islamaumaroc

ومن خطاب الملك العالم للعلماء

  خليفة المحفوظي

العدد 263 رجب 1407- مارس 1987

في عيد العرش الأمجد السالف كنت تطرقت في مساهمتي المتواضعة، في العدد الخاص من مجلة "دعوة الحق" إلى موضوع مشابه لهذا العنوان، هو "الملك العالم يخاطب العلماء" وجعلت مداره خطاب مولانا أمير المؤمنين للعلماء، في الدورة الأولى للمجلس العلمي الأعلى، بعد تأسيس المجالس العلمية في شكلها الجديد.
وقد اكتفيت يومئذ، بتعليقات خفيفة على فقرات فقط، من ذلك الخطاب الهام الذي تجلت فيه جوانب من العبقرية العلمية الفذة، لصاحب الجلالة الملك العالم وهو يخاطب العلماء.
وما كان العلم أبدا معرفة المسائل والقواعد كلية أو جزئية واستظهارها، ولكنه أيضا وبالأساس معرفة التصرف فيها واستخدامها، وبيان مجالات التصرف والاستخدام، وربما كان هذا الجانب أبرز ما تميزت به شخصيات ذوي الريادة والصدارة من علمائنا.
وهنا وبالذات، تبدو ينابيع الإلهام متدفقة عند جلالة الملك الحسن الثاني، فيقرب عنده ما يبعد عن العاديين، ويهتدي في يسر إلى ما هو عسير، ويضع أصبعه على عين الحقيقة في الموضوع.
ولكن المذهل والعجيب في الفكر الحسني، أن ذلك يأتي ارتجالا في خطب جلالته، وليس وليد تسويد وتبييض، وإنما ترجي القوالب والمعاني عنده عفو الخاطر، في أسلوب أخاذ جذاب، هو السهل الممتنع عند خاصة الخاصة، من الخطباء والكتاب، في عالم البلاغة والبيان.
حقا إن ذلك كان سليقة في حال الارتجال، عند أصحاب الأمالي من علمائنا، وما هم بالكثرة حين العد حتى في عهود الازدهار، وبخاصة في زمن عز فيه التوفيق في التحبير والتخمين.
وليس ذلك في الفكر الحسني من تعليل، إلا أنها الموهبة والتوفيق، وسلامة الطوية وصدق الهدف، ومتى صفا الجنان يعذب ويسمو بما يجري على اللسان، وهذا عطاء اله، وعطاء ربك غير محدود.
وإن اكتفيت فيما مضى بالتعليق، فأكتفي الآن أيضا بالتعليق، وما هو بطبيعة الحال بالشرح، فمجال هذا فيه تحديد وتقييد، بينما الأول مجاله رحب فسيح.
وترتكز مساهمتي الحالية، على فقرة من خطاب آخر، لجلالة الملك حفظه الله، وهو الخطاب الذي ألقاه جلالته في دورة المجلس العلمي الأعلى، في التاسع عشر من جمادى الأولى، عام أربعة وأربعمائة وألف هجرية (19/5/1404 هـ موافق 22/2/1984).
يشتمل هذا الخطاب الهام على غرر وجواهر، لها المميزات والخصائص نفسها التي لخطب صاحب الجلالة، ويتضمن الفقرات أو المحاور الآتية :
- دور اللغة العربية في نشر الإسلام السني.
- المحافظة على الأسلوب المغربي في التوجيه الديني.
- انتداب المغاربة للدعوة الإسلامية الحق.
- إيفاد أول سرب مغربي لتعليم العربية في البلاد الإسلامية.
- التنسيق بين الفرقان والسلطان وضبط المساجد.
- برامج التوجيه الديني في الإذاعة والتلفزة.
- شعبة دينية في المعهد العلمي الإسلامي المقترح بناؤه بالرباط.
وليس بخاف أن مقالا كهذا لا يمكنه أن يستوعب التعليق على هذه المحاور كلها، كما لا أنكر أن مقالي السابق الذي التزمت فيه الإيجاز، والتعليق الخفيف، لم يكن مستوفيا لكل ما يمكن أن يتطرق إليه على هامش الخطاب، وما أصدق الأوائل من البلغاء الذين حصروا مجال القول، في الإيجاز والمساواة والإطناب، وجعلوا في ذلك كله لكل مقام مقالا.
وبهذا الاعتبار، فإني سأقتصر بالتعليق على الفقرة الأولى من الخطاب الملكي السامي، تاركا بقية الفقرات أو المحاور، إلى مناسبة غير هذه.
وعن دور اللغة العربية في نشر الإسلام السني، قال جلالة الملك العالم :
"وبمجرد ما يفتح كل ذي بال وعقل وتحليل، كتاب الجغرافية، يرى أن الإسلام انتشر شرقا، وانتشر غربا، انطلاقا من شبه الجزيرة العربية، ولكن لم يكن انتشاره في الشرق، كانتشاره في الغرب، ذلك أن الإسلام في الشرق الأقصى وجد نفسه مبنيا على نوع من الرهبانية، ونج أن الإسلام الذي انتشر غربا لم يحتج إلى تلك الرهبانية، بل منذ اليوم الأول كان سنيا وبقي سنيا.
