islamaumaroc

برور المولى سليمان بالعلم والعلماء وعلاقة ذلك بنسخة من تفسير الجلالين

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 263 رجب 1407- مارس 1987

يعد المولى سليمان – تغمده الله برحمته1 – من أشهر ملوك الدولة العلوية، وأقدرهم على تثبيت أصول العلم الديني في بلاد المغرب، ويرجع ذلك إلى تكوينه وتربيته، فهو قد نشأ نشأة دينية ساعدته على إنماء مواهبه، وعلى توجيهها التوجيه اللائق بها.
إنه كان مثال الحزم والطاعة منذ طفولته، تنبأ شيوخه ومربوه بمستقبله، ورأوا فيه من الاستعداد للدراسة ما يحرصون على إفادته وتزويده بكل ما لديهم من فنون، وقد فطن والده سيدي محمد بن عبد الله لهذه الرغبة المحتدمة في نفسه، فهيأ لـه من الفقهاء أقدرهم علما، وأحسنهم سلوكا، ليكون صورة منهم، وليقتدي بأخلاقهم وأحوالهم، فلم يخب ظنه فيه، فكان مثالا للعالم العامل بعلمه، الشيء الذي جعله حين تولى الحكم لا ينسى أصول هذه التربية، ولا يحيد عن أبعادها الخلقية، فكان إماما عادلا، وصوفيا ورعا، وعالما منتجا، يجمع بين التحقيق والتدقيق، لا يهمل مجالس العلم، ولا يغفل عنها، ولا تلهيه مشاكل الحكم ومشاغله عن متابعة المسائل العلمية، ومواكبة الاهتمامات الفقهية والصوفية.
ولعل هذه الصفات هي التي دفعت الفقيه السيد محمد بن أحمد اكنسوس : أحد مؤرخي الدولة العلوية في كتابه الجيش العرموم، أن يجعل راية المولى سليمان خضراء غالبة باعتبار كون الخضرة رمزا للخير والصلاح.
وبالفعل فإن هذا الرمز كان موافقا لأخلاق المولى سليمان، فهو الإمام الصالح الذي كان يحرص أتم الحرص على تنزيه العقيدة من الشوائب، وعلى تقويم سلوك الأفراد والجماعات، وعلى تشجيع الأخوة الإسلامية، وتقوية الروابط بين المسلمين في مختلف الأصقاع، وكان لا يألو جهدا في تنشيط الحركة العلمية وذلك بما يبذله من الإعانات المتواصلة للمدرسين والفقهاء والأدباء، كل على قدر مستواه، خصوصا منهم من اشتهر بقوة الفهم وحدة الذكاء.
وقد اتفق على نعته بهذه الأوصاف جميع المؤرخين الذين أرخوا لـه، سواء في عصره كالزياني وأكنسوس السابق الذكر أو غير عصره من الذين جاؤوا من بعد ذلك كالناصري وابن زيدان وغيرهما.
ومما ذاع في سيرته أنه كان يقترح على بعض العلماء والفقهاء أن يؤلفوا في الحديث والفقه والقراءات، وأنه كان يعنى بمختصر الإمام خليل وبشروحه، خصوصا منها تلك الشروح التي أباح والده رحمه الله للفقهاء أن يدرسوه بها، وهي شرح برهام الكبير، والمواق، والحطاب، والشيخ علي الأجهوري، والخرشي الكبير، وقد بلغ به الإعجاب بهذا الشرح حدا دفعه إلى أن يضيف إليه حاشية، يوجد الجزء الأول منها بالخزانة الحسنية تحت عدد رقم 1323.2
ومن المعلوم أن مختصر خليل كان من بين الكتب التي لا مناص لن يتعاطى الفقه والقضاء في المغرب من حفظها وفهمها، واستظهار أحكامها، وتحديد رموزها، وقد خصصت حصة يومية بجامع القرويين لسرده واستظهار بعض أجزائه، ويتقاضى الذين يسردونها أجرا على عملهم ومكافأة على حفظهم. ولم يكن من هذا الاستظهار مجرد الحفظ الببغائي، وإنما كان الهدف من ذلك تيسير الفرصة لذيوعه على شرحه وضبط قواعده وإرجاع أحكامه إلى أصولها من الكتاب والسنة ومصادر الاجتهاد.
