islamaumaroc

ستون عاما من التحدي

  محمد الحاج ناصر

العدد 263 رجب 1407- مارس 1987

لست أدري لو أن جلالة الملك – حفظه الله – أراد أن يجد عنوانا غير "التحدي" للكتاب الذي أصدره وضمنه جانبا من مذكراته، أيعثر على كلمة تجسد مضمون كتابة نصا وروحا كما جسدته كلمة التحدي ؟! بل أعتقد أنه ما من مؤرخ يريد أن يكون صادقا ودقيقا في التعبير عما ينشئه وهو يكتب تاريخ المغرب عامة، وتاريخه في هذا القرن خاصة – تدوينا أو دراسة – يجد كلمة يعنون بها ما يكتب توازي كلمة "التحدي" دقة تعبير، وصدق بيان، فلا أعرف للمغرب حقبة من تاريخه لم يكن طابعها المميز "التحدي"، ولا أعرف وصفا للشعب المغربي منذ كان وإلى الآن، أدق من أنه شعب "التحدي"، ولو قد مضيت في ضرب الأمثال لتبيان ذلك وتأكيده لما فرغت – بعد الانتقاء ومع الإيجاز – قبل أن أكون قد أمليت مجلدا ضخما، وليس ذلك من شأني الآن، وما أحسبني قد أستطيع أن أفرغ له يوما، ثم إني لست مؤرخا متخصصا، بيد أني أريد في هذا المجال أن أقف عند العقود الستة الأخيرة من "التحدي" المغربي عرشا وشعبا، أستشف بعض الملابسات، وأستلهم بعض الأحداث، وقد أستشرف بعض العقبات، ويخيل إلي، أن تاريخ هذه العقود بحاجة إلى وقفات من هذا القبيل، أكثر من حاجته إلى جمع الأحداث المفصلة وتدوينها، إذ أن معظمها موزع هنا وهناك، بعضها في الصحف والدوريات، وبعضها فيما كتبه معاصرون بدافع علمي أو إعلامي.
وهذه العقود الستة ترتبط حلقاتها، وتتشابك أحداثها ارتباطا وتشابكا يميزها عن غيرها من عقود التاريخ المغربي عامة، وتاريخ الدولة العلوية خاصة، تمييزا يبرز مياسمها إبرازا خاصا دون أن يفصلها عن جذورها ومصادرها التاريخية ليجعل منها حقبة غريبة أو طارئة.
إنها في طبيعتها امتداد طبيعي أصيل النسب، عريق الجذور للتاريخ المغربي، واستمرار سوي السبيل، بين الهدف، منتظم الخطوات لمسار الشعب المغربي وتطوره، وما كان المغرب منذ إدريس الأول – رحمه الله – في تركيبه الحضاري، إلا قوة حضارية متكونة تكونا متمازجا متكاملا من العرش والشعب، فلم يحدث يوما أن كان هنالك شعب وعرش يتميز أحدهما عن الآخر، بل لم يحدث يوما أن خفت أو انغمر في وعيه الارتباط العضوي بالعترة النبوية الشريفة الطاهرة ارتباطا يشبه أن يكون نمطا من الحب الصوفي، وحتى حين تولت مقاليده – لعوامل سياسية عارضة – أيد لا تنتمي بوشيجة إلى العترة النبوية الطاهرة – باستثناء العقيدة – كان في أعماق سرائره يتقبل تلك العوارض دون أن يعتبرها إلا عوارض، مترصدا أن تعود أوضاعه إلى طبيعتها، وأن ترجع مقاليده إلى من يراهم أولي الأمر الشرعيين من سلائل العترة النبوية، وآية ذلك أن المرابطين دأبوا يخطبون في منابرهم للخليفة العباسي، وتحرج أمراؤهم من أن يتلقب الواحد منهم بأمير المؤمنين، فاتخذوا لقب أمير المسلمين، وكانت فترة الموحدين والمرينيين فترة عارضة، ما لبث الشعب المغربي بعدها أن أعاد مقاليده إلى من انتسبوا إلى العترة النبوية، ثم إلى من كان نسبهم أكيدا وطيدا إلى السلالة العلوية. ومن يومئذ، وبالرغم من تطاول العصور، وما حفلت به من زعازع، وأعاصير دأب يجد عصمته، ويلتمس سلامته ونجاته في صدق الولاء الذي عبر عنه مرات متعددة بألوان من التضحية والفداء لسلائل فاطمة الزهراء – رضي الله عنها -.
