به سيادتكم من مقدمة كتاب الارتجال، فسرحت النظر في رياضه، وأنهلت الفكر في حياضه، واقتطفت زهره، والتقطت درره...).
وكان الجواب مؤرخا في الواحد والعشرين من محرم عام أربعة وتسعين ومائتين وألف.
قال الأمين الصحراوي : (... وبعد ذلك بمدة بعث لنا بكتاب آخر، مع أسئلة قيدها، تتضمن ما نحن بصدده من التعريف بمشاهير سبعة رجال... فلبيت دعوته بالإسعاف، لما رأيت فيه من كمال الإنصاف).35 
أما نص الأسئلة فهو : (... هذا وموجبه تجديد العهد لكم والسؤال عن سني أحوالكم... ثم الالتماس من كرمكم السامي، وبحر علمكم الطامي، أن تنظروا في كلام اتفق لي جمعه من غير قصد، أول صدره ملخص من "الكواكب السيارة" 36، وعجزه سنح به الفكر العقيم، والخاطر النادر... كوجه الترتيب في زيارة الشيوخ السبعة، ووجه الاقتصار على الإشادة بهم والابتهال بجاههم، وكشأن المزارات الثلاث المذكورة آخرا التي بكل منها سبعة أقبر، وأولية ذلك وسببه، ويكون الجواب مختصرا في قطعة على حدة. وما كتبت لكم بهذا إلا التماسا من بركتكم، واغترافا من مددكم. والعلم كما علمتم يحيا بالمذاكرة، ولم نجد الآن أحدا أولى بهذا الجواب منكم).37
كتب هذه الأسئلة في عاشر صفر عام أربع وتسعين ومائتين وألف.
ونلاحظ ما حظي به المؤلف من احترام وتقدير صاحب كتاب الاستقصا.
جواب محمد الأمين الصحراوي :
قال عنه في المقدمة :
(وبعد أن شرعت في الجواب، سنح لي سفر لزيارة مولانا إدريس، وزيارة مولانا أمير المؤمنين المولى الحسن، وحين أبنا من سفرنا المبارك في أواخر رجب بالتاريخ المذكور، شرعنا في تكميل الجواب، والله الموفق للصواب).38
واستهله بقوله :
(...أما بعد، فقد وصل كتابك الباهي، وأعجبني خطابك الزاهي، فلله أيها السيد الحلاحل أبوك، فلا فض فوك، فيما سمح به فكرك السالم غير السارد...) 39.
  وعبر عن حبه الكبير للأولياء، وارتياحه لقراءة أخبارهم، وأورد أحاديث نبوية في الموضوع، مشيرا إلى حسن نية السائل، ورغبته في الاطلاع على أخبار سبعة رجال وما يتعلق بزيارتهم.
ثم شرع في الجواب، وقسمه إلى ثلاثة أقسام :
1- القصد بإطلاق سم سبعة رجال، لهذا الإطلاق وجهان :
- عام، من مراسلات المجاز الذي هو إطلاق البعض على الكل، ولذلك فإن المقصود بسبعة رجال مجموع أولياء المدينة على وجه التفصيل.
 مثل ذلك بقوله أن المراد بأن القرآن على سبعة أحرف، يقصد به الكثرة، وساق أمثلة أخرى على إفادة السبعة للكثرة.
- خاص، قصد الرجال السبعة على وجه التحديد بأسمائهم المعروفة.
2- أما سبب ترتيب الزيارة، فيقدم له المؤلف المبررات التالية :
أ) طوافهم كطواف الكعبة، يبدأ من الشرق إلى الجنوب (من أبي يعقوب إلى السهيلي).
ب) أن أهل مراكش يدفنون موتاهم بمقبرة باب أغمات، فيخرجون لزيارتهم في الجمع والمناسبات، وهم في ذلك أربعة أصناف :
- صنف يكتفي بها ويرجع للبلد.
- وصنف يزور بعدها يوسف علي وحده.
- وثالث يزور بعد يوسف ما تيسر من أضرحة الأولياء.
- وصنف يراعي الزيارة على وجه الترتيب والكمال، وهذا ما يبرر البدء بباب أغمات، أو بشرق المدينة.
ج) إذا خالف الزائر هذا الترتيب حدث لـه تعب بالرجوع القهقرى، أما إذا سار عليه فإنه ينتقل من محطة إلى أخرى بيسر إلى أن يختمه.
أما عكس الترتيب بالبدء من السهيلي إلى يوسف، فلا ينبغي – في اعتقاد المؤلف – اتباعا للسلف، والخير في الاتباع، خصوصا وأنه يجب مراعاة تقليد طواف الكعبة من الشرق إلى الغرب، أما في حالة العكس فيتم الطواف من الغرب إلى الشرق.
