islamaumaroc

أمل وعمل

  أحمد ابن سودة

العدد 263 رجب 1407- مارس 1987

                        ملـيــك الـبــلاد علـيــك الأمـــل
                        يعـلـقــه الشـعــب بعـد الـعـمــل
                        فحـقــق لـه فيـك مـا يـرتـجـــي
                        يـحـقــق اللــه لــك كـــل أمــل

في 18 نونبر سنة 1933... بهذا النشيد ارتفعت الأصوات إلى السماء، وتجاوبت معه الأصداء، وانسجمت ألحانه مع أنين النواعير، وخير المياه، وزقزقات العصافير، وساد جو من الرهبة والخشوع، حتى كأن الأرض ارتفعت إلى السماء، أو السماء عانقت الأرض.
فكان ذلك أول احتفال بعيد العرش تنظمه "كتلة العمل الوطني" "بجنان السبيل" بمدينة فاس.

ومن واجب الجيل الذي خصه الله، تبارك وتعالى، بحضور ميلاد الحركة الوطنية، وقيض لـه مواكبتها، والمشاركة في أحداثها، أن يسجل ذكرياته عن تلك الحركة المباركة بصدق وأمانة، ويخط على الورق ما عق منها بذاكرته، مهما كان، في نظره، صغيرا، أو غير ذي شأن.
فكما أن الأجيال الصاعدة مدينة لهذا الجيل المتميز، بكل ما بذله عنها من تضحيات، وما عاناه من محن السجن والنفي والتعذيب في سبيل الحرية والاستقلال، فإن ذلك الجيل الرائد الذي أسميه "بالجيل الجسر" بين عهدين، مدين، هو الآخر، للأجيال الطالعة بجميع تلك الأحداث الباهرة التي التحمت فيها القمة بالقاعدة التحاما عضويا وروحيا، أدى إلى الفوز بنعمة الحرية والاستقلال، وتسجيلها بدقة وتفصيل، حتى تكون لهم مصدر اعتزاز وافتخار، وموعظة واعتبار.

نــــداء
وأغتنم هذه الفرصة الكريمة لأتوجه من هذا المنبر الإسلامي العتيد، (دعوة الحق) الرائدة، إلى جميع أعضاء ذلك الجيل الأحياء القادرين على الكتابة أو الإملاء، وأناشدهم أن يؤدوا واجبه نحو تاريخ وطنهم، ونحو أبنائهم وأحفادهم الذين يجهلون، أو يكادون، تفاصيل تلك الأحداث، أو لا يدركون، حق الإدراك، أهميتها وفاعليتها في تشكيل مغرب اليوم، الأمر الذي، بدونه، لن تكون لهم صورة حقيقية عن أنفسهم، ولا عن الخلفية التاريخية والسيكولوجية لحاضرهم ومستقبلهم.

جيل الثقافة السمعية البصرية
وسواء أحببنا أم كرهنا، فإن الأجيال القادمة التي تولد اليوم وتترعرع في بيئة انتشرت فيها الثقافة الإعلامية السمعية البصرية، ستطالب بالتاريخ لتلك الفترة المخاضية الحية بالكلمة، والصورة، والصوت.
ومهما تفوق الجهاز الإعلامي، فلابد له من مادة تاريخية خام لتصنيعها برامج وكتبا، وأشرطة تلفزيونية وإذاعية، وإذا لم تكن هناك مادة خام تتسم بالواقعية والصدق والحياد، فإن الجهاز الإعلامي سيسقط في مستنقع الغموض الناتج عن الحكي السمعي المروي عن شاهدي عيان رحلوا دون تحر أو تدقيق.
وحتى لا تصدق علي قولة الإمام <البوصيري> رضي الله عنه، في بردته :
"أمرتـك الخيـر، لكـن ما ائتمـرت بـه ومـا استقمـت، فمـا قولي لـك استقـم ؟" 
فإنني سأحاول هنا تسجيل بعض ذكرياتي عن أول احتفال بعيد العرش المجيد، بمدينة فاس وعن المراحل التي سبقته.