ومن عجب أن فرنسا في عنفوان طغيانها الاستعماري أدركت هذه الحقيقة في أزمتين متواليتين، فلم تحاول أن تغامر بتحدي شعب التحدي في أقدس أقداسه السياسية، فتصرف مقاليده – مع أنها عندئذ كانت قد أصبحت شبه رمزية – إلى غير السلالة العلوية، وما أكثر من كانت توسوس لهم نفوسهم، بل وكان بعضهم يهمهم ويجمجم بالطموح إلى أن يتلقف ذلك الرمز، بل وأن يقلص منه إن كان تقليصه سيحقق له طمعه.
ولست أدري هل ندم دهاقنة السياسة الاستعمارية الفرنسية على تصرفهم في الأزمة الأولى غداة تنازل السلطان عبد الحفيظ – رحمه الله – عن العرش استنكافا من أن يعمل تحت الحماية الفرنسية، وعلى تصرفهم في الأزمة الثانية غداة اعتدائهم الفاضح المشين على كرامة المغرب وسيادته بنفي الملك محمد الخامس – رحمه الله – وأسرته ؟! أم أنهم كانوا من عمق الإدراك ودقة التقدير بحيث وازنوا بين الاختيارات المختلفة وما يترتب عن كل واحد منها، فآثروا ما بدا لهم أخف الضررين، وهو فعلا المخرج الوحيد الذي يسر لهم التملص من المأزقين بأدنى خسارة ممكنة، ومهما يكن تقديرهم فما أحسب أبعدهم نظرا وأحصفهم رأيا وأقدرهم على استشراف المستقبل كان يمكن أن يفترض – وإن في لحظة تجلي – أن الابن الثالث للسلطان "مولاي يوسف" حين بويع خلفا له هو الذي سيخلخل، ثم يقوض الوجود الفرنسي، ليس من المغرب فحسب، ولكن من القارة الإفريقية قاطبة، بيد أن القدر وحده ولا شيء غيره، بالإضافة إلى طبيعة التحدي في المغرب شعبا وعرشا كان يسخر من تدبيرهم فيما يسخرهم لتنفيذ ما يشاء.
وأكبر الظن أنهم كانوا يحملون عندما نقلوا السلطان الشاب محمد الخامس – غداة بيعته خلفا لوالده – إلى فرنسا، أنه – وما فتئ في عنفوان الحداثة وبواكير الشباب – سيفتتن بما يشهده في بلاد الدولة الحامية، لاسيما إذا قارنه مع ما نشأ فيه في بلاده، وستتكيف مواجده ومداركه بهذه الفتنة وما سيصحبها من تصاريف من سيعايشهم من المستشارين والمقيمين وكبار الموظفين الذين تعينهم الدولة الحامية، بعد اختيار دقيق، ذلك بأني لا أرى غير هذا الهدف حافزا لحكومة باريس إلى دعوة السلطان الشاب عقب بيعته مباشرة لزيارة فرنسا، بيد أن الأيام ما لبثت أن صدمت دهاقنة السياسة الاستعمارية الفرنسية بحقيقة لم يكونوا يحسبون لها حسابا، هي أن السلطان الشاب لم يكن كغيره من عامة الشباب تبهره البوارق، وتستهويه النزوات، وإنما كان سليل ملك أصيل، عصمته نشأته الإسلامية العربية المكينة من الاغترار بمظاهر، إن أبهجت النظرة الأولى، فغنما بهجتها تلك : قناع لغايات كان متهيأ لإدراكها، وتقدير عواقبها، بما صنعته فرنسا نفسها من حوله، وما كان ليخفى عنه منذ أخذ يدرج من اليفاعة إلى الحداثة. فما من شك في أنه كان يعلم أن مرض والده – رحمه اله – من أسبابه ما كان بينه – أو بالأحرى بين الشعب المغربي قاطبة – وبين الإقامة العامة من صراع حول الأرض، منشؤه إدراك المغربي اهتداء بإدراك سلطانه أن الأرض هي القاعدة الشرعية لوجود الإنسان عليها، ولحضارته واستمراره، كان التحدي قد ابتدأ بالصراع على الأرض، وما يزال السلطان الشاب بعيدا حتى عن ولاية العهد، فهو الابن الثالث للجالس على العرش، ولكن ما كان ليخفى عليه.
