islamaumaroc

صفحات مشرقة من شورى السلاطين للعلماء: بين المولى إسماعيل وأبي علي اليوسي

  محمد علال سيناصر

العدد 263 رجب 1407- مارس 1987

كان التراث وما يزال نبعا فياضا تستلهم منه الشعوب أس نهضتنا، ونبراسا تستضيء بومضاته في مدلهماتها، فتتزود بشحنات منه تساهم في دفعها إلى الأمام، متجاوزة الخطوب والعقبات...
ومما يستحق العرض والتناول في هذه الذكرى : ذلك الحوار الهادف الذي كان يدور بين السلطان المولى إسماعيل، وبين العلامة أبي علي اليوسي، وهو حوار بين سلطان أجمع المؤرخون على قوة حزمه، وعزمه، وهيبته، كما أجمعوا على جرأة العلامة اليوسي بكلمة الحق وصدعه بها غير هياب ولا وجل.
والحوار بينهما نموذج للحوار الأمثل بين القمة والقاعدة :
قمة تفتتح المجال لسماع وإسماع صوت من كانوا متجذرين في القاعدة الشعبية.
وقاعدة لا تتردد في إبداء النصح دون تجاوز أو شطط، ملتزمة بقول الله تعالى : <<ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن>>1 ووجلة مما يصيب غير المتناهين <<لعن الله الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبيس ما كانوا يفعلون>>2
ويخلد ذلك الحوار المثمر والتناصح الهادف : رسائل أبي علي اليوسي للسلطان المولى إسماعيل، وهي رسائل منشور منها ثلاث :
- الرسالة الكبرى أو جواب الكتاب السلطاني.
- الرسالة التي توصف بأنها "براءة اليوسي".
- رسالة ندب الملوك للعدل.3
ونعرض في هذه المقالة للرسالة الكبرى التي أجاب فيها العلامة اليوسي على جملة قضايا ومسائل عرضها عليه السلطان المولى إسماعيل، طالبا منه الإجابة عنها.4
يعرض الكتاب السلطاني قضايا ظرفية، وأخرى ما تزال وثيقة الصلة بهذا الوقت، لكن الذي يلفت النظر أن الدارس للرسالة الكبرى التي تتجاوز صفحاتها المائة، محروم من التصور الكامل للكتاب السلطاني، إذ أن أبا علي اليوسي يكتفي بذكر رؤوس المسائل التي يبدي وجهة نظره فيها، محللا تارة، ومحاورا تارة، ومبرئا نفسه مما اتهم به، في حين أن أمورا أخرى تضمنها الكتاب السلطاني غائبة.5  
وعدد المسائل والقضايا التي طرحها الكتاب السلطاني على أبي علي، وأجابها الكتاب السلطاني على أبي علي، وأجاب عنها، يبلغ مجملها ثماني عشرة مسألة هي :
* قبول الحق.
* اندثار العلم.
* صحبة العلماء للملوك.
* التجافي عن سكنى الحواضر.
* القول بخلق القرآن.
* الإسلام والتوحيد.
* ما يكفي العالم من الضروريات.
* استفتاء أهل البادية.
* اتخاذ العلم مطية للدنيا.
* السلامة من الخلق.
* ادعاء الورع.
* نهب القوافل.
* إيمان البربر.
* رفض العلماء لمنصب القضاء.
* الشرعية والحكم بالشريعة.
* تبيين العلماء للحلال والحرام.
* الانتساب للتصوف.
وأجوبة أبي علي في هذه المسائل والقضايا، منها م ملأ صفحات عدة، لمنهجه الاستطرادي.
ومنها إجابات موجزة.
وهو في كل ذلك ذو أساليب : تتسم تارة بمنهج الفقهاء وهم يعللون الأحكام.
وتارة بمنهج المحدثين وهم ينفون تحريف الغالين وانتحال المبطلين.
