islamaumaroc

العرش العلوي المجيد ميثاق ديني وروحي وعقائدي.

  إدريس العلوي العبدلاوي

العدد 263 رجب 1407- مارس 1987

العرش، كلمة رائعة عظيمة خالدة...
العرش، رباط مقدس بين الحب والقلب، وعروة وثقى بين الملك والشعب.
العرش، رمز العمل المتواصل الجاد، والضحية والتفاني الدؤوب والجهاد، من أجل إقرار العدل، ونصرة الحق وخدمة مصالح الرعية والبلاد.
العرش، شعار الاستمرار والقوة والتحدي والصمود.
العرش، عنوان الحرية والكرامة والأصالة لهذا الوطني العربي المسلم.
العرش، به نعتز ونفتخر ونسعد، فلولاه ما خفقت قلوبنا ولا فرحت ولا سرت ولا اتقدت حماسا نفوسنا، ولا رفرفت في دنيا السعادة والبشائر أرواحنا، ولا تطلعت إلى آفاق المستقبل السعيد آمالنا وأمانينا، ولا هفت إلى البناء الشامخ، والمجد الباذخ والعطاء المتدفق الدائم عقولنا وأفكارنا وجهودنا.
العرش، إصرار على التحدي تلو إصرار، من أجل الثبات على المبدأ السليم وحتمية الاختيار.
العرش، نفس دائم متجدد للصيرورة النضالية، لاستمرارية الرباط المقدس، في علاقة محبة صوفية روحية بين الملك والشعب، صنعت معارك الاستقلال والتحرير والتشييد، وصنعت عطاءات الخير والبركات.
العرش، ضمان للوحدة والسلم والأمن والتلاحم، ومهد للكفاح وبؤرة للملاحم.
العرش، يجسد أماني وأحلام المواطنين جميعا، ويقف في الصف الأول قائدا ومرشدا وهاديا ومدافعا عن حقوق الوطن والمواطنين، وساعيا إلى خيرهم وسعادتهم.
وللعرش ذكرى عزيزة غالية، وللعرش عيد فريد مجيد، يأتي كل سنة مشرقا بأمل جديد، حافلا بالبشائر والمنى، متطلعا نحو الغد القريب، والمستقبل البعيد السعيد.
إيه أيها العيد السعيد، يا أجمل الأعياد في حياتنا، ويا سر سعادتنا ورمز سيادتنا ووحدتنا، هو ذا يومك الربيعي الباسم قد أشرق، فأشرق معه تاريخ الماضي الحافل يروي للحاضر المقيم مآثر البناة الخالدين، فيبعث الشوق في قلب المستقبل الآتي يخلد أكثر وأكثر، فأية فرحة تغمر القلوب، وأية نسمة تعانق الأرواح، وأية بسمة تسطرها المسرة على الشفاه، أجمل وأغلى من ذكرى عزيزة، وأية ذكرى أعز وأخلد من ذكرى هذا اليوم الأعز المشرق الزاهر المتألق في صفحات تاريخنا المجيد، ذكرى خالدة تتعاقب خلفا بعد سلف، وجيلا بعد جيل على مر العصور والأحقاب، تؤلف بين القلوب في حب وصفاء، وتعلق وولاء، حب لا أقوى منه ولا أسمى، ورباط لا أمتن منه ولا أمكن، وإخلاص وتجاوب عميقين  بفضلهما نحمي وحدتنا، ونرصص صفوفنا، ونحقق انتصارا بعد انتصار، محطمين جدار التخلف، ومكسرين قيود العراقيل حتى نشيد صرح حضارتنا الأصيلة في تحد وإصرار.
ذكرى عزيزة غالية، أزكى من الربيع وأنضر، وأرق من النسيم وأعطر.
