islamaumaroc

فلسفة الرعاية والتشجيع كما يطبقها جلالة الحسن الثاني

  محمد المكي الناصري

العدد 263 رجب 1407- مارس 1987

متى نظرنا إلى الإنسان بصفته كائنا حيا، وجدناه مدفوعا إلى القيام بحركة ونشاط لا يفتر عنهما في جميع مرحل حياته،
ومتى بحثنا بحثا عميقا عن الدوافع التي تدفعه إلى الحركة والنشاط وجدنا أن تلك الدوافع لا تتجاوز ثلاثة أنواع :
1) دوافع غريزية وآلية أودعها الله في فطرة الإنسان، وطبعه عليها منذ نشأته، ويشاركه فيها قسم مهم من الحيوان.
2) ودوافع نفسية ذاتية اختيارية منبثقة عما ميز الله به الإنسان من عقل وإرادة وذكاء.
3) ودوافع إضافية طارئة على الإنسان من الخارج، تحاول التدخل في حياته، وتوجيه سلوكه، حتى يكون سلوكه ملائما لما حوله.
فالنوع الأول من الدوافع تمثله الغرائز والنزعات الفطرية العامة...
والنوع الثاني يمثله الاختيار الشخصي والإرادة الذاتية.
والنوع الثالث يشمل ما عدا ذلك من مؤثرات البيئة والمجتمع، التي يقع الإنسان تحت تأثيرها بحكم التربية والمعايشة والتفاعل الاجتماعي المستمر.
وواضح أن الدوافع الغريزية التي هي المحركات الأولى للسلوك يلتقي فيها الصغير والكبير، والأمي والمثقف، والمتقدم والمتخلف، وهي بطبيعتها لا تفرز عند الجميع إلا نشاطا عاديا آليا أو شبه آلي، قلما يرتقي إلى المستوى الرفيع، وفي نطاقها الضيق المحدود ظل الناس جميعا تقريبا في مستوى واحد، فلا يتفوق بعضهم على بعض بأي شيء ممتاز ومحمود، بل كلما بقي أسيرا لغرائزه بقي في مستوى قريب من مستوى الحيوان.
غير أن ما في الإنسان من طموح خاص، وميل إلى النمو والكمال، ورغبة في التفوق، وحرص على نيل التقدير من الغير، لا يجعله مطمئنا إلى هذا الوضع المحدود، الذي يتسم بالقصور والنقصان، ولذلك يحاول أن يشق طريقه إلى الحياة، فيندفع لترضية حاجاته، واستعمال طاقاته، ويرسم لنفسه غاية معينة يسعى شيئا فشيئا إلى تحقيقها ويحدد لحياته رسالة يعمل كل يوم على توسيع نطاقها وتعميقها، مسترشدا بدوافعه الذاتية، ومستعينا بالدوافع الاجتماعية، وبهذه الطريقة يحقق الإنسان وجوده الخاص، ويؤكد إنسانيته، ويستعمل عقله وإرادته، ومتى أقبل كل فرد على إثبات ذاته، وعمل على استثمار طاقاته، تحول المجتمع من مجتمع يطبعه الركود والتقاعس، إلى مجتمع يحرك عجلته السباق والتنافس، وأصبح المجتمع مجتمع سباق إنساني، وتنافس عمراني، وذلك هو المجتمع المثالي المتطور، الذي يمضي قدما إلى الأمام وهذا هو المجتمع الذي يعمل جلالة الملك الحسن الثاني ليل نهار على إنشائه منذ اعتلائه على عرش أجداده الميامين.