وأما عن أول مخترع للزيارة فيقول المؤلف :
(الله تعالى أعلم بذلك، ما وقفنا على شيء منه، ولو كان طلبة مغربنا يعتنون بإحياء مآثر علمائهم وبلدانهم كما هو دأب عليه المشرق والأندلس، لكان ذلك مدونا وتتلقاه العامة والخاصة...40
ويقدم تاريخا تقريبا وهو صدر القرن العاشر أي بعد وفاة الغزواني آخرهم زمنيا.
وسبب تخصيصهم بهذا الاسم وبالزيارة دون غيرهم، أنهم كانوا كالأطواد والأركان في البلد واحدا بعد واحد، وزيارتهم بهذا الترتيب يندرج فيها أغلب أولياء المدينة.41
3- وعن المزارات الثلاث التي تحمل نفس الاسم، والوارد ذكرها في "الكواكب السيارة" (موجودة بحومتـي : الموقف، والزاوية العباسية) لم يجد جوابا شافيا، فعلق على الموضوع بقوله :
(ما رأينا من تعرض لها ولا لرجالها إلا قول العامة. ولكن كم من مزارة في هذه البلاد وغيرها تزار ولا قبور فيه، وإنما كانت فيها أنفاس أهل الله في الحياة، فكانت محلا لتعبداتهم، أو رئيت فيها روحانية ولي، فحصلت بركته)42.
وأعطى أمثلة لذلك بخلوة الكتبية، وخلوة أبي العباس السبتي، في جبل جيليز وغيرها.
وخلال الإجابة على أسئلة الناصري، يقدم المؤلف معلومات عن سبعة رجال وتراجمهم بتفصيل، ومختارات من صلواتهم وأدعيتهم، إلا أن عدم اطلاعه على كتب مهمة في الموضوع مثل "درر الحجال" خلف ثغرات كبيرة في إجاباته، وبدت اجتهادات اليفرني في كتابه المذكور مقنعة وشاملة، في حين يكتفي محمد الأمين الصحراوي بتوجيه اللوم للقدماء الذين لم يعنوا بتدوين أخبار الأسلاف في اعتقاده، إلا أنه مع ذلك يعتبر من أهم مصادر محمد الغالي بن المكي الأندلسي في متابه "بادرة الاستعجال" وعباس بن إبراهيم المراكشي في كتابه "إظهار الكمال".
لقد كان حظ سبعة رجال مراكش من الكتاب، الذي يشتمل على زهاء خمسمائة صفحة ضئيلا، لأن منهج المؤلف يعتمد  - كما هو شأن أغلب كتب التراجم والطبقات – على الاستطراد وجميع المعلومات والفوائد، بغض النظر عن علاقتها بالموضوع :
- فمن ترتيب الزيارة استطرد إلى الحديث عن الكعبة والطواف حولها وأركانها.
- وعندما بلغ مقابر الأشراف من مدار الزيارة، استطرد إلى الحديث عن العلويين وتاريخهم وملوك دولتهم، وحكم المولى الحسن، ونظم أرجوزة في الموضوع.
- رسائل الشوق إلى المدينة، وحكم زيارة القبر النبوي، وأقوال العلماء في ذلك، وكيفية زيارة السلف له، وما يقال في المناسبة من أدعية وتوسلات.
- ثم الحديث عن المفاضلة بين مكة والمدينة، ورسم الروضة، والتعريف بها ووصفها في رسالة مستقلة عنونها بـ "الدرة المنيفة والمقالة الطريفة، في صفة الحجرة والروضة الشريفة".
- ومن ابن العريف وابن برجان، استطرد إلى الحديث عن علم أسرار الحروف، وما كتبه ابن خلدون في الموضوع، ونظرية هذا الأخير في العصبية والملك، وساق نماذج علمية مثل لها بدولة الأدارسة بالمغرب، فلخص تاريخهم وذكر ملوكهم.
- ومن الحديث عن سبعة رجال، تحول إلى الحديث عن القراءات السبع، وجمع القرآن والتعريف بمشاهير القراء...
