islamaumaroc

على هامش سفارة أشعاش: مشاهدات دبلوماسي مغربي في عهد المولى عبد الرحمان بن هشام.-1-

  محمد العربي الخطابي

العدد 263 رجب 1407- مارس 1987

في عام 1261 هـ (1845 م) أوفد السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام سفارة إلى باريس برئاسة السيد عبد القادر بن محمد أشعاش عامله على تطوان، وعضوية الأمين السيد محمد بن محمد اللبادي والأمين السيد العربي بن عبد الكريم العطار، والفقيه السيد محمد بن عبد القادر الصفار الذي رافق الوفد بوصفه كاتبـا1، وكل هؤلاء من بيوتات تطوان العريقة النابهة، وما يزال لهم أحفاد بها إلى الآن.
وكان عاهل فرنسا إذ ذاك هو لوي فليب الأول Louis Philipe 1er  من بيت دورليان (D"Orleans) الذي اعتلى عرش فرنسا عام 1830 وخلع عام 1848.
وليس غرضنا الآن البحث في المهمة الدبلوماسية التي كلف بها هذا الوفد الذي حمل معه خطابا من عاهل المملكة إلى ملك الفرنسيين، واستقبل بما يليق به من حفاوة وإكرام، وأدى رسالته على أحسن وجه، بل مقصودنا هو الكلام على الرحلة نفسها منذ أن خرج الوفد من مرسى مدينة تطوان إلى مرسيليا ومنها إلى باريس، وذلك استنادا إلى ما سجله السيد محمد الصفار، كاتب السفارة، من مشاهدات وملاحظات يندر وجود مثلها في كتب الرحلات السفارية الأخرى.
وكان الصفار شابا في مقتبل العمر، وكان فقيها يكاد يكون منقطعا في ذلك الوقت " للعدالة ولفتوى وكتابة الوثائق الشرعية، وإلقاء الدروس العلمية " كما وصفه أستاذنا الجليل وقدوتنا المرحوم السيد محمـد داود2.
والصفار هذا هو الذي أصبح فيما بعد عاملا على فاس ثم وزيرا خدم ثلاثة من ملوك الدولة العلوية الشريفة : مولاي عبد الرحمن بن هشام (1231- 1276 هـ /1816- 1859 م).
وسيدي محمد بن عبد الرحمن (1276- 1290 هـ / 1859- 1873 م).
ومولاي الحسن الأول في مدينة مراكش عام 1298 هـ / 1880 م، ودفن بها.
وتوجد من رحلة الصفار نسخة فريدة محفوظة بالخزانة الحسنية في القصر الملكي بالرباط (رقم 113) وقد اطلع عليها أستاذنا محمد داود – رحمه الله – ورجح أنها بخط المؤلف وتكلم على محتوياتها وقدم منها فقرات في كتابه "تاريخ تطوان".3
وقد ألقيت على هذه الرحلة نظرة جديدة والتقطت منها ما ظهرت لي أهميته اقتداء بأستاذنا داود وإحياء لذكراه، وله فضل السبق في ذلك، وهو الذي لاحظ، بحق، أن الصفار لم يعن في رحلته بالكلام على المسائل السياسية والدبلوماسية المتعلقة بالمهمة التي سافر من أجلها الوفد، معللا ذلك بأن " هذا الإغفال كان سنة معهودة...لدى جميع السفراء المغربيين الذين سبقوه إلى أوربا وغيرها، ولعلهم كانوا يرون أن ذلك من الأسرار الدولية التي من واجب أمثالهم المحافظة عليها وكتمانهـــــا "4.
وهذا تعليل في محله لاسيما وأننا نعلم أن الصفار كتب رحلته بأمر من السلطان نفسه بعد نحو سنة فقط من إنجازها.
ومع ذلك فإن الكاتب سجل عددا من المعلومات المتعلقة بالسياسة الداخلية الفرنسية في ميادين الاجتماع والاقتصاد والمواصلات، بل إنه عني أيضا بالحياة البرلمانية والنظام التشريعي وبالصحافة وغير ذلك، وحاول ما وسعه الجهد أن يفهم ما أتيح له مشاهدته من أشياء جديدة وأن يشرح ذلك باللفظ والرسوم كما فعل عند شرحه لطريقة عمل التلغراف والتيلفون.
لقد كان الصفار مفتح العينين، نافذ البصر متيقظ الضمير ذا حظ وافر من الثقافة، فلم يفته شيء من مظاهر الحضارة ودقائق الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في فرنسا، ولاسيما في باريس، وهو بطبيعة الحال لم يصل إلى الحد الذي يجعله يتجاسر على عقد المقارنة بين المجتمع المغربي والمجتمع الفرنسي، ولكن كلامه يوحي بذلك، فهو لا يترك فرصة تمر دون أن يشيد بما يراه من محاسن ومزايا، وهو لا يتردد في الإعراب عن إعجابه بما يشاهده من دلائل النظام والتقدم والجمال في كل شيء تقع عليه عينه من موانئ وفنادق وطرق وقصور ومكتبات ومتاحف ومسارح ومدارس، بل إنه يصف بعض الحفلات التي شهدها من غير أن يصطنع الوقار الكاذب المألوف في ذلك العصر، أو أن يتكلف استنكار عادات وتقاليد تخص شعبا آخر، بل كان أمينا وموضوعيا فيما ينقله ويصفه.
وأسلوبه مرسل، وعبارته واضحة في غالب الأحيان، ولو أنه يستعمل دون تحرج بعض الكلمات العامية أو الأجنبية.
فلنمض مع هذه الرحلة الدبلوماسية الممتعة مقتصرين على ما نجده فيها من طرائف وصفية تنم عن ذكاء صاحبها ونفاذ بصره وحسه الاجتماعي المتفتح وقدرته على استيعاب ما تشاهده عينه لأول مرة من أشياء جديدة كانت تزخر بها أوربا في غمرة الثورة الصناعية الحديثة.