كتلة العمل الوطني
كان أول ما انطبع في ذهني كفتى يافع يدرس بجامعة القرويين، تسمية سحرية غامضة المدلول، ولكنها قوية المفعول، هي <كتلة العمل الوطني>... بدأت أفهم معنى هذه التسمية رويدا رويدا...
فبعد أن توقفت المقاومة المسلحة في أغلب مناطق المغرب، كان على القيادة الفكرية والروحية للبلاد أن تجتمع سرا لوضع الخطوط العريضة لمخطط جديد لمقاومة الاحتلال، تتناسب ومستجدات العصر والأوضاع داخل البلاد، وفي المحافل الدولية.
 فكانت < كتلة العمل الوطني > التي بدأت بتنظيم القوى الحية والفاعلة في البلاد، وتوعيتها، وتعبئتها، وتجنيدها للكفاح الوطني، والعصيان المدني، حين تزف ساعة القيام، داخل الحواضر الكبرى، بدءا بفاس.
وتأتي أهمية "فاس" هنا، لا من كونها العاصمة الثقافية والروحية للبلاد، فقط، بل لوجود "جامعة القرويين" بها. هذه الجامعة التي كانت قبلة الطبقة الواعية من جميع أنحاء المملكة، كانت أصلح بوتقة لصهر المشاعر الوطنية، وتوحيدها لدى جميع الطبقات والعناصر المغربية، مهما اختلفت مناطق سكناها، وعاداتها، ولهجاتها، لإذابة الفروق بينها، وقطع الطريق على الدس الاستعماري الرهيب، الذي كان يبيت لبلادنا التفرقة والشتات، ليضمن لوجوده البقاء الأبدي.
واتخذت "كتلة العمل الوطني" مدينة فاس حقلا لتجربتها التي أثبتت الأحداث والنتائج، فيما بعد، صلاحيتها وفعاليتها، فعممت في جميع أنحاء المملكة، بما فيها المنطقة الشمالية التي كانت تدعى يومئذ "بالمنطقة الخليفية"، وكانت تحت حماية إسبانيا.
فكان أول ما أنجزته "كتلة العمل الوطني" هو تنظيم "جامعة القرويين" في عدة خلايا، وعلى رأسها خلية ارتباط وتنسيق مع "كتلة العمل الوطني".
ونظرا لأن "القرويين" كانت مركز الإشعاع الديني، والفكري، والوطني، ولأنها كانت تضم طلبة من جميع أنحاء المغرب، كانوا جميعا منخرطين في هذه الخلايا، فقد كانت شبيهة ببرلمان مغربي، تم انتقاء أعضائه وانتخابهم بطريقة الاختيار الطبيعي، أو < البقاء للأصلح >، بحيث لم يكن يلتحق "بالقرويين" من أطراف المملكة إلا المتفوقون في مناطقهم أو مدنهم وقراهم.
وفي هذا البرلمان التلقائي، كان هؤلاء يتدارسون قضايا البلاد، ويتتبعون ما كان يقع في دول المشرق التي كانت قد سبقتنا إلى محنة الاستعمار من أحداث، ومن تنظيمات وطنية لمقاومة الاحتلالين : الإنجليزي والفرنسي.
وتأتي أهمية فاس وجامعة القرويين، كذلك من أن هؤلاء الطلبة ينتشرون في جميع أنحاء المملكة، أيام العطل، فيكونون رسلا، ودعاة، يبشرون بالرسالة التي وعوها، واستوعبوها في جامعتهم العتيدة، بين إخوانهم وأصدقائهم، في مدنهم وقراهم، ممن لم يسعهم الحظ بالانتماء إلى القرويين.

تجمعات وطنية مقنعة
وكانت الإدارة الاستعمارية الفرنسية لا تسمح بالتجمعات إلا في مناسبات بعيدة عن السياسة، كالتجمعات الدينية، فكنا نظهر قوة التنظيمات الوطنية إما بمناسبة عيد المولد النبوي، أو ذكرى الهجرة، حيث كانت تأتي أعداد المجلات المشرقية الممتازة، مليئة بالمقالات الطنانة، والقصائد الرائعة لفحول الكتاب والشعراء، وكلها كانت تثير فينا الحمية الوطنية، وتذكرنا بروح الجهاد الإسلامية العالية التي أدرك بها المسلمون ما أدركوه من شأو بعيد.
كما كانت "الكتلة" تستغل حفلات التأبين، لإذكاء الحماس الوطني ونشر الوعي، مثل حفل تأبين الشاعر العلامة "مولاي أحمد البلغيثي" والعلامة المصلح "السيد عبد الرحمن ابن القرشي"، وأمير الشعراء "أحمد شوقي" وكذلك الاحتفال بالذكرى الألفية لشاعر العربي العظيم"أبي الطيب المتنبي".
ولم تكن سلطات الحماية تجد سبيلا لمنع هذه التظاهرات ذات الصبغة الدينية، والإنسانية، والثقافية وكانت الكتلة لا تقصد وراء تلك الاحتفالات إلا نشر الوعي وتعميقه، وإظهار قدرتها على التنظيم والتوجيه.