تشرق اليوم أنوارها علينا طافحة بالمعاني والقيم الجليلة، يشدو بها التاريخ ويفتخر، ويهلل لمقدمها هذا الكون ويكبر، فما أروع الذكرى، وما أكبر الفرحة، وما أحلى ما يتغنى به اللسان ويشعر.
إنها الذكرى السادسة والعشرون لتربع مولانا أمير المؤمنين وحامي حمى الوطن والدين جلالة الملك الحسن الثاني على عرش أسلافه المنعمين والتي تعتبر أغلى الذكريات وأعزها، وأثمن المناسبات وأجلها.
ولا غرو فهي ذكرى متأصلة في نفس كل مغربي وروحه منذ سنوات عديدة، تبرهن بحق وصدق عن التلاحم المتين بين الشعب والعرش المكين، وتعبر عن تحديد البيعة والولاء... والاستمرار والإخلاص والوفاء.
فماذا تعني ستة وعشرون سنة عاما مرت على تربع صاحب الجلالة الحسن الثاني على عرش أسلافه الكرام ؟.
وماذا يعني الاحتفال بعيد العرش السعيد ؟.
كل ذلك يعني الاستمرارية، قمة وقاعدة، لصوغ حياة جديدة تهيمن على معالمها البشرية كل مظاهر العمل والتشييد والبناء، والتنمية والتقدم والارتقاء.
والاحتفال بذكرى عيد العرش المجيد، ليس بالحدث الوطني الذي يستغرقه زمان محدود، ولكنه في جوهره تأكيد لقوة ومكانة المغرب، ولأصالته اختياراته، وطموح آماله، وتقييم لحصيلة تلك الأشواط التي قطعتها المسيرة النضالية للمغرب خلال ربع قرن، تلك المسيرة التي تختزل تاريخا متكاملا لمسيرة عرش وشعب تعاهدا على المحبة والوفاء والتضحية، وإن هذا المغزى العميق لمفهوم الاحتفال بعيد العرش المجيد هو ما يستوحي نفسه من قول جلالة الملك نصره الله :
"إن عيدنا الوطني الذي نحتفل به اليوم، ليس عيد ذكرى جلوسنا على عرش أسلافنا المقدسين فحسب، وإنما هو عيد نحيي باحتفالنا له أصدق وأخلص تحية تلك القيم السامية الثابتة المستقرة في أعماق كياننا، ونخلد ذكريات وأمجاد تلاحقت على امتداد ماضينا، وتألقت صفحاتها في عرض تاريخنا الطويل".
ثلاثة قرون أو تزيد، تلك حصيلة الزمان من عمر العرش العلوي المجيد، عقود مضت، وأخرى آتية... والعروة الوثقى بإذن الله باقية، فهي سر التجاوب الروحي والتلقائي بين العرش والشعب بين القاعدة والقمة، والتي تعطي الدليل لواضح على أن هذا العرش العظيم مطبوع بطابع الخلافة الإسلامية القائمة على رباط البيعة المقدس، ذلك الرباط الذي يعطي جلالة الملك بعده الديني فيقول :
"إن روابطنا وأسس تعاملنا ليست تلك الأسس المصطنعة التي خلقها التاريخ صدفة، بل هي قبل كل شيء ترابط وتعامل مبني على أعز ما هو في نفوسنا، وأقدس ما في أرواحنا وهو الإيمان بالله".
ولعل أغلب الناس يخطئون عندما يفهمون عيد العرش مثلما يفهمون من مطلق الأعياد الجارية والمناسبات المتوالية. فعيد العرش يسمو على الذكريات كلها، وينطوي على المعاني بأسرها، وله معنى أدق وأعمق، ومرمى أجل وأبعد، كما أنه نسيج وحده، وفريد من نوعه، في صورة عديمة المثال على الإطلاق، ذلك أن علاقة العرش بالشعب في هذه الدولة المغربية التي تحكمها الملكية الدستورية كنظام سياسي إسلامي علاقة روحية ووجدانية وقلبية قبل أن تكون علاقة سياسية ونظامية، وإذا كان ما يعلق بالروح والقلب أدوم وأبقى، فإن طبيعة هذه العلاقة تعني الدوام والاستمرار والتجدد، ويكفي كدليل على ذلك صورتان فريدتان في التاريخ، ليس لهما نظير في أي حكم في العالم.