وتارة بمنهج المحامين وهم يبطلون الدعاوي ويقيمون البينات.
ولا يتسع المجال للوقوف على كل الأجوبة، وإنما نكتفي باستعراض بعضها لتقريب الصورة : صورة الحوار بين القمة والقاعدة :
1- حول الاختلاف فيما مجاله الاجتهاد أيام الافتتان بالرأي وعبر عنه في "الكتاب السلطاني" بقبول الحق.6
يقول أبو علي اليوسي : "الحق بالشرع يعرف، لا بالعقل، وقد حكم قوم العقول فضلوا وأصلوا نعوذ بالله، ونعيذ سيدنا من مذاهبهم...7
وعندما يختلط الحق بالباطل، أرشدنا النبي (صلع) إلى المخرج وسبيل النجاة، وهو كتاب الله تعالى، فقد سأل الصحابة : ما المخرج أيام الفتن ؟ فقال : كتاب الله في نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا خلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا : <<إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد>>8 من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مسقيم"9.
من خلال استشهاد أبي علي واحتجاجه، يتضح أنه لا يجيز الاعتماد على العقول فيما يحدث من النوازل لأن ذلك من شأنه أن يثير الشقاق بين العباد، كل يرى الصواب معه ولا يذعن لمخالفيه، في حين أن الاحتكام إلى كتاب الله، يعصم من التشرذم والفرقة، قال تعالى : <<فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا>>10
وقال سبحانه : <<وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله...>>11.
2- حول الخوف من اندثار العلم.12
سر أبو علي بالطرح السلطاني لهذه القضية، فبين أبعادها موازنا بين المجاهدين ودارسي العلم... قال: "جزى الله سيدنا، ومصباح وقتنا خيرا، حيث خاف هذا، وإنه والله هو أشد المصائب وأفظعها، فأي خير في الحياة بعد ذهاب العلم وأهله...13
"وحيث تفطن سيدنا لهذا المعنى واهتم به، فلابد أن نشرحه ونبين دعامته باختصار : إن طلب العلم والاشتغال بالتعليم نوع من الجهاد، بل هو الجهاد الثاني...فنبينا (صلع) حين بعثه الله، بدأ بالثاني، وكان يجاهد في دفع الجهل بالتعليم، بأقواله وأفعاله وتقاريره ولم يشتغل بجهاد العدو إلا بعد ذلك حين أذن له"14.
ووزان أبو علي اليوسي بين المجاهدين ودارسي العلم، وأنهم أصناف ثلاثة حسب نياتهم، وقد أباح لهم الشرع الغنائم، مهما كانت نياتهم، لتقويتهم على المرابطة.
قال : "فإذا فهم هذا في المجاهدين وما يأخذون من الغنائم، فليفهم مثله في المجاهدين في العلم حرفا بحرف فالمشتغلون بالعلم تعلما وتعليما، محتاجون إلى مؤونة وكفاية، يتقوون بها على ما هم بصدده، ولابد أن يكونوا أيضا أصناف كما كانوا هنالك...15
ثم قال بعد ذلك : "والعطايا تطلق اللسان، وتشرح الجنان، وتشجع الجبان، وتنشط الكسلان، وتسر الغضبان، سجية مطبوعة في الإنسان على مرور الزمان".16
لقد أوضح أبو علي اليوسي في هذه المسألة أن العدو عدوان : عدو خارجي وعدو داخلي، وكلاهما يتطلب المرابطة والإعداد، وقد يظن أن حض اليوسي للسلطان المولى إسماعيل على الإنفاق في باب العلم كالإنفاق على الجهاد في الثغور، تشوف منه للعطايا والهبات، فليس الأمر كذلك، إذ من القضايا التي يطرحها الكتاب السلطاني ويتساءل عن تعليلها "تجافي اليوسي وتباعده عن حاضرة السلطان، وكذا ورعه عن هباته".