أول احتفال بعيد العرش
واهتدت < كتلة العمل الوطني > كذلك، إلى خلق مناسبة عظيمة، لإشاعة الوعي الوطني بين جميع طبقات الشعب على مرأى ومسمع من السلطات الاستعمارية، وهي الاحتفال بعيد العرش.
وجرى أول احتفال بهذه الذكرى الغالية في فاس سنة 1933، إن لم تخنني الذاكرة.
وظل ذلك الاحتفال من الصور الحماسية الرائعة التي ما تزال عالقة بذهني، والتي تدل على ذكاء رجال التخطيط في "كتلة العمل الوطني".
فقد جاءنا ذات يوم ضابط الاتصال والتنسيق بين الخلايا، و"الكتلة"، وأخبرنا بأن جريدة " عمل الشعب" ستقيم حفلة بمقهى الناية بجنان السبيل، وأن الطلبة مدعون لحضورها.
وأية أمنية كانت عند الطلبة في ذلك الوقت، أغلى من الحصول على مجلة "الرسالة" المصرية، والذهاب إلى جنان السبيل، وشرب مرطب، والاستماع إلى أغاني الشرق الجميلة ؟.
وذهبنا إلى جنان السبيل، ففوجئنا بأن المقهى كان غاصا بالقادة الوطنيين، الذين كانت تحيط بهم هالات نورانية من الإعجاب والتقديس، وكذلك بطلبة "القرويين"، و "كوليج مولاي إدريس".
وكان من بين القادة الحاضرين الأستاذ الشهيد الشاعر "محمد القري" وكانت الحاجة ماسة إلى شعار ما، أو نشيد يردده الحاضرون يعبر عن الشعور الجماعي، ويقوي أواصر الانتماء الوطني بينهم، ويبرز المطلب الأعلى للأمة، فهي كلمات بسيطة واضحة، فتوجه الحاضرون إلى الشاعر "القري"، وطلبوا منه نظم نشيد للمناسبة، فقال في شبه ارتجال :

مـليـك الـبـلاد علـيــك الأمــل        يعـلقــه الشـعــب بعـد العـمـــل
فحقـق لــه فيـــك مــا يرتجــي       يحقـق لــك اللــه كــل  أمــــل