الأولى : عندما امتدت يد المستعمر الغاشمة إلى نفي جلالة الملك الراحل محمد الخامس طيب الله ثراه، حينما ارتضى النفي والإبعاد عن الوطن إيمانا بالعقيدة، وثباتا على المبدأ ن أجل الدفاع عن حرمة هذا الوطن وكيانه، فقام الشعب المغربي كافة يضحي بروحه وماله، ويريق دم أبنائه كبارا وصغارا تعلقا بالعرش، واستماتة في حب ملكه الذي لا يرضى به بديلا، قام يكافح ويناضل بكل ما أوتي من قوة وسلاح في ثورة عارمة يطالب بإرجاع الملك الشرعي إلى عرشه، في صورة أذهلت المستعمر، وقهرت قواه، وأجبرته على الخضوع للحق، وجاء اليوم الذي انزاح فيه ظلام العبودية، وعاد الملك حاملا في قلبه وبين كفيه بشرى الاستقلال والحرية.
أما الصورة الثانية : فهي عندما دعا جلالة الملك الحسن الثاني الشعب كله إلى القيام بمسيرة خضراء لاسترجاع الصحراء، تلك المعجزة الفريدة في التاريخ المغربي، ففرح الشعب قاطبة، وهب ملبيا طائعا عن طواعية وتلقائية في فرح واستبشار، سائرا على الخطة الرشيدة التي رسمها جلالة الملك الملهم خطوة خطوة. وعندما تأكد جلالته أن المسيرة بلغت غايتها، وحققت المراد منها، نادى شعبه بالتوقف والعودة من حيث أتى، فكانت أيضا الاستجابة الفورية في إطار من النظام والانتظام، كما أرادها جلالة الملك نصره الله.
أليس في هذا ما يدعو إلى الاندهاش ويثير الإعجاب بعظمة هذا العرش ورسوخه والتي هي مستمدة من عظمة الجالس عليه، هذا الملك الملهم الذي اعتلى عرش القلوب، كما اعتلى عرش أسلافه المنعمين، تحرسه العناية الإلهية، وتمده بالعون والنصر والتوفيق، وبذلك السر الرباني الذي يجعل حكمه يمتاز بالقوة وتحقيق الغايات في نجاح مطرد ومدهش لصلاح الدين والدنيا. هكذا نرى أن العرش العلوي المجيد ليس نظاما سياسيا فحسب، ولكنه ميثاق ديني وروحي وعقائدي، ولولا هذا الالتحام الوثيق والدائم بين العرش والشعب، ذلك التلاحم الذي يستمد مقوماته من تضحيات العرش من أجل ضمان عزة وكرامة هذا البلد، ومن حب ووفاء وتعلق هذا الشعب بأهداب العرش والجالس عليه، لم للمغرب أن يحتل المكانة المتميزة بين الأمم والشعوب.
