islamaumaroc

دلالات تاريخية وفكرية في مضمون العمل الإنمائي بالمغرب الحسني

  المهدي البرجالي

العدد 263 رجب 1407- مارس 1987

التهافت الاستعماري – خلال القرون الأخيرة – في اتجاه بسط النفوذ على البلدان الإفريقية والأسيوية وغيرها واستطاعة الدول المستعمرة تحقيق أهدافها في هذا النطاق – لم يكن – في محصلته الأخيرة إلا نتيجة حتمية لحالة التفاوت الشاسع بين المهاجمين (بالكسر) والمهاجمين (بالفتح) في مستويات القوة والمقدرة والإمكانات المادية والتنظيمية وما يرتبط بالأمر، ويتداخل فيه من عوامل مبعثا حالة التطور الفكري والعلمي والتكنولوجي عند أحد الطرفين، وحالة الاحتقان والتقوقع، على مستويات شتى لدى الطرف الآخر.
لقد استمدت قصة الاستعمار بذورها الأولية – إذا جاز أن ينظر إلى الأمر بهذا التبسيط الشديد للأشياء من واقع التحول العالمي الذي تركزت – بموجبه – بدأ من مطالع العصور الحديثة – ديناميكية التطور في الغرب وفقا لمفاهيم علمية جديدة متطورة ومبدعة لا مقارنة بينها، وبين جملة المفاهيم التي سارت عليها وتيرة الحياة الفكرية والعلمية في المناطق الأخرى من العالم، الأمر الذي نجم – فيما نجم عنه – عدد من الإفرازات التي تكيفت بها وجهة التاريخ العالمي الحديث، واتخذت بها كثير من وقائعه، أشكالا معينة، ومن ذلك :
1) تصور القوى الاستعمارية، أن المجال مفتوح أمامها، لإقامة نظام عالمي على مقاس منظورها الخاص، المستمد من فكرة تفوقها الساحق على غيرها من مناطق المعمور، وكفاءتها لترجمة هذا التفوق الحضاري، إلى تفوق علمي، منظور في السيطرة على مقاليد أمم القارات الأخرى ومقدراتها بشرا وأرضا وموارد، ووضعها وضع القاصر، الموصى عليه، أو امتلاكها امتلاكا شموليا مستديما.
2) شعور هذه القوى بسعة ميدان المناورة أمامها في سياق تحركات مغامرة من هذا القبيل، حيث الذرائع عديدة ومتنوعة (استكشاف العالم، تبادل مصالح تجارية مع سكان محليين إلخ...) لاتخاذ مواطئ قدم في منطقة أو أخرى من مناطق الأرض، والارتكاز فيها على منحى توسعي أو استيطاني أو نحوه، ومحاولة تحويل الخريطة العالمية في خلفية ذلك، تحويلا، تتكرس من خلاله معادلات جغرافية أو اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية ذات مضامين معينة.
3) تأكد هذه القوى من ضمانات الربح السريع والأكيد كنتيجة لسياسة التمدد والتوسع المخطط لها، معتمدة في ذلك حسابات محددة، قوامها، أنه إذا كانت قدرات المستعمرة تمكنه من ممارسة الغزو والاستيلاء وفقا لما يريد، فإن الأسلاب والغنائم ومواطئ القدم التي تتأتى له من ذلك، قمينة بأن تخوله المزيد من القدرة على اكتساح مناطق أكثر، والتحكم في مقدراتها. وهكذا دواليك.
وفي مقابل هذه الملابسات التي داخلت بعض رؤى التوسع الأوربي غداة بدء انسياحاته الكبرى في أرجاء العالم، كانت هناك تصورات موازية لدى رواد هذا التوسع عن الشعوب المعرضة كهدف، لمشاريعهم الهيمنية، ومن هذه التصورات فيما يبدو :
1- عسر الحال على الشعوب هذه، حينما يتعلق الأمر بإمكانية تحول مناعتها المتمثلة في مجرد رفض مبدأ التسلط الأجنبي المفروض، إلى مقدرة – بوجه ما – على رد هذا التسلط، وفل شوكته، وإقصائه في المحط الأخير.