إن المجتمع المثالي هو الذي ينتفع بجميع الإمكانات، ويسخر في سبيل تقدمه وازدهاره جميع الطاقات، ولا يتحقق له ذلك :
أولا : إلا إذا انطلق فيه كل فرد على سجيته، إلى أن يبلغ أقصى ما يستطيع من الخبرة والمهارة حسب طاقته وقدرته، ولا يتم له ذلك :
ثانيا : إلا إذا وضع المجتمع كل واحد من أفراده في الموضع الصالح له، وكلفه بالعمل المناسب له، ولا يكمل له ذلك :
ثالثا : إلا إذا أصبح كل فرد من أفراده العاملين يشعر بغبطة العيش وهناء البال والثقة بالنفس، على اعتبار أن كيانه الخاص جزء لا يتجزأ من كيان المجتمع، وأن عمله الخاص جزء لا يتجزأ من الرسالة العامة للمجتمع، وأن اللبنة التي وضعها بيده تخوله شرف الانتماء إلى "بناء صرح المجتمع" وبذلك لا يبقى بين أفراد المجتمع من هو مهمل أو موضوع على الهامش لا ينتفع به، ويصبح المجتمع متضامنا كل التضامن، لكل مستوى من مستوياته مكانه الخاص في العمل، ومكانته الخاصة في المجتمع.
وإذا كان أفراد المجتمع يستفيدون من هذا الوضع السليم، فإن المجتمع في عمومه يستفيد مه أضعاف ما يستفيده كل فرد على حدة، إذ أن المصلحة العليا للمجتمع، وقوته المادية والأدبية بالنسبة للداخل والخارج، تتوقفان إلى حد كبير على ما يتوفر عليه المجتمع كما وكيفا من كفايات وعبقريات، وعلى ما يزخر به ويستثمره لخير الجميع من سواعد وطاقات في جميع المجالات، ولذلك كان من الخير الكبير للمجتمع إثارة روح المنافسة الكامنة عند كل فرد من أعضائه، وتوجيهها التوجيه اللائق، حتى يلتحق المتأخر بالمتقدم، والمتردد بالمقدام، والكسول والمهمل بالنشيط والمجد، والمتفرج من بعيد بمن يقف في صميم المعركة.
ذلك أن إذكاء روح المنافسة بين الأقران يثير الحماس، ويحرك الهمم، ويشحذ العقول، ويحفز على النشاط المنظم الواعي، ويضع أمام المتنافسين مستويات معينة ومهارات محددة، مما يتوقف عليه المجتمع، رغبة في أن يحاول كل منهم بلوغها والوصول إليها، وتتاح له الفرصة، لتذوق لذة النجاح، والاستمتاع بمتعة التفوق.
واقتناعا من المجتمع بفائدة السباق والتنافس للحصول على أكثر ما يمكن من المؤهلات والمهارات، وأفضل ما يمكن من الخدمات، ابتكر المجتمع عدة وسائل مثيرة ومغرية، وطبقها في مختلف المجالات، وفي طليعة تلك الوسائل "الأوسمة" على اختلاف أنواعها، ما بين عسكرية ومدنية وثقافية، و"الألقاب" العلمية والإدارية والعسكرية، و"الجوائز" ذات الطابع الثقافي والطابع الرياضي والطابع الإداري والطابع الزراعي والطابع الصناعي، و"المنح" الدراسية لعموم الطلبة، و"المساعدات المالية" السنوية لمختلف الجمعيات الثقافية والرياضية والمؤسسات الاجتماعية، و"المباريات الرياضية" للفوز بالكؤوس والبطولات، و"المباريات الدراسية" والجامعية والإدارية، للحصول على مقعد للدراسة أو التدريس، أو الحصول على منصب داخل الإدارة، والتنقيط الإداري والساعات الإضافية في المصالح الإدارية، والدرجات المدرسية وألواح الشرف في المدارس الابتدائية والثانوية، إلى غير ذلك من الوسائل والشارات والشعارات، التي لا يفوز بها ولا يتمتع بالحصول عليها إلا المجدون المجتهدون، والأكفاء المقتدرون.
ومما ينزل بردا وسلاما على صدور فضلاء الأمة، ويقع في قلوبهم أجمل وقع، ما يخلعه الرأي العام على أسمائهم وأشخاصهم من خلع التكريم والتقدير بصفة تلقائية، تنويها بأعمالهم الصالحة، وأخلاقهم الفاضلة، ففي ذلك متعة نفسية وروحية لا تعدلها متعة أخرى.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال عليه السلام : "من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه".