وها نحن اليوم وعلى مسيرة ست وعشرين سنة امتدادا لثلاثة قرون أو تزيد من عمر الدولة العلوية المجيدة، وفي عهد جلالة الملك الحسن الثاني الزاهر، نجني ثمار هذا التلاحم، ونلمس عن كثب ما تحقق لهذا البلد علي يديه الكريمتين الخيرتين من مكاسب، ونقيم حصيلة هذه النهضة وهذا الانبعاث على الصعيدين الداخلي والخارجي، ومن أجل هذا التقييم لحصيلة هذه المسيرة المباركة في تاريخنا المشرق، نحتفل بعيد العرش السعيد في ذكراه المجيدة الرائعة، ونرحب في حرارة واشتياق بمقدمها، نحتفل لنعبر عما نكنه لجلالة  الحسن الثاني حامي الملة والدين، وضامن الديمقراطية، ومبدع عبقريتنا، وباعث حضارتنا، والذي لا تسمح الصفحات مهما تراكمت لإحصاء محاسنه على أمته المغربية وأخواتها في الشرق وفي إفريقيا، فما شئنا من إصلاحات، حق ما لم نكن نحلم به، وما شئنا من رفاهية رفلنا في حللها، وما كنا نعيش فيه من جهل فاش وضآلة في التعليم عالجه بالمعاهد المختلفة، والجامعات العديدة، وما كان يتهددنا من مخاطر الطبيعة، دافعه عنا ببناء السدود وإصلاح الأراضي، كما جلب الصنائع، وأقام المصانع، وأنشأ المختبرات، وسلط الدراسات على خيرات البلاد، واكتشف مدخراتها، ففي أقل من ربع قرن صارت القرى مدنا، وصارت المدن جنات غناء يحلوا بها المقام ويطيب، وتشرق عليها شمس السعادة التي لا تغيب.
ولعل أبرز معلمة في مسيرة جلالته حفظه الله هذا التوافق المحكم بين التشبث بالعقيدة الإسلامية، والتمسك بالكتاب والسنة، وبين الأخذ بأحدث أساليب الحكم والإدارة والتسيير والاستفادة من كل ما يستند على العلم والتكنولوجيا، مما من شأنه أن يثري نهضتنا العلمية، والاقتصادية، ويرفع مقامنا كدولة ذات حضارة ومجد ورسالة ودور بالغ الأهمية والإيجابية في الإشعاع والتنوير.
والحق الذي لا مراء فيه، أن جلالته منذ تحمل أعباء المسؤولية، والتزم بأدائها بصدق وأمانة، وجريا على سبيل أسلافه الغر الميامين، وحفاظا منه على دين جده سيد المرسلين، وجلالته يحرص كل الحرص على نشر هذا الدين وزرعه في النفوس شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، سواء داخل الوطن أو خراجه، إذ هو الأساس الذي تبنى عليه صروح كل عمل وإصلاح، وفي ذلك يقول جلالته في نطق ملكي كريم :
"...ففي إطار ديننا الإسلامي السمح سنصوغ كل عمل وكل إصلاح، لأن المكاسب الدنيوية ليست غاية في حد ذاتها، لأنها مكاسب محدودة، أما المكاسب الروحية فليست لها حدود، لأنها هي الوجود، ولأنها هي التي تمكن الفرد من حسن التصرف في مكاسبه الدنيوية، وتكيف تصرفه بالخصال الحميدة، حتى لا تكون في المجتمع شحناء ولا بغضاء ولا تفرقة".
وإن المتبع لخطوات جلالته في سبيل إحياء القيم الإسلامية في هذه المملكة المغربية السعيدة، يرى أن في عهده الزاهر أطال الله عمره، قد أحدثت كتاتيب قرآنية في جميع جهات المملكة، يتلقى فيها النشء أول ما يتجه لدراسته تلقين القرآن الكريم، كما أصدر أوامره السامية المطاعة بوجوب الاهتمام بالدراسات الإسلامية في الجامعات المغربية، وأنشأ المعاهد والمؤسسات التي تدرس بها العلوم الإسلامية، كما أحيا ما رث وتقادم منها بتوالي الأحداث والسنين، وأحاط برعايته وعنايته الشاملة ما لا يزال منها باقيا محفوظا خالدا بخلود التاريخ وقدمه، رغم عوادي المحن، وتقلبات الزمن، وأعني بذلك "جامعة القرويين" التاريخية العريقة الأصيلة التي دوى اسمها عبر القرون حافلا بالأمجاد والمفاخر، وكلما تحرك اللسان لينطق به ذاب الشعور في نشوة الفخر والاعتزاز، "القرويين" ذلك الجسر الشامخ الذي ربط بين الثقافتين الغربية والشرقية، ومهد السبيل لحركة فكرية ما تزال إشعاعاتها تنير عقول الباحثين والمفكرين المعاصرين.