وقد حاول الشيخ خليل أثناء وضع مختصره هذا أن يربط بعض الأقوال بمن صدرت عنهم، وأن يضيفها إلى أصحابها، ووضع لذلك رموزا في أول كتابه لتصبح واضحة متى أشار إليها، ويمكننا أن نوجز بعض تلك الرموز فيما يأتي :
أولا – إذا استعمل ضميرا غائبا مؤنثا فالقصد منه كتابة المدونة لسحنون.
ثانيا – إذا استعمل مادة التأويل فالغرض منها اختلاف شرائح المدونة في فهمها.
ثالثا – إذا استعمل مادة الاختيار فذلك إشارة إلى اللخمي.
رابعا – إذا استعمل مادة الترجيح فالمراد بها ربط الكلام بابن يونس.
خامسا – إذا استعمل مادة الظهور فالمراد بها ابن رشد.
سادسا – إذا استعمل مادة القول فالمراد بها الإمام المازري.
سابعا – إذا استعمل كلمة خلاف فالمراد بها الاختلاف في التشهير.
ثامنا – إذا لم يطلع المؤلف على أرجحية مخصوصة فإنه يقول "وفي ذلك قولان أو أكثر".
تاسعا – إذا وقع الاستظهار أو الاستحسان من غير السابقين فإنه يستعمل لفظة صححه أو استحسنه.
عاشرا – إذا كان الغرض هو الإشعار بتردد المتأخرين في نقل حكم من الأحكام أو في الإشعار بأن المتقدمين لم يرد عنهم نص في الموضوع فإنه يستعمل كلمة تردد.
وهكذا نلاحظ أن الإشارات التي أوضحها الشيخ خليل رحمه الله في مختصره كانت تهدف إلى إعطاء نظرة كاملة على الصورة التأليفية لهذا الكتاب، وتوضح أنه لم يؤلف لوضع الأحكام وللإشارة إليها مجرد إشارات غير منسوبة لقائليها، وإنما كان الغرض هو تعويد المتعلم على الحكم من جهة، وعلى عدم إهمال القائلين به من جهة أخرى.
وقد علم الفقهاء أن المولى سليمان كان حريصا على نشر هذا المختصر والاحتفاء به، فأذاعوه بين طلبتهم وطالباتهم.
ومن الأخبار الطريفة في هذا الموضوع، الدالة على عناية المغاربة في هذه الحقبة بهذا الكتاب، أن ختما له وقع في مجلسين في وقت واحد، ذلك أن الشيخ المختار ابن أبي بكر الكنتي وزوجته السيدة الفاضلة عائشة بنت المختار بن الأمين الأزرق المتوفاة سنة 1224 هـ قد احتفل كل منهما في حلقته المخصصة له بختم هذا الكتاب، فقد كان هذان الزوجان العالمان يحرصان على إعداد دروسهما معا، وعلى تلقين ما يعدان لطلبتهما. كل في مجلس حافل خاص به. هو للطلبة الذكور، وهي للطلبة الإناث، وقد ألف ولدهما كتابا في ذكر فضائلهما سماه : "الطريفة والتالدة، في مناقب الشيخ الوالد والوالدة" توجد نسخة منه بالمكتبة العامة بالرباط تحت رقم 2294 ك.
وعلى كل حال فإن هذا النشاط العلمي في عهد المولى سليمان لم ينحصر في ميدان الفقه فقط، بل توجه أيضا إلى علم التفسير وعلم القراءات وعلم الحديث، ونظرة في كتب التاريخ توضح لنا مدى اعتنائه بهذه العلوم، ومدى تقديره للعلماء الذين كانوا بها مهتمين، ونذكر منهم على سبيل المثال شيوخه الذين أغنوا الخزانة الغربية بمؤلفاتهم القيمة، مثل شيخ الجماعة سيدي التاودي ابن سودة، والفقيه أبي محمد عبد القادر ابن شقرون، والعالم المقرئ السيد محمد بن عبد السلام الفاسي.