بدأت الرحلة من مرسى مدينة تطوان يم السبت ثالث عشر ذي الحجة عام 1261 هـ (ديسمبر عام 1845)، حيث استقل الوفد الملكي المغربي باخرة وضعتها الحكومة الفرنسية رهن إشارته، واستغرقت الرحلة أربعة أيام من مرتيل إلى بور بندر5 حيث رست الباخرة للتزود بالوقود والطعام، ثم أقلعت من جديد لتشق طريقها عبر "غلف ليون " كما سماها الكاتب، و"غلف" كما هو واضح، تعريب لكلمة Golfe  بالفرنسية – أي خليج – ووصلت الباخرة إلى مرسيليا صبيحة يوم الجمعة تاسع عشر ذي الحجة.
وعن مرسى بندر رسم لنا الصفار صورة تنم عن إحساسه الحي بالتجهيز المتقن والنظام البديع فقال :
"وهي مرسى صغيرة، لكنها لإتقانها وإحكام صنعتها وحسن مدخلها وبناء شواطئها تلحق أو تفوق المراسي الكبيرة، ليس فيها رياح... فيسير المركب في داخلها كأنه في وسط صهريج، يبقى سائرا حتى يلتصق بالشاطئ ويربط حباله في أقراص غليظة من الحديد مستمرة في الحجارة العظيمة التي بني بها الشاطئ المذكور، وعلى باب هذه المرسى أبراج للمدافع ومنارات عظيمة عالية على جبال هنالك تضيء بالليل ليهتدى بها إلى المرسى... وعلى هذه المرسى قرية صغيرة تسمى بالاسم المتقدم... فيها ديار وحوانيت تباع فيها المأكولات، وعليها كثير من بساتين العنب".
كان الاستقبال الرسمي في مرسيليا حافلا، فقد صعد شيخ المدينة إلى ظهر الباخرة لتحية الوفد السلطاني، وأظهر له كثيرا من "الإعزاز والإكرام والتوقير". وعند نزول الوفد دوت طلقات المدافع واصطف حرس الشرف من الراجلين والفرسان لتحية السفير السلطاني، وبعد هذه المراسيم ركب الوفد "أكداشا"6 منتخبة تجرها الخيل المسومة انطلقت به إلى الدار التي خصصت لإقامته.
وفي اليوم التالي – الأحد – أزمع الموكب السفر إلى باريس، وهنا يبدأ الكاتب في إعطاء طائفة من المعلومات عن أشياء لفتت نظره واستحسنها، وهي متعلقة في الجملة بوسائل المواصلات وحالة الطرق ونظام الفنادق، وفيما يلي فقرات بأسلوب المؤلف :
" قانون7 السفر في هذه البلاد أن المسافر لا حمل معه زادا ولا فراشا ولا خزانة… وإنما يحتفظ بدراهمه وذهبه، فبذاك يبلغ المنى من كل آماله، وذلك أن هذه الطريق كلها أو جلها عمران، فلا يفارق المار عمارة حتى يدخل في أخرى، وكلا وصل عمارة وجد فيها أسواقا يباع فيها من كل شيء يحتاجه المسافر، وفيها دار أو ديار تسمى عندهم " اللوكندة" وتسمى "البوصاضة"8 والفرق بينهما أنه إن كان فيها موضع الثواء والطعام فهي الثانية، وإن كان فيها موضع الثواء فقط وكل واحد يأتي بطعامه من السوق فهي الأولى، وهي دار كبيرة ذات بيوت كثيرة في فوقيها، وكل البيوت لها طاقات (أي نوافذ) كبار على قدر قامة الإنسان أو أكثر تشرف على ما تحتها من الشوارع والأسواق، وكل بيت فيه فراش واحد أو أكثر… بغطائه ووطائه وستوره، والكل في غاية النظافة واللين، وقد تكون أرضه مفروشة بالزرابي الجيدة يطأها الداخل بنعله، إذ ليس من عادتهم خلع النعال إلا إن دخل (أحدهم) فراش النوم، وكل طاقات البيت عليها ستور من الحرير أو غيره، وفيه عدة من الشوالي (الكراسي) للجلوس، ولا يعرفون الجلوس بالأرض أصلا... وفي وسطه طبلة (مائدة) من رفيع الخشب أو المرمر معدة للكتابة عليها أو نشر الكتاب إن كان... وفيه خزانة من العود الجيد يشرق كأنه المرآة... ومن لازم كل فراش خزانة صغيرة عند رجليه بداخلها إناء نظيف للبول، وفي غالب البيوت مكانة (ساعة حائط) كبيرة وثريات وحسك للشموع ومرآة كبيرة... ومن لازم كل بيت غراريف مملوءة بالماء كل واحد منزل في وسط إناء واسع ومعه فويطات صغار نقية مطوية... وفي غالب البيوت تصاوير وتماثيل من البلدان والأشجار وأشخاص الحيوانات والسفن والبحار... ولهم بها اعتناء كبير فلا يخلو منها محل... ومن لازم كل بيت كانون صغير مبني بالرخام ونحوه على شكل لطيف توقد فيه النار بالحطب زمن البرد وعليه مدخنة نافذة للهواء فلا يتأثر البيت بالدخان أصلا لإحكام تلك المدخنة... ويكون في البيت أيضا الدواة والقلم وسائر آلات الكتابة، وهذا الذي ذكر هو أثاث بيوتهم كلها وإن اختلفت أوصافه بالجودة أو ضدها باعتبار الغنى والفقر".
"... وإنما السفر هناك (في فرنسا) في الأكذاش والكراريص والخيل تجرها، وهي على أشكال وأنواع... والحاصل أن المطر لا يمنع من السفر في هذه البلاد لأنه لا يصيب المسافر ولا أمتعته منه شيء...".
"...فالطريق عندهم كأنه سطح بيت لا يوجد فيها خضخاض ولا حفر ولا شوك ولا حجر... ومهما انثلم فيها (من الطرق) شيء بادروا بإصلاحه، فلا يغفلون عن تعاهدها، وفي طريقنا هذه، ما مررنا على موضع منا إلا وجدنا بجانبي الطريق أكداسا من الحجر يمينا وشمالا أعدت هناك لإصلاحها... وجل حافاتها في كثير من المواضع مغروس بالأشجار العظام تظلل الطريق، وليس عندهم نهر ولا خندق ولا حفير ولا خليج إلا عليه قنطرة..."