ولحن المجاهد "مولاي علي الإدريسي" رحمه الله، النشيد بنفس السرعة التي نظمه بها الشاعر، وكأن عزيمة الجماهير الحاضرة تقمصتها. ولم تمض إلا لحظات حتى ارتفعت به الأصوات إلى السماء، وتجاوبت معه الأرجاء، وانسجمت ألحانه مع أنين النواعير، وخرير المياه، وزقزقات العصافير، وساد جو من الرهبة والخشوع، حتى كأن الأرض ارتفعت إلى السماء، أو السماء عانقت الأرض...
فكان ذلك أول احتفال بعيد العرش، تنظمه "كتلة العمل الوطني" ، وأول نشيد يغنى بهذه المناسبة الخالدة.
وبهتت السلطات الاستعمارية، ووقفت مشدوهة أمام هذا الحدث الضخم الجديد، الذي تفتقت عنه عبقرية الوطنيين، بالاتفاق مع ملكهم، وقائدهم، محمد الخامس رضي الله عنه، فلم تكن قد عملت له حسابا، ولا هيأت لإحباطه أسبابا.
فهل ستمنع الشعب من الاحتفال بعيد عرش ملكه ؟ وهي التي تدعي أنها باسمه تحكم، وباسمه تدير ؟.
أم تترك الحبل على غاربه للوطنيين، ينفردون به، ويصولون ويجولون كما يشـــــــاؤون ؟.
كلا، إنها أدهى من ذلك.
فقد عمدت في السنة التالية إلى استصدار ظهير به، وإعلانه عيدا رسميا، لتفرغه من محتواه، ولتجرده من معانيه الجهادية السامية التي أرادتها له الحركة الوطنية.
ولكن عبقرية الملك كانت أعظم، وتنظيم الحركة الوطنية كان أسلم، وأصبح الاحتفال بعيد العرش منارة يهتدى بها، ومناسبة لإثارة المشاعر، وإثارة العواطف، وأصبح هم القادة الوطنيين أن يعملوا ليل نهار حتى تكون تظاهرة كل سنة أحسن من سابقتها. وأصبح عيد العرش  "سوق عكاظ" جديد تقصد فيه القصائد، وتغنى فيه الأناشيد الوطنية، ويتبارى الكتاب في كتابة أجمل المقالات وأقواها، ويتنافس شعراء الزجل والملحون في نظم الأغاني والأمداح...
وأصبحت الخلايا الوطنية تعمل على إبراز حنكتها التنظيمية بهذه المناسبة، فكانت الأسواق، والشوارع التجارية، ودكاكين الحرفيين تتبارى في ابتكار وإظهار معالم الزينة، وكان كل مغربي يحتفل على طريقته، ويدعو المارة لمشاركته فرحته بشرب شايه، وأكل حلواه أو الإنصات إلى أغنيته، أو عزفه، أو التفرج على رقصه.
وقبل العيد المجيد بأيام، كان الناس يبدؤون في التخمين والتنبؤ بما سيقوله صاحب الجلالة في خطاب العرش. يا ترى ما هي المواضيع التي سيتطرق إليها خطاب العرش ؟ وبأي أسلوب ؟ وكم سيخصص لها من كلمة أو سطر ؟.
إلى غير ذلك من التساؤلات الدالة على غاية الاهتمام والانشغال.
ويأتي اليوم الموعود... وفجأة تصمت الأمة بأسرها، ويلتصق كل مواطن بجهاز المذياع في منزله، أو منزل جاره، أو المقهى الذي يرتاده لينصت إلى خطاب العرش في خشوع وإجلال، وحرص شديد على فهم واستيعاب مراميه القريبة والبعيدة، والظاهرة والخفية.
وبمجرد انتهاء الخطاب الملكي يصبح مادة للبحث والتحليل والشرح والتأويل، والمناقشة والمناظرة، ويلخص ليلقن ف الخلايا والمدارس.
كان كل عيد عرش في ضمائرنا وعقولنا الباطنية، ليس مجرد مناسبة نحتفل بها، ونذكي فيها مشاعر الأمة بالرغبة في الحرية والاستقلال، بل كان عبارة عن محطة جديدة نتوقف عندها، بعد قطع مرحلة كاملة نحو تحقيق الاستقلال، لنجرد ما مر من مراحل،، وما يقي منها أمامنا، فقد كان إيماننا بحتمية الاستقلال، أشبه بيقيننا ببزوغ شمس الغد.
وهكذا تبين لدهاقنة الاستعمار، أن الحركة الوطنية، والمقاومة السياسية، التي أخذت تخرج من الزوايا والتكايا، والتنظيمات السرية في الثلاثينات لم تكن مجرد حركة سلفية بالية لم تعد قادرة على تحريك مشاعر الأجيال الصاعدة. فقد أدهشتهم ببروزها، في حلتها الجديدة، كمنظمة معاصرة، لها برنامج عملها، وصحيفتها الناطقة باسمها، وأنها قادرة على تقمص روح العصر، ومنازلة الاستعمار في ميدان المناورة و"التكتيك".
وكان أول احتفال بعيد العرش قد أقيم في فاس، ومنذ ذلك الاحتفال تبين أنه ميثاق جديد تم توقيعه بين الشعب والعرش. فكان أمل الشعب معقودا على صاحب الجلالة، أمير المؤمنين، لقيادة شعبه على درب الحرية والاستقلال، وكانت ثقة جلالته كاملة بتعلق شعبه، ووفائه، ومسيرته من ورائه إلى الغاية المنشودة.
فكان الخطباء يجعلون من هذه المناسبات فرصة للتذكير برسالة العرش، من عهد المولى إدريس الأول، إلى الوقت الراهن. يذكرون برسالته الإسلامية الغالية، ويلهبون حمسا المواطنين بإحياء أمجادهم التاريخية الغابرة، وتقريبها إليهم، ويدربونهم على تحمل مسؤولياتهم يوم تأتي ساعة الفصل والحسم.
وتعبأ الشعب من أقصاه إلى أقصاه، وانتظم في جمعيات ثقافية، ونواد رياضية، وخلايا كشفية، وفرق مسرحية، كل هذا وجلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، يرعى هذه الحركات، ويفرح لها، ويمدها بالإعانة والتوجيه.