"القرويين" التي تكسرت على أسوارها القرون والأعوام، وما زادها تقادم الزمان إلا روعة وجمالا.
"القرويين" التي لعبت منذ نشأتها وتأسيسها سنة 245 هـ على يد المحسنة الجليلة السيدة فاطمة أم البنين الفهرية دورا بارزا، وأثرت التاريخ أيما إثراء، بما قدمته من جوانب حضارته الكبرى في نشر الثقافة الإسلامية في بلاد المغرب والأندلس، ثم في كل مناطق غرب إفريقيا بعد ذلك.
"جامعة القرويين" العتيقة التي تعد بشهادة التاريخ، أقدم جامعة في العالم، والتي طالما كابدت مكايد المستعمرين الذين قاوموا عروبتها، وإسلاميتها، باعتبارها مبعث الحركات الإصلاحية، والتطورات الاجتماعية، ومنطلق الثورات السياسية التي تقف في وجه الظلم، وتضع حدا لتصرفات ولاة الجور في كل عصر.
فكان جلالة الملك محمد الخامس قدس الله روحه، وهو حامي الملة والدين ينافح عنها بعزيمته التي لا تلين وإرادته الصلبة التي قهرت قوى الشر والطغيان، حتى إذا انتهى عصر الحجر والحماية، وأشرقت شمس الحرية والاستقلال، اهتم بتنظيمها تنظيما عصريا.
وإذا كان جلالة الملك الحسن الثاني رجل الفكر والثقافة – خير خلف لخير سلف – فقد جبل بطبيعة تفكيره، أن يرعى الثقافة في المغرب، وأن يحرص النهضة العلمية.
وإذا كان عهده الزاهر قد اتسم بإنشاء العديد من الجامعات والكليات والمعاهد العصرية التي تعرف تدفقا مستمرا في أفواج المتخرجين في مختلف العلوم والتخصصات التي تعتمد عليها البلاد كأطر عليا تسير بركبها نحو التقدم والازدهار، فإن عنايته حفظه الله بجانب ذلك قد توجهت وبصفة خاصة إلى المحافظة على كيان الحضارة والثقافة الإسلامية، ولقد اصطفاه الله ليقوم بهذه الرسالة الشريفة خير قيام، بعدما خلف والده المنعم في تحمل المسؤولية، وها هو ذا نجده رعاه الله يعلي البناء، ويسير بالأمة نحو الأمل المنشود، في ظل تعاليم الإسلام الخالدة، وتقاليدنا الطيبة الموروثة.
وفي هذا النطاق، جدد جلالته لجامعة القرويين نظامها وأرساها على قواعد ثابتة، تضمن لها السير في طريقها الأرشد، وتصمم مناهجها بما تدعو إليه وضعية الكفاح الفكري المتجدد، وتحيي ما اندرس من فنون أصبحت من ضروريات العصر التقني الذي نعيشه، مع المحافظة على قداسة الرسالة الخالدة التي حملت الجامعة مشعلها منذ سنوات عديدة.
كما نجده حفظه الله، وتحقيقا لهذه الغاية الشريفة المنتظرة من جامعة القرويين، يجعل لها رئاسة ترعى مصالحها، وتتحمل مسؤوليتها حتى تؤدي هذا الدور العظيم المنوط بها.
وللعلماء في المغرب المكانة السامية والمنزلة الرفيعة لدى جلالته، لما جبل عليه حفظه الله من حب للعلم وللعلماء.