وبالرغم من وجهة ترغيب أبي علي للسلطان في الإنفاق على العلم وطلابه ومدرسيه، فإن موسري العالم الإسلامي في كل العصور شرقا وغربا كانوا يتحملون نفقات العلوم والمعارف، محتسبين متسارعين إلى الخيرات، فما كانت الميزانية العامة في الأنظمة الإسلامية تتحمل أعباء التعليم، إلا في الوقت الذي صارت المجتمعات الإسلامية هجينة في تصورها واقتصادها بعد أن ناء الاستعمار بكلكله على خيراتها مباشرة أو بصفة غير مباشرة.
3- وحول صدع العلماء بكلمة الحق وتبليغهم لرسالة الله قال أبو علي اليوسي : "لاشك أنه يجب على أهل العلم أن يتكلموا على الحق، ويبينوا الحلال والحرام، لكن فيما يظن قبوله ولا يخشى عليه فتنة، أما ما لا يقبل وتقع الفتنة به، فساقط عنهم، وقد كان يحيى بن يحيى الليثي سأل الإمام مالكا عن الفتن التي تقع في الأندلس، فلم يجبه، فقال : أنا رسول من ورائي، فقال : دع عنك هذا وإني لك من الناصحين.
فهذا الإمام أمسك عما يخشى فيه الفتنة وهو في الحجاز، في حرم المدينة، فكيف بمن كان بين ذراعي وجبهة الأسد".17
وجهة نظر أبي علي اليوسي في هذه المسألة تراعي الظرف الزماني والمكاني، وخصوصية الراعي والرعية، فقد يكون الراعي ممن تفزعهم كلمة الحق، ينطبق عليه قوله تعالى : <<وإذا قيل له اتق الله، أخذته العزة بالإثم>>.18
وقد أفزعت كلمة الحق الحجاج، فغضب من سعيد بن جبير رحمه الله، ونال الشهادة19 فكان معلمة في مجال الصدع بالحق.
وقد يكون الراعي تسره كلمة الحق وإن كانت مرة، فيستزيد العلماء ويرغبهم في تذكيره وتبصيره، كما كان شأن الخليفة العادل : عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.20
وقد يوفق الله العلماء والأمراء للتعاون على البر والتقوى، فيفتح الله على أيديهم، وتنتفع الأمة من تآزرهم كما وقع للعز بن عبد السلام مع سلطان وقته في مصر، حيث كان لذلك التآزر نتائج أذهلت أعداء الإسلام : انتصار على الصليبيين بدمياط وأسر لويس التاسع، وهزيمة للتتار في عين جالوت أوقفت زحفهم وحطمت غرورهم.21
ومن ذلك تآزر عبد الله بن ياسين وأمراء المرابطين على صلاح المغرب وإصلاحه وتوحيده في ظلال كلمة التوحيد، فمكن الله لهم في الأرض.
ومن ذلك مآزرة علماء الأندلس يوسف بن تاشفين، لإعلاء كلمة الله ودحر أعدائه، فهبت ريح النصر، وكانت "الزلاقة" من المواقع الحاسمة في تاريخ الإسلام.22
ومن ذلك مآزرة العلماء لعبد الملك السعدي وأخيه المنصور، وتأطيرهم لكتائب المجاهدين، فكانت "وقعة وادي المخازن" التي أخزى الله فيها من اتخذوا الصليبيين أولياء من دون المؤمنين.23
ومن ذلك التفاف كل فئات المغاربة حول أمير المؤمنين الحسن الثاني المعظم، إذ وفقه الله تعالى بجعل سلاح جحافل المسيرة الخضراء كتاب الله، فكانت مسيرة إيمانية.