ومن محاسن أخلاق السلطان المولى سليمان، أنه كان بارا بشيوخه برورا لا يعرف قيمته إلا من وهبه الله تلك الروح الطيبة المشرقة التي تقدر العلم وتعرف مزية الاعتناء بأهله. وسنكتفي ببعض مظاهر البرور بهؤلاء الشيوخ الذين تقدمت أسماؤهم، فهو الذي بنى ضريح سيدي محمد التاودي رحمه الله، وهو الذي عاد شيخه ابن شقرون أثناء مرضه، وحضر جنازته حين وفاته، وشارك بيده في حشره داخل قبره بالضريح الإدريسي3 وهو الذي ألف احتفاء بشيخه السيد محمد بن عبد السلام الفاسي كتابه القيم : "عناية أولي المجد، بذكر آل الفاسي ابن الجد" وهو كتاب عميق المضمون، حسن الأسلوب دقيق الوصف، تحدث فيه عن أصول الأسرة الفاسية، وعن أعلامهم بالأندلس كأبي القاسم ابن الجد، وعن رحلتهم إلى عدوة المغرب، وعن جهادهم في مواصلة البحث العلمي، وفي مقاومة الاحتلال الأجنبي، إلى أن وصل إلى ترجمة شيخه محمد بن عبد السلام، فاحتفى بذكره وتقديره، وتحدث عن مراحل تكوينه العلمي وعن هجرته إلى بعض المدن والقرى المغربية ليتمكن من القراءات القرآنية تمكنا يحميه من الخطأ، حتى إذا اطمأن إلى استيعاب القرآن بقراءاته، وعلم أنه قادر على تبليغه وتعليمه، رجع إلى مدينة فاس، فملأ مجالسها ذكرا وعلما، وقدم لطلبته ما يتوخونه من أنواع المعارف، وقد ذكر المولى سليمان في كتابه هذا أن شيخه هذا كان يتردد عليه أصناف أربعة من المتعلمين4 :
الصنف الأول : أخذ عنه قراءة القرآن بالروايات إفرادا وجمعا، مع تحقيق أحكامها في مجالس الدرس.
الصنف الثاني : أخـذ عنـه قـراءة القـرآن كذلك، لكن لا مع تحقيق الأحكام، بل لمجرد المدارسة والاستماع فقط.
الصنف الثالث : أخذ عنه ما سوى القراءة وأحكامها من فنون العلم فقط.
الصنف الرابع : أخذ عنه كلا من القراءة بأحكامها وغير ذلك من سائر فنون العلم.
وقد كان المولى سليمان من هذا النوع الأخير، ولهذا كان بأستاذه معجبا، وبما أخذ عنه مفتخرا، وبترداد اسمه في المحافل لاهجا، قال :
"وإني والحمد لله من هذا القبيل، فقد قرأت عليه ختمات شتى من كتاب الله، برواية ورش عن نافع قراءة تثبت وتجويد، واستفدت من علومه بالمذاكرة في غالب الفنون ما وجدت بركة الانتفاع به في ديني ودنياي، وسمعت من حكمه ومواعظه ووصاياه ونصائحه ما تستأثر به القلوب القاتمة، وتنقاد له النفوس الأبية، جعلنا الله ممن عمل بما علم، فنجا في الدار الآخرة وسلم..."5.
ثم قال :
"وكان لشيخنا محمد ابنه محمد سميه مات في حياته عن ابنه محمد العربي وهو الآن في قيد الحياة يقرأ القرآن ويبادي في أمهات العلم أصلحه الله".6
ومحمد العربي هذا هو الحفيد الوحيد الذي خلفه الشيخ محمد بن عبد السلام الفاسي بعد موته، وكانت عادة المولى سليمان ألا يهمل أسر العلماء، وأن يتتبع أحوالهم وتربيتهم، وأن يجدد الإحسان إليهم، وفكر في الوسيلة الإحسانية التي يمكنه أن يساعد بها هذا الحفيد الذي هو الرابطة البقية بينه وبين شيخه، فارتأى أن أحسن ما يمكن أن يقدم إليه هو مخلفات جده من الكتب، عساها أن تكون مفتاح خير عليه، وأن تدفعه إلى مواصلة العلم ومتابعة الدراسة، ولكن كيف السبيل إلى ذلك ؟ وكيف العمل مع ورثة الهالك ؟ وما مصير هذه الكتب إذا مات هذا الولد قبل أن يستفيد منها، أو قبل أن يكون له عقب يستفيد منها ؟
إن المولى سليمان فكر في هذه الاحتمالات كلها، وكيف لا يفكر وهو العالم الورع العدل الذي يخشى الظلم ويخاف من عواقبه ؟
وبعد تفكيره توصل إلى الحل التالي :
أولا – إرضاء الورثة بشراء الكتب التي خلفها الهالك رحمه الله.
ثانيا – تحبيس هذه الكتب على الولد العني بالأمر، وعلى أعقاب أولاده، ليصبح لهم حق الاستفادة منها دون الحق في تفويتها ببيع أو هبة أو بأية وسيلة من وسائل التفويت.
ثالثا – إرجاع هذه الكتب إلى خزانة القرويين متى انقرض عقب الابن المذكور.7
إن هذا الموقف من المولى سليمان ليحمل في طياته بعدا حضاريا عميقا لا يمكن حصر قيمته ولا تعداد فضائل منفعته.