وما هو السبب في هذا الفرق بين الإسلام الأقصى الشرقي، والإسلام الأقصى الغربي ؟
الفرق أو السبب سهل، ويمكن أن نوجزه في كلمة واحدة : عدم التعريف بالعربية.
فجهل الناس اللغة العربية، هو الذي نشر في الشرق الأقصى الملة، ونشر رجال الدين الذين كانوا يحتكرون اللغة العربية، تلك اللغة التي يجب علينا أن ندركها ونكون ملمين بها، حتى يمكننا الاستفادة من أولي الفكر، ومن العلماء، ومن المدرسين، ومن المحاضرين. فأصبح الإسلام في الشرق الأقصى، إسلاما يتعبد به الناس، لا يعرفون ولا يحفظون أكثر من الفاتحة، وهنا تقف معرفتهم بالعربية.
والنبي (صلع)، وكأنه كان يشم هذا في بداية الإسلام، قال : "لا رهبانية في الإسلام".
والرهبانية هنا نشأت عن جهل أفقي وعمودي للعربية".
إن هذه الفقرة من الخطاب جامعة مانعة في موضوعها، ونحن نعرف تاريخيا أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، والتحق بربه تاركا المسلمين على خير معتقد وعمل، بالإسلام عقيدة وشريعة، وبمقتضى ذلك كان الحلال عندهم بينا والحرام بينا، وتوضحت عندهم معالم الطريق، على هدى الرسالة الخالدة، مستنيرين بقوله تعالى : <<وما أتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا>>، وشاعرين بعمق المسؤولية العظمى في قوله تعالى : <<إن الدين عند الله الإسلام>> ومعتزين بما ودعهم عليه نبيه الكريم في حجة الوداع : "تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما، كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض" وواثقين ثابتين على المحجة الحق، التي تركهم عليها في قوله عليه السلام : "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك".
وجاءت الفتوح متوالية، فعم بها نور الإسلام أقطارا وأمصارا، على امتداد عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم، فانتدب دعاة منهم أنفسهم للتوعية بالعقيدة والشريعة، وتفرقوا في البلاد المفتوحة، وكانت اللغة التي نزل بها القرآن، ودونت بها السنة. وكان الإقبال على تعليمهما شديدا، للرغبة الصادقة في المهتدين، وللإخلاص في أمانة التبليغ عند الدعاة.
ومن هنا ندرك كيف أن مدنا في أمصار لم تكن لها معرفة باللغة العربية، كتبريز وأصبهان، وجرجان وجوزجان، وبخارى وسمرقند، وسجستان وطوس، وسواها من مراكز الإشعاع الفكري الإسلامي، أصبحت مهدا لأئمة كبار، في اللغة العربية وآدابها، وفي علوم القرآن، والحديث والشريعة.
ثم جاء عهد الانتكاس بعد استفحال فتنة الفرق الكلامية، فحاد عن المحجة البيضاء بمزج العقيدة بالسياسة من حاد، وزاغ عن بساطة الاعتقاد في الإسلام بالتفلسف من زاغ، وهام في وهاد الشعوبية لعوامل حقدا على العربية والعرب من هام.
وإن هذا الذي حدث، وإن لم يؤثر على الإسلام كثيرا كوجود، ولدى الأغلبية في جهات من الشرق الأدنى والشرق الأقصى الإسلاميين، بل كان الأخير منه من أهم ميادين الدفاع عن العقيدة من المنظور السني، حيث صرخ من بن أبنائه لسان الحق في شخص الإمام الماتريدي، وتصدر على ساحته نخبة من تلاميذ الإمام الأشعري لدحض أباطيل الانحراف، فإنه أثر على مكانة اللغة العربية حتى في المراكز العلمية التي سبقت الإشارة إليها. وما جاء عصر أبي حامد الغزالي حتى ظهرت مؤلفات إسلامية علمية بلغات محلية، وهذا الإمام نفسه مع فضله وعطائه ودفاعه عن السنة، فإنه ألف رسائل وكتبا لهذه اللغات المحلية.
وبانحسار اللغة العربية التدريجي لدى عامة المسلمين، بدت للوجود ظاهرة جديدة هي احتكار اللغة العربية من لدن طبقة معينة، هي طبقة رجال الدين، حيث تحول هذا الاحتكار فيما بعد، إلى استغلال شنيع للدين الإسلامي، بحكم أنهم المرجع في فهم الإسلام لدرايتهم بالقرآن والحديث، في معرفتهم اللغة العربية.