2- اعتماد فاعلية تأثير "الأدوات الحضارية" المتوفرة في إعشاء أبصار هذه الشعوب، وتقليص حدة مقاومتها – بالتالي – للتسلط المنصب عليها.
3- استغلال حالة العزلة الجغرافية والمواصلاتية التي كانت تفصل بين عدد من الشعوب التي تعرضت للهجومات الاستعمارية – بعضها عن بعض، والإفادة – بالنتيجة – مما كان يلزم عن تلك العزلة من ضعف، أو ربما، انعدام التعاون والتناسق بين البلدان المعرضة للغزو، وغياب أي جهد ممنهج أو تجاوب على صعيد إقليمي أو قاري، وأحيانا، حتى على مستوى البلد الواحد، لمواجهة الغزاة، أو التصدي لهم.
على هذا النسق يرى المرء لمحات مما كان للتفاوت الحضاري – بالمقاييس الحديثة المتطورة – من مداخلات بعيدة الغور في حبك التحولات التاريخية التي أدت إلى أن قطاعا معينا من العالم، هو الغرب، قد توصل – خلال القرون الأخيرة – إلى "وضع اليد" على شتى القطاعات الأخرى من المعمور التي تعرف اليوم بـ "الجنوب" أو العالم الثالث، وذلك قبل أن يجد التاريخ سبيله في مجرى قرتنا الحاضر، إلى إنهاء الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية وتشكيل الصورة الجديدة، والمتغيرة ملامحها، التي عليها النظام الدولي الراهن.
وبصرف النظر عن الجوانب المتعددة والمعقدة للصراعات الطويلة، التي أفضت إلى هذه الحال، فإن الملحوظ في نطاق أساسي – أن اعتداد القوى الاستعمارية بتفوقها العلمي والتكنولوجي، ورفض الشعوب للانسحاق أمام هذا التفوق، وتصميمها على مجاوزة تأثيره عليها، بمجرد احتفاظها بصمودها في مجابهته، وتقوية قدراتها في هذا الاتجاه، كل ذلك قد شكل فصولا هامة من مجمل قصص المواجهات التي احتدمت – على نطاق طويل – بين أطراف النظام الاستعماري الغربي، وبين أهالي المناطق الكثيرة التي أرغمت على الخضوع له، وقد اتخذت هذه المواجهات أشكالا مباشرة أو ضمنية عديدة، إلا أن محور الارتكاز فيها، ما برح يتمثل في التناقض الشامل بين المفهوم الوطني للتطوير والإنماء في البلدان الساعية آنذاك للتحرر من الربقة الأجنبية، وبين المفهوم الاستعماري بهذا الشأن، فقد انطلق المستعمر دوما في تصوره لعمليات التعمير والتحديث من منظور قوامه تسخير الأرض والإنسان والموارد على اختلافها تسخيرا لا أفق له، إلا ما كان من ذلك الأفق، المتعينة سبله ومقاصده بالاعتبارات الاستعمارية المألوفة، وفي الاتجاه المعاكس، كان منطلق التصور الوطني لمعنى ومحتوى أية ديناميكية تطوير على مستوى فكري أو اجتماعي أو اقتصادي في حظيرة البلد الذي يسعى إلى نيل استقلاله، فهذه الديناميكية يتعين أن تتضافر مؤثراتها على تقوية مواقع المجتمع في صراعه من أجل التحرر، وإعداده لتحمل مسؤولية تحرره.