صحوة الاستعمار
    وشعر المستعمر بخطورة هذه الحركة الوطنية، بعد أن بدأ عودها يشتد، وانخرطت في صفوفها جميع الطبقات، بحكم خلايا التوعية التي كانت تنطلق من قلب القرويين، وتتسرب إلى دكاكين التجار، ومعامل الحرفيين، ومنازل الأهل والأصدقاء، تحدثهم بما تمليه عليها خلية الاتصال والتنسيق مع "كتلة العمل الوطني".
وحاولت السلطات الاستعمارية القضاء عليها، فنظمت حملة قمع هنا وهناك، فكانت أحداث "المنزل" بـ "بني يارغة" وأحداث ماء "أبي فكران"، وذلك لجس نبض الحركة الوطنية، وسبر قوتها، وربما استدراجها للمواجهة.
وحين لم تسقط الحركة الوطنية في فخ المستعمر، قرر المواجهة، حتى لا يفلت من يده زمام المبادرة، فكانت أحداث سنة 1937، حيث نفي الأستاذ علال الفاسي رحمه الله إلى الغابون، والأستاذ محمد بن الحسن الوزاني رحمه الله إلى أقاصي الصحراء.

الانتصار الملغوم
 وهدأت الأحوال في الظاهر، وظن المستعمر أنه انتصر، ونظمت الإدارة الفرنسية حفل استقبال رائع للمقيم العام إذ ذاك الجنرال نوجيس بمدينة فاس، حشدت لـه رجال القبائل، بخيامهم وخيلهم ورجلهم، وأصحاب الحرف بأجواقهم، وجمعياتهم الترفيهية، ونصبت الأعلام، وكانت المظاهر كلها تنبئ بأن القضية الوطنية قد صفيت، وأن الخطة القمعية قد نجحت.
وعقد اجتماع كبير بناحية فاس تحت رئاسة الجنرال نوجيس المقيم العام آنذاك، وحضره رجال الناحية والاستعلامات، وقدمت التقارير المتفائلة، والمبشرة بانتهاء الحركة الوطنية، واقتلاع جذورها، وجلس الجنرال نوجيس ينصت مفكرا صامتا، فأقلق وجومه دهاقنة الإدارة. فقد كانوا ينتظرون منه كلمات الشكر والثناء على الجهود التي بذلوها، والتنويه بالهدف الذي حققوه، إلا أنهم فاجأهم بقوله : "لن أدلي برأيي حتى أعرف فحوى ما كان ينشده الدباغون، ويتغنى به الخرازون".
وكان رجال الإدارة الأكفاء قد فكروا في كل الترتيبات والتفاصيل، وأعدوا الإجابات عن كل شيء، إلا أن هذا السؤال الذكي الذي لا يلقيه إلا خبير برموز ثقافات الشعوب، ومقدر للوى الكامنة في موروثها الحضاري المتجذر.
فماذا كان يقول الدباغون ؟ كانوا ينشدون بلحن خاص بهم يرقصون عليه، ويدكون الأرض بأقدامهم على إيقاعه :
"أكــــريــــم الــكـــــرام       غـيـثـنـــا بـالـفـــــرج
حــاشـــا يــخــيـــب مــن      يـحـســن ظـنــه فــيــك"
أما الخرازون فقد كانوا ينشدون :
"ألف يا ربي قلوب الإسلام تعـود مخاويـة  
واهــزم ديـــن الــكــفــر      لا تشفــي فـيـنــا الاعـــدا
فعلق نوجيس :
"إياكم أن تغركم المظاهر، إن هذا الشعب العريق لن ينتظر طويلا حتى يحقق مطامحه، وإن ملكه محمد الخامس يعيش آلام شعبه وهو مصمم على تحقيق آماله".