وكانت أنباء الثورات العارمة على الاحتلال الفرنسي ما بين الأطلس الكبير والريف حديث المغرب كله، وخاصة القصر السلطاني، وما من شك في أن الابن الثالث الفتى للجالس على العرش كان يستوعبها بالعقلية الإسلامية العربية التي ينشأ عليها، وأكاد أجزم بأن اختياره لولاية العرش دون أخويه أشعره بعظم المسؤولية، فأخذ منذ اللحظة الأولى يستلهم ما كان يستوعبه من الأحاديث الرائجة في القصر عن مختلف الأحداث بالأمس القريب، وهو بعيد عن المسؤولية وما تزال أنباؤه تثرى، وما تزال أحداثه تشتد وتتعقد، وما تزال عواقبه تزداد انكشافا وجلاء، لكن دهاقنة  السياسة الاستعمارية الفرنسية لم ينتبهوا إلى شيء من ذلك، فحسبوا السلطان الشاب شخصا عاديا، تستهويه بهرجة المظاهر ونزوات الشباب.
على أنه لم يواجه التركة الضخمة التي ورثها حين ولي العرش بالمجابهة الصريحة بادي الأمر، فقد أهلته الأقدار بطبع حصيف ونظر بعيد ونظر لا يعتمد اللمحة الفطرة، وإنما يعتمد الرؤية المستأنية المجتلية على مكث لجميع الملابسات والمعقبات، فانزوى هونا في قصره يرصد ويتأمل ويحلل ويعلل، ويحاول استكشاف مواقع القوة في شعبه، ليحسن تقدير ما يمكن أن يرتكن إليه، ومكامن المخادعة من خصمه، ليحسن تدبير ما ينبغي أن يواجهه به، وما وقر في نفسه أن المفارقة بين شعبه وخصمه، هو أن شعبه متخلف علما عن خصمه، وأن تخلفه هو الذي يسر الهيمنة عليه، كما أهله للخضوع إلى حين.
وبدأ السلطان الشاب المرحلة الأولى من التحدي، إذ قرر أن يسحب تدريجيا من تحت أقدام خصمه بساط التخلف الذي مكن لـه استغلاله من الهيمنة على شعبه، وبحركة هادئة خافتة بقدر ما هي عميقة الحصافة، بعيدة الهدف، مضى يعمل على إيقاظ عقول شعبه بنشر المعرفة : تلك التي تعيده إلى أصالته وتعيد إليه أصالته، وتلك الأخرى التي تلحقه حضاريا بالركب العالمي، وقد تقدمه بأشواط هي في عداد الزمن قرون، على أنه كان يدرك أن التقنية وهي ما تقدم به المهيمنون وتخلف عنه المغرب، يمكن طي المراحل إلى اكتسابه إذا ما استرجع المغرب هويته الحضارية الأصيلة، فأخذ يعمل على إنشاء المدارس العربية الحرة لتكون روافد لكل من جامعة القرويين، والبعثات التي راح يشجعها إلى جامعات مصر وغيرها من البلاد العربية، فيما يناضل بهدوء عجيب من أجل إحداث مدارس عصرية تتيح لنفر من المغاربة التأهل للحاق بالجامعات الأوربية، لتواكب إعادة إبراز الهوية المغربية مع السعي لاستعادة المغرب موقعه في الموكب الحضاري الإنساني، واستئناف رسالته في تكييف الحضارة الإنسانية تكييفا يؤكد صبغتها بما يقيمها عليه من معادلة مكينة بين التطور المادي والتوجيه الروحي.
وإلى جانب هذا العمل الهادئ المتجه بخطى ثابتة بين معالم واضحة إلى أهداف محددة، كان السلطان الشاب ينمي في شعبه الوعي بحقيقة أمره وطبيعة م يدبره له ويحفزه به إلى إحباط تدابير خصومه، ولكن بوعي عميق وحصافة مهيمنة وأناة عاصمة ونظر بعيد، فكان تحديه للوجود الفرنسي فيالمغرب قائما على ثلاث قواعد :
تجديد الهوية المغربية.