"...ومن اعتنائهم أنه كلما افترق طريقان نصبوا في مفترقهما عمودا فيه لوح مكتوب فيه أين تخرج هذه وأين توصل هذه، ولهم في جوانبها رشوم بالغباري9 للأميال فحيثما كان المسافر منها يعرف كم مضى له من محل خروجه وكم بقى له للمحل الذي يقصده".
"ثم إن السفر يتيسر في هذه البلاد ليلا ونهارا من غير مشقة ولا تعب، وذلك لما عندهم من الأمان التام فلا يخشى المسافر من لص ولا قاطع طريق... لا ترى فيهم من يحمل سلاحا قط، وإنما يحمل السلاح العسكر...".
"... وفي الطريق إسطبلات تسمى بلغتهم "البوسطة" فيها خيل كثيرة، فإذا وصلها الركب ترك فيها ما عنده من الخيل وأخذ غيرها مستريحة... وقد تبدل علينا في ذهابنا من مرسيليا لباريز ما يزيد على ثمانمائة فرس، وكنا في ثلاثة أكداش يجرها أحد عشر فرسا...".
وبعد أن وصف الكاتب الفنادق وحالة الطرق وانظمة السفر وصفا مفصلا انتقل للكلام على المدن التي مر بها الركب من مرسيليا إلى باريس، وكانت مشاهداته في ذلك حافزا له أن يصدر بإنصاف حكما عاما على مظاهر العمران في فرنسا وطابع مدنها وقراها، يقول الصفار :
"وقد رأينا في طريقنا هذه ما يشهد شهادة حق لأهل هذه البلاد بالاعتناء التام والتبصر العام بأمور دنياهم وإصلاح معاشهم وإتقان تدبيرهم، فهم جادون كل الجد في عمارة الأرض بالبناء والغرس وغيره لا يسلكون في ذلك طريق التساهل ولا يصحبهم فيه تغافل ولا تكاسل، فلا ترى عندهم شيئا من الأرض ضائعا أصلا، ولا ترى عندهم خرابا ولا أرضا مواتا، حتى إن التي ترابها رديء ينقلون لها التراب الجيد من أرض أخرى، ويعطون لكل نوع من الأرض ما يستحقه، فما يصلح للحرث يحرث، وما يصلح للغرس يغرس".
إن هذه الكلمات التي أفرغها الصفار في قالب إعجاب ظاهر وصريح بما شاهده من نظام وحسن تدبير، توحي في نفس الوقت بما كان يحسه الكاتب من مرارة في نفسه وهو يقارن ذهنيا بين بلاده وبلاد الغير في غمرة القرن التاسع عشر الميلادي.
وفيما يلي لقطات أخرى من ملاحظات الصفار حول ما شاهدته عينه وهو في طريقه إلى باريس :
"...وأشجارهم كلها أو جلها مستنبتة ولو كانت في رؤوس الجبال أو بطون الأودية... حتى إنهم يغرسون الأشجار في مجاري الخنادق والسيول وحافات الأنهار، ولا تتأثر بشيء من ذلك ولا يحملها السيل، لأنهم لا يغفلون عن تعاهدها، يعالجونها كل وقت بما تستحقه من تنقية وغيرها، وليس اعتناؤهم قاصرا على الأشجار المثمرة، بل هي عندهم بالنسبة لغيرها قليلة، فغالب أشجارهم لا ثمار لها، وإنما فائدتها الظل والحطب والخشب".
"ومما عندهم من الأشجار المثمرة الزيتون بناحية مرسيليا وطولون... وشجرة لا يتعاظم عندهم كما يكون بالغرب، بل غالبه يجنيه الإنسان من الأرض، وهم يتعمدون ردعه فيبقى دائما صغيرا ليعظم حبه ويشتد غصنه، وزيتهم في غاية الحلاوة والصفاء... وعندهم أيضا كثير من أشجار اللوز، وخصوصا في ناحية مرسيليا".
"وغالب أشجارهم الصفصاف ونحوه... وللحطب عندهم شأن وبال، وتاجر الحطب عندهم كتاجر الذهب لما تقدم من إيقادهم النار في كل بيت أيام البرد، فتجد عنهم ساحات كبارا جدا فيها جبال من الحطب كله يابس نظيف مقطوع قطعا صغارا... ويبع عندهم بالوزن لا بالأحمال... وليس عندهم غابة مباحة للاحتطاب، بل كل واحد يحتطب من ملكه، ويغرس الأشجار في فدانه وبستانه بقصد ذلك... ولهم قوانين في قطع الأشجار، منها أنه من له غاية يقسمها على مقدار ما تبلغ10 فيه أشجارها، فإن كانت تبلغ على عشر سنين فيقسمها على عشرة أجزاء، كل عام يقطع جزءا، أو على ثلاثين فثلاثين... ومنها أنه لا يقطع شجرة حتى يقف عليها من له النظر في ذلك، فإن كانت تصلح للمراكب أو نحوها طبعها بطابعه..."11
"... ومن جملة قوانينهم التي أسسوها وجعلوها شريعة من شرائعهم أن أرض فرنسا كلها حرم لا تهتك، ولا يتعدى أحد على ملك آخر، ومن فعل عوقب عقوبة معلومة عندهم لا شفاعة فيها... ولذلك لا تجد عندهم إنسانا ولا دابة هائمة في ملك أحد، ولو كانت أرض مرعى... مع أن ماشيتهم لا تسرح إلا نادرا، واعتمادها إنما هو على العلف...".
"ولهم اعتناء تام... بدوالي العنب حتى إن بساتين العنب عندهم ربما كانت أكثر من أرض الحرث، وذلك لولعهم بالخمر، إذ هو من ضرورات عيشهم، ولو أريقت خمرهم لفاضت منها البحار".
"وأما الحرث فعندهم منه حظ وافر يكفيهم إن كان صالحا، وفي حوز12 باريس محاريث جيدة، وقمح باريس في غاية البياض والصفاء".
"ومن قوانينهم في الزراعة أن ملكهم يعطى عطاء معلوما عندهم لمن ظهرت على يده مزية لم يأت بها غيره من الفلاحين ترغيبا منهم للزارعين في أن يجتهدوا...".