صدق النبوءة
فقد كانت الشحنة الثورية التي فجرها الاحتفال بعيد العرش ذات أبعاد متعددة.
فبالرغم من نفي الزعماء، وسجن القادة، استمر الجهاز التنظيمي القائم على أمتن الأسس عاملا صامدا يسير الخلايا، ويضاعف أعدادها، ويحتفل في جميع المناسبات، وتبارت القوى الوطنية في بناء المدارس، وتأسيس الجمعيات، وأصبح المغرب معبأ وجندا، والميثاق الذي أمضي بين الملك والشعب يشق طريقه نحو الهدف المنشود.
ولم تمض إحدى عشر سنة على أو احتفال بعيد العرش، حتى وقف الملك والشعب صفا واحدا مطالبين بالاستقلال، ولم تمر على ذلك الاحتفال ستة عشر عاما، حتى أعلن جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، عن برنامجه الوطني من مدينة طنجة التي دخلها منتصرا متحديا لإدارة المستعمر الذي حاول عرقلة رحلته بمذبحة الدار البيضاء.
ولكن رحلة طنجة، التي أكدت وحدة المغرب وسيادته أمام جميع الدول، كانت أهم لدى الملك الشجاع من أي تثنيه عنها تلك الأحداث الدامية المفتعلة.
ولم تمض أربعة وعشرون سنة على أول احتفال بعيد العرش، حتى صدق الله وعده، ونصر جنده، وحصل المغرب على حريته واستقلاله، وحقق محمد الخامس الأمل الكبير الذي عقده عليه شعبه.