إنه تفكير عملي في حماية العلم وفي حفظ وسائله، ذلك أن الكتب لم تعد في رأي المولى سليمان بضاعة تساوي غيرها من الموروثات المادية، بل إنها عنصر فعال في تهذيب الفكر وتقويم الأخلاق وتقوية الملكات، ولهذا فإنها ينبغي أن يحتاط لها الاحتياط الكافي لئلا تضيع فائدتها، فلا يترك المجال لمن يملكها أن يتصرف فيها كيف شاء، إذ يجب الاعتناء بها والحرص على وضعها في يد من ينتفع بها.
ولم يتيسر لنا أن نعرف عدد هذه الكتب ولا أسماءها ولا موضوعاتها العامة، وهل هي كل الكتب التي كانت بالخزانة، أو إنما كان ذلك مقصورا على المؤلفات التي ألفها نفسه، أو المنسوخات التي نسخها بيده.
شيء واحد يمكن أن نتيقن منه هو أن من بين هذه الكتب تفسير ذي الجلالين مكتوبا بخط الفقيه الفاسي، وقد زينت هوامشه بذكر القراءات المختلفة، مع رموز تشير إلى أصحابها، بالإضافة إلى بعض التعليقات الموجزة المنسوبة إلى بعض المفسرين والمحدثين والفقهاء، من بينهم ابن جزي، والبخاري، وابن عطية، والبيضاوي، والزمخشري، والعارف الفاسي، والشافعي، وإمام الحرمين، وغيرهم، وكان أحيانا يكتفي بالإشارة إلى بعض حواشيهم، أو كتبهم، دون أن ينقل شيئا، إنما يقول : "انظر كذا أو كذا".
وقد كتب على الورقة الأولى من هذا الكتاب في زاويته العليا من جهة اليمين :
"الحمد لله هذا الكتاب من منن الله على عبده الفقيه محمد بن عبد السلام الفاسي لطف الله به آمين، كتبه بيده الفانية".
ثم توجد بنفس الورقة وثقة التحبيس، وقد حذفت بعض كلماتها، نظرا للقطع الذي وقع بطرف الورقة أثناء تسفير الكتاب وترميمه، تقول الوثيقة :
"بعدما اشترى مولانا الإمام المظفر الهمام أبو الربيع سليمان العلوي الهاشمي أيد الله نصره، وخلد في الصالحات ذكره، من ورثة الفقيه الأجل الأستاذ المبجل المرحوم سيدي محمد بن عبد السلام الفاسي جميع هذا الكتاب المسمى بالجلالين المكتوب هذا على أول ورقة منه ونقل... في علم شهيديه أشهد نصره الله... أنه حبسه على أعقاب المذكور للابن الشاب الأنجب سيدي محمد العربي وأولاده ما تناسلوا وامتدت فروعهم، فإن انقرضوا صار حبسا على خزانة القرويين، عمره الله بذكره، تحبيسا مؤبدا، ووقفا مخلدا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، قاصدا بذلك ما عند الله، عرف قدره شهد عليه بأكمله وعرفه أواخر رمضان المعظم عام أربعة عشر ومائتين وألف".
إن هذه الوثيقة تعد من أهم الوثائق الدالة على عمق الرؤية السليمانية في توجيه الثقافة المغربية، وإن ارتباطها بهذا الكتاب بالذات لمما يؤكد مدى العناية التي كانت للمغاربة بهذا التفسير الدقيق الموجز، الذي يعد من أقرب التفاسير منالا، وأوضحها معنى، رغم إيجازه واختصاره، ولقد حاول الجلال السيوطي أثناء التمهيد لإضافاته أن يبين الخطة التي سار عليها والتي تعد في الواقع المنهاج الذي كان يسير عليه الجلال المحلي أيضا، وهي تتلخص في النقط التالية :
أولا – في الاقتصار على ذكر ما يفهم منه كتاب الله.
ثانيا – في الاقتصار على إعراب ما يحتاج إليه فقط دون غيره.
ثالثا – في الاعتماد على أرجح الأقوال.
رابعا – في التنبيه على القراءات المشهورة على وجه لطيف وتعبير وجيز.
خامسا – في ترك التطويل بذكر قواعد غير مرضية، وأعاريب محلها كتب العربية.