<<ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز>>.24
إن التآزر بين الأمراء والعلماء على البر والتقوى، هو نتيجة للشورى والحوار : حوار بين قمة متشوفة للنصح، وقاعدة تبادر إليه امتثالا لتوجيه الصادق المصدق (صلع) : الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.25 
وإن هذا الحوار والمناصحة بين السلطان المولى إسماعيل والعلامة أب علي اليوسي، هو تطبيق لذلك المنهج الرباني الذي شرعه الله لعباده عامة، وللراعي والرعية خاصة، فقال سبحانه : <<ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر>>.26
ولقد كان المولى إسماعيل يرغب في النصيحة ويتشوف إليها، قال أبو علي اليوسي : "وكنا كثيرا ما نرى في سيدنا التشوف إلى الموعظة والنصح".27
إن المولى إسماعيل، وأبا علي اليوسي، وهما يتبادلان الحوار والمناصحة، صيانة للمجتمع المغربي المسلم، ودرءا لكل مفسدة : كانا يستحضران الهدي النبوي الشريف : "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن سيبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لهم".28
وإنه لحوار بين قمة مسؤولة، وقاعدة يقظة، حوار يذكر الخلف بمآثر السلف، لمواصلة المسيرة : مسيرة الإيمان، ومسيرة النماء.


1  سورة النحل آية 125.
2  سورة المائدة آية 80- 81.
3  الرسائل الثلاث وغيرها من رسائل العلامة اليوسي، الأستاذة فاطمة خليل القيلي ط دار الثقافة بالبيضاء81.
   ووصف الرسالة الثانية ببراءة اليوسي يحتاج إلى إعادة النظر، إذ موضوعها كموضوع الرسالة الثالثة : ندب الملوك للعدل : وهي منشورة بالاستقصا ج 7 ص 82. ط دار الكتاب بالبيضاء 1956.
4  ذكر اليوسي أنه أمر بذلك من لدن السلطان في موضعين ص 133 ص 232 ج 1 رسائل أبي علي اليوسي.
5  يقول اليوسي : فتكلمت على ما لابد منه، وتركت من الكلام أكثره لعدم الحاجة إليه ص 232 ج 1 نفس المصدر.
6  ص 133 ج 1 نفس المصدر.
7  ص 134 ج 1 نفسه.
8  سورة الجن آية 1، 2.
9  رواه الترمذي في فضائل القرآن من سننه : الباب الرابع عشر، ورواه الدارمي في نفس الباب من سننه، ورواه أحمد في سنده ج 1، ص 91 نشر م. الإسلامي قال الترمذي : رواه الحارث الأعور عن علي مرفوعا، والحارث فيه مقال. قلت : كذبه اشعبي في رأيه لتشيعه، كما في التقريب ج 1، ص 141، ووثقه يحيى بن معين كما في ميزان الاعتدال ج 1، ص 141.
10  سورة النساء آية 58.
11  سورة الشورى آية 8.
12  ج 1 ص 137 رسائل أبي علي اليوسي.
13  ص 137 ج 1 نفس المصدر.
14  ص 139 نفس المصدر.
15  ص 140 نفسه.
16  ص 141 نفسه
17  ص 226 نفسه.
18  سورة البقرة آية 204.
19  تذكرة الحفاظ ج 1 ص 76، 77، رقم تـ : 73.
20  تذكرة الحفاظ ص 119 ج 1، رقم تـ : 104.
21  طبقات الشافعية للسبكي ج 5 ص 80- 105  مصورة دار المعرفة بيروت.
   -  مرآة الجنان ج 4، حوادث سنة 648.
   -  حسن المحاضرة ج 2، ص 40 ط مصر 1321 هـ.
22  الاستقصا ج 2 ص 8 – 10 ، ص 31 دار الكتاب بالبيضاء.
23  ص 70- 78 نفس المرجع.
24  سورة الحج آية 38.
25  روه مسلم في الإيمان 95 مستندا، والبخاري في آخر الإيمان معلقا.
26  سورة آل عمران آية 59.
27  الاستقصا ج 7 ص 82  نفس. ط.
28  أخرجه الترمذي في الفتن 9 وأبو داود في الملاحم : 17، واللفظ للترمذي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here