وارتباطا بهذا التناقض الراديكالي بين المنظور الوطني والمنظور الاستعماري، تشابكت عقد صراع طويل ذي أبعاد قيمية محددة، حول موضوع الإنماء والتطوير : مجاله، أبعاده، ودلالاته ومترتباته – في خلال الحقب التي استغرقتها السيطرة الاستعمارية عل إفريقيا وآسيا وغيرهما، واستقطبت الاهتمامات الملتصقة بهذا الأمر، المكامن الأعمق لهذا الصراع، المكامن الواقعة في خلفيات المظاهر الحادة والبارزة التي تكتسيها صورة الصراع في العادة.
وفي مضمون الرؤى المتصلة بتحديات الصراع من هذا القبيل الذي عرفته الساحة العالمية على مدى حقب متطاولة، خاصة في خلال قرننا الراهن، كثيرا ما راودت الفكر الاستعماري التقليدي، أوهام وأساطير بخصوص موضوع التقدم والتخلف، وعلاقة ذلك بما اعتبر في منظور الاستعماريين كحتمية لفرض المتقدمين هيمنتهم على غيرهم، وكحتمية كذلك، أن يتقبل "المتخلفون" حالة هذه الهيمنة ويتحملوها بطواعية بحكم "الانبهار" بمظاهر التقدم المتوفرة للمهيمنين، أو بحكم الحاجة إلى "منافع" هذا التقدم.
وإذا كانت مثل هذه التنظيرات قد ارتبطت عند البعض من أوساط الاستعمار العالمي بالصيغ السلالية أو العرقية التي أخذوا بها، فإن الوجهة العامة للفكر الاستعماري، وحتى ذلك الفكر الذي لا يعتنق بالضرورة، المبادئ الجوهرية للنظرية العنصرية، قد ذهبت – في حدها المعتدل – مذهبا مستوحى – على الأقل – من الظن بأن الفجوة الكبرى بين التقدم واللاتقدم، كفيلة بإبقاء الأوضاع الإمبريالية على ما هي عليه من عنفوان الاحتواء والتحكم، وحشر العام المستعمر (بالفتح) طويلة في دائرة لا مخرج له منها، في الأمد المنظور، إلى نيل الاستقلالات التي يبتغيها.
وقد انقضى وقت كان في مثل هذا الظن يرقى إلى مستوى التصور، تصور الاستعمار بأن مجرد تحرر بعض البلدان من سلطته، كاف لأن يجمد حركتها تجميدا كاملا، ويعرضها للضياع، وليس من المغالاة القول بأن تصورا كهذا، لابد إن كان له اعتبار فيما كانت عليه تقديرات مخططي الحرب النفسانية المعلنة من قبل الاستعمار في فترة أو أخرى من فتراته – قبل انهيار الإمبرياليات التقليدية في النصف الثاني من هذا القرن.
على أن رهان التقدم والتخلف إذا كان قد استقطب جوانب أساسية في مجرى المواجهات بين قوى الاستعمار، وقوى التحرر، فإن هذا الرهان قد اتخذ أخيرا بعد أن وقع البدء في التصفية الكاملة للنظام الاستعماري عقب الحرب العالمية الثانية، شكل تحد معلن، أصبح بموجبه على الأقطار الحديثة عهدا بالاستقلال أن تبرهن على أنها تعي إطار ومحتوى ومعنى التحدي الذي طرحته حالة الاستقلال من المنظور الحضاري.
التحدي المتمثل في مواجهة إشكالات الإنماء والتطوير والتحديث، اتصالا بما تداخل في مضمون معركة انتزاع الاستقلال من ملابسات صدامية تدور حول المفاهيم الإنمائية والمفاهيم المناقضة لها بين المستعمرين (بالفتح) والمستعمرين (بالكسر) في عموم العالم الثالث، وهذا من بين أكبر الرهانات التي حمل عبئها المغرب، وقد انطلق فور استرداده استقلاله، نحو العمل على صياغة ديناميكية للاستقلال على صعيد حضاري، موصولة بديناميكية الخط النضالي الذي أدى إلى تحقيق هذا الاستقلال بأوجهه السياسية والديبلوماسية وغيرها.