ومن أبرز البراهين وأسطع الأدلة على ذلك، إنشاؤه لدار الحديث الحسنية على تقوى من الله ورضوان، وتشريفها باسمه الكريم، شعورا من جلاله بالدور العظيم والرائد الذي يجب أن تقوم به كمثيلتها جامعة القرويين في تكوين علماء يكونون الأطر العليا في العلوم الإسلامية، وتكون عاملا من عوامل التقدم العلمي في بلادنا، ومنارا يهتدي به المسلمون في أرجاء العالم الإسلامي.
كما يكفينا أن نشير على سبيل المثال لا الحصر، لإثبات هذه الجهود الإسلامية المباركة، في الاحتفال بمرور أربعة عشرة قرنا على نزول القرآن الكريم، وإلى الرسالة الملكية إلى الأمة الإسلامية بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري (والتي أجمع الملاحظون في الداخل والخارج على أهميتها القصوى، باعتبارها منهج عمل طرحه العاهل الكريم في الوقت المناسب، إسهاما منه حفظه الله في إيجاد حلول لمشاكل العصر، وتقديم دلائل للأمة، لتكون لها عونا للخروج من طور التخلف والتيه والضياع).
وإلى الحلقات المتوالية للدروس الحسنية كلما حل شهر رمضان المعظم، والتي يشرفها جلالته بأحاديثه الدينية القيمة من حين لآخر.
وإلى إكرام العلم والعلماء بإحداث مجالس علمية إقليمية في جميع أنحاء المملكة يضمها مجلس علمي أعلى برئاسة جلالته، عهد إليها في مجال تنظيم الدعوة الإسلامية بالقيام بدور إيجابي وفعال في تنوير الأمة، وتوعيتها وتوجيهها بتعاليم الإسلام عقائديا وروحيا وأخلاقيا لصالح الدين والدنيا.
وسعيا من جلالته حفظه الله في تكثيف الجهود الإسلامية، وإحياء للتراث والفكر الإسلاميين، وتطويرا للحياة الفكرية، وإغناء للبحث والاستقصاء والدراسة في ميادين الفقه والعلوم والفكر والثقافة والمعرفة شهدت بلادنا حدثين هامين :
- تأسيس أكاديمية للملكة المغربية تحت شعار "حمل الأمانة الربانية الملقاة على عاتق الإنسان، والإسهام في التقارب بين الشعوب".
- إقامة مهرجان "ندوة الإمام مالك بن أنس" أحد عظماء الإسلام الأعلام، تكريما لشخصه، وتقديرا لفضله على الإسلام والمسلمين، وغيرها من الندوات واللقاءات، وتوجت تلك الجهود المباركة، وتكللت بفوز عظيم حينما استطاعت شخصيته العظيمة حفظه الله، أن تجمع كلمة المسلمين في أول مؤتمر قمة إسلامي في التاريخ عقب إحراق المسجد الأقصى، كان له الأثر البالغ على سمعة البلاد، بالإضافة إلى استضافة عدة مؤتمرات عربية أخرى.
  ويكفينا فخرا واعتزازا أن يكون من روائع جلالته تلك المعجزة التي فاقت أحداث التاريخ، لتفسح المجال لحدث القرن وحديث الأجيال، إنها المسيرة الخضراء الحسنية السلمية التي كان إبداعها إلهاما من الله وتوفيقا لجلالته، خصه به جلت قدرته، ليكون دليلا على أن الملك المختار والزعيم المقتدر والقائد المنتصر، الذي صدق فيه قوله تعالى : <<إن ينصركم الله فلا غالب لكم>>.
وعلى الصعيد الخارجي يضطلع المغرب بقيادته الرشيدة بدور فعال على المستويات العربية والإسلامية، والإفريقية، والدولية.
ولعل تحمل جلالته أعباء ومسؤولية رئاسة لجنة القدس ورئاسة مؤتمر القمة العربي، واللجنة العربية السباعية المنبثقة عن الإجماع العربي في فاس، لدليل ساطع على مدى الاحترام والتقدير الذي يكنه لجلالته حفظه الله كافة الملوك والرؤساء الذين ائتمنوه على حاضر ومستقبل القدس الشريف، فكان خير من يؤتمن، وخير من يدافع، وخير من يعيد العزة، ويصون الكرامة.