ولكن رغم هذا المنهاج المحدد فإن بعض القراء لتفسير الجلالين لاحظوا وجوب التوسع في بعض الجزئيات ووجوب التعقيب على بعض الاختيارات، فكثرت الحواشي لهذا الكتاب، وتعددت الهوامش عليه.
ونسخة الفاسي هذه، وإن لم تدخل في مجال الحواشي الكبار، فهي لم تخل من بعض التعليقات القليلة حسب ما سبقت الإشارة إليه، فهي تمتاز بما يأتي :
أولا – بتحديد أنواع القراءات والرمز لقائلها، وهو عمل داخل في اختصاص الناسخ، ويعتبر عملا جيدا في بابه.
ثانيا – بوجود بعض التعليقات، إلا أن بعضها كتب بيد الناسخ، وبعضها أضيف إلى النسخة بعد ذلك بخط غيره.
ثالثا – الاكتفاء بالإشارة إلى بعض الحواشي دون أن ينقل منها شيء، وهذا أمر يساعد قارئها ويرشده ويدفعه إلى التوسع متى احتاج إلى ذلك.
ولعل من البرور العلمي أن نصف للقراء هذه النسخة، وأن ننقل بعض هوامشها للتعرف على بعض الاهتمامات التي كانت للمغاربة آنذاك.
فهي مسجلة بخزانة القرويين تحت رقم 17، ومقاسها 22 ×32 وصفحاتها تبلغ 384 صفحة، وخطها واضح جيد، وأوراقها دقيقة الصنع، وهي خالية من تاريخ النسخ، وقد ختمت بقول الناسخ :
"نجز بحمد الله وحسن عونه على يد عبد الله راجي عفوه العظيم محمد بن عبد السلام الفاسي حامدا الله تعالى ومصليا على نبيه ورسوله سيدنا محمد بن عبد الله القرشي المكي المدني (صلع)".
وقد أضيفت إليها بعض الفوائد بالأوراق التي تكون عادة زائدة على صلب الكتاب.
فمن تعليقاته الموجودة بالهوامش ما يأتي :
أولا – قال المعلق بعد تفسير قوله تعالى : <<يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكن لعلكم تتقون، الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون...>>8
ونسب ذلك إلى ابن عطية ما يأتي :9 هذه الآية تقضي أن الله تعالى أغنى الإنسان بنعمه هذه عن كل مخلوق، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا فقد أخذ بطرق من جعل لله أندادا، عصمنا الله بفضله، وقصر آمالنا عليه.
ثانيا – قال الله تعالى : <<ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة كن له كفل منها، وكان الله على كل شيء مقيتا...>>10
ويقول المحلي في تفسيرها : (من يشفع) بين الناس (شفاعة حسنة) موافقة للشرع (يكن له نصيب) من الأجر (منها) بسببها.
(ومن يشفع شفاعة سيئة) مخالفة له (يكن له كفل) نصيب من الوزر.
ويقول المعلق :11  النصيب الحصة من الشيء، والكفل الضعف من الأجر والإثم، والضعف قال الأزهري أصله في كلام العرب المثل، ثم استعمل في المثل وما زيد عليه، فيقال هذا ضعف هذا أي مثلاه وثلاثة أمثاله وأكثر، لأن الزيادة غير محصورة، فلو قال موص : "أعطوا زيدا ضعف نصيب ابني" وفضل في نصيب الابن درهم، أعطى الموصى له درهمين، أو قال : "ضعفي نصيبه" أعطي ثلاثة دراهم، على هذا جرى عرف الناس، انظر المصباح.
ثالثا – قال الله تعالى : <<هل جزاء الإحسان إلا الإحسان>>12 وفسر المحلي هاته الآية بقوله (هل جزاء الإحسان) بالطاعة (إلا الإحسان) بالنعيم.
وتعرض الناسخ 13في الهامش إلى ذكر معاني (هل) فقال : (هل) تجيء على أربعة أوجه :
الأول بمعنى "قد: كقوله تعالى <<هل أتي>>.
والثاني بمعنى المر كقوله تعالى <<فهل أنتم منتهون>> أي انتهوا.
والثالث بمعنى الاستفهام، كقوله تعالى : <<فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا>>.
والرابع ما الجحد، كما في هذه الآية، أي ما جزاء الإحسان في العمل إلا الإحسان في الثواب، ثم قال : هل تدرون ما قال ربكم، قالوا الله ورسوله أعلم، قال : يقول هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا ان أسكنه جنتي وحظيرة قدسي برحمتي... (انظر روح البيان).
