islamaumaroc

عرش وطد الخلود وشعب صان العهود.

  المهدي القاسمي

العدد 263 رجب 1407- مارس 1987

يقول الله تعالى :
<<وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين>>.
والذكريات من طبيعة البشر بها يتعظ العقلاء ليروا ما فعله السابقون سحابة حياتهم، وبذلك تتقوى الصلة بمن مضى ويزداد حب الإنسان لنبعه الذي استخلف على أديم الأرض فأحسن الاستخلاف وأبرأ ساحته من الإسفاف، وليحكم الحاضرون على أنفسهم من خلال المقارنة مع ما كان عليه الحماة من جهاد متواصل، وما أدوه من رسالة إنسانية، وليشمروا وهم فوق أرضية صلبة لأداء الواجب الكامل بصدور منشرحة وألباب متفتحة.
وإن الشعب المغربي الكريم أعطى للذكريات ما لم توفره أمة من الأمم على وجه الغبراء لهذا المسار، فأعياده الدينية والوطنية يهفو إليها ويشتاق، بقلب مفعم بكل ما تحمله الأفئدة الواعية لمغربها الذي تطمئن إليه عند مكرمها ومنشطها، والمغرب له وفر زاخر لا يباريه أحد في هذا الركاب، لأن الخالق عز وجل حباه بأردية من التوفيق والعناية المتوالية المتواصلة عبر الحقب، منذ أن شع على أديمة نور الإسلام، وإن احتفال وفرح هذا الشعب المترف فكرا وعطاء وحضارة بذكرى عيد العرش المجيد، عيد ذكرى جلوس أمير المؤمنين الحسن الثاني نصره الله على عرش أسلافه الكرام تلك الذكرى التي تصادف السنة السادسة والعشرين لتربع تاج الملوك على أشرف عرش عرفه الزمان والمكان والإنسان، فأنعم بذكرى تعيد لنا شريط الذكريات الطويل الذي نتملى بصورها الباهية الزاهية في أثوابها المتبخترة ومواكبها المهابة المجللة، ذكرى نسقي منها عطر الفكر الذي لا يتسنه معينه ولا يتغير سلسبيله، ذكر شعب بعرش سخر من تقلبات الدهر ساعة طوفانه العاتي على كل ما فوق الكون من جبال وآكام، ذكرى الانتصارات اللانهائية الجبارة المعطاءة والتي تجسد لنا أمجاد هذه الدولة الشريفة العلوية وتأسيسها <<كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها>>.
لقد تأسست هذه الدولة وسط خضم من الإمارات المتناثرة في ربوع المغرب، فأعطت الثمار والظل والرائحة الطيبة الزكية، فكيف قيل لهذه الإمارات بأسرها : كفى، فما كان لها إلا أن قدمت بيعتها وولاءها للدولة العلوية الشريفة التي قامت في هذه الأرض المباركة الطيبة مع أن أرباب هذه الإمارات ليسوا من المفسدين وإنما تجشموا رايات الجهاد والدفاع عن حوزة الوطن والإسلام، والجواب يكون عدة مرات بالتأكيد حتى يسمعه الصم البكم الذين لا يعقلون، إنها حكاية شعب غني لا يرضى بالثرى وإنما بالثريا مقاما ومسكنا فاختار، فكيف وهو شعب لا ينخدع، ألزم نفسه بان يبوئها ليس المكان والإنسان المتوسط أو المستحسن وإنما ينعم عليها بالأحسن، فانتصر وجاهد وبايع الدولة العلوية الشريفة التي جمع الله فيها ما لم يجمع في غيرها <<وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله>>، <<يهدي الله لنوره من يشاء>>، <<ويضرب الله الأمثال للناس>>.
وهذا ديدانه وفكره وسلوكه.