"ومن قوانينهم أيضا أنهم إذا جاءهم في برهم ما يكفيهم من الزرع منعوا دخول غيره من خارج بلادهم...".
"وأرضهم على الجملة ليست أرض خصب وكلأ كأرض المغرب، إنما هي أرض صلبة خشنة، ولولا دوام النبش فيها والتزييل (أي تعهدها بالسماد) والخدمة وعدم وطء المواشي والأرجل لها لما أخرجت ما تخرجه من الثمار وغيرها".
وبعد ذلك يتكلم الكاتب على ما رآه ومر عليه من أنهار فرنسا، ولاسيما الصالحة للملاحة منها، ويلاحظ أن "مراكب الأنهار عندهم طوال ممسوحة القيعان13 إذ ليس في النهر من العمق مثل ما في البحر، لكن ما ينقص من عمقه يزاد في طوله، سواء في ذلك النهر الكبير والصغير، لأنه وإن كان لا يمكن أن تسافر فيه المراكب لقصر عمقه فإنهم يحفرونه ويعمقونه ويعتنون بتصفية مجراه... ولا يقتصرون في الأنهار على ما انشق بنفسه بل يحدثونها ويحفرونها، فإذا كان نهران متقابلان ولا اتصال لأحدهما بالآخر، فإنهم يشقون بينهما نهرا آخر صغيرا ليتصلا... وغالب حافات الأنهار مبنية بأوثق بناء وأتقنه، وإذا كان على حافاتها طريق بنوا طرفها الموالي للنهر، وربما جعلوا فيها أعمدة عظيمة من الحجارة، وأجروا فوق هذه الأعمدة، ممدودا عليها، أعمدة طوالا من الخشب... لئلا تنهار الطريق وخوف أن تميل كروصة في حالة المشي فيحصرها الحاجز المذكور عن الوقوع في الجرف".
ويذكر الصفار من أنهار فرنسا الكبرى : نهر الرون "ومبدأه كما قال من ناحية ليون فيدخلها ويلتقي معه فيها نهر آخر يسمى لاصون، ثم يخرج منها شرق إلى أن يخلص للبحر الصغير غربي مرسيليا، ويتصل به في طريقه أنهار أخرى، فكلما زاد اتسع مجراه وكثر ماؤه... وعلى شاطئيه فيما بين ليون ومرسيليا بلدان كثيرة وقناطر ضخام مشيدة على أشكال مختلفة".
ومن الأنهار الأخرى التي ذكرها الكاتب : نهر لًلْوار.
"وهو ما بين ليون وباريس جاريا لناحية الغرب إلى أن يخلص للبحر الكبير، وأول ما رأيناه في حال ذهابنا لباريز بمدينة يقال لها الروان، ولم يغب عنها حتى جاوزنا مدينة أورليا التي هي آخر مرحلة لباريس، وعلى شاطئيه أيضا بلدان وعمارات وأراض عديدة، تسافر فيه المراكب العظام... ومنها نهر يسمى لاسين، وهو داخل مدينة باريس... ومصبه في البحر الكبير، فهو جار بها غربا...".
"وغالب ما يوسق في مراكب الأنهار الأمور الثقيلة كالحجارة والخشب والفحم وآلات البناء والخضر والفواكه...".
"وفي هذه الطرق – داخل العمارة أو خارجها – الكثير من الصنائع التي يحتاج إليها المسافرون كصناع الأكداش والكراريص...".
ويذكر المؤلف عددا من المدن التي مر بها ركبهم من مرسيليا إلى باريس، فيبدأ بوصف مرسيليا وصفا دقيقا من ناحية العمران والنظام الاقتصادي والاجتماعي والإداري، ومما قاله في ذلك بعد وصف مينائها التجاري :
"وبهذه المدينة ديار عالية البناء مشيدة وأسواق مزينة وحوانيت بأنواع السلع وأنفسها... وشوارع واسعة، وللشوارع والطرق وسط وحاشيتان، فالوسط للأكداش والكراريص، والحاشيتان للرجالة، ومما يستقبح فيها أن مجاري أخباثها ونجاساتها تمر على وجه الأرض في وسط الشوارع لا يخلو منها طريق، وشوارعها كلها نافذ بعضها لبعض، فليس فيها زقاق محصور، وبها ميادين واسعة فيها صفوف من أشجار كبار يتماشى الناس فيها للاستراحة، وتلك الأشجار تظللهم أيام الحر، ومن أشهر حاراتها موضع يسمى عندهم يوزالي، به أشجار وخصص ماء، وبه ديار غالب أكابرهم وأهل الثروة منهم...".
ومن المدن الأخرى التي ذكر الصفار أن ركبهم مر بها : إكس، وأفنيون، ورنص، وفلنص، وطان، وليون، وروان، ونفير، وأورليان... ووصف الكاتب كل مدينة بما يميزها، فقال – مثلا – عن أفنيون :
"هي مدينة كبيرة لها سور دائر عليها أبواب، وهي موسومة بالقدم... ويقال إن فيها ثلاثة وثلاثين ألف نفس، ويمر بطرفها نهر عظيم هو نهر الرون، وعليه هنالك القناطر المشيدة... وهي من حواضر بلادهم".
وقال عن مدينة ليون التي حل بها الوفد السلطاني في اليوم الثالث :
"مدينة كبيرة من حواضر بلاد فرنسا، وهي أكبر من مرسيليا، وهي بين الجبال، ولها أسوار حصينة، وهي دار صنعة الحرير ببلاد فرنسا... ويدخلها نهران أحدهما يسمى الرون... والآخر لاصون، ويلتقيان بداخلهما فيصير نهرا واحدا عظيما... وفي هذا النهر ما لا يحصى من المراكب والبابورات والفلائك، وعلى حاشيته أسواق وحوانيت مزخرفة بالسلع والأشياء الرفيعة، وحوانيت اللحم والخبز والفواكه والخضر... وعلى النهر بداخل البلد القناطر الضخام المشيدة على الأقواس والأعمدة العظام، وكل هذه القناطر عليها صفوف من الفنارات (المصابيح) من الزجاج الصافي تضيء بالليل على الطريق... وكذلك سائر طرقها وحوانيتها يكون لها بالليل منظر عجيب، ولها الكثير من العساكر والجيوش، وهي من جملة إيالات فرنسا حاكمة على غيرها بها جنرال العسكر وكبير البلد الذي يسمونهم بلسانهم أليريفي... وبها كثير من ديار الصنائع التي يسمونا الفبريكات حتى إن جل حيطانها سود من دخان المصانع، وغالب من يخدم في هذه المصانع بهذه المدينة النساء فعليهن العمدة في ذلك، وأهلها جادون كل الجد في البناء بداخله وزيادة العمارة بأطرافها... وهذه المدينة يكثر القصد إليها بالأسفار والسلع إذ هي من أعمر بلاد فرنسا لما اختصت به من الصنائع...".