كان سبيل المغرب الحسني، على مدى السنوات الست والعشرين الماضية، في اضطلاعه بهذه الرهانات  وتأمينه إيجابية النتائج المنبثقة عنها، سبيلا صعبا بكل المقاييس التي يقيم بها حجم العقبات المعترضة دونه، وضخامة المقاصد والمعطيات، ودقة الملابسات والظروف التاريخية المحيطة. فمن حيث العقبات، فقد كان أعتاها في خلال منطلقات الفترة، ما اقتضاه الحال ساعتئذ من مزاوجة مكلفة جدا بين كثافة الجهد الموازي لذلك، والمتعلق بإقامة الأسس الأولى لقاعدة إنمائية حديثة ومتطورة، تؤمن للكيان المستقل، القدرات الضرورية لاستطاعته ضمان حمايته الذاتية، ومواكبة وثائر السرعة التي تتوالى من خلالها الأوجه المختلفة لحاجاته.
لقد كانت العقبات دون استيفاء شروط هذه المزاوجة، عقبات كأداة عصية في الكثير منها على التذليل، ومما كان من شأنه أن يضاعف من ثقل المهام المطروحة على المغرب بهذا الشأن، سعة مجال العمل من هذا القبيل، المطلوب القيام به، والصيغة الطموحة للمقاصد الحافزة له.
إن العملية التنموية، عملية بناء حضاري، تتناول بالتطوير والتأصيل والإثراء، ضمن منهجية متوازنة ومضبوطة ومتكاملة، مختلف أنساق الحياة ومعادلاتها داخل المجتمع المعني بالأمر، ومن ثم مبدأ الصفة الشمولية للعملية هذه، ورحابة آفاقها، وعمق مداها فيما تتضمنه وتستوعبه.
ومن زاوية هذا الاعتبار، اعتبار التشعب الكبير من جهة في مضمون وأبعاد للعملية التنموية، ومن جهة أخرى، حيويتها البالغة في بناء الأوطان، وتطوير المجتمعات، اكتسب التحدي، والتحدي المضاد بين الاستعمار والأقطار المتحررة منه، الأهمية الموضوعية والتاريخية التي لـه، علما بمدى تمحور التحديات هذه، حول قضايا الإنماء بالعالم الثالث، ومبلغ ما تمكنه هذه القضايا من نجاح أو عدم نجاح الاستقلالات التي نالتها البلدان العالم ثالثية.
ولقد كانت بداية الستينات حيث انطلق المغرب الحسني انطلاقته التنموية الكبرى، التي يجتني ثمارها الآن، ظرفا مشحونا بهذا القدر من الرهانات التي ما فتئت تثقل كاهل الدولة الفتية آنذاك، وتعثر سيرها، إلا ما كان من هذه الدول مؤهلا للخطو على الطريق الشاسع المنفتح أمامه، خطر الرائد المستأنس بمساره، المتثبت بما يتوخاه، المستوثق بما يريده.
لقد كان للمغرب فيما له من مواصفات مثل هذه الدول، ركيزتان معنويتان أساسيتان، تتمثل أولاهما في عراقة موقعه في التاريخ، وبالتالي، ثراء تجاربه في الحياة وتمرسه بها، وما زاله عبر ذلك كله خلال الحقب والدهور من مسؤوليات جسيمة في مجاله الإقليمي والجهوي والقاري، وعلى المستوى الدولي، وهي مسؤوليات ذات أبعاد اقتصادية وغيرها، فضلا عما كان لها من أبعاد سياسية وديبلوماسية وعسكرية وما في حكم ذلك.
وثاني هاتين الركيزتين عمق استيعاب المغرب للقيمة الجذرية التي يكتسبها الجانب الحضاري في معركته من أجل صيانة الاستقلال وإنماء رصيده، وانطلاقه في هذا السبيل، على ضوء ذلك، مزودا بمقومات رؤية مستقبلية ناضجة متطورة، ومتجاوبة مع حقائق العصر، والتحولات الديناميكية التي تطبع بطابعها مساره.