إنها قصة شعب يعجم عيدان العوارض، ولا يندفع متسرعا في الحكم بطيش، وتأكيدا للعظمة ما نلمسه في إدراكه لجميع المذاهب من " حرورية وقدرية، وجهمية، ومرجئة، ورافضة، وجبرية، وحنبلية، وشافعية، ولكن هذا الشعب قد اختار كما اختار، فقد اختار أن يكون مالكيا في مذهبيته، وجنيديا في طريقته، وأشعريا في عقيدته، ثم اختار أن يكون علويا في دولته، وبذلك حاز المجد من أطرافه، <<فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن، فلا كفران لسعيه وإنا لـه كاتبون>>، <<ولئن شكرتم لأزيدنكم>>، فأغدق الله تعالى على هذه الأمة جزاء معتقدها ومقابل قيامها وجهادها، فاستحقت عنده الحسنى والزيادة فكساها حلة بعد حلة، وأسبغ عليها نعمة تلو نعمة، فقادها الأبطال الذين لا يغمزون ولا تأخذهم في الله لومة لائم... فمن المولى الرشيد إلى المولى إسماعيل القوي العتيد إلى سيدي محمد بن عبد الله المتودد، ناهيك من سيدنا الحسن الأول وحفيده أبي النهضة الأولى وموقظ الأمة من سباتها ورمسها محمد الخامس فقيد العروبة والإسلام الذي ضرب أروع الأمثلة في الصبر والجهاد حتى أعلى في العالمين شأن البلاد والعباد.
فقد كتب الله له العزة في الحياة والوفاة لأنه عزز جانب الأمة وأكرمها بتنشئة وتربية وتهييء وتدريب تاج الملوك وحجة جده سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، إنه : جلالة الملك الحسن الثاني الذي أحسن الله به إلى هذه الأمة فتحسنت به أحوالها، ورفع هذا الملك رأسها وأمن خوفها، وبدد كل صعابها، فعمر وشيد وأحكم وسدد... إن المغرب حين يشيد بهذه الذكرى التي تصادف السنة السادسة والعشرين لجلوس أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني على عرش أسلافه المنعمين محتفلا بهذه الذكرى ليكون معتزا أيما اعتزاز، بما خلده هذا الملك في جميع الواجهات، مبنى ومعنى، فهناك الواجهة الثقافية التي ينعكس عليها علو ما وصل إليه هذا المغرب من أوج العلم والعرفان، وآلاف الأفواج من المثقفين والعلماء في كل الفنون والعلوم التي تجعل هذا الوطن في مصاف الأمم الراقية التي تنشد الحضارة بجامعاتها ومن أبوابها وبأنجع وسائلها، والتي هي من أكبر الازدهار والعيش الرغيد، وأكبر على الديمقراطية وأركانها ووسائلها الحقة، ولا يعزب عن الأذهان المجال الاقتصادي الذي سار فيه جلالة الملك الحسن الثاني موجها وداعيا وملهما برأيه السديد قائلا : "إننا لا نفقر الغني ولا نهمل الضعيف، بل نساعد الكل ونأخذ بيد الجميع".
وبهذا جاء الإسلام ولم يكذب أهله ولم يخرجهم إلى فكر متاهة من السراب أو دعاية خراب، كأولئك الذين ليس لهم قوام، ولم يثبتوا على حال، فتارة ينادون بالاشتراكية الخادعة القاتلة الجائعة، ومرة أخرى ينادون بالشعارات الصناعية الهرائية الديماغوجية، وطورا يتزعمون الإصلاحات الزراعية الطائشة التي أساس لها من العقلانية.  
أما قافلة المغرب بقيادة هذا الملك الحكيم المغوار فقد ذهبت على بركة الله في بناء السدود السقوية على كل نهر، وبين كل أكمة، ليصبح الوطن بحول الله كله جنة خضراء ناطقة، ولاسيما إذا رفع الله حجره وأزال من بلادنا جعافه.
إن اللسان والقلم يجم من اللحظة الأولى حين يقف أمام جدران هذا البنيان الشامخ الذي يطاول أعنة السماوات، ولا يقف عند حد من الحدود احتياطيا وشموليا وإدراكا واستدراكا، فعالمية هذا الملك الموفق المستظل تحت لواء قوله تعالى : <<يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا>>، جلية في الآفاق بارزة يظهرها تأسي الأكاديمية المغربية التي تضم رجالا من كل القارات، إنها فكرة شمس تضيء للعالم دياجيره، وتعرفه بقيمته، وسلم حياة القسط لتسعد البشرية وتحيى حياة الإيخاء والتآزر والتآلف بدل التطاحن والبغي والاعتداء والطغيان.