وقال عن أورليان Orléans :
"هي (مدينة) كبيرة يقال إن فيها خمسة وثلاثين ألف نسمة، وفيها كنيسة عجيبة الصنعة والبناء يزعمون أنه ليس عندهم بفرنسا مثلها، وهي مبنية بالرخام، وهذه المدينة على نهر لَلْوار المذكور، وعليه بداخلها قنطرة طولها نحو خمسمائة خطوة، وعرضها ما يمر فيه ثلاثة كراريص متسامتة، ولهم بها في ميدان من ميادينها قرب الكنيسة المذكورة صورة راهبة يزعمون أنها كانت عندهم في القديم، وكان أغار على بلادهم جنس آخر من النصارى فحزبت عليهم أحزابا منهم وأخرجتهم بالحرب... ورأينا عندهم صورة هذه الراهبة في كثير من المواضع".
ويشير الكاتب هنا إلى تمثال جان دارك التي لها صلة وثيقة بمدينة أورليان.
وفي مدينة أورليان – التي تبعد عن باريس بتسعين ميلا كما قال الصفار – ركب الوفد السلطاني القطار، وقد وجد الكاتب الفرصة ملائمة ليقدم لمواطنيه في كتاب رحلته وصفا لهذه الآلة العجيبة من آلات السفر، التي سماها "طريق الحديد"، فشرح كيفية نصب السكة الحديدية واستعمالها، وأما القطار نفسه قد ذكر أنهم "صنعوا بابورا صغيرا (أي قاطرة) ليس على شكل بابور البحر، إنما فيه الحركات (الآلات) التي تدير النواعير (العجلات) لا غير، ويركبه ثلاثة من الناس يسيرونه، ثم صنعوا أكداشا (أي عربات) متماثلة، وجعلوا لها نواعير (عجلات) تجري بها في الطريق... وقاسوا ما بين الناعورتين على عرض الطريق بحيث ينزل حرف الناعورة على السكة البارزة، وجعلوا في ظاهر حاشية الناعورة تجويفا بحيث يستحكم إنزاله على السكة البارزة ليلا تزيغ عنها يمينا أو شمالا، وهكذا كل نواعير الأكداش السائرة، وربطوا هذه الأكداش بعضها ببعض بالقناجي وسلاسل الحديد الغليظة حتى صارت صفا واحدا يتقدمها البابور (القاطرة)... والناس راكبون في هذه الأكداش...".
وبعد أن يصف المؤلف تحركات القطار ومحطاته ونظام خروجه ينتقل إلى الكلام على الشركات المساهمة ومؤسسات التمويل الحكومية ويشرح كيفية إصدار الأسهم والسندات وتداولها في الأسواق المالية، وبعد أن ينتهي من سرد هذه المعلومات الاقتصادية المفيدة التي تحرك لها فضوله يخبرنا بوصول الوفد إلى باريس وذلك "في وسط النهار من يوم الأحد الثامن والعشرين من ذي الحجة الحرام متم عام أحد وستين ومائتين وألف، موافقا الثامن والعشرين من شهر دجنبر متم عام خمسة وأربعين وثمانمائة وألف من ميلاد عيسى عليه السلام، وكانت مدة سفرنا من مرسيليا لباريز سبعة أيام، ومن تطوان لباريز خمسة عشر يوما، ولما وصلنا نزلنا من أكداش بابور النار ورجعنا لأكداش سفرنا، وكانت لحقتنا من طريق أخرى فركبنا فيها حتى بلغنا المحل الذي أعد لنزولنا هنالك.
كما سجل المؤلف بقلمه.  
 
فـي بـاريـس :
قبل أن يتكلم الكاتب على مشاهداته في باريس خلال إقامة الوفد فيها، مهد لذلك بنبذة عن هذه المدينة وأهميتها وعادات أهلها، فقال :
"إن هذه المدينة هي قاعدة بلاد الفرنسيين وأم حواضرهم وكرسي مملكتهم ومسكن عظمائهم ومنشأ قوانينهم وشرائعهم وعلومهم، بها يتفاخرون وفي سكناها يتنافسون وبها وبأهلها في عوائدهم وآدابهم وحضارتهم يتأسون".
"وهي مدينة عظيمة... يقال إن دورها (يعني مساحتها) ثمانية وأربعون ميلا... وهي موضوعة في التاسعة والأربعين درجة وخمسين دقيقة من العرض الشمالي، فهي لذلك كثرة البرد، والمواضع التي خلف الجدران الموالية لجهة الجنوب لا ترى الشمس في فصل الشتاء أبدا، على أن الشمس في هذه المدينة غريبة كل الغرابة زمن الشتاء، والغيم فيها مستمر... وهذه المدينة غاصة بأهلها... وسمعنا على لسان غير واحد من أهلها أن فيها مليونا من الناس، ولا يستغرب حسابهم لمن فيها فإن كل من ولد أو مات أو قدم إليها أو سافر منها يكتبونه ويزممونه، وهذا شغل من هو متصدر لذلك على الدوام، وكذا دأب غيرهم من سائر الـروم"14.