رابعا – لما كتب الناسخ سورة الممتحنة شكلها بفتح الحاء وكسرها، فجاء في الهامش نقلا عن حاشية العارب ما يأتي :14 قال ابن حجر : "المشهور في هذه التسمية بفتح الحاء، وقد تكسر، فعلى الأولى هي صفة المرأة التي نزلت السورة بسببها، والمشهور أيضا أنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، ومن كسرها جعلها صفة للسورة كما قيل لبراءة الفاضحة إلخ".
وأما الفوائد العارضة فمما جاء فيها نقلا عن الإتقان قوله : "أخرج البيهقي من حديث ابن عمر مرفوعـا : من قرأ القرآن فأعربه كان له بكل حرف عشرون حسنة، ومن قراه بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات، والمراد بإعرابه معرفة معاني ألفاظه، وليس المراد الإعراب المصطلح عليه عند النحاة، وهو يقابل اللحن، لأن القراءة مع فقده ليست قراءة، ولا ثواب فيها. صح منه بلفظه.
ومما جاء فيها قوله : وفي الخبر : لا يعذب الله صدرا حفظ القرآن ولا قلبا وعاه.
ومما جاء فيها قول الشاعر :
نعـم فليـس المـرء يولـد عالمـا          وليـس أخـو جهـل كمـن هـو عالـم
و إن كبيـر القـوم لا علـم عنـده         صغـيـر إذا التفـت عليـه  المحـافـل
وإن صغيـر القـوم والعلـم عنـده        كبـيــر إذا ردت إلـيــه المسـائـل
ومنها أيضا ما نظمه بعضهم في القبائل التي نزل القرآن بلغاتها، فقال :
وأحـرفهـا في الذكـر تنبـي بأنها        لـغـات لـقـوم سبعــة هـكـذا ورد
قـريـش تمـيـم ضبـة و كنانـة           وباقيهـم قيـس هـذيـل بـنـو أســد
ومنها أيضا ما قاله ابن عباس في تفسيره على قوله تعالى : <<يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا>> أي فقهوهم في الدين وأدبوهم.
فمن خلال هذه الهوامش وهذه الفوائد نرى أن الاهتمامات كانت موجهة في الغالب إلى الحث على الأخلاق الحميدة، وإلى تربية النفوس تربية قانعة شاكرة مؤهلة في الله كل مظان المغفرة والرحمة، زيادة على استغلال بعض القواعد اللغوية أو ذكر بعض الجزئيات المتصلة بأنواع القراءات وما يترتب عنها من تنوع المعاني واختلاف التأويل.
وهكذا نلاحظ أن هذه النسخة التي وصلت إلى خزانة القرويين بفضل عناية هذا السلطان بالعل وبروره بشيوخه تعد من النسخ الفريدة في دقة معانيها وسلامة محتواها وقيمة ما أضيف إليها من الفوائد والتعليقات، رحم الله كاتبها وقارئها، وتولانا جميعا برحمته، إنه سميع الدعاء.


1  بويع السلطان المولى سليمان بن محمد بن عبد الله يوم السبت سابع عشر رجب عام 1206 هـ موافق 11 يناير 1792 م وتوفي في رابع عشر ربيع الأول عام 1238 هـ موافق 29 نونبر عام 1822 م.
2  وصف هذا الجزء المرحوم عبد القادر الصحراوي في بحث له عن المولى سليمان بمجلة دعوة الحق بالعدد الرابع من السنة العاشرة مارس 1967.
3  الدرر الفاخرة بمآثر ملوك العلويين بفاس الزاهر تأليف الشريف سيدي عبد الرحمن ابن زيدان رحمه الله ص 72.
4  عناية أولي المجد ص 74.
5  نفس المصدر ص 76.
6  نفس المصدر ص 85.
7  جاء في مقال للمرحوم الأستاذ علال الفاسي الذي نشر بدعوة الحق العدد الرابع من السنة الحادية عشر فبراير 1968 أن المولى سليمان ذكر أن بعض هذه الكتب إذ انقرض عقب شيخه يرجع إلى الزاوية الفاسية وبعضها يرجع إلى القرويين، ولم يذكر المرجع الذي اعتمد عليه في ذلك.
8  سورة البقرة (21-22).
9  تفسير ذي الجلالين نسخة القرويين رقم 17 ص 4.
10  سورة النساء 85.
11  المخطوطة المتحدث عنها ص 85.
12  سورة الرحمن الآية الستون (60).
13  المخطوطة صفحة 334.
14  المخطوطة صفحة 342.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here