وكان يدرك ذلك تمام الإدراك، بإعلانه عن الرجوع إلى الموضوع (رجع إلى تمام الكلام عن الغزوني... ولنرجع ما كنا بصدده في ترتيب الزيارة... رجع وعود وانعطاف إلى سؤال الأخ / حفظه الله /...)43
ومن مظاهر الاستطراد لديه، ولعله بالتراجم والتواريخ، فقد عرف بأغلب الأولياء المذكورين في مدار الطواف، وذكر مؤلفاتهم ونماذج من شعرهم أو كلامهم أو أدعيتهم، وعرف كذلك بمؤلفي المصادر التي اعتمدها في مؤلفه مثل ابن الزيات التادلي صاحب التشوف، ومحمد المهدي الفاسي صاحب الممتع، واليوسي صاحب المحاضرات، والقادري صاحب النشر... وغيرهم من العلماء الذين تتكرر أسماؤهم، أو يعرض آراءهم أو بنقل عنهم.
ولعله تعمد ذلك اعتبارا لملاحظاته السابقة عن إهمال المغاربة للتعريف برجالاتهم، وتسجيل أخبارهم. فأسهم بهذه الاستطرادات في معالجة هذا النقص، وسد تلك الثغرات.
وبالرغم من ضآلة المعلومات المقدمة عن سبعة رجال مراكش، وميل المؤلف إلى الاستطراد، فإن كتال "المجد الطارف التالد" لا يخلو من قيمة :
1- يقدم نماذج لبعض القضايا التي كانت تشغل بال عامة الناس في هذا العصر، والمثقفين منهم خاصة. فالمؤلف كان من موظفي المخزن، ومن أبرز شعراء العصر وفقهائه، والمسائل تقلب بدوره في عدة وظائف مخزنية، وكان عالما فقيها مؤرخا، بعد كتابة "الاستقصا" أشهر كتب تاريخ المغرب على الإطلاق.
فبعد فتور التحمس  للحركة الوهابية، وأمام عزلة المغرب، وارتفاع الضغط الأجنبي عليه، كان الرجوع إلى الأولياء، والتوسل إليهم سبيلا من سبل العزاء وطلب الفرج والحماية والعون.  
2- شاهد على عقلية صنف من الطبقة المستنيرة كانت تؤمن بالكرامات وتوظف المنامات والرؤى والروايات الأسطورية، وتعتبرها مصادر في التاريخ والكتابة، وما أكثر هذا النوع في كتاب "المجد الطارف والتالد".44
3- في الكتاب معلومات مهمة عن حياة المؤلف ورحلاته وعلاقته برجالات عصره من مختلف الطبقات والمستويات، وعن الوظائف التي تقلدها والمهام التي أنيطت به في بعض المدن المغربية، وخاصة مدن : مراكش والرباط ومكناس وفاس.
4- ويشير الصحراوي إلى بعض الموضوعات التي سيتعرض لها بتفصيل في كتابه "ارتجال".
وإذا كانت الظروف لم تسمح له بإتمامخ، فغنه عرفنا على الأقل بخطته وبعض موضوعاته.
ويبدو أن كتابة "المجد للطارف" كانت وراء زهده في إتمام تأليف الكتاب الذي كتب مقدمته، ذلك لأنه سيضطر إلى تكرار نفسه وترديد هذه المعلومات القليلة التي جمعها عن سبعة رجال.
5- ويؤرخ الكتاب لجانب من حكم المولى سيدي محمد بن عبد الرحمن، والمولى الحسن، ويقدم أهم الأحداث، وأسماء الوزراء، وكتب وموظفي المخزن، وبعض منجزاتهم، وما قيل فيهم من شعر...
وتأتي أهمية هذه الأخبار من موقع المؤلف منها، فقد عاشها وساهم في صنع كثير منها، ويعد بذلك شاهد عيان لا مجرد ناقل أو راو لها.
6- والكتاب ديوان شعر خاص بالمؤلف وببعض معاصريه، فعلى غرار ما ورد في مقدمة "الارتجال"  يسجل ما قاله من أشعار في المدح والتوسل،. وقد بلغت القصائد التي نظمها تسع عشرة قصيدة، يقع بعضها في أزيد من مائتي بيت.
بناء على هذه الميزات الأخيرة، يمكن اعتبار "المجد الطارف والتالد" من المؤلفات الجديرة بالدرس والتنويه، والتي يمكن الاستفدة مما تحويه حول فترة الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلاد) بالمغرب.

خـاتمـة :
وهكذا فإن الأمين الصحراوي وجه من الوجوه البارزة في الثقافة المغربية في فترة من أزهى فترات الدولة العلوية المجيدة عسى أن نكون قد وجهنا إليه العناية، وأنصفناه بهذه المقالة المختصرة من الزمان الذي أسدل عليه ستار النسيان والإهمال... وما أكثر من هم بحاجة إلى ذلك من علمائنا وأدبائنا من مختلف مناطق المغرب العظيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here