وإذا كان عيد العرش مناسبة للتعرف على طبيعة المعركة اليومية الرائعة التي يخوضها الشعب بقيادة العرش والجالس عليه، وللوقوف قليلا لمراجعة حساب الأمس، واستجلاء صورة الغد، فإننا نجد أنفسنا مطالبين بحساب قائمة المنجزات الكثيرة الرائعة العظيمة التي حققناها ونحققها يوميا في كفاحنا المستمر وراء قائدنا العظيم، ولكن طموحنا أكبر، ورغبتنا في الوصول إلى الهدف تشدنا إلى الأمام إلى أبعد المسافات التي يمكن أن نقطعها أكثر مما تدفعنا للوقوف والنظر إلى الوراء، وإلى كم قطعنا من مسافات.
ونجد أنفسنا أيضا ملزمين بحكم هذا الطموح أن نجعل يوما أفضل من أمسنا، وغدا أفضل من يومنا.
وحينما يقيم الشعب المغربي قاطبة من طنجة إلى الكويرة أعراس الأفراح والمسرات والمهرجانات احتفالا واحتفاء وابتهاجا بحلول هذا العيد السعيد، إعلانا للوفاء والولاء لصاحب العرش المفدى أمير المؤمنين، وتقديسا للعرش المكين، عرش العزة والإباء، عرش الكفاح من أجل بقاء العقيدة الإسلامية، ووحدة الأمة المغربية تحت رايتها مرصوصة الصف مرهوبة الجانب.
حينما يحتفل هذا الشعب الكريم احتفالا كبيرا رائعا بهذا العيد الأكبر العظيم، فإنما يحتفل في الواقع والأساس بالعرش العلوي الخالد رمز المملكة المغربية الزاهرة، وبصاحب العرش المكين، عقد اليواقيت ومفخرة الدولة العلوية الشريفة، جلالة الحسن الثاني العظيم.
للـه يـوم مـدى الأعـوام نـرقـبـه        إذ فيـه للعهـد تـذكيـر و تجـديـد
وحبـل أمتنـا بالعــرش مـرتـبـط        بـآل بيـت رسـول اللـه مـشـدود
اثنـان في الحـب لم نشـرك بهم أحـدا  اللـه والحسـن الثانـي ذاك التوحيـد
فالعرش العلوي رمز الدولة المغربية، والحسن الثاني رمز هذا العرش، وفريد في التاريخ، فريد في المحاسن والمفاخر، أمين على الأمانة لا تحصى له مآثر.
وإن الحديث عن العرش، وتمجيد العرش ما هو في الحقيقة إلا حديث عن صاحب العرش مولانا الإمام جلالة الحسن الثاني الهمام، وتمجيد وتكريم لأعماله الجليلة التي لا تحد، ومكرماته النبيلة التي لا تعد، بحرها زاخر، وعطاؤها وافر، يعم خيرها القريب والبعيد، الداني والقاصي، ولا يزيدها توالي الأيام إلا امتدادا ومدا.
فعلى بركة الله نواصل مسيرتنا الظافرة إلى الأمام، وراء قائدنا الهمام، نصره الله وأيده على الدوام، مستمسكين بحل الله المتين، ومتعلقين بأهداب العرش العلوي المكين.
وأهلا بهذا العيد المبارك المجيد، وهنيئا لمولانا الإمام بحلوله الميمون السعيد، وحيا الله الأسرة الملكية الشريفة، وفي طليعته ولي العهد المحبوب الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه السعيد المولى الرشيد، وعاش الشعب المغربي النبيل رافلا في حلل السعادة والهناء في ظل عرشنا الخالد، رمز عزنا وفخرنا ومجدنا الأثيل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here