حامل الأمانة
 وعندما اختاره الله إلى جواره، وحمل الأمانة بعده ولي عهده، ووارث سره، صاحب الجلالة، الحسن الثاني، حفظه الله، ونصره، سار على نهج والده وأكمل رسالته، وعقد مع شعبه ميثاقا جديدا على السير في طريق الديمقراطية، وحرية الفكر والعمل، واستكمال الوحدة الترابية، وتوجيه طاقات الأمة الحية إلى تنمية البلاد ماديا وروحيا، وتبوئها المقام الأسمى اللائق به بين أمم العالم.
واستمر الشعب في اتخاذ عيد العرش محطة إلهام واستلهام، وموعد لقاء حار مع عاهله في خطاب العرش الذي يجرد فيه جلالته منجزات السنة الفارطة، ويعلن فيه عن مخطط المستقبل ومشاريعه، وظل هذا اليوم موعدا مع الأفراح والمسرات والتفاؤل والاستبشار.
وفي عهده نصره الله وأبقاه، دشن المغرب، في مدة قصيرة، مرحلة من أزهى مراحله في مختلف عصوره التاريخية الطويلة الحافلة، فهو الذي اجتاز بالمغرب إلى حضارة القرن العشرين، ودخلها من بابها الواسع.
وكان شغله الشاغل، ضمان الأمن الغذائي لشعبه، إذ بمقياسه تحاكم الأنظمة والإيديولوجيات، وعند الامتحان فيه تعز أو تهان، فصب اهتمامه على الفلاحة، واستصلاح الأراضي، وبناء السدود، وتعميم شبكات الري والطرق، وتحرير الفلاح الصغير بتيسير القروض، والبذور، والأسمدة والإرشاد الفلاحي، بل وحتى بحرث أرضه، وسقيها أحيانا، وأعلن حملة ري المليون هكتار، فنجحت نجاحا باهرا، وشمل خيرها العديد من أبناء شعبه.
وحين انبهر بعض قادة العالم الثالث ببريق التصنيع، وانصرفوا إليه، تاركين زراعتهم، وباديتهم للضياع، ظل الحسن الثاني متمسكا بخطه الذي أثبتت الأيام حكمته وصلاحيته، وظهر ذلك جليا، بعد أن أفلست سياسات التصنيع المفروضة من فوق، في بلاد مختلفة لا تتوفر فيها التكنولوجية، ولا الحافز البشري لنجاحه.
وأصبح المغرب جنة خضراء، وواحة غناء بين جميع دول العالم الثالث، دون أن يهمل الصناعة التي أصبحت، بفضل تشجيعاته للمبادرة الفردية والخاصة مزدهرة في بلادنا أزهار الفلاحة، وتكونت للمغرب قاعدة صناعية واسعة ومتعددة الجوانب، توشك أن تجعله في عداد الدول المصنعة، بشهادة خبراء دوليين، كل ذلك في صمت وتواضع جبل عليه المغاربة، وعلى رأسهم ملوكهم الشرفاء العلويون العالمون العاملون.
وحرص جلالته على أن يتمتع المواطن المغربي بكل حقوقه المادية والمعنوية، ويعيش حرا كريما وسعيدا في وطنه، فضمن لـه الحرية السياسية، والنقابية، والعددية الحزبية، وحرية التفكير، والتعبير، والاختيار، بدستور يتجاوب ومتطلبات العصر، ويتلاءم والمستوى الاجتماعي والحضاري للبلاد.
وانعكس ذلك على مجلس النواب الذي أصبح يتابع أعمال الحكومة، ويراقبها ويقترح، وينتقد، ويعدل، والذي تتمثل فيه جميع طبقات الأمة ونخبتها القيادية.
وبذلك عود شعبه على الديمقراطية، وتعدد الآراء وقطع الطريق على الديماغوجية والاستبداد بجميع أنواعه.
وفي عهده أبقاه الله، أصبح شباب جيله يتبوأ أسمى المقامات في المحافل الدولية، وعلى مختلف الأصعدة، سواء منها السياسية أو الأدبية أو العلمية، ونبغ من بينهم الشاعر، والكاتب، والفنان، والفيلسوف، والباحث، والطبيب، والمهندس، والرياضي، والمخترع وغيرهم، وطبقت شهرة بعضهم الآفاق، وتنافست الشركات العالمية الكبرى على شراء حق تصنيع بعض المخترعات المغربية في مجال التكنولوجية الدقيقة العالية، وفي مجال الطب والصيدلة وغيرهما.
ولم يكتف الحسن الثاني، أعزه الله، بالعمل الداخلي، بل فتح المغرب على مصراعيه على العالم، وجعل المغرب قبلة، ومركز إشعاع، ومقرا لمؤتمرات القمة الدولية، والإفريقية، والعربية، والإسلامية، وتحمل جلالته شخصيا القسط الأكبر من أعباء هذه المؤتمرات، وتبنى القضايا العربية والإسلامية الكبرى، فترأس لجنة القدس، واللجنة السباعية، ورئاسة المؤتمر الإسلامي، فكان محل تقدير جميع قادة الدول، وإشادتهم، وإكبارهم.
وإذا كان للمغرب بين دول العالم رصيد معنوي عال، ومكانة مرموقة خاصة، فما ذلك إلا بفضل الحسن الثاني، وحنكته، وطول تجربته، وغزارة علمه، واتساع أفقه الجيوسياسي، وشمولية ثقافته، ودولية خبرته الاستراتيجية، وتعدد أبعاده واهتماماته، بحيث يدهش بخبرته وإشراقاته الخبراء والمختصين في ميادين اختصاصهم.
هذه مجرد قطرات من بحر زاخر هادر، فلو أردنا تسليط الأضواء على منجزات الحسن الثاني، لاحتجنا إلى مجلدات ومجلدات.
ولو لم يكن أنجز في عهده الزاهر الباهر، إلا معجزة المسيرة الخضراء الخالدة، لكفاه ذلك ليبقى اسمه مكتوبا بحروف في سجلات الخلود الذهبية.

السلسلة الذهبية
وإنها لسلسلة ذهبية موصولة الحلقات، تمتد أصولها من عهد المولى إدريس الأول، إلى عهد الحسن الثاني، أبقاه الله وأيده.
وإن سر استمرارية المغرب وقوته، وحيويته، وتجدده الدائم، ينبع من تلاحم هذا الشعب العملاق بقيادته الحكيمة الرزينة المستنيرة، فكأنهما رأس وجسد لا يمكن فصلهما، ولا حياة لأحدهما بدون الآخر.
بهذا الالتحام العضوي والروحي حقق المغرب آماله، وسيبقى قادرا على أن يحفظ لهذه البلاد عظمتها، وكرامتها، ومجدها، مادام ذلك الالتحام، وما دمنا متمسكين بالمبادئ السامية، والأسس المتينة التي قام عليها كيان المغرب، وهي : الإيمان بالله، والتمسك بشريعته، والاهتداء بهدى السنة والكتاب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here