وتحديث الأهلية الحضارية.
وإيقاظ الوعي السياسي المغربي الحصيف.
وكان يمضي في خطته هذه متوخيا اجتناب الاصطدام مع خصومه المتربصين به وبشعبه داخل بلاده على أن يحين الأوان.
وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية شعر بأن الغطرسة الفرنسية قد تحطمت، وإن تظاهرت بالانتعاش، وبأن وقت الإسفار عن بعض غاياته قد آن، فأعلن تأييده للمطالبة بالاستقلال التي أوعز بها هو إلى من حرروا عرائضها وتقدموا إليه بها، وجلهم كان من الناشئة التي يسر لـه أسباب التعليم والتثقيف والتوعية، فبدأت المرحلة الثانية من التحدي التي طبع حياته السياسية كلها، وكان في هذه المرحلة لينا لطيفا لبقا مع من كانوا من ساسة الاستعمار، يتقنعون بقناع لين لبق لطيف، فلما دفعت ظروف فرنسا التي خلخلتها حب الهند الصينية إلى اتخاذ مظهر التنمر والاستئاد، مزج لباقته ولينه بمزاج عجب من الصلابة والصمود، وما لبث أن اضطر إلى الاصطدام الصريح مع الإقامة العامة، ومن ورائها حكومات باريس التي كانت تتساقط بتوالي الشهور اصطداما انتهى إلى نهايته الحتمية، وهي بداية المرحلة الثالثة من مراحل التحدي في تاريخ المغرب الحديث وسلطانه الذي يعد غض الشباب بل أخذ يدلف إلى الكهولة، وقد استكمل نضجه واتضحت لعينيه جميع السرائر والخفايا، واستطاعت مراصده أن تتعقب كل نبضة وخلجة، فلا تكاد تفلت شيئا، فكان النفي له ولأسرته التجسيد الطبيعي لهذا لتحدي الذي صار إليه الأمر بين المغرب وفرنسا، والذي استمر سنتين وثلاثة أشهر تقريبا، يتفاعل في صراع من أعجب ما عرفه التاريخ السياسي للإنسانية كلها من أنواع الصراع.
كان محمد الخامس ملكا على عرش ليس هو العرش الذي عرفه الناس له ولغيره، وإنما هو عرش آخر تآلف من ملايين القلوب، من قلوب شعبه قاطبة، ومن قلوب الأمة العربية والإسلامية كافة، وكان أعزل في منفاه، مضيقا عليه في رزقه، ورزق أسرته، بيد أنه كان أقوى قوة واجهتها فرنسا طيلة حياتها، كانت قوته إرادة الأحرار من شعبه وكل شعبه حر، تدعمها مساندة الأحرار في كل مكان من العالم، وتساعدها العوامل المختلفة التي كانت تهز قواعد وجود فرنسا كدولة ذات نفوذ ومركز مرموق في العالم هزا يتزايد مع الأيام عنفا، بعضها يتمثل في الصراع الحزبي الداخلي الذي جعل من حكوماتها ما يشبه أوراق الأشجار في الخريف العاصف، وبعضها يتمثل فيما صارت إليه حربها في الهند الصينية، وبعضها يتمثل فيما نتج عن هذه وتلك من تدهور أوضاعها المادية والاقتصادية، تدهورا اضطرها إلى أن تصبح دولة متخلفة عن زميلاتها الثلاث : الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي وبريطانيا،، وحتى الدولتين اللتين كانت تعد نفسها من الدول التي غلبتهما : ألمانيا واليابان.
وهناك عامل آخر قد أخذ ينجم تدريجيا هو التململ المتربص المتزايد مع الأيام المخلخل لوجودها في كافة مستعمراتها الإفريقية من الشمال إلى وسط إفريقيا، ما وراء الصحراء إلى القرن الإفريقي الشرقي.