ثم خلف من بعد هؤلاء خلف أضاعوا التضلع، بل التمكن من اللغة العربية، على النحو الذي كان لأسلافهم من التضلع والرسوخ، وصاحب هذا مغالاة في التشييع، انقلبت أحيانا إلى تعصب يخالف العقل والدين.
وآل الاحتكار في جهات إلى ارتزاق مقيت، بالقيم والشعائر الدينية، وظهرت رتب في الدين والتصوف، وكأن الأمر يتعلق بمؤسسة عسكرية، فهناك الملات أو الملالي، وهناك الآيات والحجات، ثم هناك المشيخات وتوابعها، عند بعض الطرق التي تنسب نفسها إلى التصوف، وعلم هؤلاء وأولئك عند الله.
إن الإسلام واضح عند كل من غمر قلبه بالإيمان، وإن ما انساقت إليه فئات لعوامل شتى، وفي مقدمتها احتكار اللغة العربية، هو نوع من الرهبانية، ولا رهبانية في الإسلام، كما ورد في الحديث الشريف.
ثم إن الإسلام هو القرآن الكريم، وهو السنة المطهرة.
وما خالف الدين عقيدة وشريعة، هو البدعة وهو الضلالة.
لا إسلام في الانحراف عن الدين الحق، والمسلم ليس في حاجة إلى واسطة بينه وبين الله، فصلته بربه صلة مباشرة، وقد خاطب نبيه عليه السلام بقوله تعالى : <<وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعاني>>.
فأي مبرر بعد هذا يبقى للدجالين في خداع البسطاء من الناس ؟
وكأنه لا يكفي ما تكالب على ديار الإسلام من هجمات التسلط والاستعمار، وما جر معه من نزاعات الإلحاد كالشيوعية وتوابعها، وما تولد من طوائف انتحلت الإسلام للفتك بأهله من الداخل، كالبهائية والقاذيانية، وسواهما.
لقد كان الإسلام في انطلاقته بالغرب الأقصى، كما ورد في الخطاب الملكي، إسلاميا سنيا، لأنه كان مبنيا على تعلم العربية أيضا، ولكن مسلمي الغرب الإسلامي حافظوا على العربية، وعملوا على انتشارها، وبنوا لها معالم خالدة تكلفت بصيانتها، ومن بواقيها الصامدة جامعتا القرويين والزيتونة، كما وجدت لدى الأجيال المتأخرة من أبنائهم عناية باللغة العربية، ففرضوا وجودها بالمدارس، حتى في عهد الاحتلال الأجنبي، وبخاصة في المملكة المغربية وتونس.
وبشيوع لغة القرآن بين الناس، باءت بالفشل كل محاولة لتمكين أي بادرة للرهبانية في هذه الديار، بل أصبحت مركزا هاما للسلفية المبنية على العلم، التي تدعو إلى الله بالتي هي أحسن، فلا تصم الناس بكفر ولا شرك، ولكن تدعوهم إلى الالتزام بدين الله، كما جاء في القرآن والحديث.
وبعد، إن للغة العربية دورا بارزا في تنمية الوعي بحقيقة الإسلام، فعلى المؤسسات التعليمية والعلمية في البلاد الإسلامية، أن توفر للمسلمين الأداة التي يفهم بها الإسلام فهما صحيحا، لتضمن سلامة الأجيال من نزعات الإلحاد، ومن ارتزاق الرهبانية المحدثة وجنوحها، ومن طوائف الأدعياء والوسطاء والدجالين، وكل من يبتغي الوسيلة إلى الله بغير القرآن، ومتى سلم المجتمع من هذه الأدران، يكون من حيث الروح في المستوى المطلوب، الذي يواكب جهود البلاد الإسلامية، في إرساء قواعد التقدم العلمي والتكنولوجي، فيصبح المسلم بهذا وذاك، إنسان اليوم وإنسان الغد.
ثم إن الخطاب الملكي السامي، اكتفى بالإيجاز عن الإطناب، لأن الملك كان عالما يخاطب العلماء، والمختار عند أصحاب الصناعة هنا، الاكتفاء بالإشارة والتلميح، والكتابة، والاهتمام بتوضيح المعالم وتبيين المقاصد، وما جلالته في حاجة إلى ما سرت فيه بين الإجمال والتفصيل، فيما آلت إليه العربية في البلاد الإسلامية من الشرق الأقصى، والبعض من الشرق الأدنى، فمقام خطاب رسمي سام من ملك عالم للعلماء، هو غير مقام مقال يكتب لمجلة في مناسبة غالية.
إن من نعم الله على المغرب كمملكة إسلامية، أن يكون عاهله وملكه عالما مكتمل الشخصية العلمية، ومعتزا كل الاعتزاز بالإسلام ولغته، ومهتما بقضايا الإسلام والمسلمين.
فليدم الله علينا هذه النعمة بحفظه، وليبق بلادنا دار عروبة وإسلام، وكل عيد ومولانا وشعبه على خير حال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here