هذا الارتكاز من جانبيه الرئيسيين المذكورين، كان حريا بأن يخول مسيرة الإنماء والتطوير بالمغرب الحسني، قدرات إبداعية معطاء بقدر كبير، نتيجة لخصوبة أرضية العمل التي وعت إيقاعات هذه المسيرة، وملاءمة المناخ الفكري والاجتماعي للتحكم في ضوابطها ومسالكها وإغناء حصيلة ما تسفر عنه من خلاصات جيدة.
لقد منيت الاستراتيجية التنموية عند التطبيق في عدد من أقطار العالم الثالث، بتعثرات مختلفة، ولم يكن الأمر بالضرورة لضعف الموارد الطبيعية، أو لضآلة الطاقة البشرية أو نحو ذلك، بل لأن مثل هذه الأقطار – وهذا طبعا تعليل جزئي للحال – لم تمتلك بالقدر اللازم مقومات معنوية من قبيل ما ذكر، في رؤيتها لشؤون وشجون قضاياها ومشكلاتها التنموية، ولم تجد بحكم ذلك مجالا مناسبا لاستلهام رصيد تراثي، يثري حوافزها على الطريق الإنمائي الذي تسلكه، إن لم يكن بوسعه أن يساهم في تعزيز قدراتها على التخطيط فيما تخطط له، وبداع من هذا، في نطاق معين، ومخصوص في اعتباراته، وبداعي العوامل الموضوعية الأخرى، المؤثرة عادة في مثل هذه الأمور، من منطلق فكري أو اجتماعي أو سياسي أو ما في مفهومه، يزداد تعقد مظاهر التعثر في الخط الإنمائي المتبع عند مثل هؤلاء، خاصة حينما تتداخل البواعث الإيديولوجية في مثل هذه الحال، متجاوزة الاعتبارات الموضوعية والعلمية.
إن العملية الإنمائية – كما ذكر آنفا – لهي تحويل شامل ودقيق في معادلاته وتوازنه، وهي في ضمن هذا التقدير، قاعدة تطور مجتمعي واسع الأفق، يشمل الجوانب النفسية والأخلاقية والثقافية وسواها، كما يستند في مناح معينة، على مقومات تاريخية وتراثية.
ومن هذه الزاوية في النظر إلى الأمور، يلحظ إلى أي حد، تتداخل العوامل الفاعلة في هذا المضمار بعضها في بعض ومدى تشاركها في هذا النطاق الجامع، المرتبط من جهة، باهتمامات الحياة اليومية للمجتمع، ومن جهة أخرى، بحظوظ القدرات المادية والبشرية للوطن ككل، ومدى استمرار ونمو استطاعته الحفاظ على موقع مكين له في مشتبك التفاعلات الدولية والعالمية.
ومن غير شك، فإن المنطلقات المبدئية في الموضوع الإنمائي، لذات شأن هام بدا فيما يتأتى عنه من نتائج، كالحال في كافة المواضيع المعتبرة مصيرية في حياة الشعوب.
المنطلقات السليمة، سبيل قويم للتوصل إلى تنمية سليمة، إذا كان خط السير لاستيفاء أغراض هذه التنمية، خطا محسوبا ممنهجا، وذا إيقاعات متوازنة متكاملة في أهدافه ومراحله.
ومن المعالم المشهودة في الاستراتيجية هذه، أصالة القناعات والاختيارات والأسس الفكرية والفلسفية لصيغة العمل الإنمائي الذي أضفى على المغرب، الطابع الخصب والمتطور، الذي له.
ومن المعالم المشهودة أيضا، في استراتيجية الإنماء بالمغرب، توفر عدد عامر المحتوى من الأسانيد المرجعية لها، مستمدة من عمق تقاليد هذا البلد على مدى التاريخ في مضمار التأسيس والتشييد الحضاري، وهي أسانيد يتغلغل مداها في أغوار عصور موغلة في التقدم.