وذلك تدبير القدر الذي هيأ لمحمد الخامس كل أسباب النجاح في التحدي، فما لبث أن عاد إلى عرشه في بلاده محمولا على طائرة فرنسية كتلك التي ذهبت به إلى المنفى منذ سنتين وثلاثة أشهر تقريبا، ولكنه في هذه المرة لم يكن محروسا باعتباره أسيرا، وإنما كان مخفورا باعتباره ملكا منتصرا، ومن عجب أن أعداءه الذين انتصر عليهم كانوا يخفرونه ويحرصون على سلامته، لقد أدركوا – وإن بعد حين – أنه عدو لهم حقا، بيد أنه عدو حصيف كريم.
وما كاد يفرغ إلى نفسه ومهامه من تلقي تحيات شعبه المعربد بهجة بالانتصار، وبعودة الحبيب، حتى راح يخطط وينفذ للمرحلة الجديدة من التحدي، وفي هذه المرة كان يخطط وينفذ في آن واحد، فالأمر أعجل من أن يفصل للحظة زمنية بين التخطيط والتنفيذ، كان عليه أن يعيد بناء الدولة المغربية من أنقاض متراكمة، منها ما هو من عهود التخلف، ومنها ما هو من تدبير الاحتلال الأجنبي، وكان عليه وهو يعيد البناء ويزيل تلك الأنقاض أن يزيل أيضا أنقاضا، إزالتها أعسر وأشد إرهاقا، هي أنقاض ثلاث وأربعين سنة من الكراهية المتجذرة في شرايين الشعب المغربي الأبي لأولئك المحتلين الذين لقي منهم أبشع ألوان الإرهاق والإذلال والابتزاز، فالملك المنتصر لم تغير الأحداث من طبعه الكريم، بل زادت طبعه كرما على كرم، إنه لا يحب أن يذل خصومه، بل لا يرضى أن يشعر شعبه بأنه انتصر على خصم ذليل، فالقوي حقا يستخزي ألا يكون خصمه قويا، ثم إنه من قبل ومن بعد ملك مسلم، مطبوع على الكرم والكرامة لشعب مسلم، شريعته الخلقية الكرم والكرامة، فواجبه ساعة النصر أن ينسى ويبدل السلاح من يمينه بالمصافحة المعبرة عن أصالة الكرامة والإسماح، وأحسب هذا النوع من التحدي الذي يعالج حالات نفسية كيفتها الأحداث الأليمة المتوالية لأمد طويل بألوان من التشنج والتوتر أصعب تحد واجهه محمد الخامس، بيد أن حصافته في التصرف وعمق ثقة شعبه به له يسرا له آخر الأمر وفي أمد قصير أن ينتصر أيضا في هذا التحدي، ولقد كان انتصاره عجبا في هذا المجال، كان انتصار العقل الحكيم، والنفس الكريمة، والقلب الرحيم، والرأي السديد، في إعادة تكييف خلق الملايين من الغاضبين والحاقدين والموتورين، تكييفا يرجع بها إلى أصالتها من الكرامة الكريمة، والطبع السمح النبيل، فما لبث المغاربة بهدي من ملكهم أن فتحوا مع أولئك الذين يقتلونهم بالأمس، وينكلون لهم سجلا جديدا لا يحتفظ بشيء من الماضي، وإنما يحفظ نفسه كله لإقامة مستقبل من التعاون والصداقة والاحترام.
وأحسب نجاحه في هذا التحدي أعظم من نجاحه العظيم في إعادة بناء صرح الدولة المغربية، ورسم معالم السلوك بها، وتحديد طبيعة سيرها، حتى استكملت تشييد أركانها، وترسيخ قواعدها، وتشريع سبها استكمالا بلغ تمامه أو كاد خلال ما يزيد قليلا عن خمسة أعوام، لحق في نهايتها محمد الخامس بجوار ربه، ولكن بعد أن كفل الاستمرار لكل ما عمله، استمرارا موصول التجدد، ثابت الخطى بين الأهداف.