"ولها سور حصين مستحدث لم يكن لها في القديم، وهو يرى من خارج ولا يرى من داخل... وعلى رأس السور مواضع المدافع... وبخارج المدينة... قلعات مختلفة في غاية من التحصين يسكنها لعسكر وفيها أبراج المدافع وبها يسكن الطبجية... وبها بيوت وخزنات لأنواع السلاح... وفيها إسطبلات للخيل التي تجر المدافع وآلاتها، وفي إسطبل خدمة كثيرون لا يفترون عن لعمل في صيانة الخيل... وكل فرس مسمى باسم يخصه واسمه مكتوب في لوح صغير قبالة وجهه، ويفصلون بين كل فرس وآخر بلوحة غليظة معلقة من فوق..."
"وهذه المدينة يشقها نهر كبير يسمى لا سين، وهو جار بها من المشرق إلى المغرب، وعليه سبع عشرة قنطرة، وتلك القناطر على أشكال، فمنها ما هو مبني على أقواس الحجارة، كغالب القناطر ومنها ما هو على أقواس الحديد، وبين الأقواس وسطح القنطرة دوائر عظيمة من الحديد... ومنها نوع آخر – وهو أعجبها – معلقة من فوق وليست منزلة على الأقواس كغيرها... ومنها شكل آخر من الخشب، وعلى حاشيتها من فوق ضربوز من الحديد يمنع المار من الوقوع في النهر... وكل هذه القناطر تمر عليها الكراريص والأكداش، وهذه القناطر الغريبة الشكل كلها يعطي المار عليها (قدرا من النقود) لأنها مستحدثة حتى يستوفوا ما دفع فيها ثم تصير مجانا كغيرها... وفي وسط هذا النهر جزيرة هي أصل باريز القديم ويسمونها بم معناه باريز القديمة، ولهم بهذه الجزيرة كنيسة قديمة...".
"وطرق هذه المدينة كلها مفروشة بالحجارة المنجورة في الوسط وحواشيها مسطحة... وطرقها واسعة جدا وكلها نافذة... وفيها من الأكداش والكراريص عدد كثير يقال إن فيها من ذلك نحو ثلاثة عشر ألفا، منها ثمانية آلاف للكراء وباقيها ملك لأربابها...".
"وبها أسواق كثيرة، وإن شئت قلت كلها أسواق، لأن أسواقهم كلها حوانيت، ومن عادتهم في بنائهم أن يجعلوا الطبقة السفلى الموالية للأرض حوانيت والبيوت فوقها... تجد الحوانيت بعضها متصل ببعض... وحوانيتهم كلها على شكل واحد بزخرفتها وأبوابها وزجاجها... ومن أشهر أسواقهم وأنفسها سوق تسمى باليرويـــــال (Palais Royal) وهي تربيعتان فيها ما يزد على أربعمائة حانوت، وفي وسط السوق أشجار وفوارة ماء كبيرة، وفوق الحوانيت قصر سلطان يسمى بهذا الاسم... وسوق أخرى... تسمى روي ممـرط (Rue Montmartre) به مجمع للتجار يسمى عندهم البرصة... وسلع هذه المدينة في غاية الغلاء لكثرة غنى أهلها وجودة سلعها، فإن الفرنك عندهم هو خمس الريال بمنزلة الفلوس عندنا، والريال عندهم بمنزلة الدرهم عندنا، وهو غالب سكتهم، ومدار الحساب عندهم على الفرنك".
"وأما أشكال دورهم فإنها مخالفة لشكلنا، فإن بيوتهم ليست بالساحة والفوقي والسفلي... فإنهم يتركون ساحة الدار خارجة عنها مرفقا لها لوقوف الكراريص والدواب، وأول ما تدخل الباب تصعد في الدرج وتجد البيوت طبقة فوق طبقة فوق طبقة حتى تنتهي إلى أعلاها... وكلها لها طاقات كبار جدا... والغالب أن يكون بإزاء الدار عرصة ولو صغيرة فيها ماء وخضرة".
"وبهذه المدينة في أسواقها قبب كهيئة السواري المجوفة معدة للبول، وببابها قضيب من الحديد قائم من الأرض له رأسان يمنع مريد البول ن تلويث ثيابه... وبهذه المدينة محال يتماشى فيها الناس هي منتزه لهم، ونزهتهم إنما هي أن يأخذ الرجل بيد صاحبه أو صاحبته ويقصدون موضعا من المواضع المشهورة عندهم يتماشون فيها وهو يتحدثون... وليست نزهتهم بالأكل والشرب... ومن منتزهاتهم موضع يسمى الشمز ليزي فيه أشجار مصطفة متوازنة... فإذا أورقت تلك الأشجاء وتعانقت أغصانها وغردت الأطيار فوقها كان فيها منظر عجيب".
ومن منتزهات باريس التي أفاض الصفار القول فيها حديقة الحيوانات الملكية، فقد وصفها بدقة وذكر ما فيها من وحوش وطيور ونباتات.
ولم يفت الكاتب وهو يتحدث عن باريس أن يلاحظ أن الرسوم التي تجبيها السلطات على السلع الداخلية إلى باريس تخصص لمصاريف بلديتها وما تحتاج إليه من نفقات لبناء المدارس والمستشفيات وصيانة الطرق والقناطر، ولا ينسى المؤلف أن يصف مصابيح الغاز التي تملأ شوارع باريس وميادينها على نسق منظم جميل، ثم ينتقل الكاتب إلى الكلام على النشاط الاجتماعي والثقافي لأهل باريس وكيف يصرفون أوقات الفراغ، فمن ذلك قوله :
"ومدار لعبهم15 على تناشد أشعارهم والتغني بلغاتهم خصوصا المتعاشقين، فيجعلون واحدا عاشقا وأخرى معشوقة ويبرزان للسيدان يتناشدان ويغنيان... وإذا قصدوا في لعبهم حكاية حرب وقعت – مثلا – فيصورون السلطان وجيشه وخيلهم وأسلحتهم على ما كانت عليه وقتئذ... وقد حضرناهم مرة يلعبون بحكاية حرب وقعت بإشبيلية فصوروا إشبيلية وصومعتها وأبوابها ومشاهير أمكنتها...".