ومن هذه المعالم أيضا، ثراء الحوافز المحركة والهادية على خط الفكر والتنظيم والعمل والإنجاز في محيط هذه الاستراتيجية، وما تعتمده من مرتكزات، وتنفتح عليه من آفاق عامة أو تفصيلية، وهي حوافز عديدة وفي نفس المستوى من الأهمية، ومن بينها:
الحوافز النضالية : إن مبعث هذه الحوافز لابد أن يكون متأتيا مما تطرحه روح النضال الوطني من معان، مبناها أن قنوات العمل من أجل تحرير الوطن، والرفع من شأوه، هي قنوات متداخلة ومتشابكة فيما بينها، وليست متمايزة.
وإن من الطبيعي أن يكون وضع الأمور على هذا النحو، طالما كان الرابط بين كافة النشاطات التي تصب في هذا الاتجاه، هو السعي لتخليص الكيان الوطني من السلبيات التي يمكن – على أي مستوى كان الأمر – أن تعلق به، سواء من زاوية اقتصادية أو غيرها، والعمل على صيانة الحمى الوطني من المعوقات، أكانت متسلطة عليه بفعل وهن، أو انتكاس ذاتي، أو كانت متسربة إليه من خارجه.
الحوافز الحضارية : وتتأصل مثل هذه الحوافز من جذرية الحس الحضاري عند المجتمع، جذرة هذا الحس، في تناقضه المبدئي والفعلي مع التخلف، وتلقائية ردود فعله التصادمية مع الأحوال والظواهر التخلفية، ونزوعه إلى إلغائها كلما توفرت شروط مناسبة لذلك.
الحوافز العلمية : وتنبع هذه الحوافز مما تقضي به النظرة الموضوعية إلى النواميس المتحكمة في صياغة العلاقات الدولية المعاصرة وما يندرج فيها من هموم، تتعلق بالأمن والحماية الذاتية، ومشاكل التعايش والتعاون والتبادل، وحدود وأبعاد الأفعال وردود الأفعال، ضمن النطاق الدقيق والمتشعب، المنضبطة به مصالح وحقوق هؤلاء أو أولئك، مع الوضع في الاعتبار في كل هذا، حدود الاستطاعة الموفورة لكل دولة في هذا المقام، وصلة ذلك بدرجة مقدرة التقدم وحصيلته لديها.
الحوافز الأخلاقية : وقوامها الحماس لبذل الجهد الإنمائي، وحسن الاستشفاف والاستبصار في استثماره، وشدة الجلد وطول النفس في تجسم أعبائه، وتتبع مراحله، واستخلاص النتائج المرتقبة منه.
التنمية اعتماد – قبل كل شيء – على الإمكانات والموارد والطاقات الوطنية، وتركيزا – في أساس أي شيء -  على تسخير كل ما في حوزة الوطن وبوسعه، من هذه العطاءات المتاحة، واستثمار مكامن الثروات الموهوبة له، الاستثمار الحكيم الرصين، المؤدي، بعقلانية مشاريعه، وحصافة أساليبه، وتوازن مقاصده، إلى زيادة تنويع محصول البلاد من هذه الثروات، ومضاعفة سبل انتفاعها بها، وتمكينها بذلك من اجتياز مراحل وأشواط ذات شأن، على طريق التطور الزراعي والصناعي وقطاع الإنشاءات والتجهيزات والخدمات الاجتماعية وغير ذلك كثير.
لقد سارت الديناميكية التنموية بالمغرب الحسني على هذا السبيل : تقوم مرتكزات أساسية لها، في مضمونه، على التطوير الذاتي، انطلاقا من تطوير قابليات الإنسان، وإغناء إيجابية استعداداته، وانتقالا من ذلك، إلى توظيف طاقات هذا الإنسان، وقد صقلتها، وأغنت حيويتها فاعلية الحياة الوطنية، وتوجيه زخم نشاطه لخدمة أهداف البناء والإنماء، وتعزيز مواقع المغرب عبر ذلك، بصفة كونه قطرا لـه استراتيجية إنمائية مضبوطة وواقعية ومنتجة ومتجاوبة مع حقائق هذا العصر، ومستجدات الحياة في محيطه.  