على أن أهم شيء يميز تحديه – رحمه الله – لما واجه طيلة عهده بالملك من معوقات هو - في تقديري – إحباط جميع المحاولات الاستعمارية الصليبية الجاهدة الحاشدة من أجل تغيير هوية المغرب، إما بالتمسيح أو بالعلمنة، ذلك بأنه – رحمه الله – لم يقتصر في مجابهة تلك المحاولات على بذل أكبر الجهد في تنشئة جيل عربي أصيل مهيأ لتسلم مقاليد الدولة المغربية، وإنما صدع بالهوية الإسلامية العربية للمغرب بصورة خلخلت دعائم الاستعمار الصليبي من قواعدها، وأضاعت بقية رشده، إن كان له رشد يوما، وذلك في خطابه التاريخي بطنجة، في رحلته تلك التي أكد فيها أمرين اثنين :
هوية المغرب العربية الإسلامية.
ووحدة التراب المغربي وحدة لا تقبل أية مساومة من أي نوع كان.
ثم لما استطاع أن ينتزع من الاستعمار الصليبي ما كان قد اغتصبه بمعاهدة الحماية من مظاهر مقومات الدولة وخصائص السيادة عندما اضطره إلى الاعتراف بانتهاء عهد الاغتصاب وبزوغ فجر الاستقلال، لم يسكن إلى النتائج الرائعة التي حققها بجهاده الجاهد العجيب، وإنما قرر – بتصميم – أن يضفي على المغرب صبغة الدولة العصرية، بتشريع شرائع الحريات العامة، ومبادئ الدستور اللذين تضمنهما كل من قانون الحريات العامة والإعلان الدستوري. ومع أن هذه الشريعة هي من صميم تراث المغرب، لدولة العربية المسلمة، إذ هي في جوهر التعاليم السياسية للإسلام، فإن صياغتها في النصين المشار إليهما آنفا كانت دمغا لكل ادعاء قد يحاول وصم الدولة المغربية بالتخلف، وقضاء على كل محاولة لتوجيه المغرب الوجهة التي كانت مهيمنة يومئذ على عدد من الأقطار العربية والإسلامية استوردها زعماء تلك الأقطار من المعسكر الشرقي، وهي إعطاء دكتاتورية الحزب الوحيد لقب الديمقراطية الشعبية وفرضها على الدولة المغربية.
وما من شك في أنه – رحمه الله – بذل في هذا النمط من التحدي من الجهد ما هو أشد عنتا وإرهاقا، من ذلك الذي بذله في خلخلة ثم تقويض دعائم الاستعمار الصليبي وإنهاء عهد الاغتصاب، فمواجهة خصم غير غريب أصعب بكثير وأشد إرهاقا وإعناتا من مواجهة عدو أجنبي جاهر العداء.
فلما صار الأمر إلى ولي عهده، جلالة الملك الحسن – حفظه الله – كان أول ما شرع فيه من تنفيذ "عهده" تطوير هذا التحدي بحيث يستكمل المميزات الدستورية تشريعا وتطبيقا.
وإلى جانب ذلك مضى في تحد هو الآخر – في تقديري – استمرار لتحدي والده برحلته إلى طنجة، وكان رفيقا له إليها، وذلك بأن شرع في استكمال تحرير ما بقي من جيوب محتلة من التراب المغربي بالوسائل السلمية، استمرارا لسياسة والده – رحمه الله – التي تؤثر السلم ما استطاعت إليها سبيلا، حتى إذا استنفذت جميع وسائلها لجأت على الحرب مضطرة خلقا، غير وجلة خلقا أيضا.
وما من أحد أيا كان منهجه في دراسة التاريخ تخفي عليه ظاهرة الاستمرار وهو يدرس هذه العقود الستة، من حياة المغرب المعاصر، ما كان منها بقيادة محمد الخامس و"وزارة مولاي الحسن" وما هو منها حتى الآن وإلى أمد نرجو أن يمد الله فيه، ويمده بالتوفيق والتسديد، وما هو منها حتى الآن بقيادة الحسن الثاني – حفظه الله – مهما اختلفت مظاهره وأساليبه وميادينه وطرائق تنفيذه والأهداف المعلنة له، والتي تأجل إعلانها إلى حين.
والأمل قوي في الله أن تتواصل انتصارات المغرب في جهاده السياسي والاقتصادي تواصلا محتفظا بنفس التوفيق الذي وسمها منذ بداية العقد الأول من هذه العقود الستة الميمونة وحتى الآن، وما خاب الرجاء في الله، وما خذل الله من ينطلق في جهاده من تعاليم شريعته ولإعلاء كلمته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here