رواه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال : صحيح على شرط الشيخين.
على أن هذه الوسائل مجتمعة لا تحقق الهدف المقصود منها إلا إذا كان عامل التشجيع الطبيعي والتلقائي يسبقها ويرافقها ويلحقها دائما وباستمرار وإلا إذا كان جميع أعضاء المجتمع يمارسونه داخل المدارس والجامعات، والإدارات والثكنات، والمصانع والمزارع، وفي مختلف القطاعات العامة والخاصة.
والتشجيع الطبيعي والتلقائي، المنبثق عن الشعور الإنساني النبيل، والتربية الاجتماعية المثالية - يعني في جملة ما يعنيه قبل كل شيء، احترام إنسانية المواطنين، والامتناع عن إهانتهم وتحقيرهم، وعدم المس بكرامتهم أو التعسف في معاملتهم، صغارا كانوا أو كبارا، ثم إشعارهم بحرارة العطف وصادق الرعاية، واعتبارهم أهلا للاهتمام والعناية، وأخيرا بذل العون لهم - دون من ولا أذى - بالمساعدة والتوجيه والتكليف بالمسؤولية التي تناسب مستواهم، حتى يتمكنوا من تنمية مواهبهم، وإنجاز مهامهم على أحسن وجه ممكن، وحتى يضيفوا للمجتمع رصيدا جديدا من الملكات الممتازة، والمواهب المصقولة، يزيده قوة ومناعة وتفوقا.
وبديهي أن الفرد لا يبلغ ما قدر له من النمو إلا في نطاق المجتمع ومع المجتمع، لكن بشرط أن يكون "العنصر الإنساني" في علاقات أفراده بعضهم مع بعض هو العنصر البارز الذي تدور حول محوره جميع تلك العلاقات، قال عليه السلام : "الكلمة الطيبة صدقة" وقال عليه السلام مخاطبا لعائشة رضي الله عنها : "عليك بالرفق، فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه".
رواه مسلم والبخاري في الأدب المفرد.
ومجمل القول أن المسيرين للقطاع الخاص والقطاع العام إذا كانوا يعاملون من تحت أيديهم بالحسنى والرفق والإنسانية، ويوجهونهم ويشجعونهم على تحقيق الغايات النافعة والمرامي السامية، ويضعون بأيديهم "المفتاح السحري" الذي يمكنهم من اختراق آفاق مشرقة جديدة، واكتشاف أسرار نافعة ومفيدة، ويسلمون لهم المشعل المنير الذي يضيء لهم الطريق، ويجعلهم يقطعون مراحل النمو والتطور والتقدم، عن بينة وعلى بصيرة، ليواصلوا المسيرة في خدمة أمتهم ودولتهم آمنين مطمئنين، يعطون بذلك الدليل القاطع على أنهم "حراس الملة" الرحماء الأتقياء، و"خدام الأمة" المخلصون الأوفياء، و"ولاة الدولة" الأصفياء الأمناء، بحسن توجيههم تزدهر العلوم والفنون والصناعات، وتنشط المرافق العامة والإدارات، وبحسن معاملتهم تلتحم جميع الفئات والطبقات، وتتخطى جميع العقبات، وتتغلب على كافة الأزمات، وبذلك تتم تعبئة الشعب تعبئة عامة شاملة، ويتم النصر في المعركة الفاصلة، تحت رعاية "مربي الأمة" و"رئيس الدولة" أمير المؤمنين الحسن الثاني الذي لنا في رعايته وتشجيعه أكبر قدوة، وأجمل أسوة، شعار الجميع : حي على الجهاد، حي على العمل، دون تحفظ ولا ملل، ولا تردد ولا خلل، قال تعالى : ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ؛ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ) الصافات: [60-61]
وقال تعالى : (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ. تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ. يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ, خِتَامُهُ مِسْكٌ. وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)، المطففين 21-26.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here