إن طريق التقدم في العادة، طريق وعرة غير ذلول، وهي أيضا طريق محفوفة بالإشكاليات التي تقتضي طبيعة الأشياء، فك عقدها، لكي يتيسر الانتهاء منها إلى ما يتوخى من إنجاز وإنتاج.
وعلى امتداد مسار التحديث والتطوير الحضاري التي اضطلع بها المغرب الحسني في حقبة ما بين الستينات والثمانينات، كان اقتدار هذا المسار على استقصاء ظواهر الإشكاليات وضبطها ومعالجتها من بين ألمع جوانب مناقبيته ونجاعة الآفاق التي انفتحت له.
إن نطاقا مجتمعيا مكينا في جذوره وقواعده، منفتحا في نفس الوقت بأوسع قدر، على تيارات التطور والتجديد في العالم حوله، واعيا كل الوعي ماذا يعني بالنسبة إليه – والحال هذه – موقعه في التاريخ والجغرافية، وطبيعة المسؤوليات التي يطرحها ذلك عليه في غير ما مجال من مجالات حياته، لقمين بأن يجد من خلال خصوبة التفاعلات الفكرية والحضارية في نطاقه، صيغا مواتية لاستيعاب أبعاد ومضامين الإشكاليات التي تفرزها خطواته على درب التأصيل والتجديد، وعقلنة التوافق والتطابق بين التوجهات المتكاملة لديه في هذا المضمار.
ومن طراز القضايا من هذا القبيل، التي تعاطى معها المغرب بالروح الإبداعية الرائدة، التي وفرت للتحولات النهوضية في محيطه، الطابع الرصين والمتوازن والثري، الذي تتسم به :
1) التوفيق بين دواعي الحفاظ على العراقة، وبين الأخذ أخذا متبصرا وانتقائيا بأسباب الحداثة في أوجهها المجدية المتعددة.
2) التوفيق، من جهة، بين موجبات العمل على تدارك ما فوته الاستعمار على البلاد من فرض التقدم وبين ما يفرضه، من جهة أخرى، واجب ملاحقة سرعة الوثائر المعاصرة لديناميكية التقدم، وبين الضرورات المرتبطة، من ثالثة، بمواكبة التيارات المستقبلية للتقدم، واستيعاب مضامينها المطردة تطورا.
3) التوفيق بين ما تطرحه من حيثيات واعتبارات، بواعث التفتح على الآخرين، وبين الاعتبارات المقابلة، المتعين بها، أن يكون التفتح هذا محسوبا وممنهجا، بحيث يستفاد منه، أكثر ما يمكن، في تطعيم الرصيد الفكري والحضاري للوطن، ويستدفع منه ما لا قد يكون فيه لهذا الرصيد غناء.
4) التوفيق بين تفتحات المطامح، وبين مستلزمات التغلب على الحوائل والصعوبات المرتبطة بسياق إنجازها.
الموفقية التي حالفت المغرب الحسني في تعامله مع هذه الإشكاليات وتسويته إياها، تقع في نفس النطاق الجامع، مع القدرات المرموقة التي عبر عنها، من خلال استطاعته تجاوز المنعطفات والتشعبات الإقليمية والدولية، التي كان من شأنها أن تلقي بظلال كثيفة على مجرى جهوده الإنمائية منذ المراحل الأولى لاستقلاله.