ويعطي المؤلف بيانات مفصلة عن المسرح والمسارح الباريسية، ثم ينتقل إلى الكلام على الصحافة فيقول :
"ولأهل باريز كغيرهم من سائر الفرنسيين، بل وسائر الروم تشوق لما يتجدد من الأخبار ويحدث من الوقائع في سائر الأقطار فاتخذوا لذلك الكوازيط (الجرائد)، وهي ورقات يكتب فيها كل ما وصل إليه علمهم من الحوادث والوقائع في بلادهم أو غيرها من البلدان النائية أو القريبة، وبيان كيفيتها أن صاحب دار الكزيطة يتخذ أقواما يرسلهم لالتقاط الأخبار من كل ما يسمعونه ويرونه في ذلك اليوم من المهمات والحوادث والوقائع والنوادر وغير ذلك... ومن جملة محال التقاطهم للأخبار القمرتان : الكبيرة والصغيرة اللتان يجتمعون فيهما لتدبير قوانينهم،16 فإذا اجتمع أهل القمرة وأخذوا في الخوض في نوازلهم ووقائعهم جلس أصحاب الكوازيط في ناحية يكتبون كل ما تكلم به فيها، فكل ما وقع الكلام عليه فيها وانبرم من الأحكام يصبح غدا ف الكوزيط ويشهر لسائر الناس وليس يقدر أحد أن يمنعهم من ذلك... ولأصحاب الكوازيط مراسلات ومكاتبات مع سائر البلاد...".
"وكنا مدة إقامتنا بباريز كل يوم تأتي لصاحب الدار التي كنا فيها كازيطة جديدة من أصح كوازيطهم مكتوب في أولها أن ثمنها ستة عشر ريالا في العالم، ويتعاقد صاحبها مع من شاء أن يبعثها له... وكان يقال إن صاحب هذه الكازيطة يطبع كل يوم نحو خمسة عشر ألف منها، وكل واحد (كل عدد) في ورقة طولها وعرضها نحو ذراعين مكتوبة من جهتين".
"ومن جملة قوانينهم التي أسسها لهم سلطانهم لويز الثامن عشر والتزموا اتباعها أنه لا يمنع إنسان في فرنسا من أن يظهر رأيه وأن يكتبه ويطبعه بشرط ألا يضر ما في القوانين... وكان من جملة ما نقموا على ملكهم شارل العاشر... أنه أظهر النهي عن أن يظهر أحد رأيه أو أن يكتبه أو يطبعه في الكازيطات إلا إذا اطلع عليه أحد من أهل الدولة فلا يظهر منها إلا ما أراد إظهاره، ويكتبون في الكوازيط اعتراضات على أهل القمرتين فيما أبدوه من القوانين".
وينتقل الصفار بعد ذلك إلى الحديث عن عادات أهل باريس وسلوكهم الاجتماعي والاقتصادي فيقول :
"ولأهل باريس حرص تام على التكسب، رجالهم ونساؤهم، لا يتقاعدون عنه ولا يتكاسلون، والنساء مثل الرجال في ذلك أو أكثر، ولا تجد أحدا منهم خاليا عن شغل، وإن كان عندهم من أنواع البطالات والفرجات العجب العجاب، لكن ذلك لا يلهيهم عن أشغالهم فيعطون لكل وقت ما يستحقه، وتلك الفرجات تعينهم على أشغالهم لما فيها من استراحة للنفس...".
"... وأغلب تكسب هؤلاء القوم التجارات والصنائع، ولهم من التجارات أمور خارجة عن البيع والشراء، منها ما يسمى بالبنكة، وهي أن يودع الرجل مقدارا من المال عند من هو متصد لذلك، ويدفع لـه المودع عنده ربحه في كل سنة قدرا معلوما عندهم، فإذا أراد رب المال أخذ رأس ماله أخذه (والبنوك) على نوعين : بنكة الدولة وبنكة التجار، وفائدة بنكة التجار أكثر من فائدة بنكة السلطان، لكن هذه أوثق وآمن لأن الدولة دائما موجودة لا تفلس... ومنها جمعية تسمى بما معناه الشركاء في الضمانة وهي المعروفة بالسكورو،17 وذلك بأن تلتزم لمن يدفع لها قدرا معينا من المال كل سنة أنه إذا تلف له بيته أو حانوته أو ما فيهما بحادثة قهرية كالحريق... أو غرق له مركب في البحر أو أصابته جائحة فإنها تغرم له كل ما ضاع له... ومنها جمعية تسمى الكنبنية،18 وهي أن جماعة من التجار أو غيرهم يجتمعون ويخرج كل واحد ما استطاع من المال ويشتركون في استخراج المعادن وتصويب الطرق وبناء القناطر وعمل القوارب والفلائك... على أن يقيموا كل ذلك بما يحتاج إليه، وما حصل فيه من المستفاد يقتسمونه على حسب رؤوس أموالهم ويدفعون لبيت المال شيئا معلوما ليمكنهم من ذلك...".
"وعلم التجارة عندهم من جملة العلوم التي تدرس وتدون ولها مكاتب ومدارس، وللنساء مهارة في التجارة كالرجال أو أكثر...".
"وأهل باريس موصوفون بذكاء العقل وحدة الذهن ودقة النظر، ولا يقنعون في معرفة الأشياء بالتقليد بل يبحثون عن أصل الشيء ويستدلون عليه ويقبلون فيه ويردون، ومن اعتنائهم بذلك أنهم كلهم يعرفون القراءة والكتابة، ويدونون في الكتب كل شيء حتى الصنائع... ويجب (على الصانع) أن يبتدع في صنعته شيئا لم يسبق به، لأنه إن فعل زادت مرتبته وعلت حظوته عند دولتهم، ويعطونه على ذلك ويمدحونه ويذكرونه بما استنبط ترغيبا نهم في الترقي في الأمور... فذلك يحملهم على تدقيق النظر وإمعان التأمل واستكشاف دقائق الخفيات في سائر تصرفاته، ولهم مدارس ومكاتب حتى في علوم الطبخ والغرس والبناء والزراعة ومعالجة النباتات وإنتاج الحيوانات...".
"ومن طبعهم (أي أهل باريس) الخفة والطيش فتجدهم إذا اجتمعوا في موضع لا يقر لهم قرار ولا تراهم إلا بعضهم يموج في بعض، ولا يجلسون إلا في حالة الأكل، وبعد الفراغ منه يقومون... وما رأينا رجالهم يجلسون في ليالي الفرجة إلا في التياترو حين اللعب، فإذا قضيت اللعبة قاموا...".