إن فكرة الأكاديمية فكرة حضارة ووئام وسلام من أكبر إمام، هو جلالة الملك الحسن الثاني الذي جاور قلبه كل القلوب، فقدم للأمة المغربية أنجع علاجها، ووحد صفوفها ومحق كل خلافها، إن المغرب ليشمخر بهذا الطبيب الذي أسس في مملكته الشريفة المجالس العلمية التي تؤدي رسالتها على تقوى من الله ورضوان، مستنيرة بالتوجيهات السامية لجلالته، لأنه هو الساهر الأمين على حماية الدين والدنيا، وحماية العقيدة والمذهب المالكي الذي ظل موحدا لقوة المغاربة عبر مسار التاريخ، والذي يرجع الفضل إليه في القضاء على الخلافات ونثر نار المذهبية في المغرب.
والمذهب المالكي سني، والمذهب السني كما يقول جلالة الملك الحسن الثاني هو الإسلام الحقيقي، كما أن المذهب المالكي له تاريخه الطويل مع المغاربة منذ صدور الإسلام الأول، فهو عهدة في عنق المغاربة يعملون بهم في ديارهم ولا يبغون به بديلا، فكانت حمايته أمانة في يد جميع الملوك والدول التي تعاقبت على هذا الوطن السعيد الذي هو قلعة الإسلام ذي المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها.
وقد وفق الله لهذا الملك الحسن الثاني قبس النصر الذي انعقدت ألويته على أجداده الكرام، يقودهم على التمام كرم الله وجههم.
فماذا يفكر العقلاء، وماذا يكتب الأدباء، وكيف ينتصر أبطال الحرب وأهل الدهاء فيما ترمز إليه المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء في مخطط فكرها، أم في سريتها وتكتمها، وفي الإشارة إلى عالميتها وسلميتها وتجاربها مع رائدها ومبدعها، في إقدامها عند المر وإحجامها، وإيقافها وامتثالها عند الأمر والنهي، إن هذا سر فمن سعى تحليله حاول العبث، إنها طاقة ربانية تسامت على التأطير والمادية حتى صعدت إلى منتهى السدرة التي وطئها الرسول عليه السلام، ساعة أن ذهب ليأتي من عند الله بالنصر المبين والفتح المكين، وليس للمغرب فحسب وإنما للأمة العربية والإسلامية جمعاء، لذلك نرى هذه الدول لما ادلهم سوادها وأحاطت بها ظلمات لياليها وعباب أمواجها قيل من لها ؟ فقام سليل المصطفى فقلدوه وشاحها وألقوا عليه أمانتها وأعباءها فتحمل رسالة لجنة القدس الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين، إنها حظوة عظمى، إنها ربط وارتباط لا ينالها كل من حضر، وإنما اختير لها من هو أحق بها وأهلها، سبط الرسول المختار، إنه نهج في محله، وما زلنا والحمد لله بخير ما دامت الأمة الإسلامية لها هذا الشعور، والإحساس حتى وفقها الله لوضع الأشياء في محلها، وإعطاء الألوية إلى صاحبها ... <<ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم>>.
فهنيئا لقائد المسيرة المظفرة جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله بعيد عرشه المجيد عيد النماء والازدهار، عيد المجد والانبعاث، عيد توحيد التراب الوطني، عيد الخير والبركات.
وهنيئا للشعب المغربي بهذا العرش العلوي المجيد الذي يقوده من نصر إلى نصر.
حفظ الله جلالة الملك الحسن الثاني في إيمانه ودينه، وأحاطه بعنايته وألطافه وتوفيقه، وأقر عينه بسمو ولي عهده الأمير الجليل المحبوب سيدي محمد وصنوه المولى الرشيد، وسائر الأسرة المالكة الشريفة، وجد الله هذا العيد بتجدد الأيام صيانة للأنام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here