ذلك أنه على النقيض من معظم الأقطار الإفريقية والأسيوية التي وجدت نفسها، غداة استقلالها، تتعامل مع حالة استعمار من نمط واحد، فإن المغرب المستقل الذي عانى من حالات استعمارية متواقتة ومتعددة الأوجه والمصادر، قد وجد أمامه تركة استعمارية على نفس الدرجة من تعدد الأشكال والمظاهر والرواسب، ومن ثم، كان عليه، في نفس الحال الذي يسلك فيه سبيل نموه الذاتي وتطوره، أن يوزع جهوده على مستويات شتى (شمال، أقصى الشمال، طرفاية، إفني، الصحراء) ملتقية جميعها في محور العناية بتيسير تماثل وتكامل أوضاع التقدم والتطور في حظيرته، من شواطئ المتوسط، إلى أقاصي الأقاليم الصحراوية المسترجعة.
وهي حالة مكلفة جدا من ازدواجية المشاغل والأعباء، فرضتها الظروف الخاصة، التي أحاطت بالتسلط الاستعماري على المغرب، وبتحرر المغرب من هذا التسلط، المتعددة أطرافه.
لقد لبث موضوع الجهد الإنمائي، والمغرب منغمر في خضن انشغالاته بقضية استكمال وحدته الترابية، يطرح نفسه باعتباره حاجة ملحة فيما تقتضيه وتوجبه.
وعلى هذا المنوال، ظل المغرب الحسني على مدى عقد الستينات وما بعده، مدعوا إلى خوض غمرات النضال في واجهتين رئيسيتين ومتوازيتين :
واجهة النضال التحريري المنصب على استتمام وحدة التراب.
وواجهة النضال الحضاري، الهادف إلى إشاعة مظاهر التقدم وتعميمها في النطاق الأعم للكيان الوطني، والارتفاع المتوازن المتكامل بدرجات فاعلية هذا الكيان وقدراته، إلى المستوى المطلوب أن يبلغه.
إن جسامة هذه المهمة، لا تتجلى فقط في تعدد أوجهها، وما يطرحه الأمر من أعباء متداخلة ومتزامنة، بل تتمثل هذه الجسامة أيضا في طبيعة المناخ الدولي، على حظوظ التعاون بين الأقطار في مجال العمل الإنمائي ونحوه.
لقد كان من الطبيعي أن يقوم بمنطقة المغرب العربي، في أعقاب جلاء القوى الاستعمارية عنها، نظام للتعاون الجماعي على الصعيد الإقليمي، تتساند في نطاقه، السياسات الإنمائية الوطنية للدول المغاربية، بعضها مع بعض، وتتفاعل، إيجابيا فيما بينها، بما من شأنه أن يؤدي بها إلى بلورة قوة اقتصادية جهوية، لها من المؤهلات ما يعزز أهدافها المشتركة، ومصالحها في مختلف مواقع الساحة الدولية، إلا أن قصور بعض الجهات في المنطقة، عن استيعاب مدلولات هذه الحقائق، قد كان منه أن ألقى ظلالا سلبية حول وجهة نطقية للأمور على هذا الكيف.
وعيدا عن سلبيات كهذه، ما برح المغرب الحسني على امتداد العقود الماضية، يوالي خطواته على درب الإنشاء والإنماء، والتأصيل والتحديث، لا تأثير في شيء، مما ابتغى البعض إحداثه، عبر معاكسة الوحدة الترابية المغربية، من مؤثرات على اطراد نموه وسرعة تطوره، ولا حد لما حاول هؤلاء تحديده من مسار ارتياداته وإبداعاته، بل إن المنهج التنموي للمغرب الحسني، قد أتاح لهذا الوطن منطلقات غير منحصرة في شأن الوجه المادي لحضارته، وإنما يسر له السبيل، في أفق أوسع وأرحب، لإغناء القيمة المعنوية لهذه الحضارة، كما هيأ له من القدرات، ومناحي الاستطاعة، ما مكنه من شق طريقه باقتدار في المحيط الدولي وفقا لاختياراته السياسية وصميم مبادئه، والتعاطي مع المتغيرات العالمية، من موقع الكفء على الإلمام بحقائقها وملابساتها، المسهم، مع بقية القوى الحية ضمن المجتمع الدولي، في تقويم منعطفاتها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here