"ومن طبعهم أنهم يحبون من كان خفيف الحركة طلق الوجه مبدي البشاشة كثير الكلام بالمباسطة أو السؤال عما ينبغي السؤال عنه، أو البحث في العلوم... والتحدث عن أحوال البلدان وعوائد أهلها، ويميلون كل الميل إلى من هذه صفته وتحصل لهم به ألفة، وإن لم تسبق بينهم وبينه معرفة وإن كان كلامه معهم بواسطة ترجمان...".
"ومن طبعهم الحدة والشراسة والأنفة فتراهم يتداعون للبراز على أدنى كلمة يلقيها أحدهم للآخر من سب أو قذف – مثلا – ولا يسع المدعو لـه إلا أن يجيب، وإلا بقى يعاير بالجبن والذلة طول عمره، ويتشارطون في البراز كيف يكون وبأي سلاح يقاتلون وكيفية المحاربة ومحلها... ولا يتعرض لهم في ذلك حاكم ولا غيره".
ولهم حظ وافر من الأدب الدنيوي والظرافة والرقة والحضارة، ويراعون الأدب في مخاطبتهم وكلامهم فلا تكاد تسمع منهم الساقط من الكلام، ولا يتعرضون للغريب عن دينهم... بسوء، ولا ينادي عليه صبيانهم ولا يؤذونه كما يسمع على غيرهم من بعض أجناس النصارى، وذلك من جملة ما يتعلمونه ويدونونه في الكتب... وقد اختصوا من بين سائر أجناس النصارى بالأدب والحضارة والمروءة الدنيوية حتى إن كبراء الأجناس يرسلون أولادهم لباريز لتعلم آداب الفرنسيين وتربيتهم..."
"...ومن أوصافهم أنهم أصحاب جد في بيعهم وشرائهم وسائر معاملاتهم... ولهم اعتناء تام بالنظافة الظاهرة في بيوتهم وأزقتهم وحوانيتهم وأبدانهم وملابسهم...".
وبعد هذا يعقد الصفار فصلا طويلا خاصا بعادات الفرنسيين وآدابهم على مائدة الطعام، وبيان أنواع مآكلهم ومشاربهم، فلم يترك صغيرة ولا كبيرة في ذلك إلا وذكرها حتى أدوات الأكل كالملاعق والشوكات والأكواب، وأشكال الموائد والكراسي وأنواع اللحوم والخضر والفواكه وأصناف الحلاوات التي تقدم على المائدة، وطريقة الطبخ وغير ذلك، ومن ملاحظاته في هذا الشأن قوله :
"وهؤلاء القوم لا يكترثون بإدخال القوت، ولا يوجد في بيوتهم منه إلا حين الأكل... ولا يعجنون الخبز في ديارهم كما هو الحال عندنا، إذ كل ذلك في الأسواق، فإذا كان أول النهار دفع رب الدار لخادمه الدراهم فيذهب ويشتري كل ما يحتاجون إليه من خبز ولحم ودجاج وسمك وخضر".
وبعد ذلك يقدم الصفار قائمة بعدد ما يذبح في مدينة باريس لاستهلاك سكانها من دواب وطيور وغير ذلك، قال إنه استقاها من إحدى الجرائد التي تصدر في العاصمة، ثم يقدم بيانات عن الأسعار الرائجة في الأسواق بالعملة الفرنسة.
أما القسم الثاني من الكتاب، فقد وصف فيه الصفار نشاط الوفد السلطاني في باريس مدة إقامته فيها، فذكر مراسيم الاستقبال في مقر إقامة الملك، والمآدب التي أقيمت على شرف الوفد أو دعي للمشاركة فيها، والمؤسسات التي زارها أعضاء الوفد كمتحف اللوفر وقصر فرساي والمكتبة الإمبراطورية ومدرسة العلوم الطبيعية وإدارة البرق والهاتف، وبالإضافة إلى ذلك أعطانا الصفار صورة حية جميلة عن حفلات الاستقبال التي شهدها، وما شاهده فيها من أزياء واختلاط الرجال بالنساء على موائد الطعام وأثناء الرقص، ويصف جمال نساء باريس وأناقتهن.
وسأعرض لقطات من ذلك كله في القسم الثاني من هذا المقال – إن شاء الله تعالى – مع ما يقتضيه الحال من تعليقات وهوامش.


1  عبد الرحمن بن زيدان " الإتحاف " 5 : 77 ومحمد داود " تاريخ تطوان " 3 : 295.
2  المصدر السابق 3 : 298.
3  المصدر السابق 3 : 298-308.
4  المصر السابق 3 : 298.
5  مرتيل هو مرسى تطوان القديم، أما بور بندر Port Vendres فهو ميناء فرنسي على مقربة من الحدود الإسبانية في مقاطعة لانكدوك على مدخل خليج ليون.
6  يقصد بالأكداش العربات كما هو واضح، ومفردها عنده كدشي وهو تعريب للكلمة الإسبانية : Coche.
7  يقصد بالقانون : التدبير والتنظيم
8  اللوكاندة (Locanda) والبوصاضة (Posada) كلمتان إسبانيتان ومعناها فندق ونزل.
9  الغبارى : يقصد الأعداد.
10  تبلغ : يقصد أن تكمل نموها.
11  الإشارة هنا واضحة إلى نظام إدارة الغابات.
12  في حوز باريس : أي في ضواحيها.
13  يشير الكاتب هنا إلى المراكب التي يسميها الفرنسيون : Bateaux mouches.
14  الإشارة واضحة هنا إلى أعمال الإحصاء وتعداد السكان من قبل السلطات المختصة.
15  يقصد المؤلف باللعب هنا التمثيل المسرحي.
16  يقصد المؤلف بالقمرتين مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وكلمة قمرة إسبانية Camara ويقابلها في الفرنسية Chambre.
17  السكورا كلمة إسبانية Seguro ومعناها التأمين وبالفرنسية : Assurances.
18  الكنبنية أيضا لفظة إسبانية Compania ومعناها الشركة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here